Sunday, March 30, 2014

نوميديا

(1)

أجلس على مقعد خالي داخل الميكروباص، في منتصفه بجوار النافذة الزجاجية،
أرى المقعد الذي أمامي بوضوح، لا أرى من المقعد الأول سوى مسنده، وفي المقدمة المسند الطويل لمقعد السائق يحجب المقود. أعقد ذراعيّ على المسند الذي أمامي، وأنتظر حتى يكتمل العدد، ليس هناك غيري وآخر جالسًا على المقعد الأول، ينتظر ساكنًا. أتسلّى
بالنظر إلى واجهات المحال، إلى الشوارع المتفرعة عن الطريق، أرى ذلك كثيرًا فأنا
أسافر منذ ست سنوات تقريبًا، لذلك فأنا أنظر إليها بلا سبب، وبلا هدف، حتى أني
بإطالة النظر إليها أشعر بالملل أكثر وبثقل الانتظار أكثر، لماذا أنظر إليها، إذن؟! بسبب الملل. لا أتذكّر كيف كان انطباعي الأول عنها. أنظر بنصف عينٍ، أعصابي مرتخية، الملل يغذي خلاياي ونبضات خافتة من قلبي تدق عليها في كل أجزاء جسمي، حتى قدمي داخل حذائي، قد أنعس إن لم يكتمل العدد سريعًا. كل شيءٍ أراه من نافذة الميكروباص يعكس ضوء الشمس، واجهات المحال الزجاجية، الحصى اللامع على الأرض، الأحذية الجلدية للمشاة، ظلال كثيرة مائلة ترسم جدران الأبنية بميل وقصرٍ واضحين، توحي بالزحام أكثر. يأتي راكب ثالث، لا يبدو عليه أنه من المنطقة، ينظر بارتباك إلى كل شيء، كأنه يستشعر ثقل زيارته علينا، لكننا كنا نشعر بالملل أكثر، هذا ما لا يعرفه، واضح أنها زيارته الأولى، أتساءل عمّا تتأثر به نفسه من تلك المشاهد التي أراها باستمرار في كل مرّة أسافر فيها، ماذا تُمثل له واجهة محل الحلويات التي يراها لأول مرة، فيما سيفكر لو أمعن النظر إلى أطباق الحلوى المعروضة بنسقٍ جديد عليه، فيما سيفكر وهو يسمع هتاف السائق بنبرة غريبة عليه -فلكل بلد نبرة مختلفة لسائقيه- ما الذي سيشعر به حين يجلس جوار رجل اعتاد السفر مثلي، كيف سيشعر بفارق الخبرة هذه، ربما يرتبك قليلا، وها هو يحاول الجلوس في هدوء كأنه لا يود إيذاء أحد، يعتدل في جلسته، يتنهد إيذانًا بانتهاء جلوسه، والرجل الذي بجواره لا يهتم، لا أعرف إن كان نائمًا أو ينظر إلى شيءٍ ما، كنّا ننتظر فقط.

يبدأ الزائر في النظر يساره من خلال النافذة- عبر الراكب الآخر، ويبدأ في
تكوين انطباعاته الأولى، أهتم أنا برصد هذه الانطباعات على جانب وجهه، لكنه-وجهه- لم يبد أي تأثرًا، أصابني الإحباط، كنت أود أن أتذكّر كيف كان انطباعي الأول،
لكنه ظل ينظر إلى واجهات المحال، المشاة، وربما الظلال.

(2)

أخبرني ابن عمّي أنه قادمٌ من الخارج بعد غد، وأنه لم يعد هناك ما يستحق العمل، أو بالأحرى لم يعد هناك عمل، كان صوته يصل إليّ سعيدًا مفعمًا بالأمل، سيأتي لرؤية زوجته الجميلة، والعيش في قريته التي ارتبط بها كثيرًا منذ طفولته أكثر من أي مكانٍ آخر، طلب منّي زيارته حين يصل، قالها وهو مازال سعيدًا برؤية زوجته والعيش في قريته، لم أكن أشعر بذلك- لم أجرب، فليس لدي زوجة، ولست سعيدا في بلدتي، لذلك فكنت أسمع صوته وأنا أتذكر ذلك، اعتذرت وأخبرته أنني لن أستطيع زيارته "سألقاك
يومًا ما، حين لا أكون حزينًا، فهذا أفضل" أغلقت الخط، وظللت ممسكًا بسماعة
الهاتف لبرهة حتى تعرّقت يدي، وتركتها.

(3)


ينطلق الميكروباص بعد أن اكتمل العدد.

*****
29 مارس 2014