Wednesday, June 26, 2013

قــمــر

قــمــر

- يا قمر أخبرنى ما حالَك، أم أنك مللت الليل الحالِك!

- صوتك جميل.

- أنتِ أنثى رائعة، وشَعرك رائع، ألا تودين الغناء معى؟

- بلى، لكن صوتى لن يعجبك

- وهل يعجبك صوتى؟

- جداً!

- يا قمر أخبرنى ما حالَك، أم أنك مللت الليل الحالِك!

- رائع!

- فقدت الشهية منذ يومين!

- كفى الله الشر! لماذا؟

- أول أمس أيقظونى وأخبرونى كذباً أنى متُّ، فضحكت، لكنهم أصروا أنى متُّ، فقهقهت، ضربونى على رأسى ولم أشعر بالألم، فأيقنت أنى متُّ!

- من هؤلاء؟

- المبروكون! على رؤوسهم هالات من القش، ومن أفواههم يتدلى الروث!

- لا أعرفهم، لكن لا تصدقهم أنت فى أحسن أحوالك

- واليوم استيقظت وأنا ظمآن، لكنى احتقرت الحياة منذ مت، والآن لا أعرف.. أريد أن أهشم رأسى، إنها كبيرة ولا تنفعنى فى شيء!

- تهشم رأسك!

- نعم، لا فائدة تُرجى منها!

- والغناء؟!

- دعينى ألثم فاكِ!

- أنت عربيد

- لكنك مدهشة!

- أنت عربيد

- يا للثمالة! لم أشرب منذ يومين، والآن أشعر بالثمالة!

- أتعرف، أنت لطيف!

- لكنى لست مدهش مثلك

- يكفى اللطف، الحياة تستمر باللطف

- لكنى مت، لست لطيفا على أى حال.. رباه، ما اسمى؟!

- ما رأيك فى لطيف؟

- لا بأس به.. ما اسمك أنت؟

- قمر

- يا قمر أخبرنى ما حالَك، أم أنك مللت الليل الحالِك!

Monday, June 24, 2013

طقوس اليأس والنسيان

لم يكن شين مجرد محب للعزلة فقط كما أُشيع عنه، فقد مكث فى حجرته ما يربو على عشر سنوات وحيداً بعد أن فقد كل أسرته، ظلّ طيلة تلك الفترة صامتاً لا يتكلم.. وصل جنونه بعزلته بعد أن فقد الأمل فى كل شيء، إلى أن صنع من طين البركة التى أمام منزله، بعد ليلة ممطرة، تمثالاًَ مكوناً من تسع كرات مصطفة فوق بعضها فى شكل هرمىّ قاعدته أربع كرات وقمته كرتان، ثم، ولولعه بعزلته وكراهيته لآماله، سمّى هذا التمثال الغريب إله العزلة، وصار هو يتعبد هذا الإله...
    استحدث طقوساً لم تكن موجودة فى أى دين من قبل، ومما جعل الأمر يسيراً عليه أنّ كل الأديان فى نظره متشابهة وسبب صراعها هذا التشابه، لذلك فإنه رأى أنه من الحكمة أن يكون إله عزلته هذا لا يُشبه أى إله حتى لا يدخل فى صراعات مع الآلهة الأخرى، وكيف يحدث هذا وهو إلهاً للعُزلة!
كان من أهم هذه الطقوس أن يستيقظ كل صباح ويقف قبالته ويتخلص من جميع أمنياته مردداً: إلهى.. إن كانت لى أمنية فاقتلها، فقد وهبت نفسى لك، سأكون أنا الكرة العاشرة على قمتك المقدسة، مُستقبِلاً ضوء الشمس... الشمس التى خلقتها من العُزلة السرمدية! ثُم يرفع رأسه لأعلى ليذوب فى أفكاره الروحانية الكليمة، وقبل أن يُسبل عينيه على الأشياء يرى صورة معلقة على الحائط لامرأةٍ تتوسط فتاتين، جميعهن يبتسمون، استوقفته الصورة ونسى طقوسه، لا يتذكر أيّا من فى الصورة، حاول فقط تقليد الابتسامة التى على وجوههن، مطَّ شفتيه فانفرجت بحذر، ولما انتهى إلى رسمها على وجهه وبدا أنه نجح فى تقليد ابتسامتهن، تشققت شفتاه وتوالت منها قطرات الدم على الأرض وعلى تمثاله الطينىّ، تأوّه ألماً وأخذ يتحسس شفتيه، نظر إلى إلهه فهاله منظر قطرات الدم على قمته، فسقط جاثياً على ركبتيه منكّساً رأسه، وبكى بحرقة: إلهى.. كيف لا ترحمنى وأنا المُقدِّس لملكوت عُزلتك، كيف لا ترحمنى وأنا عبدك الوحيد فى كون من الضجيج، ثم قام مُنفعلا واقتلع الصورة من الجدار وقام بتكسيرها تحت وطأة غضبه وخوفه من إلهه، وهو يتمتم بلعنات على بسمات البشر، وتراتيل خاصة بإلهه لأنه عصاه بالابتسام، فقد تمنى بها السعادة!
   قام يمسح بيديه المرتعشتين تمثاله الطينى من الدم، وهو يخشى أن يتهدم غضبا عليه أو أن تتحول عزلته إلى جحيم، كان عسيرا عليه أن يبكى وشفتاه جافتان لا يمكنها النبس إلا بتراتيل إلهه الجافة فهى تراتيل ليست بالضحك ولا بالبكاء، لكنه مع ذلك بكى وشفتاه صامتتان، ولم يستطع منع دموعه من أن تسقط على التمثال وهو يمسحه، فكان يمسحه من الدمع والدم معاً، كانت رؤيته على تلك الحال تُبكى كذلك، وكيف لا وأنت ترى إنساناً يبكى بشفتين ميتتين، فكأنما أُلصِقتا على وجهه رغما عنه !
بعدما انتهى من مسح التمثال وبدا نظيفا، جلس إلى جواره ونظر إليه ملياً، ثم وضع كفه على قمته، وتمتم:
-        قمتى المقدسة، أنتِ قمتى المقدسة، ليس لدىّ شكّ !
يوما ما سأكون هاهنا على القمة المقدسة، وأنا أستقبل ضوء الشمس..
ثم يصير صوته أكثر خفوتاً ووهناً:
-         الشمس التى.. خُلِقَت.. من العزلة السرمدية..
 ثم فجأة خبّأ وجهه بين كفيه وانهمر فى البكاء كأنما لم يبكِ من قبل، مغمغماً بكلام غير مفهوم، ثم كشف عن وجهه الذى ضربته حُمرة قانية وعينيه التى اتقدت من شرر الغضب، بدا أنه قد أخذ قراراً ما لا رجعة فيه، ظلَّ ساكناً لبرهة ثم فجأة أطاح بيديه التمثال بكل قوة فتفرقت الكرات التسع فى جوانب الحجرة، ارتطمت بالحائط وتكسر بعضها وتفرقت فتاتها، كان مشهدا قاسيا عليه أن يرى إلهه يتكسر أمامه، ذلك الإله الذى صنعه فى يومٍ ما بيديه ليقتل كل آماله التى لا تتحقق أبداً.. تذكر شفتيه، ثم تذكر الصورة، كانت تغطيها فتات الطين، سار بحذر نحوها والتقطها، مسح ماعليها من طين، مرر إصبعه ببطء على شفاههن، ارتجفت شفتاه فآلمته.. ثم قرر أن يأخذ البسمة وحدها.
   وضع المقص عند حافة الصورة، تماما بجوار الفتاة التى على يمينهم، لقد استأثَرَتْها الشمسُ بكلِّ وهجِها، بسمتها أكثر إشراقا من الشمس.. بحذرٍ سار المقص حول شفتيها حتى صارت بسمتها وحدها على كفه، تأملها ملياً، وبحركة غير إرادية تحركت شفتاه بقوة، زرّت عيناه وضغط بكفه على شفتيه من الألم.. نظر إلى بسمتها، ثم إلى كفه المرسوم عليه شفتين من الدم، شعر برغبة فى البكاء لأنه لايستطيع أن يبتسم ولا حتى أن يبكى.. نظر إلى وجهه فى المرآة، شعر بنفسه غريبا، لا يتذكر شيء عن نفسه، ثم رفع يده الممسكة بالابتسامة أمام وجهه، نظر إلى شفتيه وإلى الابتسامة، ثم ألصقها على شفتيه، كان الدم كفيلا بذلك.. فتحققت له أول أمنية، ومما جعله سعيداً أكثر أنه لم يكن يتذكر شيئا، فقد كان عائشا على النسيان!