Friday, February 12, 2016

إعدام قاسم

في اليوم الذي سبق إعدامه طلب قاسم من القاضي أن يرى حفيديه، كانا يافعان، لهما نفس الطول وملامح الوجه، حيث أنه أنعم النظر في أحدهما -ماجد- مقتنعا أنه بذلك ينظر في الوقت ذاته إلى الآخر -عصفور- الذي كان مشغولا بأكل العسلية، بكى قاسم من خلف القضبان، لم يجد أفضل من أن يخبر ماجد أنه بريء، شعر أن ذلك واجب عليه قبل موته كأنها تركة لزم تسليمها إلى أحفاده، ربما لو لم يُحكم عليه بالإعدام لأخبرهما ببراءته تلك بنفس الحماس، فهي تتيح له مقدارا كبيرا من الخطابة التي يحبها. قال ماجد: وأخي؟
مسح قاسم الدموع من جفنيه وقرر أن ينظر لحفيده المجنون الذي لم يكن يشعر بشيء من حوله، ولا أن جده سوف ينمحي وجوده من العالم بشكل نهائي غدا فقط، لم يكن يدرك كل هذه الأمور المعقدة، فقط العسلية.
بعد أن جفف قاسم دموعه، سأل عصفور إن كان يعرف أن جده بريء، واستخدم ضمير الغائب كإحدى حيله في الخطابة وتسليط الضوء على نفسه بتواضع. قال عصفور: أعرف كل شيء.
قال ماجد لجده:
- إنه لا يريدك أن تقاطعه وهو يأكل.
سأل الجد:
- هل هناك ما يكفي من العسلية؟
- نعم.
- وأنت.. أعتقد أنك تعرف كيف تسيّر أمورك؟
- كل شيء بخير يا جدي
- أتعرف، أرى الحياه بشكل مختلف عما قبل، والجيد أنها ستنتهي غدا، إنها لحظة مكثفة   يا ولدي من البراءة، أتمنى أن تشعر بها. لكن بلا إعدام، بلا أية إعدامات.

ثم بكى، وكان بكاءً مصطنعًا، حيث أن التكثيف بدا وكأنه يعود للتبخير مجددًا، والمجانين يشعرون بهذه الفروقات الطفيفة، فقال عصفور متأففًا:
- أريد أن أعود لمنزلنا
سارع قاسم في تجفيف جفونه، والتقط رأس عصفور وقبلها بشكل درامي مُبالغ، حتى انفرطت حبات السمسم من بين أصابع عصفور، وكان هذا هو المشهد الذي اختتم به لقاءه الأخير مع الحفيدين.
جاء الشرطي بإشارة من قاسم، حيث أُخبر بمنحه حرية غير مشروطة للقاء أحفاده، صفد يديه وخرج به، اكتفى ماجد بتوديع جده بنظرات مؤثرة، في حين لم يتغير موقف عصفور.
في طريق العودة، أراد ماجد أن يناقش موضوع العسلية في شيء من الحزم؛ قال لأخيه:
- ألم أخبرك أن العسلية مُضرة، ستسمن.
فلطمه عصفور على وجهه، ثم أخذ برأسه يغربلها، كأنه ينفضها من هذه الفكرة، صرخ ماجد محاولًا التفلّت من بين يديه:
- طيب، طيب يا بغل.
في اليوم التالي طُلب منهما حضور إعدام جدهما، كانت الفكرة مرعبة، ليس لارتباطهما الواهي بجدهما المجرم، ولكن لأن فكرة مشاهدة أحدهم يموت، كانت تفوق احتمالهما، لكن كان عليهما الحضور، فذلك هو طلب جدهما الأخير، والذي لن ينفّذ فيه حكم الإعدام بدونه، لذلك فإعدام جدهما يتوقف على حضورهما. لذا فقد ذهبا.
توقفا أمام منصة الإعدام، وتلا ضابط سجل تهمه:
"قتل عاملين بمصنع الزجاج/ سرقة رواتب العاملين بمصنع الزجاج/ اغتصاب فتاتين قاصرتين/ إتجار بالمخدرات..."
واستمر في تلاوة باقي سجل إجراماته، في حين كان قاسم يقف منتصبًا مشدودًا كالوتر.. أدار رأسه المغطاة بكيسٍ قماشي أسود إلى الجهة اليسرى حيث وقف حفيداه، لم يكن عصفور يأكل العسلية، حيث مُنع من الدخول بها، باعتبارها مواد غير لائقة في حضور لحظة الإعدام، وكان الشرطي الذي جرده منها يضحك لغرابة الموقف؛ أن يأكل عسلية وهو يشهد إعدام جده.
بعدما فرغ الضابط من تلاوة سجل إجراماته، صاح قاسم قائلًا: "جدّكما.." إلا أن العسكري لم يمهله حتى يكملها فنُفِّذ فيه الحكم بالإعدام، وهوى مُعلقًا من رقبته يتأرجح.
خرجا الأخوان، وبمجرد أن استلم عصفور عسلياته، حتى بدأ في التهامها، طلب منه أخوه واحدة، لكنه كان يفكر بأسى في جده الراحل، حتى انتُشل من تفكيره العميق بجذبة من يدي أخيه تغربل رأسه وهو يُعنّفه:
- ستسمن، ستسمن.
شاهد الضابط ذلك ولم يستطع منع نفسه من الضحك.