Tuesday, September 29, 2015

فتاة العلكة


    كنت قد أوكلت سماعة الرأس خاصتي إلى شركة (كيب إن مايند) الخاصة بالعناية بسماعات الرأس، وهي شركة عريقة أُنشِئت تزامنًا مع اختراع الترانزستور، حين تقلّصت الأشياء إلى حجوم غير مرئيّة، فأصبح الناس يتسائلون- غالبًا بعد أن يعبروا عن دهشتهم مما وصلت إليه التكنولوجيا- "لكن ماذا لو فقدنا هذه الأشياء الصغيرة جدا؟". كان مقر الشركة يمتد ما بين ميداني التحرير وطلعت حرب، يمكنك أن تشاهد بوسترات عملاقة مكتوب عليها عبارات مثل: "الأصوات الخارجية صارت مزعجة؟ إذن فاشترِ سماعة رأس معتبرة، لكن هناك ما هو أهم قبل شراء سماعة الرأس، كيب إن مايند تمنحك هذا الشيء المهم". وكانت الفتاة الشهيرة الشقراء تشير باسمة إلي نقطة لامعة صغيرة في أذنها، كان اسمها الفتاة مايند. كان الجميع يعاني من قلق الضياع المحتمل لسماعة الرأس، فضلا عن فقدان أو تلف ملحقاتها الصغيرة، لذلك فكانت هذه الشركة تعمل جاهدة على تحذير عملاءها الذين قد يواجهون المعضلة المربكة؛ الأصوات الخارجية المزعجة. اتصل بي أحد المسؤولين المهمين في الشركة وقال بنبرة رسمية "كيب إن مايند تمنحك الشيء المهم" كان على جميع موظفي الشركة أن يرددوا شعار الشركة في بداية محادثاتهم مع العملاء. ثم بدأ المحادثة الخاصة بي مباشرة دون أن يتوقف ليفصل بين ما هو رسمي وحقيقي. قال:
-          سيدي، عليك أن تنتبه؛ فالغلالة القماشية الرقيقة جدًا على وشك أن تسقط في أي لحظة، وأنا أنصحك أن تستبدلها فورًا. 
قلت له:
-          لكن هل في ذلك خطر على سماعتي؟
-          بالطبع، فهذه الغلالة القماشية الرقيقة جدًا هي المسؤولة عن تنقية الصوت وفلترة ما هو غث عمَّا هو مهم.
ثم سألني بشكل شخصي:
-          إلى من تستمع الآن سيدي؟
-          موزارت.
-          سيمفونيته الأربعين قد تسقط منها حركة كاملة، أتحدث عن الحركة البطيئة، فهذه تحتاج نقاوة تامة من الشوائب الخارجية، باختصار؛ فالغلالة القماشية الرقيقة جدًا هي ما تحفظ لك- وللجميع في الحقيقة- الحركة البطيئة للسيمفونية الأربعين لموزارت.
-          هذا مدهش. 
-          لا يسعنا إلا أن نقدم الشيء المهم دائمًا سيدي.
-          شكرًا لك.
فكرت؛ أليس من الرائع أن غلالة قماشية رقيقة جدًا هي ما تحفظ للبشرية حركة كاملة من السيمفونية الأربعين لموزارت. شعرت بالمهابة أن في أذني الآن هذا الشيء العظيم يقوم بدوره الحضاري المهم. كان عليّ العروج إلي كيب إن مايند ستورز الموزعة في كافة أنحاء وسط البلد.
أعطيت رقم الآي دي الخاص بي إلى الموظف المسؤول ودوّن بعض البيانات، مثل اسمي وعنواني والتأكيد على قائمة اهتماماتي الموسيقية، لم يكن هناك ما يستحق التحديث في القائمة، كنت أفكر أن أضيف ستروماي، لكني توصّلت إلى أنه ربما يكون نزوة مسيرها إلى الزوال مثل كيتي بيري سابقا والتي كلفني إضافتها إلي قائمتي المفضلة تغيير زر مستوى الصوت. قال لي الموظف: 
-          آسف جدا.. لكن الغلالة القماشية الرقيقة جدًا غير متوفرة في الوقت الحالي. 
-          والعمل؟
-          عليك أن تنتظر يومين على الأكثر.
-          وخلال هذه المدة؟
ارتبك الموظف قليلًا، ثم قال:
-          المشكلة أن عدد مستمعي السيمفونية الأربعين لموزارت أصبح قليل جدًا.
ضايقني ردّه:
-          لكني أدفع مقابل ذلك!
-          بالطبع.
مرّت برهة أعاد فيها ترتيب أفكاره، ثم قال:
-          هناك حلول
-          أرجوك..
-          المهرجان الشعبي لا يحتاج سوى زر مستوى الصوت وهو بالفعل يعمل لديك بكفاءة، أنصحك إن كنت من محبي هذا اللون الرائج أن تستمع إليه بدلا من موزارت.
في هذه اللحظة دخلت فتاة ووقفت بجواري تنتظر دورها رغم أن بإمكانها أن تنتظر على المقاعد الوثيرة الموزعة على جدران الستور، كانت تلوك قطعة علكة بشكل مزعج وتحدق في البوسترات البراقة المعلقة أمامها وكانت الفتاة مايند على جميع هذه البوسترات. اكتفى الموظف بأن التفت إليها ولم يبد أنه انزعج من طريقتها الغير مهذبة. كان ينتظر ردي على اقتراحه، قال:
-                        ها، سيدي؟
كان صوت العلكة التي تُمضغ بين ضروسها وطرقعة الفقاعات يملآن أذنيّ، بشكلٍ يعجزني عن التفكير في أي شيءٍ آخر. التفتّ إليها وقلت:
-          لو سمحتِ هذه ليست طريقة مهذبة.
توقفت ونظرت إليّ كأنها تنتبه لوجودي فجأة، قالت مستفسرة:
-          نعم؟!
-          صوت مضغ العلكة.. هذا شيء يفوق طاقتي الاستيعابية، فضلًا عن طاقة غلالتي القماشية الرقيقة جدًا.
نظرَتْ إلى الموظف الذي بدا أنه وُضع في موقف لم يُدرّب عليه،  قال بسذاجة:
-          حصل خير يافندم.
توقعت أن ينبهها إلي دورها الذي كان عليها أن تنتظره وفقًا للرقم الذي تسلّمته عند المدخل، لكنه كان قد أسقط رسمياته كلها. قالت:
-          هذه قلة ذوق.
طلب منها الموظف أن تستريح على أحد المقاعد إلى حين يأتي دورها. رجعتْ وقد انتبهتُ إلى سماعتها المتدلية من بين أصابعها، استنتجت أن فيها تلف ما، وبالتأكيد فقد اتصل بها أحد المسؤولين المهمين في الشركة وأخبرها بهذا التلف بعد أن أسمعها شعار الشركة: "كيب إن مايند تمنحك الشيء المهم". قال الموظف:
-          ماذا عن المهرجانات الشعبي يافندم.
قلت:
-          لا بأس، سأجرب.
-          وهناك اقتراحات تقدمها الشركة.
ثم تصفح أمامي كتالوج به عدد من فناني هذا اللون. كانوا يشبهون في وضعياتهم الخليعة وضعيات فنّاني الراب الأمريكي، حتى وإن كانت كلمات أغاني الراب الأمريكي أكثر صراحة في خلاعتها. قال بشكل شخصي:
-          هذا اللون سيعجبك، أنا أراهن على ذلك، فالصخب مهم هذه الأيام. الصخب فقط ولا شيء غيره- ثم أضاف مبتسمًا- أتحدث عن الصخب الذي تُحدثه الموسيقى طبعًا... فهمت تلميحه.
-          هناك مثلًا "أزأز كابوريا"، ستملأ أذنيك بالإزعاج المفيد، إنها لا شيء تقريبًا..
أعترف أني أُعجبت بعبارة الإزعاج المفيد هذه، وكأني أكتشف أني ظلمت الإزعاج كثيرًا معي.
-          وماذا أيضًا؟
-  "مفيش صاحب يتصاحب"... ليست مزعجة بقدر الخلط بين المغزى البائس للصداقة وبين اللحن الراقص للأغنية. هذا اللون يقدم رقصًا من هذا النوع؛ رقص على مآسي. 
هذا مدهش أيضًا.
أضاف:
-          هذان هما الفرعان الرئيسان للأغنية الشعبية.
-          حسنًا، أحب أن أجرب.
أخذ كارت الذاكرة، وملأه بهذين اللونين؛ الإزعاج المفيد، والرقص على المآسي. ثم قال، وهو ينتظر إنتهاء عملية النقل:
-          إن كنت من محبي الأغاني الأجنبية، فقد أرشح لك أغنية جديدة لريانا.
-          ما إسمها؟
-          Bitch better have my money، هذه الأغنية ترقص على عملية خطف لسيدة جميلة. قاموا بتعريتها في الكليب بالمناسبة.
ثم أخذ يضحك بذكورية منتشية.
-          أها، ضعها أيضًا.
وكان باديًا على وجهه أنه مُتشبّع بالرضا، كان من هذا النوع من الناس الذين ينتشون بتقديم اقتراحات يظنون أنها سوف تغير مسار حياة الأخرين.
انتهت عملية النقل بنجاح. قدم لي الكارت ثم قمت بتثبيته في هاتفي وأنا أسترق نظرة إلي فتاة العلكة. كانت عاقدة ذراعيها أسفل نهديها وهي تلوك بعصبية، كان أحمر الشفاة على شفتيها منسجمًا تمامًا مع لون بشرتها الصافي المائل للسُمرة.
-          متى يمكنني تغير الغلالة القماشية الرقيقة جدًا؟
-          حال توافرها سوف نقوم بإعلامك مباشرة.
شكرته ثم خرجت من الستور وأنا أفكر في الفتاة صاحبة العلكة، كانت جميلة.
في البيت التقطت سماعتي، ثبتّها في أذني، وشغلت المجموعة الجديدة التي وضعها الموظف في كارت الذاكرة. أستطيع أن أفهم موزارت لكن هؤلاء يقولون كلامًا غير مفهومًا، لكن سمته الرئيسية - بجانب الإزعاج المفيد طبعًا- أن لغتهم وقحة ورذيلة، لهذا فقد أطلقت لخيالي العنان للوقاحة والرذالة بأن تخيلتني مع فتاة العلكة نرقص ونتعرّى.

موزارت كان مترهبنًا، لكن هؤلاء يبولون على الرهبنة، بل يستمنون عليها إن كانت مثيرة ولها نهدان وتلوك العلكة بطريقة وقحة. فكرت في جدوى أن يبول الإنسان على الرهبنة والسمو، فوجدت نفسي أردد: أزأز كابوريا أزأز كابوريا لو أزأزوني هأزأز إيه.. كان ردًا وافيًا من أعماق اللاوعي. سمعت أيضًا أغنية ريانا التي ترجمتها "أيها العاهرة أعد لي نقودي"، وقد أعجبتني اللهجة المتحدية، فهي كخاطفة، تخطت المنطق إلى استرداد حقها في خطف ضحيتها.. مرة أخرى هناك من يبول على المنطق في النصف الآخر من العالم. مشكلة هذا النوع من الإزعاج المفيد أن الاستماع إليه يجعلني أتوهّم أن أحدهم ينادي عليّ من الغرفة المجاورة، لم يكن يحدث ذلك مع موزارت.. في اليوم التالي، اتصل بي مسؤول من شركة كيب إن مايند، وأخبرني بعد أن سمّعني شعار الشركة، أن الغلالة القماشية الرقيقة جدًا أصبحت متوفرة في فروع الشركة، وقدم اعتذارًا على التأخير، وأن ذلك ليس من سياسة الشركة أن تترك عملاءها للإزعاج الدائر حولهم. شكرته، ثم أعدت السماعة إلى أذني وأنا استمع لمهرجان اسمه في الغالب "يابن الإيه"، مرة أخرى كلام غير مترابط، لكن ذلك حقق هدف الأغنية؛ الإزعاج المفيد، هناك كوبليه المطرب فيه يتوعد "أصحاب القلوب الضعيفة" بشكله المخيف، من الجيد أنهم على وعي كافٍ بحقيقتهم. أعرف أنهم ليسوا فلاسفة ليدركوا كل ذلك، فكثيرًا أيضًا ما يكتب الأدباء نصوصًا لا يستوعبون قيمتها أو حتى معناها سواء بالعظمة أو الابتذال، هذا شائع عموما؛ أن يمارس الإنسان هواياته إستجابة لهذا الشيء الخارج عن إدراكه، لكن مع ذلك لا أحد يتعرض لهم بسوء لأنهم لا يبولون على الرهبنة والسمو، لكنهم يركعون تحتها، في استعداد لمضغ خراءها.
في واحد من هذه المهرجانات، أعجبني أحدهم يصارح فتاة- جميلة على الأرجح- بأن تمنحه قبله، قالها بشكل عفوي جريء. أعترف أني- بعد أن سمعت كل سيمفونيات موزارت وبيتهوفن وكونشرتوهات جريج وتشايكوفسكي، سأظل عاجزًا عن مطالبة إحداهن بقبلة بمثل هذه الجرأة. في ظهيرة اليوم التالي ذهبت إلى أحد فروع كيب إن مايند لاستلام الغلالة القماشية الرقيقة جدًا. حين سألني الموظف عن تحديث قائمتي المفضلة، أضفت المهرجانات الشعبي، ولأني لا أعرف أسماء مطربيها بشكل دقيق فقد تولى عني تسميتهم. كانت الغلالة محفوظة في علبة أنيقة لونها أحمر فاقع مكتوب عليها بخط أحمر فاتح أنيق وبسيط في الوقت ذاته عبارة: "الشيء المهم". وكان اللوجو عبارة عن خط انسيابي بسيط محفور على غطاء العلبة يمثل الفتاة مايند. قام الموظف بفتح العلبة، وكنت مهتمًا بمتابعة العملية التي سوف تحفظ للبشرية الحركة الثانية من سيمفونية موزارت رقم 40. فتح قماشة بيضاء من الحرير، كان في قلبها الغلالة، وكانت بدورها مغطاة بطبقة زجاجية بنفس أبعادها، التقط الموظف ملقاط ذهبي والتقط به الطبقة الزجاجية، ووضعها بحذر على غطاء العلبة. ثم تناول سماعتي وثبت بداخلها الغلالة القماشية الرقيقة جدًا، وكان طولها لا يتعدى خمسة ملليمترات. بعد أن انتهى من تثبيتها بحذر شديد، تنفس الصعداء وهو يناولني إياها مبتسمًا:
-          مبروك يا فندم.
-          متشكر.
فعلا موزارت يستحق ذلك وأكثر.. وأنا أستدير لمغادرة المكان لمحت الفتاة صاحبة العلكة جالسة على أحد المقاعد تنتظر دورها. كان واضحًا من نظرة عينيها المثبّتتين ناحية الحائط أمامها أنها رأتني. لم أنس بالطبع أن أنظر لنهديها المستقران على ذراعيها المعقودين تحتهما. لو أني مطرب شعبي لتغنيت بجمال استدارتهما وطلبت منها أن تمنحني إذن تقبيلهما... هكذا هي الحياة بعيدًا عن الرهبنة يا موزارت.
خرجت من المكان المكيّف الهاديء وأنا أثبت طرفيّ السماعة في أذنيّ، لأجرب الغلالة القماشية الرقيقة جدًا مع الحركة الثانية لسيمفونية موزارت الأربعين وأنا أشعر بفشل حياتيّ ممتد.