Friday, December 27, 2013

في حرية الاعتقاد في "يوم التدوين العربي عن الحق في حرية العقيدة"

لماذا يجب أن تكون عقيدة الإنسان حرية مطلقة؟

لأن الأصولية منشأها وجود قيود على الحريات عامةً وعلى حرية العقيدة بصفة خاصة، فالمتدين الأصولي يعتمد في وجوده على القوانين التي تجرّم وجود الآخر، فتمنحة بذلك بيئة (شرعية) يمارس فيها أصوليته على الآخر لأنها تمنحه قوة تسلبها من الآخر. وحتى الملحد ذى الميول الأصولية فهو يرى في تلك القيود الجائرة سببًا عادلًا لعدوانيته للآخر وللمجتمع... ألا ترون أن حرية الاعتقاد كفيلة بإنهاك حالة الأصولية التي يعاني منها المجتمع، ألا ترون أن حرية الفكر وحدها، في ظل قيم إنسانية، قادرة على خلق بيئة لتقبل الآخر ومجتمع يقبل الاختلاف بصدرٍ رحب؟
ــــــــــــ

لأنه كلما اتّسعت ثقافة المرء ونما فكره زادت حاجته إلى المزيد من الحرية، ومع اصطدامه بتلك القيود، فإنه يواجه سلطة أخرى غير سلطة الفكر- سلطة التحاور الفكري- فيتعطّل مجهوده الفكري الذي هو جزء من مشروع جمعي، لن تقوم حضارة من الحضارات بدونه، وأنا هنا لا أنظر إلى حرية الإعتقاد تلك النظرة الضيقة التي هي مجرد منح الآخر حقا قانونيًا في الوجود أو التعبير عن رأيه (وهما حقَّان جوهريان)، ولكني أنظر إليها على أنها إحدى الثوابت التي يجب أن تنطلق منها أي فكرة بناءة، فالمفكر الذي يُطلق أفكاره بلا أي تحرّج من وجود قيود على الآخر لمجرد أنه آمن على حرية اعتقاده، هو لا شك مفكّر تفتقد أفكاره إلى أبسط مباديء الإنسانية وأسسها السليمة.

المجتمع السليم، إريك فروم

My rating: 4 of 5 stars

البشر مجانين، نحن مجانين أيها (العاقل)!

نحن ما نخلق الأوهام ثم نصدقها. نصنع السلاح ثم نقتل به أنفسنا، إنك إن لم تصنع سلاحًا، فلا تغتر بمثاليتك، أنت فقط لم تجد الفرصة. وعندما تُوفِّيت السيدة الطيبة سألها رفيقها في القبر وهما في انتظار الحساب:
- وأنتِ لماذا فعلتِ الخير؟
ردت في أسى:
- لا أعرف! كأني لم أكن أفعله، كأن آخر داخلي هو من يريد، أنا كنت أريد أشياءًا أخرى!
ـــــــــــــ
الثوابت والبديهيات هي أسوأ ما يتم تداوله. والأسوأ من ذلك هو تداوله عبر سلطات أخرى غير سلطة التفكير.
الحياة مليئة بالمتناقضات، عبث هنا وخرافات هناك، هل هذا مُقدَّرٌ علينا؟ هل من الطبيعي أن تواكب أزهى عصور الإنسانية أبشع حروبها على مر تاريخها. هل نحن حقا نعيش أزهى عصور الإنسانية من الأساس؟!
بمجرد ما أن تفتحت طاقات العلم للإنسان وصار هو من يتحكم في الطبيعة، قرر أن يقتل ملايين البشر وينشرالحروب في شتّى البقاع كيفما استطاع، أمريكا راعية حقوق الإنسان تُلقي في مياه المحيط ملايين الأطنان من القمح لتحافظ على سعره مرتفعا، والملايين من البشر يموتون جوعا حول العالم!

بعد كل هذه المآسي، كيف يُمكننا أن ندَّعي تطور الإنسان، وهو ما أن يتمكن من رُقيِّه المادي حتى يطمس بواعث الإنسانية داخله ويرتفع تقديره للأشياء إلى حد التأليه؟!

أُفكّر أحياناً، هل كل ما حققه الإنسان بعد هذا العمر الطويل من الاكتشافات والخبرات والصدامات مع الطبيعة، هو مجرد صناعة سيارة حديثة لمجرد تسهيل الانتقال، أو أن التكنولوجيا والعلوم تنصبُّ في موبايل جلاكسي إس فور –مثلا- هل صناعة أقوى طائرة حربية مقياسًا يصلح للإنسانية؟
حتى إنّ ربْط ذلك بالإنسانية يبدو غريبا علينا! فنحن نتحدث عن التقدم والرفاهية والاقتصاد، كلها أرقام.. لقد تحولنا من كائنات نتعامل مع أشياء محسوسة إلى أشياء مجردة، الأرقام تحول المحسوس إلى مجرد!
ونسينا جوهرنا، نسينا سبب وجودنا الحتمي..

يا صديقي نحن جميعًا زائرون على هذا الكوكب، سقطنا بطريقة ما من السماء لنجد أنفسنا على الأرض (وهو كوكب من الأساس غريب علينا)، وبعد أيام سنرحل، لا نعرف إلى أين لكننا جميعا سنفترق، ألا يجعلنا هذا أشد تماسكا. لماذا لا نفكر بطريقة أكثر تعقُّلا...
بحق السماء ما الذي نفعله؟!!

إريك فروم يفصل بين الذكاء والعقل ويرى أن إنسان القرن العشرين يتقدم بصورة مذهلة في الذكاء، وهي القدرة على التحليل والاكتشاف، لكن عقليا أصبح مريضا والمجتمع ككل أصبح عليلا، فالعقل هو القدرة على معرفة بواطن الأمور، معرفة مايحدث خلف الظواهر، وهذا ما لا تتيحه التكنولوجيا التي تجعلنا نلهث وراء المادة. فنحن لا نعمل إلا للحصول على أجر مجزي لنتمكن من الحصول على الكثير من الأشياء، حينها سيمتليء عالمنا بالأشياء، وسنضمحل أمام أنفسنا وننفصل عنها، لذلك فإننا كثيرا ما نشعر بالقلق رغم أننا نمتلك كل ما نريد، لكننا لا نلمس ذواتنا... فليس غريب أن يكون عصر القلق –كما هو معروف عن عصرنا- هو نفسه عصر التملُك.

ما فعله إريك فروم هو نقض البديهيات، وفكرة أن كل هذا القائم لا مفر منه، وأن رغم كل مكتسبات الحياة الحديثة فلابد من بعض التضحيات، فلن نصل على أيَّةِ حالٍ إلى حالة الكمال.. لكن إريك فروم هو من أضاء فكرة انفصال الإنسان عن نفسه وعن واقعه وإنسانيته، فإن كان هذا هو الحال، فلابد إذن من مراجعة حساباتنا، فالخسارة أعظم مما نعتقد والكارثة أننا لا نشعر بها، لتلذذنا بحياتنا الآلية وبخضوعنا لقوانين الحياة الرأسمالية... لهذا فليس حقا أسوأ من البديهيات..

أعتقد أنه من الجيد منح هؤلاء الذين يحملون في رؤوسهم أفكار وأيديولوجيات معينة، يجب منحهم الفرصة للتعبير عن تلك الأيديولوجيات، وفي مواجهة الرأسمالية المستعرة يقترح فروم فكرة الإشتراكية الإنسانية، وهي تختلف اختلافا تاما عن تلك التي تم تطبيقها- بصورة خاطئة، كما يرى- في روسيا وبريطانيا. فهو ينتقد انتقادا لاذعا كل هؤلاء الذين تخلوا عن الفكرة الأم للاشتراكية والتي تم طرحها حتى من قبل ماركس وإنجلز، والتي كانت في الأساس تهدف إلى بناء إنسان متكامل في إنسانيته ليكون نواة لمجتمع سليم. وينتقد حتى ماركس الذي صب كل اهتمامه بالإشتراكية في الاقتصاد وحده وإهماله باقي جوانب الحياة، هذا إن أردنا تطبيق الاشتراكية كنظام عام في الدولة. فلن يقوم مجتمع سليم بالاقتصاد وحده أو السياسة وحدها أو الثقافة وحدها، وإنه لابد من تناغم بينهم جميعا وبين شتَّى فروع الحياة، وإلا أصاب المجتمع سقم لا يقل عما أصاب الرأسمالية، وينتهي من مقارنته بين الاشتراكية الحالية (خمسينيات القرن العشرين) والرأسمالية إلى أنهما رغم اختلافاتهم فهما يتفقان في الكثير من الأمور، مثل اهتمامهم الزائد برأس المال، وأن الآلة هي ما تدير الإنسان، أو بمعنى آخر؛ الإنسان يعمل من أجل الآلة. فبالتالي يتعزز انفصال الإنسان عن نفسه. فيتوصل في النهاية إلى تلاشي الفروق الجوهرية بينهما، حتى وإن اختلفا في الظاهر ..

أقول أنه بعد أن أضاء فروم تلك النقطة وأزاح بعض البديهيات فإنه يمنحنا بعض الأمل في أن بعض الشقاء الذي يُعانيه الإنسان قد يكون بسبب الأنظمة الوضعية القائمة، وقد تكون سعادته في نظام آخر يعطي لإنسانيته حقها. من يعرف أليس من الممكن أن تكون مشكلة الإنسان هي الأنظمة الوضعية؟ من هنا يمكننا التشبث ببعض الأمل والتغلب على أفكارنا القهرية المرتبطة بالقدر ووضع الإنسان الوجودي، فنحن لم نكتشف بعد هذا العالم الإنساني الذي يتحدث عنه فروم ويربطه برسالات الأنبياء والمبشرين والفلاسفة، فقط إن وجد الإنسان عقله وتخلّى عن سيطرة ذكاءه، حينها سنكتشف هذا العالم...

لا أُنكر أنّي استشعرت ببعض يوتوبية الفكرة، لكننا لا نملك إلا هذا الأمل الذي الذي يجعل الإنسانية هي الهدف الأعظم من الحياة بلا أي أقنعة، أو بمعنى آخر: لنُجرب شيئا جديدا لم تعهده البشرية من قبل، لماذا لا نعيد اكتشاف أنفسنا على حقيقتها؟!

أيضا أتعجب من مدى تعطش القاريء الغربي لفكرة إريك فروم ودعوته الجادة لأنسنة العمل والعلاقات بين الناس ودعوته لتأكيد علاقة الإنسان بذاته وإحساسه بوجوده، وهذا واضح من تقييمهم للكتاب وتعليقاتهم، وهذا رغم الفكرة المنطبعة في أذهننا عنهم أنهم من ينامون ويصحون في سعادة وأحلام ملائكية للرفاهية التي نغبطهم عليها ونحاول احتذاءهم في طريقهم إليها، وهذا ما يؤكد فكرة فروم عن الآلية وتحكمها في الإنسان وانفصاله عن طبيعته وذاته، ولأن الغرب قطع شوطا كبيرا في العملية الآلية فيمكننا أن نطمئن لآراء فروم التي تحمس له مواطنو دولته..

منحت الكتاب أربع نجمات لأن أفكار فروم لازالت في طور الميلاد وهناك الكثير من الأفكار لم يوفِّها حقّها، وأحيانا لم تكن بالإقناع الكافي، بالنسبة للترجمة فهي جيدة جدا، باستثناء تدخل المترجم السافر في إضافة عبارات خاصة بآراءه الشخصية، وأحيانا التنويه بكتاب ترجمه إلى العربية ذكره فروم، كل هذا في وسط أفكار الكاتب بدون استخدام للهوامش أو حتى التنويه بذلك!

لكن على كل حال، سعيد لانتهاء العام بهذا الكتاب، أستطيع أن أقول أنه قد يكون من أكثر الكتب تأثيرًا فيّ.

Friday, December 13, 2013

إنّهُم لا يَهتمون بِنا

تعاليْ ندهسُ بأقدامِنا عفنَ المدينةِ، نتجاوزُ الشحّاذَ الذي صار جسَدُه في لَونِ الخِرقة التي يرتديها، ينشُ ذبابًا عن ذقنِه الكثّة ثُمّ يأْكلُها معَ رغيفِ الخبزِ، وينظرُ إلينا في ازدراءٍ ونحنُ نهرب،
تعاليْ نتجاوز عن نساءٍ لم يرتدْن حمالاتِ الصدرِ فأعلنَّ سخطهِنَّ على العالمِ في مشيتِهنَّ القاسِية
تعالي نتجاوز رائحة الحي؛ رائحة الطعام يُطهى مع رائحة القمامة مع رائحةِ دخانٍ لأشياءٍ تحترق،
تعالى نهجُر كلَّ ذلك خلفَنا ونحنُ نمُرُّ على رجالِ الشرطةِ الحمقَى وهُم لا يَرونا، أو لا يَهتمّون بِنا،
تعالي نتْرُك دُخَان الحشيش الذي يتسرّب منْ فتحاتِ أبوابِ بيوتِ المساطيل،
تعالي نتجاوزهم جميعًا، حتى نصيرُ وحدَنا، أو حتى نجدُ بحراً أو جبلًا أو قمراً ينتظرُنا وحدَنا، ثُمّ نرقُص غير عابئين بكُلِّ ما يَحدُث، ولا تُخبريني أنّني مجنون، فأنتِ تضحَكين وأنتِ تقولينها!
افردي ذراعيكِ مِثلي وراقبي القمرَ معي ثم هزي قدّك، أطلِقي لنفسك العنان وابدأي معي في الصُّراخ، ألا تَشعرين بلذّة الجنون؟ دَعينا نشعُر بالتَّعبِ قليلاً ونتخلصُ مِن كلِّ المللْ، نرقُص ونهزّ أجسادَنا في نشوة، حتّى نشعُر فَجأة أنَّنا صِرنا طُيوراً تُحلّق،
حينها سنتباهى أَنّنا صِرنا مجانين، وسَنُكرر ذلك كُلّ ليلةٍ حينَ تهمسين في أُذني وأنتِ تشيرين للقمرِ مُبتسمة: "هيا بنا نرقص"!

موسيقى الأكتاف



استدعيتُ ربي، دائماً يأتيني، فهو محب لإجابة الأسئلة كثيراً خصوصاً وإن كانت ذات مغزى، هو أخبرني ذلك في يومٍ ما، وكانت الأمور تسير حقاً على ما يُرام، حتى صِرتُ شديد الإلحاف فتركني على سؤال ألقيته، كنت عبداً وقحاً، عذراً يا رب.. هذا جزء من الحوار الذي دار بيننا، بالطبع لن أذكره كله، فهناك أسرار يأتمنني عليها، أشياء خاصة بيني وبينه:

- ....

- لا يا رب ليس تدخلاً في مشيئتك، كنت فقط أقترح لو وضعت جوار ملائكة الأكتاف ملائكة للعزف، فالموسيقى شيء رائع حقاً يا رب، ونحن، عبيدك المخلصون، في أشد الحاجة إلى مثل تلك الأشياء، نحن أكثر مسكنة من أن يدون أحدهم أفعالنا السخيفة يا رب، كنت أفكر ليلة قبل أن أسلم جفوني للنوم؛ إن كان أحدهم حقاً يدون ما أفكر فيه الآن، وماذا سيكون عليه الحال لو كان ملاكاً يعزف سيمفونية ملائكية قبل أن أنام، بالطبع ستكون أعظم قيمة من تلك الخامسة التي أنجزها بيتهوفن، ناهيك يارب، جلالتك، عما ستتركه في نفوسنا من أثر، أخبرتك من قبل أن عمِّي كان يخيفنى من كتفي الأيسر، وقال لي ملء سبابته، احذر هذا الكتف اللعين، وكنت أهز رأسي طوعاً ورهبة، ولما كبرت وسمعت الموسيقى، وجدت أنه من الأفضل لو خلقت ملاكًا يعزف الفلوت على كتفي الأيمن وآخر لعزف الكمان على كتفي الأيسر، بهذا لا أشعر بالخوف يا رب...

- ....

- عذرًا للإطالة يا رب، هل تريد أن تسمع حكاية أخرى أنجزتها قبل يومين ورفضت أن أقصّها على أحد حتى تتطلع أنت عليها..

- ....

- ها هي يا رب:

"ما أكثر الوخزات هذه الأيام" قلتها غير عابيء بما يحدث على كتفي وأنا أستأنف السير بلا هدفٍ واضح على الطريق العاري من الناس، ولما تكرر الأمر بدا لي أنه ليس مجرد وخز متكرر على كتفى، وكان لي أن أتوقف عاجلا وأن أتحقق من الأمر بنفسي، الشمس حارقة والأفق يتراقص فوق السراب، والطيور تحلق بثقل، بياضها الناصع يزيد تأكيد احتراق العالم، ما هذا الوخز إذن؟ 
عليّ أن أعترف أن الأحلام ملّت عالمها المنغلق وها هي تقتحم الواقع بتبجح، وربما اختارت بيئتها تلك بعناية فائقة، فهل من أجواء أكثر ملائمة للأحلام من سراب قابع تحت أفق يتلوى احتراقا، وطيور بيضاء غامضة تحلق بلا هدف تحت أفران الشمس.
نسيت أن أخبرك يا رب لماذا كنت أسير بلا هدف واضح فى تلك الطريق؟ وما الذي أوصلني هناك؟ حسناً، فإنه ليس من إجابة تبرر هروبي ذلك، سوى أنه هروب، فقط هروب!
التفتُّ إلى كتفي الأيمن حيث مكان الوخز الشديد، تحسست مكانه، فوجدته خاويا، خاويا كالصحراء التى أسير فيها، وأدركت أن الوخز ما هو إلا نقصان شيء، شيء ما اعتدت عليه، فعرفت أن أحدهم، وكان رجلا طيبا يدون أعمالي الطيبة كما أخبرني عمي من قبل، قد ترك المكان وهاجر، فلا عمل لديه، فما الشيء الطيب الذي يمكننى حقا أن أفعله لأستحق ملاكا يدونه في أوراق مقدسة بحبر من الجنة، أنا تافه يارب، لذا فقد هاجر الرجل الطيب، ومن الواضح أن الآخر هاجر لما ملّ كل الأفعال السخيفة التي أفعلها، فما الذي يعنيه له أني سببت المرأة المتبجحة في سرِّي، وما الذي يعنيه له أني شاهدت فيلما إباحيا مللاً، وما الذي يعنيه له أني تركت صلاة العشاء لما شعرت أن لا جديد في الأمر وأنى كل مرة أفكر في نفس الأمور التافهة في الصلاة، كأن تلك التوافه أصبحت جزءًا من صلاتي يا رب، فتركت صلاة العشاء هربًا من تلك الأمور التافهة وتنزيهاً لجلالتك عنها، لا أكثر... ما الذي يعنيه لهما أن ... ربي.. هل ذهبت يا رب؟!
-
- ربي، هل تركتني!.. هل تعدني أن تحضر لي ملائكة للموسيقى بدلا من الملائكة التي رحلت؟ الوخز حقا يزيد يا رب.. ربي؟
-

مشاهد اعتيادية من أيام الحرب


-         اقفل يا بني الشباك عايزين نعرف نحل!
(ضرب النار يستمر بالخارج، وصوت الرصاص يصير مكتوما بعد غلق النافذة)
...........................
-         هو دا ضرب نار يا دكتور؟
الدكتور يفكر مطرقا، ويقول في تململ:
*         ياريت!
-         خرطوش؟
يسير ببطء عاقدا ذراعيه خلف ظهره، ويقول في هدوء:
*         ياريت برضو!
-         أمال إيه دا يا دكتور؟
*         دي قنابل.. الموضوع كبر..
        ...........................

أمام مدخل المبنى..

-         إيه الغيمة دي، هي هتمطر ولا إيه؟!
-         لا دي مش غيمة، دا دخان!
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشاهد من أحداث هندسة الزقازيق / نوفمبر- ديسمبر 2013

Wednesday, December 11, 2013

لو أنّ اللوحة تتكلم!



نظرَ مليّاً إلى اللوحة المؤطرة بإطار خشبيّ مذهّب، وتأمل الجملة المكتوبة بإتقان أثار انتباهه:
(لا إله إلا الله) كانت (لا) ممتدة من أول اللوحة حتى آخرها لتحتوي بداخلها باقي الجملة، وكانت (الله) تعلوهم جميعاً فى شموخِ واضح ولمّا أمعن في الجملة شعر بخجل عجز عن تحديد كنهه، ولما كان وحده، والخجل الغريب هذا يضيق عليه أكثر، ترك اللوحة واستلقى على الأريكة، وكانت تأتيه رغماً عنه انعكاسات خرزات اللوحة على جانب عينه اليسرى، كانت هناك لوحة أخرى في مواجهته، هرب منها ولم يحاول أن يعرف ما المكتوب بداخلها.
ظلت (لا إله إلا الله) تتردد داخله، كأن آخر داخله يواجهه بخجله، كأن هذا الآخر يود لو يقتلع من فمه اعترافا ما، لم يكن يعرف كنه هذا الخجل ولا طبيعة الاعتراف ولا من يكون هذا الآخر! فكان الضيق يزداد عليه حتى ضاق صدره بالغرفة، وقف مرة أخرى أمام اللوحة وسار بعينيه على طول حافة كل حرف منها كأنما يود أن يقتل خجله بالملل، ثم أمعن فى الخرزات وطريقة تثبيتها وتناسق ألوانها، ولمّا ملّ من شغفه المفتعل أصدر تنهيدة طويلة مسموعة بوضوح، قتلت الآخر بداخله، أو أنهما اندمجا معا فى واحد، ونظر إلى اللوحة بطريقة مختلفة، لم تكن نظرته إلى الخرزات أو الحروف وإنما فى (لا إله إلا الله) ذاتها، ثم قال:
- واجهني، لِمَ تخيفنى؟ أنا لا أعرف ما هذا.. أنت تعرف عنى كل شيء، أخبرنى.. من ذا الذى بداخلى، من ذا الذى يقتلنى؟
ولما انتهى، خرج الصمت من قمقمه ليُعيد كل شيء إلى مكانه؛ سكون الغرفة، ال (لا) الممتدة من أول اللوحة إلى نهايتها وال (الله) الشامخة، والخرزات التى تعكس ضوء المصباح، والإطار الخشبىّ المذهب الذى يحتويهم بداخله، ثم أحس كم هو سخيف أن يتحدث إلى لوحة. ولما كانت قد تسرّبت إلى نفسه بعض النشاط ساعدته على المواجهة، فإن نشاطه هذا ما لبث أن غاص فى القلق أكثر، ولم يعْدُ عن كونه حالة عارضة ليستمر فى ذاك التيه الذى يعجز دائما عن تحديد سببه.
هُييء له أن أحدا فى الكون سيسمعه فيُشفق عليه، فتتحدث اللوحة أو ينفلق سقف غرفته على الأسرار، أو أنه يُبعث حيث يستطيع أن يُقابل كل اللذين بداخله وخارجه، لكن شيئا من هذا لم يحدث، وأحس فجأة بعداوة داخله لم يعهدها فى نفسه من قبل، فكره اللوحة وضايقه اللون الرماديّ للخلفية، لكنه تركها خلفه واستلقى على الأريكة في استرخاء مصطنع أيقظ بداخله ذاك الآخر مرة أخرى، ولما أيقن أن لا فُكاك منه سلّم نفسه إليه وإلى أفكاره وإلى انعكاسات خرزات اللوحة التي هزمته فى النهاية، وأمعن فى اللوحة التى أمامه.

Sunday, December 8, 2013

والله بعودة يا أحلام

من أغرب الأحلام اللى مرت على ever:
مستلقي على أرض واسعة في الليل أتأمل النجوم، وفي يدي جهاز خاص أراسل به أحد النجوم، وعلى طريقة "الطيور الغاضبة"- Angry Birds، أصوّب الجهاز فتبدأ بعض النقاط الضوئية في الظهور في الفضاء بين الجهاز والنجم لتصحيح المسار الذي ستتحرك عليه الإشارات نحو النجم، ثم أبدأ في إرسالها، وبعد حين يرد عليّ النجم بومضة محسوسة من الضوء لتسقط على الأرض فأهرب بعيدًا حتى لا تلسعنى سخونتها، وأتأمل جمالها القرمزى من بعيد وأنا مشدوه..

ثم المشهد التالي الأكثر غرابة؛ لديّ قصر عظيم تحت الماء تقتحمه بعض الكائنات الفضائية تريد احتلاله وبعد صراعات وقتال وكرّ وفرّ(اتشالت فى المونتاج بعد ما صحيت) وجدت نفسي معهم بجوارهم على الشاطيء وصدورنا تعلو وتهبط من كثرة العراك والتعب، ننتظر خروج القصر من تحت الماء، ثم ينشق الماء لتظهر قمة القصر فيصيح الجميع ويهلل، وكان من الواضح أن الكائنات الفضائية انتصرت.. وعشان فرويد ياكل عيش، لا أنسى أثناء إقتحام الكائنات الفضائية كان هناك عرس بين قطين كبيرين وكان القط متحمس جدًا، لدرجة إن بعد خروج القصر من الماء وفي لفتة جيدة من المخرج تتحول الكاميرا إلى القط وهو يؤدى مهامه الزوجية فى حماس واضح وسعادة بالغة... وينتهي الحلم بهذه النهاية السعيدة!

Thursday, December 5, 2013

أرخص ليالى- يوسف إدريس

My rating: 3 of 5 stars

دى بقا مجموعة "نظرة"، قصة نظرة اللى درسناها في ثانوى.
لما انسى اسم المجموعة (أرخص ليالي) أفتكر نظرة.
القصة دي رغم قصرها فهى مثل رصاصة بحق، على وصف يوسف إدريس، إلا إن فيها حاجة:
بحس إنها مثلا هى الإعلان العالمي لحقوق الطفل، دستور الطفل فى العالم، مفيش مادة دستورية تقدر تعبر عن حقوق الطفل زى القصة دى. هى صرخة طفل عجز عن التعبير، فتولّى أمره واحد بإنسانية وأدب يوسف إدريس.

يمكن تقسيم المجموعة لجزأين: -جزء القصص فيه عادية، ينتمى –غالبا- لبدايات يوسف إدريس الأدبية، الوصف فيه إلى حد ما ضعيف.
-والجزء الآخر مكتوب بحرفية شديدة، قدرة عجيبة على الوصف، اقتناص لحظات من صعوبتها أحيانا لا أتمالك نفسى من الضحك، أو من الإندماج لدقة الوصف، لدرجة إنى بحس إن الأحداث ماثلة أمامي، ودا جزء من عبقرية يوسف إدريس، وصف هايل، والغريب إن عنده القدرة دي في أي موقف تقريبا وأي بيئة؛ فلاحين، موظفين، أطباء... لكن طبعا يوسف إدريس أكثر خبرة فى حياة الفلاحين والمهمشين بحكم بيئته الأولى، هو من فاقوس، على بعد ساعة من هنا – زقازيقنا :)

أكثر ما يميز المجموعة هى روحها الخفيفة اللى أحيانا طغت على الفكرة أو القضية، فلا تتعدى أكثر القصص عن كونها محبوكة كويس والوصف فيها مضبوط جدا، ودمها خفيف، لكن لغياب نظرة فلسفية أو مغزى ما فالقصة بمجرد ماتنتهى ينتهى تأثيرها، والآن لا أتذكر إلا القليل من القصص. وربما لاختيار يوسف إدريس لعناوين قصصه فى كلمة واحدة أثرها في النسيان: الرهان، الأمنية، الحادث، الشهادة...

لكن على أى حال استمتعت، وخاصة بقصص: أبو سيد، الأمنية، الحادث، فى الليل (ملحمة من الضحك :D).. وطبعا، قصة نظرة.
معظم القصص دى يغلب عليها الطابع الفكاهى، يوسف إدريس بارع فيه جدا.
ـــــــــــ

ولا أستطيع هنا أن أتغاضى عما صاحبني من أحداث يوم اشتريت هذه المجموعة؛ فى ميدان المحافظة: الفانتازيا المحيطة بي: احتفالات غوغائية بعيد ميلاد شخص مهم؛ رقص مثل المجاذيب وفاقدى العقول، جنون الرعاع على موسيقى صاخبة (الموسيقى بريئة منها)، طقوسهم فى الاحتفال تشبه طقوس عبادة البقر (رغم أنى لا أعرف ما هى طقوس عبادة البقر)، هذا غير الشيخ المجنون اللى ألهبته الحماسة وأخد يتراقص حتى تمادى فيه وظل يرقص كما الغواني، رغم تجاعيد عمره المديد وجلبابه المهتريء وملامح وجهه الصلدة المخيفة التى لا تشى بأى تفاعل مع الرقص، إلا إن هذا الشيخ كان يردد كلمات التقطها بصعوبة من فم مكبر الصوت البعيد (اللى عند المجاذيب) مع رقصاته الغريبة فى نشوة عجيبة، ورغم إن الجميع كان يبتعد عنه مفضلا تغذية فضوله بعيداً عن رقصه المجنون، إلا أنى، وبدافع من الكتابين اللى فى إيدى، فضّلت أن أتابع عن قرب، وألّح علىّ شعور ما بأن هذه قصة هربت لتوها من بين دفتيّ مجموعة قصصية مكتوبة باحترافية شديدة وكان الأمر بالنسبة لى قصة قصيرة أتابعها بشغف، فلا يجب أن نخشى من أبطال القصص، فكنت الأكثر قُربا منه. كانت تشكيلة عجيبة من البشر؛ المجاذيب الراقصون على خشبة مسرح متهالك يلوّحون بمديات حادة، حولهم فتيات أسرفن فى وضع مساحيق التجميل فكانت ضحكاتهن وهن ممسكات بصورة الرجل المهم تثير فى نفسى الازدراء وما أثاره أكثر عباءاتهن المرسومة بدقة على أجسادهن ما يثير لعاب الكلاب الضالة، الشيخ الراقص، ورجال الأمن الجالسين مستندين على أعقاب أسلحتهم من خلفهم سياراتهم المدرعة، يشاهدون مايحدث فى رضا تام، ينتقلون بأبصارهم إلى الشيخ الراقص فيستحيل الرضا ضحك متتابع، حتى بدت لي أسلحتهم الساكنة وديعة مع ضحكاتهم.. وذهبت أنا بالكتابين مكتفيا بالقصص التى فيهما!
ــــــــــــــــــــ

أليس من الرائع حقا أن تقرأ قصة، أو تشاهدها!

Sunday, December 1, 2013

العالم من منظور ذبابة

  -  هو فيه إيه؟
  -  قلة أدب والله!
من أعلى المبنى يهوى حجر فى حجم الرأس على قدره المكتوب:
  -  آآآه
  -  لا حول الله، حرام اللى بيحصل دا والله
  *  ألعاب نارية يا بت
  * ألعاب إيه، دا خرطوش!
كانتا فتاتين قادمتين لينضموا للمتفرجين.
الذبابة تحط على أرنبة أنفى، ماذا تريدين ياذبابة؟!
تصعد وتحط على أنفى، الجو لزج، ورائحة الدخان المميزة تداعب أنفى، يبدو أن الذبابة تبحث عن رزقها، عيناها مرعبتين حين أركز عليهما، ماهذا الإصرار الذى فيهما، من أجل الرزق إذن..
يتطلع إلى أعلى المبنى، كان صدره يعلو ويهبط كقلبٍ مكشوف، العرق يتصبب من كل جسمه، كان متأهبا لإصابة غريمة المختبيء أعلى المبنى بطلقة خرطوش، يعدو بين المبنيين الكبيرين، التصقت فالنته الزرقاء بصدره من العرق، انطلقت من فوهة الخرطوش طلقة، لمعت فوق المبنى بجوار أحدهم وأصدرت صوتا عظيما، اختفى، لم يمت لكنه اختفى ليُعد شيئاً... ثم بعد حين ألقى حجراً أكبر، واختفى مرة أخرى، تفتت الحجر على الأرض ولم يُصب أحداً.
الذبابة تحط على أنفى، تريد شيئاً ما، لماذا لا تستمعين بالمشهد يا ذبابة!
  -  دول لو كفار مش هيعملوا كدا!
قالت سيدة تعمل فى الإدارة، من نبرتها كانت تتحسر، لكن بعضهم كان يستمتع بالمشهد، جميعهم يودون لو يقصوا الحكاية لآخرين حين يذهبوا. فجأة سمعتَ قهقهة! هل فاتنى شيء؟! يصورون كل شيء بهواتفهم، موزعون بشكل عشوائى، ساكنون مثل موتى، مشدوهين كأنهم يشاهدون مشهدا من مسرحية لشكسبير. صاحب الفالنة الزرقاء على بعد عدة أمتار يُعدّ طلقة أخرى.
تنطلق الطلقة لتشتعل عند أعلى المبنى، صوتها يضرب فى أذنى والدخان أصبح خانقا، أريد الذهاب بعيداً، وكأن إحداهن سمعتني أفكر فقالت لزميلتها بنبرة لا تخلو من الخوف:
-         بوابة الجامعة مقفولة
زميلتها تصور بهاتفها، لم تلتفت لها، بدت لى مستمتعة بالتصوير وتريد المزيد من الأحداث تملأ بها ذاكرة الهاتف، بينما زميلتها ظلت خائفة تراقب ما يحدث، وتفكر فى سبيل للخروج.
أسفل المبنى كان أحدهم يخبط البوابة الحديدية بجنون، يشدّها ويدفعها بقوة يريد فتحها، لابد أن الجميع أصبح مختنقا برائحة الدخان، لكنهم مثل موتى ساكنون يشاهدون..
صرخت إحداهن:
  -  إيه اللى ودا الهبلة دى هناك
  -  تعالى يابت
كانتا تشيران لفتاة بعيدة كانت تراقب مايحدث عن قرب ولم تنتبه لنداءهما!
ثم فجأة حدث شيء ما لم نره خلف المبنى الأيمن، واندفعوا جميعهم نحو الجهة الأخرى وانطلقت خلفهم طلقات الخرطوش، والأحجار تتعقبهم تصيب بعضهم وينجوا آخرون، اندفعت الطلقات الواحدة تلو الأخرى، والدخان يتحرك ببطء لأعلى ويتفرق ليصل لكل أنف، صوت الطلقات يتتابع ويضرب أذنى، كان الشاب لايزال يضرب البوابة ويشدها صارخا:
افتحوا البوابة حرام عليكو..
لم يرد عليه أحد. وعدسات الهواتف تسجل كل شيء..
الذبابة تحط على أنفى وتستقر، أحملها معى وأذهب بعيدا.. صوت الطلقات يخفت شيئا فشيئا ويختلط بالصراخ وصوت الحجارة، أحمل الذبابة معى ونمضى سويا نبحث عن عذر لما يحدث خلفنا، هاربين من رائحة الدخان والخوف!