Friday, December 26, 2014

هذا المساء صاخب جدًا من بعيد


أنا أيضًا أصبحت مهووسًا بمراسلة الأشخاص الوهميين، لأن في هذه المراسلات مزايا لا تتوفر لغيرهم، مثل أنّني أحصل دائمًا على الردود التي أريدها في الوقت الذي أريده، لأنهم ملتزمين بمواعيد منضبطة للرد على رسائلي، لذلك فإني أبدًا لم أنتظر.
ذات ليلة وصلت واحدة من هذه الرسائل إلى إنبوكس الفيسبوك، وكانت فارغة، رغم أني انتظرت أن تكون "شكرًا لاهتمامك، لكني بخير"، وبدأت في الارتباك حينها، وتشتّتُ بين ما يريده هذا الشخص الوهمي وبين ما أريده أنا. هناك في الحقيقة أعدادً لا تُحصى من الأشخاص الوهميين الذين أراسلهم، بينهم شبكة مُحكمة من العلاقات الوهمية، أرسلت لأحدهم لأستفسر عمّا جرى للأول، وكان الرد مثلما توقّعت: "لقد ظنّ أن هذا هو الرد الذي أردته"، بعدها توالت الرسائل الفارغة في الوقت الذي كنت أنتظر فيه رسائل من نوع: "نحن بعيدون جدًا"، "لا داعي للقلق، هذه أمور تحدث"، "لك هذا، وشكرًا"، "نعم هذا المساء صاخب من بعيد".. ورسائل أخرى كنت أنتظرها، حتى وصلت آخر رسالة مكتوبة: "لا داعي لأن تتحوّل لشخص وهمي، لأن قراءة الرسائل الفارغة أسهل مما تظن". حاولت أكثر من مرة قراءة هذه الرسائل، لأني اعتقدت أن فيها بالضبط ما أريده، لذلك فكان سعيي من خلالها لمعرفة ذلك الذي أريده. خصصت في البداية ساعتين لتعلّمها، ثم وجدت أن الأمر جد صعب، وليس من السهل الحدس بما تحتويه رسالة فارغة، تخلّيت عن معظم أنشطتي اليومية، وخصصت معظم اليوم في قراءة هذه الرسائل. ومع الوقت أصبحت أطالع الرسائل الفارغة أكثر من غيرها محاولًا قراءتها وفك شفرتها، حتى أنني غيّرت مهنتي على صفحتى الشخصية من "مهندس" إلى "قاريء للرسائل الفارغة"، وكنت أنتظرها منهم كل مساء، وكانت تأتي بانتظام. كانت خبرتي في قراءة هذه الرسائل تزداد يومًا بعد يوم، وأصبحت كل رسائلي التي أرسلها فارغة، واكتشفت أن هذه الرسائل تحمل دائمًا كل ما أود كتابته، وما أود قراءته، في إحدى رسائله الفارغة قال لي أحد الأشخاص الوهميين:




                                            ).
ولسبب ما كنت أشعر بالسعادة، لأني أخيرًا أصبحت أتقن قراءة الرسائل الفارغة.

Monday, November 3, 2014

أسطورة أقفاص المانجو


وهكذا فقد أصيبت البلدة بمرض شراهة أكل المانجو، ولم تخل أحاديثهم من ذكر فوائدها الجمّة، وعلى ذلك انتشرت شائعة تقول أنها تقي من كل الأمراض إلا مرضًا واحدًا لم يعرفه أحد أبدًا، لكن لأنهم لم يعرفوا ذلك المرض، فقد تناولوا المانجو بشكل هيستيري، أدّى لانخفاض سعرها لدرجة أن صار ثمن القفص الواحد جنيهين فقط، وقد أراد أحد المزارعين توزيعها بالمجان على أهل البلدة، لأن وجود خمسمئة وست وتسعين قفص مانجو في بيته، يزيد احتمالية إصابته هو وعائلته بذلك المرض المجهول، لكن التجار الصغار- الذين يبيعون القفص الواحد بجنيهين- أزمعوا على أن يقتلوه لأنه سوف يفسد تجارتهم وحرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد. لكنهم مع الوقت- وتحت تأثير المانجو الساحر- كانوا قد أُصيبوا بتخمة لذيذة، أقعدتهم عن خطتهم للتخلص من المزارع الأهوج، وأنهم أنفسهم اكتشفوا حقيقة أن لا أحد باستطاعته أن يتخلص من كل أقفاص المانجو الموجودة في البلدة، لأن وفرة المانجو في القرية تفوق قدرة أي مزارع تحدوه أي نوع من النوايا الحسنة للتبرع بمحاصيل المانجو لديه، فاقت المانجو كل النبل داخلهم، أو بمعنى آخر هزمت هذا النبل لصالح تخمتهم. حتى أن المزارع تكاسل عن توزيع أقفاص المانجو التي في بيته، وقرر أن يأكلها هو وزوجته وبناته الستة عشر. كنّ جميعهن لا يرون إلا بعين واحدة بسبب مرض وراثي، وقد أدّى ذلك أن أصيبت الفتيات بالحقد والطمع، فلم تستطع واحدة منهن أن ترى ثمرة المانجو التي في يدها، وإنما التي في يد أختها، فلم تأكل واحدة منهن المانجو المقررة لها، وإنما ظللن ينظرن إلى الثمرة التي في اليد الأخرى، لكن الشراهة الزائدة عن الحد، جعلت والديهما يتناولان وحدهما كل أقفاص المانجو، لفض هذا العراك الصامت بين فتيات لا ترى إلا بالعين اليسرى، وفي حين كان الأب يرى باليمنى والأم ترى باليسرى، فلم يجدان أية غضاضة من الأكل سويًا بدون حقد، لكن الفتيات أصيبت في النهاية بالحقد المميت، حتى نفذت كل أقفاص المانجو وتعطّنت الثمرات التي بقيت في أيديهنّ، وأصيب الوالدان بتخمة، جعلتهما مثل فقمتين بعين واحدة. كانت أسقف المنازل في البلدة تتساقط منها حبات المانجو التي توقف الناس عن الخروج لشراءها، لوصولهم لمرحلة متقدمة من التخمة أصبحوا معها غير قادرين على النفاذ من الأبواب، وصاروا مع الوقت خائفين أكثر من المرض المجهول الذي لم يُصب به أحد حتى تلك اللحظة.

Tuesday, October 28, 2014

زُمُردياتشا

صانع الحقائق الخرافية

لم يكن الزٌّمرّدي ليطيق سماع أية كلمة تشكك في معرفته، حتى كلمة "حقًا" التي يقولها الواحد منا تعبيرًا عن الدهشة، يأخذها هو على محمل الجد، وقد يقاطع أي أحد بسبب كلمة كهذه، لذلك فقد كان كل المقربين منه يتحاشون استخدام قاموس التشكيك هذا حتى صار كل ما يقوله حقيقة مطلقة في نظره، فأصبح يُسهب في الحقائق، حقيقة تلو الأخرى، إسهابًا غير محدود، وامتنع الجميع عن إطلاق كلمة "حقًا" أو "هذا سخف"، وفي المقابل استعملوا ألفاظًا من قبيل "رائع" "أنا مندهش"، أو "حسنًا، هذا صنع يومي" وقد تلقى كل هذه الكلمات بثقة حقيقية، ولم يكن ليشكك هو في نفسه، التي صارت الحقائق بالنسبة لها مطابقة للوهم بالنسبة لغيره، وقد يطلق نكاتًا، فلا يضحك أحد لأن النكتة لابد أن تكون حقيقية والضحك عليها قد يحيلها إلى واقعة مختَلقة. واكتفي الجميع بتأمل نكاته التي كانت في الغالب سخيفة.
ومع مرور الوقت -وباعتبار أن هناك أوقاتًا يخلو فيها إلى نفسه- فقد اعتاد الجميع على ذلك، وهكذا فقد صارت "حقائقه" غير قابلة للجدال، وقد أثر ذلك في نفسه بلا شكّ، التي افتقدت إحدى المزايا للنفس الإنسانية وهي القدرة على تبرير الكذب، واندحر ضميره إلى مرتبة متدنية من مراتب النفس. وحين حكى قصة تبدو خرافية بطريقته الساحرة في الإلقاء، تلقّاها البعض باعتبارها حقيقية مندفعين في ذلك بحماسهم الشيق وظمأهم الدائم لحقائقه المدهشة الواعدة، في حين رفض آخر ذلك، لأنه لم يكن يعرف بعد قوانين سماع الحكايات، فهو قد سمع بأن رجلًا يحكي وقائعًا هي الأكثر إدهاشًا في هذا العالم، فذهب ليسمع منه مباشرةً وكان على قدرٍ معقول من المعرفة، وحين اعترض بأسلوب لا يتنافى مع الطريقة المهذّبة في المعارضة لم يقل حتى "حقًّا؟" وإنما اعترض بأن قال "هذا ضد الطبيعة" وهو بحق لم يكن يريد من وراء هذا الاعتراض سوى تبادل الآراء، مع قابلية غير محدودة في سماع وجهات النظر، لا تحدوه أيّة نوايا خبيثة.
فردّ عليه الزٌّمرّدي باستخفاف: أنا الطبيعة!
وتم طرده من المجموعة في موقف مُهين، كانوا على وشك الانفجار في نوبة ضحك للطريقة التي تم طرده بها لكنهم تذكّروا أن هذه حقيقة ماثلة أمامهم، فتأملوها كثيرًا. في حين خرج هذا الرجل مُحمّلًا بقدرٍ من الإهانه سوف تؤثر عليه كثيرًا فيما بعد، متفكرًا في حقائق الزٌّمرّدي بقدر مماثل من الازدراء والكره.
وقد جّرت عليه حكاياته الخُرافية الأسئلة تلو الأخرى- في سابقة ربما ربما لن تتكرر كثيرًا فيما بعد- وكان يجيب عليها جميعًا لتبدو منطقية، مُشكِّلًا بذلك عالمًا خاصًا لحكاياته ووقائعه في شبكة مُحكمة من العلائق والأسباب، وقد أحبَّ الناس ذلك، وتناقلوها بصدق مماثل، وهكذا فقد انتقلت هذه العدوى من شخصٍ إلى آخر، إلى أن مات الرجل، مخلفًا وراءه مئات الحكايات الخرافية، بكى عليه كل من عرفوه، استعادوا حكاياته، ثمّ قرروا جمعها في كتاب واحد أسموه "زُمردياتشا".


لماذا المُحرّمة

وربما الشيء الذي يُحسب له بعد موته هو اختفاء كلمات "حقًا؟!" و"أنا لا أصدق" وما شابههما، وذلك بعدما قرروا أن يحذّروا في مقدمة الكتاب من ذكر هذه الألفاظ أثناء قراءته في قائمة تضم حوالي ألفين كلمة بمشتقاتها، مما طبع في أذهان الأبناء الذين لم يحضروا الزٌّمرّدي أن كلمات كهذه لها مدلول سيء مثل الشتائم، وقد اعتبرت كلمة "لماذا" مثلًا هي المعنى اللغوي لانحشار العضو الذكري للكلب في الكلبة، وهذا بالطبع ساعد الصغار في تقبل الأمور مبكرًا وتناقلوا ذلك باعتباره واحد من اكتشافاتهم الخاصة التي لا يطّلع عليها الكبار، فقد يقول طفل لصاحبه وهما يشاهدان كلبان في هذا الوضح الحرج: "انظر إلى هذا اللِّماذا!" لذلك فقد مُهِّدت الأمور لتتحول فيما بعد من المنع إلى التحريم، لأنه لا يجوز التعليق على قصة من قصص الزمردياتشا الغير مشكوك في حقيقتها باعتبارها انحشار العضو الذكري للكلب في فرج كلبته... ولا يخطرن في بال أحد أن تحريم هذه الألفاظ شجّع على اختلاق المزيد من الأحداث الخُرافية التي يسهل تصديقها الآن، بل على العكس، تم اعتبار أنه ليست هناك سوى حقيقة واحدة وهي تلك التي قصها الزٌّمرّدي، وهكذا فقد علِق الناس جميعًا بين الزُمردياتشا والحقيقة التي نسوا ملامحها منذ ذلك الزمان البعيد. وقد أصبح من المسلّم به أن الزُمردياتشا هو كتاب القرية المُقدس، ليس فقط لحكاياته الخرافية البارعة في حَبكتها، بل أيضًا لأن شيوخ القرية المعاصرين للزٌّمرّدي، استطاعوا بحكمتهم التي يفرضها عليهم العمر والمشيب، أن يقنعوا القرية بكل ما جاء في الزُمردياتشا، فضلًا عن تلك الهالة التي صنعوها حول رأس الزٌّمرّدي، وكانت القرية تعتبر شيوخها هم أجلّ ما يمتلكون، والأجدر بالثقة الغير مشروطة. ولما دُفن آخرهم لم يع أحد في جنازته المهيبة، أنهم سيهيلون التراب على آخر شاهد للحقائق القابلة للجدال.

زُهير

وبتدريس الزُمردياتشا في مدارس القرية، فقد كانت كلمات الإجلال والتعظيم هي المسموح بها فقط أثناء الدروس، رغم أن هذه القاعدة تم التساهل بشأنها فيما بعد ثم نسيانها، فلم يعد أحد قادر على نطق كلمات الرفض، لأنها تم حذفها نهائيًا- كما "أوصى" بذلك الزمردي- من قاموس اللغة، ولم يكن المُعلّم وهو يعيد إحدى قصص الزُمردياتشا حتى ليفكر في مراقبة تلاميذه للتأكد من إتباعهم التعليمات، فقد صار ذلك أمرًا مفروغًا منه، حتى أنّهم بالفطرة ابتكروا طريقة للتعبير عن طواعيتهم المفرطة تتمثل في هز رؤوسهم لأعلى ولأسفل بطريقة آلية تعبيرًا عن إيمانهم الصادق وولاءهم الأعمى. وكان تمجيدهم للزُمردياتشا يمر بمرحلة خطيرة، حين كان أحد الطلاب واسمه زُهير يراجع قصص الكتاب في المنزل وهو مندفع بطريقة استباقية للإعجاب بما هو مكتوب حتى بعد تكراره وإعادة حفظه لها، فانهار في نوبة بكاء لم يعرف مصدرها، تكررّت كثيرًا فيما بعد، ولم يستطع فهم أنه كان في حاجة ماسة لأن يصرخ بكلمة "حقًا" أو "لماذا" اللتين تم حذفهما من القاموس اللغوي مع كلمات أخرى معارضة، فكان يلجأ لأحد أركان الغرفة ليقف في مواجهته مستسلمًا لبكاءه المجهول، وحين عجز أبوه عن فهم هذا التغير الطاريء قرر أخذه لطبيب البكاء في القرية، وهو تخصص تم ابتكاره من أجل علاج حالات البكاء الإنهيارية تلك، بعدما كثرت في القرية لسبب بدا للجميع مجهولًا، وبعد تشخيص مرضه أعطاه الطبيب البُكائي قصة للزمردي لم يقرأها زُهير من قبل وأوصاه بقراءتها يوميًا وحين تواتيه حالات البكاء الإنهيارية.
وفي البيت قرأ زهير القصة الجديدة، ورغم ما اعتور نفسه من يأس وقنوط، إلا أن مقدارًا يسيرًا من الشغف أعاد إليه بعض الحياة وهو يطالع قصة جديدة لم يقرأها للزُمردي من قبل، وشيئًا فشيئًا وجد نفسه مُستمتعًا معجبًا بالقصة، ونسى بكاءه واعتبره شيئًا كان غير مفهومًا، ويجب أن ينساه لأنه لن يفهمه أبدًا، مستمتعًا بالقصة التي تحكي عن قردين مارسا الرذيلة فأنجبا إنسانًا عقابًا لهما، ليمارس الرذيلة مع فتاة لينجبا قردًا، الذي مارس الرذيلة مع قردة فأنجبا إنسانًا.. وهكذا، إلى أن امتلأت الغاب ببشر وقردة مهمتهم تأصيل الرذيلة، وكان واضحًا من القصة أنّها تدعو لتحريم الزواج من العمّة أو الخالة، وما غير ذلك مما أفرد له أحبار الزمردية في شروحاتهم. ورغم رتابة القصة التي تتكرر باستمرار على هذا المنوال إلا أنه كان مستمتعًا لأنها جديدة، فكان يقرأها باستمرار لمّا لمس في نفسه ميلًا إلى البكاء مجدّدًا، حتى فقدت القصة كل بريق جدّتها، إلا أنه لم يتخلّ عن اندهاشه الاستباقي باقتناع- اقتناع مماثل بأن نفسه عليلة ودواؤها يكمن في الزمردياتشا، لكنه لم يستطع أن يكبح نفسه وانهار في نوبة بكاء انهيارية. وبذهابه إلى الطبيب البكائي مرة أخرى، فقد أوصاه بقصة ثانية لم يقرأها من قبل، وظل على هذا الحال، يقرأ قصة بتكرارها مئة مرة، حتى ينهار في نوبات بكاءه الإنهيارية، فيوصيه الطبيب بقصة جديدة للزُمردي، وصار مع الوقت مُدمنًا لهذه القصص، خبيرًا بها، يعرف كل تفاصيلها وقواعدها، فتم تكريمه من حاكم القرية الذي اعتبره في خطاب التكريم واحدًا من أفضل علماء الزمردياتشا منذ وفاة "العظيم الزمردي".

الموجة الثانية

 كان مقتنعًا مؤمنًا بكل تفاصيل حياته بنفس قناعته بحقائق الزمردي التي تعلم في صغره كيف يؤمن بها، حتى أنه –وبتشجيع من حاكم القرية- أنشأ مدرسة خاصة لتعليم الزمردياتشا، كان هدفها الأول تحقيق المُعادلة الصعبة: قراءة الزمردياتشا باستمرار دون التعرض لحالات البكاء الإنهيارية، مستلهمًا القوى الموجودة في قصص الزمردي، والتي يمكن قراءتها كل مرة بطريقة مختلفة لتوحي بأنها قصة جديدة، لأنه كان يعرف أنه في يوم ما سيتعرض الأبناء لحالات بكاء انهيارية دائمة بعد قراءة كل قصص الزمردياتشا وتكرارها، فمثلًا عند القراءة الأولى لقصة "تأصيل الرذيلة" يكون الهدف منها استكشاف لغوي، والقراءة الثانية استكشاف سردي، والقراء الثالثة اسكتشاف موضوعي، وهناك استكشافات علمية واجتماعية وأخرى لا حدود لها شاملة كل الجوانب العلمية التي تأسست على الزمردياتشا. وعلى هذا فقد ماتت كل آلامه الأولى في قلبه لكنه لم يتطهر من هذه الآلام الميتة أبدًا، فلم يعرف يومًا لماذا كان يبكي صغيرًا، بل اعتبر ذلك ضعفًا في نفسه التي لم تكن تدرك عظمة الزمردياتشا.. وتأسس على هذا التطور في شخصية أحد أكبر المهتمين بكتاب القرية المقدّس- بعد الزمردي، تطورات أخرى في القرية، يمكن اعتبارها شاملة، بلغت خطورتها أن تمت مقارنتها بأن الزمردي نفسه لم يكن يخطر في باله ما سوف يكون عليه الحال في القرية من بعده.
ولهذا الدور الذي لعبه زُهير في تشكيل وعي القرية، عيّنه الحاكم نائبًا له، مع صلاحيات كاملة في شئون التعليم. بعد يومين من هذا التعيين تم اعتبار يوم الخامس من فبراير من كل عام هو عيد البكاء للقرية، بعدما كشف في إعلان استدعى فيه كل سكان القرية، أن حالات البكاء الإنهيارية التي تنتاب الصغار والمراهقين ما هي إلا إشارة زمردية بـ (الحلول) داخل النفس المؤمنة بكل تعاليم الزمردي، واستشهد بنفسه قائلًا: لولا بكائي وأنا صغير ما صرت مُنعمًا بكل ذلك الإيمان الذي أنا فيه الآن.
ورغم هذا القرار الرسمي المُلزم على الجميع فإن سكان القرية فضّلوا الاعتقاد بأن السبب الحقيقي وراء ذلك هو نقص في إيمانهم، لأن هذا هو التفسير الوحيد لتلك العواصف السوداء التي تجتاح نفوسهم بلا أي نذير أو سبب مفهوم، ومع ذلك فلم يعترضوا بأن يُضاف إلى أعيادهم عيد جديد. استمرت المدرسة في أسلوب تعليمها الاستكشافي وأصبح طبيعيًا أن يُرى تلميذًا وهو يبكي فجأة داخل الفصل بلا اعتراض أو تدخّل من هيئة التدريس، وكان زهير كان قد اعترف داخل نفسه أن البكاء الإنهياري لا مفر منه بأية طريقة كانت، وأنه قدر كُتب على البلدة، وبذل جهدًا غير قليل لإقناع نفسه بأن ذلك حسن، لا نذير شؤم. لكن ذلك لم يُثر في داخله أية أسئلة كانت لها أن تُثار قديمًا.

الدمّاعون الثلاثة

كان ملحوظًا أن هناك طالبًا واحد لم يبك قط، وكان محل شكٍ من هيئة التدريس، التي كانت قد تسلّمت التعليمات من نائب الحاكم، بأن من لا يبك فهو مُتطاول على الزمردية، متآمر عليها، لكن أحدًا لم ينتبه إلى أنه كان متأثرًا بطريقة أخرى، فقد كان مريضًا بالإمساك المُزمن في أعسر درجاته، ولذلك فقد كانت كل دموعه تتفرغ في دورات المياه وهو يعاني من هذا المرض، وشيئًا فشيئًا أُصيب بالخرس في إحدى هبّات البكاء الإنهياري وهو عاجز عن البكاء. حاول أن يشرح ذلك لهيئة التدريس بإشارات من يديه، فتحوّل مجلس التأديب الموقر، المُخوّل باختبار إيمان الطالب، إلى عرض كوميدي ساخر لم تتمالك فيه الهيئة نفسها من الضحك، وهي ترى الطالب يشير إلى مؤخرته وهو يتلوّى مثل المُهرج محاولا شرح مُعاناته مع الإمساك، وكيف أنه استنفد كل دموعه في دورات المياه.
لكن روتينية المجلس سمحت بتخفيف العقاب عليه ففصلته من الدراسة لمدة أسبوع واحد فقط، وكانت ورقة القرار مُبتلة بدموع أعضاء الهيئة التي انهالت عليها من الضحك. وفي المنزل لم تعترض أمه التي كانت مُصابة مثله بمرض الإمساك المُزمن فأصبحت قعيدة في البيت وكفيفة، لكن أخته اعترضت، وكانت ترفض مثل ذلك الإذعان المقهور لقرارات غير مسئولة، فقالت في قهر، من خلف باب دورة المياه: لن يكون الإمساك وأعضاء هيئة التدريس علينا! وفكّرت لو أنها من الممكن أن تُعبيء دموع أخيها في عبوات زجاجية، لمقايضتها بتعليمه، لكنها لم تُقدم على ذلك وإنما كانت فكرة هذيانية عابرة تستعين بمثلها لإلهاءها عن آلامها المُريعة؛ أفكار كلها لا تمت بصلة لألمها، حتى أنها تفكّر بجدية خارج دورة المياة أن تُجري عملية جراحية كي تُحوّل مسار بُرازها ليخرج من صُرّتها، ولكن في دورة المياه، تأخذ في عد الخطوط المتوازية لبلاط الأرضية ثم جمعه أو طرحه من الخطوط المتوازية لبلاط الجدار، أو تتنبأ بنسب الصراصير الصغيرة بالصراصير الكبيرة، فتقول هذا ابن ذاك وتلك أم هذه، أو تحاول أن تتذكر ماذا تناولت في وجبة العشاء منذ عشرة أيام ومن كان معهم.. تفعل كل ذلك أثناء انهمار دموعها من الألم وانحشار برازها الأحمر من الدم.
لم تكن رائحة القذارة هي ما تنبعث من حمّامهم، بل كانت الملوحة من كثرة انهمار الدمع فيه. وفي أحد الأيام دوّت صرخة مروّعة من خلف باب الحمّام، لم يتعرف أحد على صاحبها، لكنهّا كانت من الرّوع بحيث أن صداها ظل محبوسًا داخل جدران الحمام، ويكفي أن يضع أحدهم أذنه على الجدار حتى يسمع الصراخ من بعيد. وحين عرف زُهير حكايتهم بعد وفاتهم جميعًا في هذا اليوم، قرر تحويل دورة المياة لمصلى تُمارس فيه شعائر الزمردية، وقام بعمل توسعة للبيت، مع الاحتفاظ بدورة المياه في مركزه، وكان ذلك أول مصلى تُمارس فيه هذه الشعائر باعتبارها ديانة القرية الرسمية والوحيدة.
ولم ينقطع الماء المالح عن المبولة أبدًا ولم يعرف أحد مياهًا مالحة بطعم ونقاء الدمع في أية مبولة أخرى مثل مبولة الدمّاعين (وهو اسم تم إطلاقه على القديسين الثلاثة المُصابين بالإمساك) ومع الوقت فقد تم إسباغ قداسة على هذا المكان، بدأت بقداسة رسمية ثم تحوّلت شيئًا فشيئًا -دون إدراك من أحد- إلى قداسة شعبية، فكان الزمرديون يحجونه قاصدين مبولته للنهل من ماءها المالح النقي، مقتنعين اقتناعًا كاملًا أنه قادر على الشفاء من جميع الأمراض.
وكان واضحًا أن الخيوط المُتشابكة التي بدأها الزمرديّ في حكاياته آخذة في التطوّر الذاتي، حتى أنه في يوم الخامس من فبراير قد أصبح الذهاب إلى المبولة أمرًا مُكمّلًا لاحتفالات عيد البكاء فيتزاحم الناس حولها محاولين حجز لتر أو لترين منها لأمانيهم -حسب الحجم والألم، فمن كانت أمنيته الزواج، يحاول حجز نصف لتر، ومن يريد أن يُشفى من مرضٍ لديه يحجز لترًا، ومن أراد أن يعرف لماذا هو يعاني بلا سبب، فكان يحجز لترين، أما هؤلاء الذين يُعانون الإمساك فقد كانوا خارج قائمة الأماني.
وخارج المبولة، وعند انتصاف النهار تمامًا وتعامد الشمس على شرفة المصلى، كان الناس ينتظرون ظهور زهير، وقد ناهز عمره الستين، بكل ما يُسبغه ذلك العمر من مهابة ووقار، وفوق ذلك حكمة زمردية لم يستطع أحد منافسته فيها حتى زمن بعيد، لذلك فقد كان قديسًا بحق، لم ينقصه سوى بعض المعجزات، والتي سوف يتولى صياغتها عنه بعض المجهولين، ومثلها مثل الزمردياتشا، سوف تنضم إلى قائمة مقدسات القرية باعتبارها حوادث حقيقية، مثل أنه نظر يومًا إلى الشمس وقت الغروب فجعلها ترجع إلى كبد السماء، أو أنه كان يقف داخل الشرفة باكيًا فيتقاطر الناس تحتها لتلقي دموعه التي تشفي، مثلها مثل المبولة المقدسة من جميع الأمراض، فاستحق زهير بذلك لقب الأب الثاني بجدارة، لكن هذا اللقب لم يفكر أحد أبدًا في إطلاقه أثناء حياته.. كان زهير على وشك الخروج وقد امتلأت بطون عامة الناس بالدموع، وكان واضحًا أن الساحة قد امتلأت بأناس متلهفين وراء أمانيهم، أمّا البقية، والذين يُعانون من الإمساك بطبيعة الحال، فقد بقوا في منازلهم، ليس فقط لأن الشفاء من الإمساك خارج قائمة الأماني، ولكن أيضًا لأنهم غير قادرين على الحركة.

الداء: زمن

وفي وسط هذه الجموع الغفيرة انتظرت امرأة في قامة سنجاب صغير، تشبه رأس سلحفاة عجوز، تُعاني من فُقدان الشعور بالزمن، وتشكو من أن أحدًا لا يفي بوعوده، لأنهم يعرفون أنها فاقدة الشعور بالزمن ودائمًا ما يؤجلون مواعيدها إلى حين انتهاءهم من هؤلاء الذين يعرفون كم مضى من الوقت، وكانت إذا سألت أحدهم عن الوقت وتلقّت ردّين مختلفين فإنها تُجري قرعة لمعرفة الوقت الصحيح لتحاسب المتأخرين، وبهذا فإنها كانت تعيش في دائرة مُفرغة، فبالقرعة تستطيع ان تحدد أن اليوم هو السادس من مارس وبعد شهر يصبح، بالقرعة أيضا، السادس من يناير، ولم تكن تمثل لها هذه التواريخ شيئًا في الواقع، وإنما فقط توصّلت إلى حيلة القُرعة لتتمكن من إصلاح نوافذ منزلها المُهترئة، التي لا يأتي النجار لإصلاحها، فتستطيع بذلك أن تُحاسبه على تأخيره. وكانت جارتها التي تُشبه القنفد هي من فاتحتها في  معاناتها تلك بصراحة متكتّمة، وأن طريقة معرفة الوقت بالقرعة، ما هي إلا طريقة يائسة من شأنها أن تُفسد مزيدًا من النوافذ، قالت لها ذلك حين كانت تخيط إحدى عباءاتها، وقد أخذ طولها في التزايد حتى ظنّت في نهاية الأمر أنها تحيك تعريشة للبيت لا عباءة نوم، ولما سمعت منها هذه الملاحظة، قالت: لا أعرف، وظلت تحيك العباءة في تفان من بدأها لتوه لا من بدأها منذ عشر سنوات، فقالت لها جارتها: اذهبي إلى ساحة العيد، واحجزي لِترين من الدمع.
وفي الوقت الذي زمجر فيه الجميع من تأخر خطبة زهير، أخذت هي في تأنيبهم بصوت حاولت رفعه ليتخطى قامتها القصيرة الغارقة أسفل السطح الهادر بأصوات مُطالبة بخطبة العيد.
ومع تأخر خطبة زهير حتى اقتراب غروب الشمس، كانت هي الوحيدة التي ظلت في الساحة تنتظر. توقّعت جارتها ذلك فجاءت لتنبهها أن الزمن يجري، فقالت: لا أعرف، وكانت تشكو من أن الجميع كانوا يزمجرون، لكن جارتها أخبرتها في إشفاق أن النجار كان قد وصل لإصلاح النوافذ لكنه رحل بعد أن انتظر بعض الوقت، ثم قالت "لا أعرف"
وكان واضحًا من صوتها ومن طريقة مشيتها ومن تكرارها كلمة "لا أعرف" وتوحدها مع نفسها، أنها سوف تموت بعد يومين على الأكثر.
في مساء ذلك اليوم انتشر خبر وفاة زهير، وشهدت القرية حالة حزن، سرت رائحتها في كل مكان، وتوغّلت في أعمق النفوس الضائعة في حالات البكاء الإنهيارية، وماتت السيدة فاقدة الشعور بالزمن بعد يومين، والتبس الأمر على جيرانها، ولم يعرف أحد إن كان موتها حزنًا على زهير، أم لأنها كانت غارقة في حالة فقدان الشعور بالزمن، لكنها لو أمكنها أن تتكلم لتوضّح السبب الحقيقي لموتها لقالت "لا أعرف".
بدأ الجميع في ترتيل عِظة الموت المُدوّنة في الزمردياتشا، والتي تحكي أن الموت كان يتشبه أولًا بالمؤمن الذي سوف ينتزع روحه ليتقاسم معه شئون الحياه، فيشعر الرجل أنه استراح من بعض همومه، فيطلب من الموت –وهو لا يعرف أنه الموت- أن يحمل عنه مزيدًا من الهموم والمسؤوليات فيرحب الموت، إلى أن يفقد كل صلته بالحياة ومسؤولياتها تدريجيًّا ليشعر بعدم جدوى استمرارها، فيطلب من الموت أن يموت، وتنتهي القصة بموته بإرادته، ولم يكن لدى الجميع شكّ في أن زهير مات بعد أن وفّى كل واجباته، وأنه من طلب الموت، وقد أضاف البعض أن الموت ألحّ عليه في أن يعفيه من هذه المسؤولية الثقيلة، لكن زهير كان مصمما.. وقيل أن الموت قد مات بعدها، ومن أكمل مهامه من بعده، هو الحياة، الذي أثقل على الناس مسؤولياتهم، وهو أيضًا من بثّ في القرية رائحة الحزن على زهير، كل ذلك عرفته القرية في شيء من الإيمان والتفاني. وتشتت البعض بين الحياة والموت، لكنهم كانوا مؤمنين بزهير قبل أي شيء. وبينما هم غارقين في حالة حزن وكآبة، لما بثّته الحياة فيهم بثقلها، فقد ظهرت أول مُعجزة لزهير، تقول أنه في ذلك اليوم أمر الشمس أن ترجع لكبد السماء بعد أن غربت ليتمكن من إلقاء خطبته الأخيرة، إلى حين انتهاءه من مجادلته مع الموت. لكن لأن الجميع قد رحل في ذلك اليوم مبكرًا من دون أن يتأكدوا من موقع الشمس، فلم يقدم أحد إعتراضًا مُقنعًا، أو فقط ليقول: أنا رأيت الشمس وقت الغروب. لكن تطوّعت واحدة من النساء وقالت: أنا رأيتها وقت الغروب ولم ترجع إلى أي مكان آخر. لكنهم لم يصدّقوها، لأنها تشبه القنفد، ولأنها امرأة في الأساس، وعندما أخبروها أن شهادتها لابد أن تكون مدعومة بشاهد آخر على الأقل لأن الآراء المُعارضة لا يمكنها أن تكون مُقنعة وحدها، دلّتهم على جارتها، لكنهم أدركوا خبثها أخيرًا حينما اختارت امرأة فاقدة للشعور بالزمن، وقالت هذه: لا أعرف للمرة الأخيرة وكانت خائفة من أعداد الناس الذين ينتظرون شهادتها باهتمام، وكان ذلك كفيلًا أن ينتشلها من توحّدها مع نفسها ليلقيها في جوف عالم مضبوط على عقارب الساعة، يسألها أصحابه متى غربت الشمس، فكانت "لا أعرف"ـها الأخيرة هي الأكثر تشتتًا والأقل يقينًا. ثم ماتت بعد ذلك وهي تتجرع لتْريّ الدمع على أنه ماء، ولفوها في عباءتها التي ظلت تحيك فيها لمدة عشر سنوات، في اعتقادٍ أنّ لا أحد يتفانى في عمل ممتدٍ كذلك إلا من أجل موته. كان النجار، والذي كان يعاني من الإمساك المزمن، هو الثالث الذي شاهد غروب الشمس، لكنه لم يدر بتفاصيل الواقعة لأنه ظلّ محبوسًا في دورة المياه منذ ذلك اليوم، حتى أنه، وبمعرفته بفنون النجارة، حوّل مبولته إلى سرير والحوض إلى موقد، وانتقل للعيش في دورة المياه بشكل كامل. ولم يفكّر أحد أن يستعين به ليشهد بغروب الشمس. وقد أصيبت تلك الجارة بخيبة أمل شديدة، وبنكسة جعلتها تخجل من نفسها حتى يوم موتها، لأنها كانت الوحيدة التي شهدت غروب الشمس، وهي لم تكن تريد من وراء ذلك الإثبات أن تنفي المُعجزة المُختلقة، لكن فقط لتثبت أنها تعرف شيئًا لا يعرفه غيرها؛ وهو أن الشمس قد غربت في ذلك اليوم.
خلال سنوات حياتها المتبقية، وبشكلٍ يوميّ، سوف تدون في مُذكّرة أن الشمس قد غربت كما ينبغي لها، وفي اليوم الأخير من حياتها، قالت أنها سوف تُذكّر جارتها، لأنها سوف تستعيد في الحياة الآخرة شعورها بالزمن. وكانت في أيامها الأخيرة، قد بدأت في فقدان شعورها بالزمن، حتى أن حفيديها حين أخبراها أن الشمس قد أتمّت غروبها لتدون ذلك في مذكرتها، نظرت إليهم بفتور من يستعيد ذكريات ماضية متراكمة نست أن تفكّر فيها على نحو ما، وكانت تشعر بالذنب حين أدركت أخيرًا أن جارتها القديمة كانت تشعر بدنو أجلها منذ زمن بعيد سبق موتها، وكان صوتها ضائعًا لأنه كان يبحث عن صوت جارتها، وقد ظلّت تردّد "لا أعرف" في داخلها بصوت كلّ الذين قابلتهم في ذلك اليوم حتى عثرت أخيرًا على صوت جارتها القديمة، فقالت لحفيديها "لا أعرف" في اللحظة التي تذكّرت فيها جارتها وهي تقول ذلك حين طلبوا شهادتها في غروب الشمس، وفي طريق بحثها عن صوت جارتها فاقدة الشعور بالزمن، وجدت صوت النجار، ولم تشعر بالندم لأنها نست أن تستعين بشهادته، وبدلًا من ذلك جاء صوتها مُحملًا بكل الحقائق القديمة المؤلمة، مثل أن النجار عاد سريعًا إلى منزله في ذلك اليوم ليستكمل طقوسه المعذبة لمرض الإمساك المُزمن.. جاءت كل تلك الذكريات بقوة حضور تؤكد فقدان شعورها بالزمن، حتى إن قرار تدوينها لحظة غروب الشمس، أصبح شبيهًا بمستقبلٍ مجهول.
كان حفيداها يقفان أمامها بمذكرة تدوين الغروب، وهما يرانها مثل لوحة يتم ثقبها بمثقب خفيّ، وكان ذلك مثقب الزمن، قالت لا أعرف للمرة الأخيرة، فلم تعد تشعر بالذنب نحو جارتها، لكنها ابتسمت وتخففت من حمل ذنبها، ورأى حفيداها عيناها تترقرقان بالدمع لتنجرفان في مسامات أديم وجهها الممعن في القِدم، وذلك بعد أن أزيل مثقب الزمن الخفي، ثم طلبت منهما ملاءة كبيرة، فلما أحضراها، طلبت ثانية ثم ثالثة، حتى تجمّعت لديها ستٌ وثلاثون ملاءة جعلت منهم ملاءة واحدة كبيرة، وطلبت منهما أن يلفوها بها حين تموت، ولما سألاها لماذا كل هذه الملاءات، قالت لهما: أنا ذاهبة لأذكّرها بغروب الشمس. فبدا أنهما قد فهما رغم التباس الأمر عليهما، فهما قد كبرا مع صفحات المذكرة ويعرفانها أكثر من أي شيءٍ آخر، لذلك فحين سمعا بغروب الشمس، أدركا كل شيء.

Saturday, October 18, 2014

حلم خنزير


اليوم تم حبسي في حظيرة الخنازير، وجدت نفسي مدفوعًا للداخل وأنا أُفارق آخر نسمة هواء كبشريّ، وزهرة سقطت أمام عينيّ، وحبل الغسيل الذي تعطل منذ أن حلّ الشتاء، ولأن الوقت لم يكن متسعًا لإلقاء كلمة وداعٍ، فقد ألقيت تحية للخنازير الثلاثة الموجودة بالداخل، وأُوصد الباب، ثم حل ظلام كثيف، انتظرت دقيقتين حتى تهيأت حدقتاي للظلام، ورأيت أشباح الخنازير كتلًا سوداء تعبث في ظلام الحظيرة، كانت الرائحة قذرة إلى درجة أني كنت أشعر بها كُتلًا تندسُّ في جوفي، وكنت على وشك التقيؤ. "سوف نحبسك في أفضل حظيرة خنازير لدينا" هكذا قيل لي في حلم الليلة السابقة، ولم أكن أعرف أن أحدهم كان فقط يهمس في أذني، ورغم أني لا أصدق أحلامي، إلا أن الخنازير لم تعترض على وجودي، بل اعتبرتني خنزيرًا ضال عثر على حظيرته. قال أحدهم:

- نعرف أنّك لست خنزيرًا

ثم سكت. بدا أنه أراد وضع الخطوط العريضة لعلاقتنا المستقبلية.

عرفت فيما بعد أنه تم دفعه في يوم ما إلى هذه الحظيرة، لأن أحدهم همس في أذنه أنه سوف يصير خنزيرًا، وحينما استيقظ، كان مُصابًا بنوبة هلع، لم تلطّف من حدتها المسافات التي قطعها جريًا في الحقول وبين المنازل، وأعلى الكباري ولا وهو يتناول كل أصناف الطعام بشراهة غير مسبوقة، ولا وهو يُقبل فتاة كانت تعمل في الحقل، ضاجعها، ولم يشعر بنشوة لأنه كان خائفًا، أما هي فلم تكن قد جربت المتعة من قبل، كل ذلك فعله في يومٍ واحد، وحين تزوّجا، فقد حلما معًا في نفس الليلة بنفس الحلم، حيث تم الهمس في أذنيهما معًا: "سوف تصيرا خنزيرين"
وتم دفعهما إلى الحظيرة ليصيرا مع الوقت خنزيرين، وقد أنجبا ابنًا له ملامح بشرية، إلا أنه مع الوقت قد تحول، لأنه لم يكن ليتحمل الرائحة التي كادت تقتله، فهمسا في أذنيه، "أنه سيصير خنزيرًا" وقد كان ذلك أول حلم له في حظيرة الخنازير.

- لكنك سوف تتحول مع الوقت - قالت الخنزيرة في ألم ممضٍ، وهي تعض على شفتها السفلى.

في حين كان الخنزير الصغير يأكل الخراء المُتيبِّس الذي يخلفه أبوه.

لم يذكرا شخصًا بعينه قام بهمسهما ومن ثم تشكيل حلم زائف، إلا أنها قالت:

- ربما يكون أبي من قذفني هنا بعد أن همس في أذني، لأنني ارتكبت فاحشة في نظره، رغم أننا تزوجنا بعدها.

ثم أضافت:

- لكن ما ذنب هذا الصغير؟

في صباح اليوم التالي وجدت ذيلًا معقوفًا بخصلة شعر في نهايته قد خرج من أسفل عمودي الفقري.. وقد أكدت شكوكي بأن قالت:

- كلها أيّام

وفي الليلة الثانية، عانيت آلام فظيعة من القوة الهائلة الخفية التي كانت تعمل على إعادة تشكيل منخاري، وفي غضون أسبوع فقد تحولت بالكامل إلى خنزير أبيض ببقع سوداء متفرقة.
ولأن ذاكرة الخنازير ضعيفة فقد رسمت على جدار الحظيرة كل ذكرياتي البشرية القديمة، ولم أكن أتذكر إلا حبل الغسيل المُعطّل والزهرة الصفراء، لذلك فقد رسمتهما على الحائط، أما الخنزيران فقد رسما صورتيهما القديمة وهما يتبادلان القبلات في الحقل، وكان ذلك كل ما يتذكرونه، كان الطفل يشاهد ذلك وهو عاجز عن الفهم، مستمرًا في أكل خراء أبيه المتيبّس.
ورغم أن الحائط قد امتلأ بهذه الرسوم كي نتذكرها إن عدنا بشرًا فقد مر وقت طويل على ذلك حتى نسيناها مع الزمن، وكنا قد أصبحنا خنازيرًا بلا أي صلة بشرية، لم نعد نشعر بالسعادة أو الحزن، كان شعورًا واحدًا هو ما يسيطر علينا؛ هو حاجتنا للأكل باستمرار، وكان الصغير أكثرنا شراهة.

في مقهى الغياب التام


- لكن في الأغلب لا أحد يُقدم على فتح الباب...

استمر صديقي بنفس الشغف الذي لا ينتهي عنده أبدًا في الحديث حول قصة هذا الباب الذي لا يفتحه أحد، ولأني أحيانًا لا أقدم على فتح بعض الأبواب في منزلنا فقد شعرت بأن هذه القصة مُوجّهة إليّ، صفّقت بشدة حتى أصدرت يداي قعقعة ذات رنين مكتوم بين أرجاء المقهى، بينما استمرّ هو في الحديث عن الباب في اندفاع كأنه يلاحق الكلمات وهي تهرب منه، وكان مُنتشيًا، وكنت أشعر بشيء من الظفر والجميع ينظرون إليّ بتقزز لأنني أزعجتهم برنين صفقتي، لذلك فقد أبقيت يداي مرفوعتان، حتى جاء النادل، وأخذ صديقي استراحته بسحب دفعات متتالية من الشيشة، التي كانت تقرقر تحت قدميه بلا أي تعب أو شكوى.
كان النادل ينتظر باهتمام ما سوف أطلبه، لأنه يود إبعاد النظرات عن هذه المائدة في أسرع وقت.

- أريد سحلبًا

ولم يطلب صديقي شيئًا، وقبل أن يستدير النادل ليحضر المشروب استوقفته:

- أريد سحلبًا بطعم الكمِّثرى!

- لا يوجد شيء كهذا!

- يوجد عند الجميع، أشربه كل يومٍ في المقهى المجاور

كظم غيظه، ثم ذهب من دون أن نتوصّل إلى حل، ثم سألني صديقي وقد بدا أنه نسي أن يُكمل قصة الباب الذي لا يفتحه أحد:

- هل حقًا هناك سحلبًا بطعم الكمثرى؟

- طبعًا، وهناك أيضًا بطعم التفاح، والعنب، والمانجو، وهناك بطعم البطيخ لكن لا أحد يشتريه.

تحمّس صديقي واقترح أن ننتقل لهذا المقهى المُجاور، لكني رفضت، ولأوضح له الأمر، قلت:

- في الحقيقة، هذا المشروب لا يوجد إلا في قريتنا

أُصيب بخيبة أمل، ثم أخذ نفسًا عميقًا من الشيشة، حتى انكمش خدّيه إلى الداخل.
أصبحت ضروسه ملتصقة بخدّيه الغائرين نحو الداخل، فعرفت أنه يفكّر في قصة الباب الذي لا يفتحه أحد، وفي الحقيقة فقد كانت لديه هواية جمع القصص التي تدور حول الأبواب المُغلقة أو التي لا يفتحها أحد، ففي رأيه أن هذه القصص هي الوحيدة القادرة على إقناعك بوجود عالم آخر لا تستطيع رؤيته، وقد كان مؤمنًا. جاء النادل بالسحلب، وليعتذر عن أسلوبه الغير لائق، أحضر معه ثمرة كمثرى، وذهب متورد الوجه من الخجل، نظرت إلى داخل المقهى، فرأيت المدير ينتظره.

قال صديقي بعدما نسي كل شيء كما عادته بعد الإفراط في التدخين:

- أتعرف شيئًا آخر؟

- ماذا؟

- أنا حقًا أحب أي قصص تُحكى عن الأبواب التي لا يفتحها أحد.

- ظننتك تشعر بالضغينة ناحيتهم.

- إطلاقًا.

شجعني هذا لأن أصارحه بأنني لا أفتح بابًا في منزلنا لكني تراجعت..
وبعد قليل من صمتنا، تكلّمتْ فيه قرقرة الجوزة وحسْو السحلب وثرثرة الزبائن، قال كأنما تذكّر شيئًا خطيرًا:

- سوف أزوركم لتعزمني على هذا السحلب!

فأشرت إلى حبة الكُمثرى، لكنه لم ينتبه، فقد كان ضعيف النظر، وكان خرطوم الشيشة يُجبره على النظر في اتجاه معين، كما أخبرني كثيرًا بأن هذا الأمر جلب له الكثير من المشاكل، فكثيرًا ما ظنت الفتيات الجالسات قبالته أنه يقصدهن بالنظر، فإما أن يأتين لصب غضبهن عليه، وإما أن يرحلن من المقهى بعدما ملّوا من النظرات المشبوهة، ففي المقهى عدد لا نهائي من مُدخني الشيشة، حتى جاء يوم وأصبح فيه المقهى خاليًا من الفتيات، الأمر الذي بدوره خفّض عدد الرجال الذين لا يأتون إلا للفرجة على "فتيات المقاهي"، مما دفع مدير المقهى لإعادة ضبط وضعيات مُدخني الشيشة، حتى تعود الفتيات من جديد، لكنهن لم يعدن أبدًا، فقنع المدير بالرجال، وفي الحقيقة، فقد أصبح شديد الذوق مع زبائنه منذ ذلك الحين.

وفي ومضة ساخرة مفاجئة، أعلن صديقي أنه يرغب في شرب السحلب بطعم البطيخ وكان يقهقه مثل قرقرة الجوزة، وكنت قد أعطيت حبة الكمثرى لطفل مر من جانبي يبيع المناديل، أخذها ولم يفهم أنني أردت منديلًا أمسح به أصابعي.

قلت له بعدما فرغ صبري:

- لتأت في أيّ يوم، فنحن نبيعه كل يوم تقريبًا!

وتوقف عن الضحك للنبرة الجادة التي استخدمتها، ورأيت ضروسه تبرز مرة أخرى من انسحاب خدّيه. جاء مدير المقهى ليسألنا بنفسه عن رضاءنا بمستوى الخدمة، في حين أن النادل كان يقف خلفه من بعيد متأبطًا اللوح المعدني وهو يلوح لي متضرّعًا بأن أعف عنه. فقلت له أن كل شيء على ما يرام، فشكرني، وابتعد بكرشه الذي كان مستقرًا فوق المائدة.
رأيت من خلال حدقتي صديقي الواسعتين فتاة قادمة للجلوس قبالته، أردت أن أنبهه، لكني تراجعت مفضلًا أن أرى رد فعل المدير على وجودها.. وكان يبدو عليه أنه لن ينتبه لوجودها أبدًا، وكان على وشك أن يحكي قصة الباب الذي لا يفتحه أحد. مرّت فترة طويلة بسلام، فنظرت خلفي لأن فضولي لم يكن ليزيد أكثر من هذا الحد، فوجدتها تدخن الشيشة، وكانت تحدق في وجه صديقي ببرود، فعرفت أن هذا بسبب خرطوم الشيشة، وكان من الواضح أن أحدهما لم يكن يرى الآخر، كان صديقي يعجب للنهاية التي انتهت بها القصة التي حكاها لتوّه، ولم أكن أعره انتباهًا، فلم يكن يهمني وجود عالم آخر خلف أحد الأبواب المغلقة قدر ما يهمني مشاهدة تعابير وجه المدير وهو يرى فتاة في المقهى لأول مرة بعد ثلاث سنوات من الغياب التام.

Wednesday, October 15, 2014

حقًا المُحرّمة



لم يكن ليطيق سماع أي كلمة تشكك في معرفته، حتى كلمة "حقًا" التي يقولها الواحد منا تعبيرا عن الدهشة، يأخذها هو على محمل الجد، وقد يقاطع أي أحد بسبب كلمة كهذه، لذلك فقد كان كل المقربين منه يتحاشون استخدام قاموس التشكيك هذا حتى صار كل ما يقوله حقيقة مطلقة في نظره، فأصبح يُسهب في الحقائق، حقيقة تلو الأخرى، إسهابًا غير محدود، وامتنع الجميع عن إطلاق كلمة حقًا، أو "هذا سخف"، وفي المقابل استعملوا ألفاظًا من قبيل "رائع" "أنا مندهش"، أو " حسنًا، هذا صنع يومي" وقد تلقى كل هذه الكلمات بثقة حقيقية، ولم يكن ليشكك هو في نفسه، التي صارت الحقائق بالنسبة لها مطابقة للوهم بالنسبة لنا، وقد يطلق نكاتًا، فلا يضحك أحد لأن النكتة لابد أن تكون حقيقية والضحك عليها قد يحيلها إلى واقعة مختَلقة. واكتفي الجميع بتأمل نكاته التي كانت في الأغلب سخيفة.
ومع مرور الوقت -وباعتبار أن هناك أوقاتًا يخلو فيها إلى نفسه- فقد اعتاد الجميع على ذلك، وهكذا فقد صارت "حقائقه" غير قابلة للجدال، وقد أثر ذلك في نفسه بلا شكّ، التي افتقدت إحدى المزايا للنفس الإنسانية وهي القدرة على تبرير الكذب، وحين حكى قصة تبدو خرافية بطريقته الساحرة في الإلقاء، تلقّاها البعض باعتبارها حقيقية مندفعين في ذلك بحماسهم الشيق، في حين رفض آخر ذلك، ولم يقل حتى "حقًّا" وإنما اعترض بأن قال: هذا ضد الطبيعة!
فردّ عليه باستخفاف: أنا الطبيعة!
وتم طرده من المجموعة في موقف مُهين، كانوا على وشك الانفجار في نوبة ضحك للطريقة التي تم طرده بها لكنهم تذكّروا أن هذه حقيقة ماثلة أمامهم، فتأملوها كثيرًا.

وقد جّرت عليه حكاياته الخُرافية الأسئلة تلو الأخرى، وكان يجيب عليها جميعًا لتبدو منطقية، مُشكِّلًا بذلك عالمًا خاصًا لحكاياته ووقائعه، وقد أحبَّ الناس ذلك، وتناقلوها بصدق مماثل، وهكذا فقد انتقلت هذه العدوى من شخصٍ إلى آخر، إلى أن مات الرجل، مخلفًا وراءه مئات الحكايات الخرافية، بكى عليه كل من عرفوه، استعادوا حكاياته، ثمّ قرروا جمعها في كتاب واحد.
وربما الشيء الذي يُحسب له بعد موته هو اختفاء كلمات "حقًا؟!" و"أنا لا أصدق" وما شابههما، وذلك بعدما قرروا أن يحذّروا في مقدمة الكتاب من ذكر هذه الألفاظ أثناء قراءته، مما طبع في أذهان الأبناء الذين لم يحضروا هذا "الرجل العظيم" أن كلمات كهذه لها مدلول سيء، وتحولت من المنع إلى التحريم فيما بعد... ولا يخطرن في بال أحد أن تحريم هذه الألفاظ شجّع على اختلاق المزيد من الأحداث الخُرافية التي يسهل تصديقها الآن، بل على العكس، تم اعتبار أنه ليست هناك سوى حقيقة واحدة وهي تلك التي قصها هذا "الرجل العظيم"، وهكذا فقد علِق الناس جميعًا بين الحكايات الخرافية، والحقيقة التي نسوا ملامحها منذ ذلك الزمان البعيد.

Thursday, October 9, 2014

المُنشقّات

جالسًا وحيدًا في المقهى، دخلّت عليّ قصتي القديمة التي أسميتها –في ذلك الوقت- "أ"، وقفت لأحييها، في العادة أنا لا أقف لكل القصص العابرة، حتى وإن كنت كاتبها، لكن هذه بالذات أشعر من ناحيتها بمهابة، فهي من منحتني اليقين الأول، وبعض الحبِّ أيضًا. أخذت تتفحصني، ذاكرتها ضعيفة –كما أردت لها- لذلك فقد أخذت وقتًا حتى تسترجع ملامحي وتتذكّرني، وتذكّرتني، ثم تركتني وأكملت رحتها.

لم تكن فناجيل الشاي لتنقطع عني، غلى الدم في عروقي، لم أجد مبررًا لهذه المهانة. استرجعت كل السطور التي كتبتها فيها، ولم يتزحزح يقيني أني كتبتها على أكمل وجه... فلما؟ لما إذن؟!

جاء النادل وأخبرني، أنهم سيغلقون المقهى، وأنا آخر المتسكعين التائهين - كما ترجمت ذلك لنفسي حين قال "زبون" بأدب غريب.

- هل يمكنني الاحتفاظ بهذا المقعد حتى الصباح، وإليك ثمنه!

رفض النادل أخذ المبلغ، وسمح لي بالبقاء، ربما لأني كنت صادقا في طلبي إلى حد الرثاء.
وتركني وحيدًا.. لم يكن شيء ليتغير إذن إلا فناجيل القهوة التي انقطعت مع أصوات الزبائن.

لم أكن مصدومًا بل مُهانًا، وكانت قصص أخرى تعاملنى بأذرى من هذه المعاملة. إحدى تلك القصص أظهرت تعاليًا عليّ، وصارحتني بأني أدنى منها. وأخرى قالت أني لست من كتبها، وأنه لا ينبغي لي ذلك، وأقسمتُ بأني من كتب كل حروفها، ولأنتصر على مروقها وأثبت لها عكس ما تريده، تحديت أن أكتب أمامها قصصًا تشبهها بل وأكثر، وأمسكت القلم، وكلما ظننت أني كتبت شيئًا حيًّا مُنتصرًا اتضح أن القصص تولد ميتة أو شائهة، وابتسامة شماتة تتسع على وجهها وهي تشهد حيرتي، ثم رحلت بعيدًا، حتى لم يبقّ في غرفتي سوى القصص الميتة أو الشائهة الغير قادرة على المروق.
في هذه الليلة لم تمر أي قصة أخرى.




محاكمة سقراط الثانية



في محاورة جوبيوس عند أفلاطون، يذكر أن سقراط قد طلب خلسةً من إله التوظيف "جوبيوس" أن يجد له عملًا، وقد كان فيما مضى يكره العمل ويحقِّر من شأنه، لأنه كان معروف عنه الديالكتيك السلبي العقيم، الأمر الذي أوصله إلى ضجر غير محدود لم يفصح به لأحد سوى إلى تلميذيه المقربين: أفلاطون وزينوفون، بعد إحدى دروسه لتلاميذه، وكما هي العادة لم ينته هذا الدرس إلى اتفاق بل جدال عقيم حول طبيعة الفضيلة، فأخذ يدعو إلهه جوبيوس أن يجد له عملًا، لأنه اقتنع أخيرًا أن العمل هو الجدوى الوحيدة من الحياة، والحقيقة المطلقة الأزلية، لم يفصح بذلك لأحد، لأنه كان يحترس من الخطأ بعدم إعلان أي أقوال ذات معانٍ إيجابية، كما توصّل إلى ذلك القديس أوغسطين.
ولما قد تولّى بالدعاء بخالص الإيمان إلى جوبيوس، فقد أرسل إليه أحد ملائكته ليبشره بوجود وظيفة خالية في أحد مصانع أثينا، ترك كل ما لديه من أعمال وتوجه لفوره إلى هذا المصنع، وحين وصل سقراط إلى المصنع بإشارة من إلهه جوبيوس، وكان هناك العشرات من فتيان أثينا الراغبين في العمل، كان مطمئنًا لأنه مرسل من جوبيوس، وحين أتى دور سقراط لمقابلة الإتش آر- الذي لم يكن يعرف أنه سقراط، لأنه لم يدخل في أي جدالات سقراطية عقيمة من قبل- جلس في أريحية لأنه كان مؤمنًا بجوبيوس، تفحص الإتش آر لفافات سقراط، وكانت من ضمنها إشارة جوبيوس وأمره بقبول تعيين سقراط، ولما كان هذا الرجل يكره الواسطة بكل معانيها، حتى وإن كان الوسيط إلهًا، وقد كان من أتباع المادية، فقد وجه سؤاله إلى سقراط بكل جدية:
- ألا تشعر بالخجل سيدي؟
- لمه؟!
- لأنك تريد أن تعمل بالواسطة؟
- أتسمح لي بتعريف الواسطة؟
- هي، ببساطة، أن تعتمد على غيرك في الحصول على عمل..
- وما المشكلة إذن في ذلك؟
- ليست لديك مهارات تستطيع أن تحل محل هذا الوسيط، وفي نفس الوقت إقلال من شأن ذوي المهارات المستحقين!
- ربما أنت مخطيء، فالاعتماد على هذا "الغير" لا يعني بالضرورة أنني أفتقر للمهارات، هناك خطأ فادح عند البعض؛ أن الواسطة هي طريق الفاشلين للعمل..
- أنا أتفق مع ذلك تمامًا!
- إذن هل تسمح لي سيدي بتعريف "الفاشل"؟
- هو من لم يؤهله تعليمه لأن يكون عضوا ناجحا في منظومة العمل..
- هل تستسطيع أن تؤكد لي أن التعليم في بلدنا أثينا يستطيع أن يؤهل شخصًا ما للعمل؟
- لا أستطيع..
- فالقاعدة التي تقوم عليها أدلتك غير صحيحة إذن، ومن ثم لا يمكن إنكار الواسطة، لأنها طريقة غير سليمة في تقدير المهارات، وقد تكون هي وسيلة ذوي المهارات للحصول على العمل، هل تجد تناقضًا في ذلك؟!
- يمكنك الانتظار في الخارج قليلًا.
وفي ساحة الانتظار جلس سقراط بعيدًا عن فتية أثينا الذين كانوا يرمقونه بنظرات شك.
وبعد مضي نصف ساعة، أُعلن عن قبول سقراط، ففرح بهذا النصر الإلهي، لأنه وجد أخيرًا الغاية من وجوده، ورفض كل الفتية المتقدمين هذه النتيجة، ونقلوا الأمر إلى ساحات القضاء.
وهناك قضي عليه بالتخيير بين ترك العمل أو الموت بالسم، فاختار أن يموت، على أن يعيش بلا وجود. وتجرع السم غير آسفًا.

Friday, October 3, 2014

مشهد محترق

(يشعل سيجارة ثم يأكلها لأنه يحبها ساخنة..

- امسح هذه!

- لمه؟!

- كيف يأكل سيجارة بحق السماء؟!

- هي جمله مجازية لا أكثر..

يطرق الباب طرقات متتالية مزعجة..

- افتح، هذه دقَّات رضا

يقوم بعد أن ألقى القلم على الورقة، تُسمع طرقعات في ظهره، ويغمغم.

- كيف حالكم يا رفاق، أسمعتم الخبر؟

- لا لم نسمع الخبر؟!

- جيمس جويس طبع كتابه أخيرًا، واسمه "شجرة هومر"، يقولون أنه الجزء الأخير من عوليس!

- رائع!

- لكن هناك أخبار سيئة، يقولون أن نورا عشيقته أحرقته بعد رسالته الأخيرة التي قرأتموها جميعًا.

- امسح هذه أيضًا؟

يرمقه بنظرة صامتة..

يُفسّر:

- هل قرأت عوليس؟

- لا، لكن هذا لا يهم في سياق الحوار، لن نكون بحاجة لموضوع الكتاب في جميع الأحوال.

- لا تكن أحمقًا، بهذا لن تكون أبدًا مُقنعًا

- ما رأيك أن تُكمل الحوار بنفسك!

يتبادلان الأماكن، ويجلس الآخر في سعادة طفولية ويرمقه صاحبه في ترقب مستعدًا للشماتة، وإن لم يكن ذلك من طباعه.

(يخرج شكسبير من خلف كواليس المسرح، وشاربه يشتعل، يصرخ في وجه مؤدي دور هاملت:

- ........

في سخرية:

- لماذا توقف يا "نار على الشارب"؟!

- ألديك فكرة عما سيصرخ به شكسبير في وجه مؤدي دور هاملت؟!

- هل تعلن هزيمتك؟

- لا طبعًا. اسمع هذه:

(في هذه الأحيان كان رضا يُعد فنجاليّ قهوة، وفنجال شاي)

يصرخ شكسبير في وجه مؤدي دور هاملت: 

- من أخرج الشبح من قفصه قبل موعد تأدية الدور.

هاملت مصدوم من هيئة شكسبير المضحكة، يكتم الضحك مبديًا الجد والأسف.

- أظنه لا يزال في القفص؟

يخرج شكسبير من المسرح غاضبًا وأنسجة الدخان تلحق به كأنها ملتصقة بشاربه..

يأتي رضا حاملا الفناجيل الثلاثة:

- إلى أين وصلتم؟

- إلى شارب شكسبير المحترق.

لا يبدي اهتمامًا، وإن تبدّى الاستغراب على وجهه:

- يجب أن ننتهي غدًا، تعرفون شروط التعاقد!

- ما رأيكم في هذه: تجتمع الشخصيات الثلاثة في مشهد هزليٍ واحد وهم جميعًا يحترقون.

- من الذي يحترق؟!

- أحمد خالد توفيق وجيمس جويس وشكسبير..

- من من من؟!!.. أحمد خالد تو.. (ثم في لهجة عنيفة):

- أنا أعترض، لا أوافق على الإطلاق، احرق شكسبير وجيمس جويس. لكن أحمد خالد توفيق فلا وألف لا!

- وأنا أحب شكسبير أيضًا. أعرف أنك لا تحب أيًّا من الثلاثة.. لئيم.

- من تقترحون إذن؟

- لا بد أن يكون برتولد بريخت واحدًا منهم

- نعم، وفيرجينيا وولف أيضًا

- لماذا فيرجينيا وولف؟

- صاحبة تيار الوعي، مدرسة الملل في القرن العشرين!

- سطحي!

- شكرًا لإطراءك أيها العميق!

- حسنًا إذن، لدينا برتولد بريخت وفيرجينيا وولف، لابد من كاتبًا مصريًا.

يرمق رضا صاحبيه بنظرة محذرهم:

- ليس نجيب محفوظ.

- ليكن إبراهيم أصلان..

يتفقون أخيرًا في ظفر، ليضعوا اللمسات الأخيرة على رواية "بداية" والتي سوف تأتي بها الممرضة مترجمةً، تدخل بعد أن طرقت الباب طرقات تبدو مزعجة، لكنها تضطر إلى ذلك كي يسمعها كمال الذي يعاني ضعفًا في السمع، تجده كالعادة منكبًا على الأوراق يكتب في تواصل محموم، وما إن يلمحها حتى يبتسم ابتسامة رضا، ويعود ليضع رأسه بين أوراقه ويكتب.

- صباح الخير

- اسمك نورا أليس كذلك؟!

- نعم...!

محدثًا نفسه في إعجاب وهو يكتب:

- لازلت متذكرًا اسمها.

تضع الكتاب أمامه:

- الكتاب الذي طلبته.

يلتقط الكتاب:

- ها أخيرًا Inception

- هل حقًا ترجمت الكتاب من دون أن تقرأه؟!

لم ينتبه لسؤالها وكان يقارن الصفحات التي كتبها بالكتاب، وسيماء الإعجاب لا تفارق وجهه.

في حين كانت نورا تعد له حقنة هاندول، ورغم أن حالته مستقرة منذ فترة إلا أن قلقًا ما بدأ يساورها وهي تملأ أنوبة السرنجة.

Wednesday, September 24, 2014

الأستاذ

عند تقاطع شارع عماد الدين مع شارع 26 يوليو، لمحته لأول مرة، فركت عينيّ غير مصدق فإذا به بالفعل يسير مبتعدًا قابضًا جرنال الصباح، هرولت نحوه لألحق به، كانت الشوارع تقريبًا خالية إلا منّا- أنا ونجيب محفوظ، اقتربت منه فرأيت إطارات نظارته الكبيرة السوداء، ولما دنوت من منكبه، وأنا لا أدري كيف أناديه؛ أستاذ، أو يا سيّدي، أو يا نبي، أو يا مولانا، أو يا عمّنا، أو يا نجيب، فكل الأسماء هتفت بها كثيرًا في أعماق نفسي في لحظات تجليه المقدسة، ولم أكن يومًا متحفظًا وأنا أناديه بها، والآن وهو أمامي على بعد خطوات قليلة، لا أدري إلا وأنا أهتف:
- أستاذ.. أستاذ نجيب

وها أنذا أهتف باسمه لأول مرة بصوتٍ مسموع يخرج من أعماقي إلى أذنيه وإلى العالم من حولنا، حتى بدا وقع الاسم غريبًا على أذنيّ، لم يكن شفافًا روحيا كما بدا لي كثيرًا في نفسي. التفت إلي متوقفًا، وبادرني بابتسامة، ابتسامة جميلة حقًا لكنها مثل تلك الابتسامة التي يوزعها على كل المعجبين، لم تكن ابتسامته لي وحدي، ليست مثل خفقان قلبي الذي يهتف الآن من الأعماق باسمه وحده في لحظات مشحونة بالحب والإجلال، لم أتخيل نفسي- أو لم أتمنى- أن أكون واحدًا من هؤلاء المعجبين المتماثلين. بعدما توقف وصرت بجانبه، استكمل سيره، كأنما يبدي استعداده لسماع تحية مُعادة أو ثناء يعرفه، وشجعني بكلمة باردة:
- إزيك.

انعقد لساني، وفي تلك اللحظة مررنا على بائع الجرائد الذي حيّاه -الأستاذ- بابتسامة مثل ابتسامتي وإن كانت أقل برودة بدافع المعرفة المسبقة. قلت وأنا أخوض معركة داخلية:
- أنا قريت لحضرتك الحرافيش وليالي ألف ليلية وليلة وقشتمر، إمبارح بس خلصت الثلاثية.

 أردت أن أقول أنا اعرف عنك حاجات كتير جدا، أو أنا أكتر واحد يعرفك، أنا بحبك أوي، لكن لم تسعفني أعماقي بالمدّ العاجل. أين مني أبيات الشعر، وأين طاقات العظمة والتبجيل.. أين؟!
- جميل، اسمك إيه؟

نعم.. هو لا يعرف اسمي! عندما هرولت نحوه ظننته سيعانقني بحرارة مثلًا ويقول أهلًا أهلًا بقارئي الوفيّ انتظرتك كثيرًا، ثم يسألني عن أحوالي فأجيب وأسأله فيجيب ويكون لقاءً روحيًا مثل قراءته، ظننته يعرفني كما أعرفه- كما ينبغي لتلاقي روحين، لكنه استقبل تحيتي واشتياقي ببرود، كأن هذا المشتاق مكرّر ألف مرة، وكأن هذه التحيات المرتبكة هي تحيات معادة آلاف المرات ومملة، وكأن هذه الروايات قد قرأها ألوف غيري.. فدفعني بذلك نحو الجموع وقد كنت أستمد منه قوة روحية تسمو بي.. قلت محاولًا وأد كل الأجنحة الروحية بداخلي، وأستعيد عقلي قليلًا- طريقي الأخير للنجاة وللحب:
- اسمي محمد الشواف.
- جميل يا محمد، عايزين نسمع عنك.

وتوقف أمام مدخلٍ كبير مهيب لمؤسسة كبيرة، وقال ليُنهي اللقاء بأدب مع واحد من محبيه:
- مع السلامة.

وابتعد ليدلف إلى البهو تحفّه التحايا من كل الجوانب يستقبلها بتواضع وأريحية. رقي درجات السلم حتى توارى، وبقيت وحدي.
وكانت تجلس جوار بائع الجرائد بائعة ذرة مشوي، فلما استفسرت منه من يكون هذا الرجل، قال في غبطة لم تخل من الفخر:
- دا الأستاذ!

ولم يزد ولم تهتم، واستمرت في النش على جمراتها، في حين كنت أعدّ كم عدد الروايات التي تبقت لي من أعماله لم أقرأها، وكنت أهرب.

Tuesday, August 12, 2014

القط المكسيكي


يكفي أن يُعلن المرء في ساعة هزيمة، أنه مُنتصر.. يقول پيداڤيرو، وهو كاتب ومفكِّرٌ مكسيكي مقيم في البرتغال، أنه كلما تراجع الإنسان أكثر فإن في رجوعه تقدمًا لأشياء تحتل موقعه، حينها يصير تبدل الأشياء عملية محكومة من قهر الإنسان، والقهر حينها يتجلى حاكمًا. يريد پيداڤيرو أن يعبّر بصيغة الأكواد الفلسفية عن فكرته المارقة أن القهر فكرة مجردة معدومة الدلالات، وأن النصر أمرٌ محتّم على الإنسان كونه إنسانًا راض إنسانيته، ويضيف في لفتة مثيرة: "كفى أن يكون الإنسان إنسانًا!"، ثم يستدرك قبل أن ينهي فقرته: أنه يشعر بالرثاء لكل قطط حيّه المكسيكي الفقير لأنها ربما كانت في يوم ما إنسانًا تمنى أن يكون قطًّا بعد أن أعيته فكرة الهزيمة، فصار كذلك كي يذوق الهزيمة بحق، ويعبر عن هذه الهزيمة بعبارة: "هزيمة صناديق القمامة" إشارة إلى بيئة حيِّه الذي كان يقيم فيه في المكسيك، ويضرب بكفّيه ليقول مُعجِزًا: لكن هل يعود القط إنسانًا؟! فيهز منكبيه استهانة.. وعندما سُئل عما يفعله حيال القطط المسكينة التي تتضور جوعًا وهي تنقب عن رأس سمكة في صندوق القمامة، قال پيداڤيرو: "الحقيقة أنني لا أشعر بأي شفقة، بل إنها اختياراتهم هم، اختيار أن يكون الإنسان قطًا، لأنه صدَّق أسطورة هزيمته القديمة، فتحوّل إلى قطٍ أجرب".
لم يعرف أحد حتى الآن سبب هجرته إلى البرتغال بالذات، يُقال إنه بسبب أنها الدولة الوحيدة في العالم التي تحارب القطط باعتبارها كائنات معادية لإنسانية الإنسان، وأنها كانت فيما مضى بشرًا تبرّءوا من إنسانيتهم فبالتالي وجب على الإنسان أن يتبرّأ من حيوانيتهم، وهذه طبيعة تبادلية، أي أننا نتبادل نفس الأفعال الإحترازية والأفعال الإقصائية كي يحدث التوازن الذي يبقينا- جميعًا- على قيد الحياة، وقد أكد پيداڤيرو أن هذا المبدأ في حد ذاته يمثل ذروة المعرفة الإنسانية؛ أن يكون سبب بقاءك مرتبط ببقاء الآخرين فتعمل على توازن كفّتي الميزان- لا رُجحان كفة فيه على الأخرى- على حسب خياراتهم بالطبع، فالكائن الحي مسئوول عن كل ما يفعله ويختاره وليس لأحد أن يتحمل خطأ اختياراته، من مثلًا يستطيع أن يتحمل خطأ تحول عمِّه إلى حيوان الفقمة؟ (يمكنك تخيل مدى بشاعة ذلك!) وهذا ما جعل الكثيرون يؤكدون أن تبنيه لهذه الفلسفة –الفلسفة التبادلية- هي سبب هجرته للبرتغال، الدولة التي أنجبت أعظم الفلاسفة التبادليين على مرِّ التاريخ.
كانت فلسفته تغري الصحفيين بسؤاله: إلى أي مدى تشعر بالنصر سيد پيداڤيرو؟
فيقول أنه يشعر بالنصر في كل لحظة، خصوصًا حين يدخن سيجار كوبيَّ فاخر. أوحى هذا التصريح إلى الصحفيين أنه ربما يكون مدخنًا للماريجوانا، في الوقت الذي أعلنت فيه البرتغال عن رفع تجريم بيعها.
أما القضية الشهيرة والمعروفة بـ "القط كان في الأصل قطًّا" فكان صاحبها صحفي مغمور أراد أن يتيح لنفسه بعض الشهرة من وراء فلسفة ذائعة الصيت، من خلال الدحض الضعيف: "أليس من المعقول أن القط كان قطًا منذ قديم الأزل وسيبقى قطًا إلى الأبد؟"، لكن تم مجابهته بقوة من قِبل أحد تلامذة پيداڤيرو النجباء، الذي رد في مقال مُطوّل عنوانه: "ومن قال أن الإنسان أصلًا كان إنسانًا؟"، كان مقالًا مُحكَّمًا يشهد بأستاذية پيداڤيرو قبل كل شيء. فاجأ هذا التلميذ كل المتابعين في نهاية المقال– بالتنسيق مع عُصبة تلامذة پيداڤيرو- بأنه سيقيم دعوى قضائية ضد الصحفيّ المغمور لأنه –حسب تعبيره- أهان الفلسفة التبادلية، التي تحظى باحترام عظيم في البرتغال، وقد تم الحكم لصالح پيداڤيرو، وكان من ضمن بيان تبرئته الذي أذاعه القاضي المُختصّ، أنه "... إذا كان پيداڤيرو يعتبر أن القط كان إنسانًا، وقرر أن يصير قطًا لشعوره بالقهر والهزيمة، فإن كل صناديق قمامات العالم تشهد بصحة رأيه، وأن رجوع القطط لصناديق القمامة الخاصة بالبشر بالذات- دون أية كائنات أخرى، تُثبت هذا الحنين الفطري القديم.." رأى البعض أن القاضي لم يكن "مثقفًا" بما فيه الكفاية، وأنه ليس محيطًا بالفلسفة التبادلية، لكن انتصار قضية پيداڤيرو استطاعت أن تخفي هذه الحقيقة المُرّة عن كثير من البرتغاليين: أن يكون أكبر قضاة البلاد غير مُلم بالفلسفة التبادلية- الفخر المعرفي للبرتغال.
هناك شائعات تقول أن پيداڤيرو يصيغ فرع جديد من الفلسفة التبادلية تهتم بما سيكون عليه الإنسان الحديث المنهزم- الذي سوف يعلن هزيمته ويقرر أن يتبرّأ من إنسانيته- وحسب حوارات صحفية فإن پيداڤيرو يميل إلى تصور أن يصير الإنسان خنزيرًا، لأن هذا الحيوان– حسب رأيه- يعبر بشناعة عن موقف الإنسان من وجوده الحالي، مشيرًا إلى أكثر من تقريرٍ إخباري يؤكد ظهور ميل فطري لدى البعض في النوم في حظائر الخنازير، وتلاشي حالة التقزز والغثيان من رائحتها وقذارتها.
وفي حين عبّر البعض عن مخاوفهم إزاء هذا التطور العنيف المقزز، كان پيداڤيرو مطمئنًا أن التخلص من المقهورين سيكون سريعًا فضلًا عن قسوته العادلة، ولأنه معروف عنه اللؤم فإنه كان يؤكد أن هؤلاء المُتخوفين من هذا التطور، هم أنفسهم من يشعرون في داخلهم بالقهر، وأحيانًا تروادهم أحلام التخلص من إنسانيتهم.

بالطبع پيداڤيرو ليس ضد القهر كونه شعورًا ارتجاعيًا طبيعيًا، لكنه ضد أوهام البعض من أن التخلص منه يكون بهذه السهولة، أي أن يتحول الإنسان خنزيرًا. حاول أحدهم التدخل في حياته الشخصية- ربما لمعرفة أي الدوافع التي جعلته أحد أهم الفلاسفة التبادليين في العصر الحديث، حتى لُقِّب بسُقراط التبادلية (وهنا تلميح إلى شكله الدميم ورأسه الصلعاء)- فسأله إن كان أحد أقاربه قد تحول إلى قط، وتبين أن أبيه الآن يرعى في أحد مراعي المكسيك باعتباره خروفًا، لم يبد عليه الشعور بالعار بل إنه يؤكد أنه أتيح له زيارته وإجراء بعض التجارب عليه، والمتعلقة بالنظريات المعرفية السلوكية، وهي النظريات التي قضت مضجع أحلام فرويد- التي هي بحسب پيداڤيرو هي التحول الحيواني لنظريات الطب النفسي التي لم تسلم أمام القهر الصناعي الحديث، لم يوافقه الكثيرون على ذلك، لكنه كان يقول بدهاء: "إذن فلتسألوا كل خنازير العالم وقططه، كيف يقرؤون فرويد!".. وبالنظر إلى زياراته إلى أبيه، فإنه يؤكد أنه بصحة جيدة، وربما هذا ما كان يسعى إليه- أبيه. لكن من حق القارئ أن يتساءل عما ستؤول إليه الأمور لو لم يحصل الخروف على سعادته المنشودة أو أنه ظل مقهورًا (باعتباره خروفًا قبل كل شيء- لا ذئب مثلًا)، هل سيتحول إلى حيوان آخر أكثر سعادة؟! لم يتطرق أحد بجديّة إلى هذه القضية الحساسة من قبل، ربما لأن النظرية الإنسحيوانية لم تتبلور بشكل كامل، والتفكير في قضية الحيوان المؤوّل تحتاج إلى صبر كبير حتى يكتمل نمو هذه النظرية الواعدة من الفلسفة التبادلية، وربما أيضًا لأنه لم يمكن العثور على حيوان مقهور من قبل وأراد التملّص من حيوانيته، فالقطط كما هو واضع سعيدة بقططيتها والخراف سعيدة بخروفيتها والخنازير متعايشة بطريقة مثالية مع خنزيريتها، وهذا ما أشار إليه پيداڤيرو؛ أن الإنسان المقهور كان ذكيًا بما يكفي ليتحول إلى حيوان، لا أحد آلهة الأوليمب مثلًا.. يضحك پيداڤيرو كثيرًا عندما يذكر هذه الملاحظة.

Friday, July 25, 2014

السهل يحترق

My rating: 4 of 5 stars

تحدثنا كثيرًا عن تأثير رولفو فينا، اختلفنا حوله، البعض عدّوه قديسًا (مِثلي مثلًا) وآخرون اعتبروه مارق مجنون، يكتب حُبًّا في التيه وحسب، وأنا اعتبرت أن حب التيه هذا ليس سهلا، وكتابة التيه تحتاج أستاذية ومهارة، وأنْ يتمحور أدب عظيم مثل أدب رولفو حول التيه فهذه عبقرية، يُذكرني رولفو بالمدرسة الإنطباعية، وكيف أن بضربات سريعة من الفرشاة – تبدو غير محسوبة- يمكن أن تترك (إنطباعًا) لدى المُتلقي، ففي حين كسرت الانطباعية قواعد التصوير الأكاديمية الرتيبة، فعل رولفو أمرًا مُشابهًا؛ أن كسر حواجز الزمان والمكان، بحيث أن تقرأ نتفًا من المآسي والأحزان وبعض اللهو والكوميديا داخل قصة واحدة، أحيانًا لا تدري كيف تسير الأمور، لكن لتكن صادقًا مع نفسك: هذا الرولفو لا يكتب اعتباطًا، بحيث أنك بعد هذه الدوامات لا تستطيع أن تُنكر أن بقلب هذا الرجل أحزان مُترعة بالأسى، وأنك –رغم تيهك- تحس بهذا الحزن بجلاء، وحين يكتب إنسان عن مأساة عايشها وكابد آلامها، فيجب أن تنصت بحذر، فهذا الرجل يكتب ما لم تره أنت، وسيكون من الحماقة أن نُقيم هذا النص باعتباره نصًّا أدبيًا محضًا ما لم نأخذ في الاعتبار بجدية مأساته التي بقدر ماهي عظيمة بقدر ما تغلبت على القوالب المعهودة، فتصنع قالبًا أدبيًا مُشابهًا لطبيعتها، لا في الشخوص وحسب وطريقة الحوار، لكن أيضًا في ازدراء الزمان والمكان الذين كانا في يومٍ ما يشهدان مأساته دون أن يمدّا يد العون له، فحين ملك زمام الكتابة ثار عليهما، ليصنع هذا التيه العظيم، تيه رولفو، رولفو الذي ألهم ماركيز، ولابد أن يستمر إلهامه لأن الزمن كثيرًا ما يضن علينا بمثل هؤلاء الصادقين. لا أظن أن رولفو كتب لنقول أنه كاتب عظيم أو لنقيم نصوصه، هو حتى لم يفكر أن قارئًا من الجهة المقابلة لعالمه سوف يقرأ نصوصه ويصير مُتيّمًا بها، بل كتبها من أجل نفسه فقط وحتى لو حكمنا أنه ليس عظيمًا، فهو قد كتب وروّض ألمه ومات.. لكنه –لمن يؤمنون به- لابد ألا يموت...
لا أدّعي أن المجموعة القصصية تركت فيّ ما تركته (بدرو بارامو) لكني قلت هذا الكلام فقط لأنه حتى وإن اختلفت قوة القصص، فالألم والحزن واحد، في الرواية وهذه المجموعة، لذا فأنا أحب أن أُمجد ألمه قبل أن أُمجّد نصه...
والمشكلة- رغم ثقل هذه الكلمة بيني وبين خوان رولفو- أنه من أجل أن أقرأ له، فإن عملية القراءة هذه لابد أولا أن تمر على شخص ثالث (ثيرد بارتي) هو المترجم، الذي يكون في يده قدرة إحياء أو موت العمل الأدبي. وكثيرًا ما خايلتني فكرة خطيرة، وهي أننا إذ نُحب أديبًا أجنبيًا ما ونتأثر بأسلوبه فنحن في الحقيقة نتأثر بأسلوب مترجمه، أما الأديب فنحن بعيدين كثيرًا (ليس تمامًا) عن أسلوبه الحقيقي، وهذا هاجس قاسي، أن تدرك أنك في الحقيقة بعيد عن كاتبك المُفضّل بسبب المترجم.. المترجم الذكي هو من يترجم هذا الأسلوب بتأثيره بقوته، بكل لواحقه، والمترجمون الأذكياء بطبيعة الحال قليلون (قانون الطبيعة).. مُترجِمة (بدرو بارامو) كانت ذكية، واستطاعت نقل رولفو إلى العربية، هنا نقل المترجم "قصص" رولفو إلى العربية.. وعمومًا أسلوب الرجل في حد ذاته يمثل تحدي لأي مترجم.. تفاوتت جودة الترجمة أحيانًا، لكن مع ذلك يبدو أن القصص نفسها متفاوتة حتى تصل إلى ذروتها في القصص الأخيرة للمجموعة، في خلق عوالم بحق مُدهشة، في طريقة تشابك شخصياتها وخلق أحداث لا تدري كيف يمكن أن تلتقي، والجميل أيضًا أن دهشة هذه القصص تختلف عن دهشة (بدرو بارامو) حتى أنني أحسست أني أقرأ لرولفو آخر غير الذي كتب (بدرو بارامو).
لذلك فلك مني تحيتان يا رولفو.

عبقرية الصديق

My rating: 2 of 5 stars

انت ممل يا عقّاد.. الجزء دا ممل على عكس عبقرية محمد، في مواضع كتير حسيت إنه مش لاقي كلام يقوله فبيعوضها بحذلقته اللغوية. أسلوب تحليله- زي كتاب حياة المسيح- معتمد على رصد دواخل الشخصية كأنه عايش جواها- مش معاها!! ودي مجازفة خطيرة كون إن كل تحليلاته قايمة على الأساس دا، صحيح هو بينطلق من الحقائق والوقائع المثبتة، ومنها يعمل التحليل النفسي دا، لكن الوقائع والحقائق عبارة عن منظور تاريخي عمرها ما ترقى لدواخل الشخصية، وهيفضل التحليل النفسي دا نوع من ضربات الحظ.
ناهيك إني عشان أحب كتاب زي دا (وبما إننا جميعًا بنشترك في رؤية واحدة للوقائع والحقائق) فلازم نشترك برضو في نفس العاطفة وهوى الكاتب عشان نطوّع الحقائق للتحليلات النفسية دي.. والحقيقة إن شخصية أبو بكر الصديق عمرها ما كانت ملهمة ليّ أو بتثير فضولي زي عُمر مثلا أو عليّ، ودا أشار له العقاد بإن أبو بكر الصديق كان محافظ- مُتّبع، في حين إن عُمر مُجدد، لذلك فعُمر يستحق بجدارة صفة العبقرية لصلتها بالتجديد، مش المحافظة والاتّباع. ودي غريزة طبيعة إن ميلك للمجدد المبتكر أكبر من ميلك للمحافظ المُتّبع. وكان فيه نقطة مهمة وغريبة أشار لها العقاد بخصوص شخصيته وهي إن أفعاله وحبه للرسول وإيمانه به مبعثها "حبه للبطولة" والعقاد اعتبرها مفتاح شخصيته، اللي قاس عليه جميع أفعاله وتصرفاته، فهو آمن برسالة النبي لأنه مُعجب بالبطولة، وإعجابه بالنبي هو إعجابه بالبطولة، غريب التحليل دا من العقاد، اقترنت عندي بصورة طفل مُعجب مثلا بشخصية خيالية، خصوصًا إن العقّاد جعلها مفتاح شخصية يعني أساس أفعال أبي بكر.. لجميع اسباب الآنفة دي، الكتاب معجبنيش، وكنت أفضل إني أتوقف عند التاريخ والوقائع..
عشان كدا أنا مُتلهّف لقراءة عبقرية عُمر، وعندي يقين إنه هيعجبني.

انتظر!

- نأسف على التأخير، سوف يتم تعويض ذلك، نحن فعلا آسفون!
- أتعرف! أنا لا يهمني التأخير قدر ما يهمني التعويض، ولأكون صريحًا معك، طيلة فترة انتظاري كنت أفكر في قيمة التعويض، لم أفكّر قط في معاقبتكم.. الإنتظار الطويل أفقدني حرارة المُعاقبة، لا أبالغ إن كنت قد فكرت في رجاءكم تعويضي، حتى لو تنازلت عن بعض حقوقي!
- نحن مسرورون لتعويضك حقًّا، ومسرورون لتفهمك!
- أخبرني بالله عليك، هل أنت حقيقي، من الشركة نفسها، أم أنك أحدهم ممن يتندر على شيخوختي؟!
- هذه بطاقة التعريف الخاصة بي يمكنك التأكد!
- نظري لم يعد يسعفني، أنا بالكاد أرى شبحًا عريضًا يقف أمامي، على كلٍّ، معظم من يتندّر عليّ لا يتمالك نفسه ويضحك بعد أن يسمع صوتي الضعيف هذا.
- نحن حقًّا آسفون على كل هذا، لماذا لا تجلس وتسترح!
- آه، أنت تعرف إني مللت الجلوس هنا، أنتظركم من سنوات، و.. و.. يبدو أني أتحدث كثيرًا، أليس كذلك! في الحقيقة أنا سعيد، لأن الأمور أخيرًا سوف يتم تسويتها بيننا.
- نعم، ونحن أيضًا سعداء لذلك، هل تريد البدء!
- نعم بالطّبع، ليبدأ كل شيء من جديد، حتى وإن فقدت كل شيء في الانتظار هذا، لكن هذا لا يمنع من ضرورة البدء من جديد!
- بالطبع، هلا أمليتني اسمك!
- بالتأكيد، هذه بطاقتي، اسمي كاملا موجود، كل التفاصيل عني...
- جيد، أمهلني دقيقة حتى أفرغ من كتابة العقد
- خذ وقتك، وإن كنت أرجو الإسراع، فلم يعد من وقت باقي، لكن أليس كل شيء سوف يكون على ما يرام؟
- كل شيء سيكون بخير، وسوف يمكنك البدء في حياة جديدة كما تحب!
- كل شيء يتعلّق بالوقت، سواء انتظاري، أو حتى البدء في حياة جديدة، حتى مشيبي، كان دائمًا يذكّرني بعمري وما مضى منه.. هه؛ لم يعد لدي أية شعرة سمراء أو حتى رمادية تمنحني ولو أيامًا قليلة للتعويض.. هل انتهيت؟
- نعم، العقد الآن لا ينقصه سوى توقيعك فقط.. ها هو القلم والعقد، يمكنك التوقيع هنا..
- حسنًا جدًا، أنا سعيد لدرجة أني أسترجع الآن ذكريات انتظاري هنا، كأني سوف أتركها الآن، لا أصدق..
- هل يمكنك أن تتماسك قليلًا، أن تمسك الرعشة في يديك حتى تستطيع أن توقع!
- .....
- ماذا.. هل هناك شيء، لماذا لا توقّع؟
- أنا أعتذر على هذا، لكني نسيت اسمي، هل أمليتني إياه من البطاقة؟
- ... بالطبع (....)
- جيد أني لا زلت أتذكّر الكتابة هه، رغم شيخوختي البيضاء..
- أقدم اعتذاري مرة أخرى...
- لا تعتذر، لا تذكرني حتى، أنا سعيد على كل حال، هل هناك شيء أفضل!
- على كلٍ سوف يتم إنهاء الأوراق ومراجعتها وسوف نتواصل معك لتستلم التعويض.
- هل أنت راحل الآن، هل انتهى كل شيء؟!
- نعم!
- حسنًا، وعلى كلٍ أصبحت معتاد على الانتظار، على الأقل تحدثت مع شخص حقيقي، لا يتندّر عليّ..
- لا تقلق، كل شيء سوف يكون على ما يُرام، إلى اللقاء
- إلى اللقاء...
(يرحل وتختفي صورته الشبحية من أمام عينيه... بيدٍ مُرتعشة يُدخِل بطاقته في جيبه)

Thursday, July 10, 2014

عقل غير هادئ

My rating: 5 of 5 stars

ماذا لو كتب كل إنسان قصة عن حياته النفسية؟ ماذا لو جرب كل إنسان الصدق؟ ماذا لو واجه كل إنسان نقاط ضعفه بشجاعة؟ حينها سوف نعرف حتمًا إنسانًا آخر غير الذي نعرف، إنساٌ ليس محورًا وإنما هو ذرة تراب عالقة في عجلة تديرها ضروب شتى من المقادير، لكنها ذرة نابضة بالحياة، متضوّعة بالمشاعر النبيلة، أشبه ما تكون بالكون ما قبل الإنفجار العظيم- كتلة ضئيلة تافهة لا شيء يميزها من خارجها، لكنها تحمل طاقات الكون داخلها، حين أفصحت صارت فان جوخ، تشايكوفسكي، روبرت شومان، بيتهوفن، فرانس كافكا، دوستويفسكي... هؤلاء تفجّروا ثم خلقوا عالمنا الفكري، مثلما تفجر الكون في طوره الأول وتخلَّق قوامه المادي.
لهذا فالحياة النفسية أعمق وأسمى من الخجل، من النبذ، من الشعور بالعار، من كل التفاهات المتوهَمة، يجب طرح كل هذه الأمور ومواجهتها، والإنسان كما وُلد بأعضاء تمرض فإنه ولد أيضًا بنفس معرضة للمرض، للجنون، وإن كانت أمراضها تتصل بطريقة أو بأخرى بعطبٍ جيني- وقد اكتشف العلم إن الأمراض النفسية أيضًا منشأها عضوي- إلا أنها لا تفتأ تتفوّق على المرض العضوي، الذي لا يجلب سوى العجز، في أنه يُحدث هذا التماس السحري مع النفس، الذات في مواجهة النفس، أو في داخلها في عملية مراوغة مستمرة، شد وجذب، كر وفر، الكر جنون وهوس، والفر اكتئاب... وفي حال زيادة هذا التماس الجنوني، فإن الموت يصير متجسدا، والحياة تتجهم، والمراوغة تنتقل مع الموت، والجبن والشجاعة يتهاويان، أمام شعور آخر نحو هذا الموت، شعور البيت وشعور الانتماء إلى السوداوية المطلقة. وهنا إما أن تنتهي المأساة بصفة نهائية أبدية، أو أن تُعاد الكَرّة مرة أخرى..
بالطبع جاء الإنسان الحياة ليعيشها، وقد عاشت جاميسون ثلاثين عامًا بين رحي الهوس والإكتئاب، حتى اعتصرتها مئات المرات في محاولات انتحارها، ورغم ما كابدته وعانته، إلا أنها-بحسب ما قرأت- عاشت، عاشت بحق، عاشت حياه لم يعشعها أعتى الأصحاء لدينا، وهذه الحياة هي ما أبقتها على قيدها وحالت دون انتصار وشيك للموت، هذه الحياة كان قوامها الحب، فقد استوفت منه حقها جاميسون، ووجدته بجوارها دائمًا يقظًا حنونًا في حالات هوسها واكتئابها.
التأكيد على فكرة الطبيب النفسي والعلاج النفسي، يواجه الأفكار المترسخة لدينا بخصوص أن طرق باب طبيب نفسي هو بداية طرق باب العار والنكوص والهزيمة، وهو عكس ما تؤكد عليه جاميسون: الطبيب النفسي وحبات الليثيوم هما ما أعادا إليها الحياة من جديد- طبعًا بجانب الحب!
هذا الكتاب أتى ليؤكد لديَّ عشقي للسيرة الذاتية.

بيت من لحم

My rating: 2 of 5 stars

يوسف إدريس مُحترف، يُحسن استخدام أدواته، لكنه ليس فنّان- ليس شاعرًا، وبعد قراءة مجموعته القصصية الثانية فقلّما تركت قصة ما أي أثر، الفنان شاعر- أي فنّان، وليس من غريبٍ أن يتم تصدير الشعر دومًا كونه متحدث باسم الأدب، وليس غريبًا أيضًا أن يكون هناك آلهة للشعر لا الأدب. ولأنه محترف صاحب صنعة، فقد تم اعتباره دومًا مثالا يُحتذى به في صناعة القصة، تكوينًا وشكلًا.
الشاعرية هي المُعادل الزمنيّ لخلود القصة، ولافتقار القصص لهذا العنصر المهم، فكنت أشعر كثيرًا أني أقرأ نصًّا قديمًا لم يعد يصلح لإعادة القراءة، مثل موضة انتهى زمانها، وقد استوفت حقّها من الإعجاب والانبهار.
إن كان هناك ما لفت انتباهي في المجموعة حقًا، فهو موضوع بعض القصص حول الجنس، والذي يلفت الانتباه، هو معالجة هذا الموضوع المؤرق في مجتمعنا في الآونة الأخيرة: اغتصاب- تحرش- اعتداءات جنسية- زنى محارم... إلخ.
تناول الموضوع بشكل صادق، سواء في إظهار الرغبة ضد الكبت، أو تخاذل المجتمع الذكوري أمام صيحات سيدة يتم التحرش بها داخل أتوبيس، فيعاتبها الناس لأنها لم تتستر على نفسها، أو الفقر والقدر اللذين اجتمعا على أسرة لينتقضها حقها في الحياة فتلجأن إلى وخز ضمائرهن لإشباع رغباتهن المكبوتة.
هذا الموضوع في اعتقادي مهم تناوله، وقد أحسن ذلك أو أن قراءته جاءت في وقت بدا فيه كذلك.