Friday, July 22, 2016

الشيخ رزق والأربعون فلاح

حول حكاية الشيخ رزق صعوبات أثنت الكثيرين عن حكايتها، حيث اعتبرها البعض حكاية يفصل فيها علماء الرياضيات والإقتصاد وحدهم، وظن فريق آخر أن حكاية بمثل هذه الأحداث تنتمي إلى فصيل الأدب بامتياز، وقف آخرون بين الفريقين معتبرينها حكاية أدبية من النوع الرياضي (هؤلاء يسمعون عن القصص من النوع المقالي). في محاولتي أردت أن أقدم الحكاية التي أغرتني كثيرًا كمحب للأدب ودارس للرياضيات، أتمنى لو أن كل من قرأها محبًّا كذلك للأدب وعلى الأقل لديه بعض الصبر على حل معادلة رياضية من الدرجة الأولى في متغير واحد.


لو سألت أحد الذين شهدوا القصة من أولها، لما توقّع أن تسير النهاية على هذا النحو، في الحقيقة لم يكن بإمكان أحد أن يتوقع نهاية الشيخ رزق، التي يصعب حتى الحكم عليها إن كانت قاسية أو مجرد صورة أخرى مزعومة لعدل السماء.

في إحدى أمسيات شهر يوليو فوجيء أهالي إحدى القرى أن شيخ قريتهم سيقوم بإجراء تجربة علمية لإثبات وجود الله. واجه صعوبات في البداية لشرح معنى التجربة العلمية وأبسط شرح توصّل إليه- عن طريق التجربة أيضًا، بعدما خسر بعض مؤيديه المتحمسين لإثبات وجود الله بالدليل العلمي- هو أن التجربة العلمية "هي تلك العصا السحرية التي ابتلعت أفاعي فرعون الزائفة"، تخيّل البعض أن تكون التجربة على هذا النحو: تحويل عصا الشيخ رزق لثعبان كبير يلتهم السحالي والثعابين المنتشرة في القرية، فأنصتوا إليه وتابعوا تجربته حتى النهاية باهتمام.

طلب منهم الشيخ رزق تدوين كل دعاء يتضرعون به إلى الله في صلواتهم خلفه، لحساب النسبة المئوية لاستجابة الله لهذه الأدعية، ومن ثم معرفة أي الأدعية هي التي لها استجابية أعلى من غيرها، وتحت أي ظرف تُستجاب، لذلك فقد اهتمّ أيضًا بجمع الظروف المحيطة بكل داعٍ، ومن ضمن هذه الظروف الحالة المادية للمُشارك متمثلة في محصوله الزراعي، ومُعدّل التقوى الخاص به، وهو معدل قام بصياغة قانونه الشيخ مجاهد- أحد الشيوخ التجريبيين البارزين (1)
.
وقد فعلوا كل ذلك عن طيب خاطر لأجل معرفة كيف ابتلعت عصا موسى ثعابين فرعون.

حصل الشيخ رزق على بيانات أربعين فلاح: المحصول السنوي، أدعية صلاة العشاء- حيث من الشائع أن الله يكون قريبًا منهم في هذا الوقت بالذات، وبالتالي فإن الأسلوب العلمي يُحتّم على الشيخ رزق أخذ أفضل وقت للمُعايرة- ثم العمود الثالث من الدفتر وهو الخاص بالاستجابة الإلهية لكل دعاء. كانت القاعدة العلمية التي اتّبعها الشيخ رزق
* هي أنه، إذا كان الله هو من يُحدد كمية المحصول لكل فلاح، فطبقًا لنظرية الشيخ مجاهد، التي تفترض أن هناك علاقة عكسية بين تقوى الفلاح ومحصوله الزراعي، فإن استجابة الله لدعاء الفلاح إكس تتناسب طرديًا مع محصوله الزراعي (قد تكون هذه النتيجة غريبة بعض الشيء إذا أهملنا وجود الجنة والنار).

استنتج الشيخ رزق من وراء ذلك أن غضب الله على الفلاح يتحدد بمقدار استجابته لدعاءه، وهذا ما جعله يعيد التفكير في حكمة المثل الشعبي القرويّ "حظه ولا حظ القِبَط". وقد لاحظ أيضًا أن أحد الفلاحين واسمه حسن أبو العينين، كان دائم الخسارة في محصوله، وقد تحوّل من مالك أرض إلى مزارع بالأجرة، وتوقع الشيخ رزق أن حسن هذا أكثر الفلاحين تقوى على الإطلاق ومن ثم فإن استجابة دعاءه بصفر. وحينما اطّلع على قائمة أدعيته في الدفتر وجدها جميعًا على هذا النحو: "يا رب رجعلي أرضي.. يا رب رجعلي أرضي". بالطبع ظل عاملًا بالأجرة ولم تعد أرضه على أي حال، وحصل هذا الفلاح على نسبة صفر في المئة من الاستجابة الإلهية. كانت البيانات المُسجلة تتراوح بين حالة حسن أبو العينين، وآخر اسمه رضوان السعيد، والذي كان أكثر الفلاحين مُستجابة أدعيته بشكل يجعل المقولة الشعبية سالفة الذكر تنطبق عليه، وكانت عينة من أدعيته تشمل: "يارب اتجوز عفاف"- وقد تزوجها بالفعل بعد أن ضمن له ثراؤه القبول عندها، وبالتالي- من الناحية العلمية- فقد استُجيب دعاؤه، كانت نسبة استجابة أدعيته حوالي خمس وثمانين في المئة، وكانت نسبة الخمسة عشرة الباقية من نصيب أدعية: "اللهم حرر القدس" و"اللهم عليك بالكفار"، والتي كان يتضرع بها بعد انتهاءه من دعاء زواجه من عفاف. وفي حين ظن حسن أنه مُبتلى، وظن رضوان أن الله حارسه الأمين، استنتج الشيخ رزق فيما يُشبه معرفة السر الخطير، أن حسن سيصيب الجنة، في حين أن جهنم هي قدر رضوان السعيد، لتكون مُحصلة جميع القوى صفر طبقًا للمعادلة:

 المحصول المادي السنوي + معدّل استجابة للدعاء + المُستقر = صفر
حيث المُستقر هي إما الجنة أو النار، والإشارة الموجبة للقيمة الأعلى من النظرة المادية البحتة.

ذات ليلة بعد انتهاء صلاة العشاء، وصله بريد يحمل إليه خبر وفاة عمه السكندري البعيد، وقبل أن يُكمل قلبه انقباضته الحزينة، مُكملًا قراءة الرسالة اكتشف أنه الوريث الشرعي الوحيد لعمه، وأنه قد ورث عنه عقارين بالإسكندرية. في تلك اللحظة دخل حسن إليه غرفته بوجهه الجهم البائس، حيث كان بيته مفتوحًا لكل المشاركين في التجربة مجانًا ليتمكنوا من تسجيل أي استجابة طارئة لأدعيتهم، قال له حسن: "مش هنشوف عصاية سيدنا موسى بقا يا شيخ؟" ابتسم له الشيخ رزق، وأخبره أن التجربة على وشك الانتهاء، فأخبره حسن أنه دعى الله في هذه الليلة أن تظهر عصا موسى ليمكن إثبات وجود الله بالتجربة العلمية، ثم خرج. وتذكر الشيخ رزق شيئًا؛ أن يسجّل تحقق أحد أدعيته في الدفتر، وهو الدعاء الخاص بأن يرزقه الله من حيث لا يحتسب، وبذا فقد وصلت نسبة استجابة أدعيته إلى ما يُقارب الستين بالمئة. في أثناء صلاة العشاء في اليوم التالي وإمامة الشيخ رزق لأربعين فلاح مشارك في تجربته الطموحة، سمع بكاءً مكتومًا لأحدهم أثناء السجود وكان ذلك بكاء حسن، حينها أدرك الشيخ رزق أن تجربته لا يمكنها الاستمرار أكثر من ذلك وعليه أن يخبر الجميع بمستقرهم الذي تم استنتاجه من خلال تجربته، وهي طريقة غير مباشرة لإعلان ثبوت وجود الله بالدليل العلمي.

بعد التسليم استدار الشيخ، وهو يعلم جيدا خطورة موقفه. بدأ بحمد الله "الذي تم إثبات وجوده علميًا" وقبل أن يُكمل خطابه الهام، لمح إحداهن تلوّح له من خارج المسجد، كان من الصعب عليه أن يحدد ملامحها، لكن مع ذلك كان من الواضح أنها تقصده هو- الوحيد الذي في مواجهتها، فاستأذن منهم وذهب لمعرفة ما تريد، وحين خرج من باب المسجد استقبلته هذه السيدة متهللة وبشوشة، وهي الست ألطاف الخاطبة، والتي قصدها الشيخ رزق منذ عدة أيام للتوسط عند أحد الأثرياء للزواج من ابنته، وقد قبل أخيرًا بعد علمه بحكاية الميراث، قالت الست ألطاف:

- والله ما قدرت استنى يا شيخ رزق، أول ما الحاج رمضان قالي جتلك الجامع جري.

لم يكن لخطابه المشهود والذي سيلقيه لاحقًا أي تأثير كابح على فرحته، فتلألأت أسنانه البيض، وشكرها من كل قلبه، وطمأنها:

- حلاوتك محفوظة يا ست الكل.

ضحكت الست ألطاف وانصرفت. ودخل المسجد وفي قلبه يرقص هذا الخبر السعيد، وأثناء مروره بين صفوف الأربعين فلاح، تذكر شيئًا هامًا ألجم فرحته على غير توقّع، فعليه تسجيل هذه الزيجة ضمن أدعيته التي تحققت، وبما أن نتائج التجربة لم يُعلن عنها بعد فإنه من الواجب تسجيلها للحفاظ على النهج العلمي سليم كما تعهّد. وما أن جلس حتى تناول الدفتر وسجل هذه الاستجابة الجديدة، ارتفعت بعض الصيحات مكبرة مهللة، ومبارِكة ممن استرقوا النظر وفهموا مضمون الزيارة الطارئة، ارتفعت النسبة المئوية لاستجابة الله لدعوات الشيخ الرزق إلى خمس وثمانين بالمئة وهي النسبة الأعلى مع رضوان، انقشعت تلك السعادة العابرة، وأدرك بحسّه العلمي أن مستقره هو الجحيم مع رضوان، راجع مُعدل تقواه، ثم تذكّر علاوة شهر يوليو التي ستصرفها الأوقاف كقذيفة غير متوقّعة تؤكد شكوكه، ولأجل إنقاذ نفسه من تلك الهاوية، قام بحلّ المعادلة بأكثر من طريقة وكانت كل الحلول تؤكد أن المستقر = الجحيم. وفي لحظة مكثفة من الشعور بالضياع، قرر أنه سوف يتخلى عن ميراث عمه ولن يُقدم على هذا الزواج، وبذا فإن دعواته في هذه الحالة- تقنيًا- لم تتحقق، بل إنه سيرفع معدل تقواه من خلال رفع معدل الزُّهد، ويُحوّل مسار مُستقره إلى الجنة. ارتفعت صيحة يائسة كأنها تتمسك بقشة أخيرة للحياه، كان مصدرها حسن:

- الله يخليك يا شيخ رزق، عايزين نشوف عصاية موسى.

انتبه له الشيخ رزق، وانتبه لهم جميعًا، وألقى خطابه المشهود والذي سوف لن ينساه أحد، ولكن قبل أن يبدأ طلب من أحد الحاضرين أن يجلس إلى جواره، وكان ذلك الشيخ مجاهد صاحب المعادلات الرياضية الشهيرة وصاحب قانون حساب معدل التقوى ورائد المدرسة التجريبية، وقد دعاه الشيخ رزق ليشهد هذا اليوم المهم في تاريخ التجريبية الدينية، فتقدم له الشيخ مجاهد زاحفًا على أليتيه حتى انسحبت جلبابه وبانت أفخاذه، وكان واضحًا أن بدانته لن تسعفه في الوقوف ثم الذهاب ثم الجلوس، لذلك فقد اختصر الطريق إليه بالزحف. حياهم جميعًا فردوا تحيته، وقدمه الشيخ رزق إليهم فحيوه مرة أخرى بحرارة. قال الشيخ رزق: "أهلي وإخواني وأحبائي، إن ما أنا مُقدم عليه الآن لن تتوقف عليه فقط حياتنا بل أيضًا الكثير من طموحاتنا وأحلامنا، أريد أن أبشركم أننا بحمد الله استطعنا بفضله وفضل النظريات التجريبية أن نثبت وجود الله بما لا يدع مجالًا للشك" فكبّر كل من في المسجد، وسجد الشيخ مجاهد حتى ارتفعت أليتاه إلى السماء بشكل ملحوظ. استأنف الشيخ رزق: "وبالفعل النتائج التي حصلنا عليها تثبت ذلك، وبفضل الله تعالى أيضًا اكتشفت قانون معدل الزهد والذي سوف يكون عاملًا هامًا في مسيرة البحث التجريبي"، ربت الشيخ مجاهد على ظهره مباركًا، وعلت صيحة نافذة الصبر من فلاح كانت نسبة تحقق أدعيته حوالي عشرة بالمئة: "يعني هنشوف عصاية موسى يا شيخ رزق؟"، "إخواني وأحبائي، بارك الله لكم، إن صيغة ”عصا موسى“ ما هي إلا تشبيه بلاغي، بمعنى إنه لا وجود لها لكنها الطريقة المُثلى للتأكد من وجود الله بالطريقة العلمية، حيث أننا نستخدمها كـIdeal state أو الحالة المثالية لكنها افتراضية.."، قاطعه الشيخ مجاهد قائلًا: "نعم، وهذه إحدى أفكار المدرسة المنبرية التي نستعين بها أحيانًا في تجاربنا، لكننا لا نحبّذها كثيرًا.." فعلت صيحة غاضبة من فلاح نسبة تحقق أدعيته خمسة في المئة: "يعني إيه الكلام دِه، يعني مش موجودة في الحقيقة؟ هو احنا هنصدقك ونكدب ربنا؟"، هنا علت صيحات الاستنكار والتي كان من الصعب السيطرة عليها من الشيخين، حاولوا تهدئة الجموع الغاضبة، لكن بدا أن الأمور في طريقها إلى الانفلات عندما صاح أحدهم لم يمكن الاستدلال على هويته: "دول كفار، ولاد الكلب دول ملحدين". كان كل فلاح قد أحضر معه عصا ليتم التجربة عليها وتحويلها إلى ثعبان، وما أن حمت الأمور وأصبحت خارج السيطرة تمامًا، وكان من الصعب هروب الشيخ رزق أو زحف الشيخ مجاهد، أخرج كل فلاح عصاه وهوى بها على الشيخين التجريبيين، لم تهدأ الأمور إلا بوصول الحاج رمضان والد الفتاة التي تقدم لها الشيخ رزق، وبدافع صلة النسب المُنتظرة رأى أن يدافع عنه، هو الذي سوف يمثّل شرف ابنته مستقبلًا، فأحضر معه الرجال لإنقاذ الشيخ رزق، فدخل المعركة واستطاع فض الشباك بالقوة التي معه، لكن بعد أن ترك الضرب المبرح كدمات بارزة في وجه الشيخ رزق وتورّم في الخد الأيسر للشيخ مجاهد، وكانا معًا ينزفان، يترنحان من الألم. تمتم الشيخ رزق بلا وعي بمن حوله: "مش عايز تركة عمي، ومش هتجوز بنت الحج رمضان.. الجنة يارب، الجنة يارب.."، أنصت له الحاج رمضان بغيظ شديد، فأمسك عصاه وهوى بها على رأسه: "خد يا كافر يا بن الكلب" فتشجع الجميع واستأنفوا الضرب.

بعد عدة أيام قُدِّما للمحاكمة بتهمة الخروج عن النظام المألوف والعُرف الاجتماعي الرصين وإنكار إحدى القوانين البديهية في الكون (وهي ظاهرة أكل العصيّ للثعابين)، وقد كان واضحًا أن القاضي يميل إلى المدرسة المنبرية من خلال أسلوبه وبيانه حيث تكرر لفظ "الإيمان" بدلًا من "مُعدل الإيمان" في حيثيات الحكم. وقد حُكم عليهما بخمس سنوات سجن مع الشغل، وفي خلال هذه الفترة، سيقوم الشيخ رزق بتأليف كتابه الضخم "النظرية الرهان على طريق الجنان" وهو كتاب لم يقرأه أحد باعتباره كتاب سحر وتحضير جان. وانطوت صفحة المدرسة التجريبية إلى الأبد.


ـــــــــــــــ
  (1) قام الشيخ مجاهد بتجربته في ظروف مشابهة لتجربة الشيخ رزق، إلا أنه- بدلًا من الثعابين- استخدم حيلة البراق الذي يطير إلى السماء لإقناع فلاحين قريته بالاشتراك في التجربة، وقد مات حماران جرّاء هذه التجربة، وهذا ما لا يجعلها تامة المُشابهة مع تجربة الشيخ رزق، الذي لم يُزهق في تجربته روح أي ثعبان.
  • يَذكر أنصار المدرسة المنبرية يوم المُحاكمة بالمشهود والنصر العظيم إذ أنه قضى على رأس المدرسة التجريبية وذراعه الأيمن المارقين.
  • المدرسة المنبرية معروفة فقط بهذا الاسم عند أنصار المدرسة التجريبية، في حين أنهم يطلقون على أنفسهم اسم الفئة المُختارة، وقد تم تعيين خطيب ينتمي لهم لمسجد القرية.
  • لم يتعرض الشيخ مجاهد في تجربته لما تعرض له الشيخ رزق من مآسي، حيث كان لموت الحمارين وقع أقسى على قلوب الفلاحين من فشل تجربته العلمية.
  • شخصيًا- كنت أتمنى أن يعلم حسن أن حاصل مستقره يساوي الجنة طبقًا لنظرية الشيخ رزق، لكن الظروف- كما اتضح- لم تُسعف الشيخ رزق أن يزف إليه هذا النبأ السعيد، لربما خفف ذلك من صيحاته اليائسة وأدعيته التي لا تتوقف ولا تُستجاب.
    * صورة ضوئية لمخطوطة عُثر عليها يُظن أنها كُتبت بيد الشيخ رزق نفسه.


    Sunday, July 3, 2016

    شارع مظلم


    بحثًا عن قنينة جن، تحريّت عن كل الأماكن التي قد تبيعه في بلدتنا الفقيرة، وذلك بتكتّم شديد، قابلت جمعًا من الشبان الصاخبين وقت صلاة العشاء، كانت ضحكاتهم الصاخبة والمحركة لمشاعر المجون تدفعني نحوهم لأسألهم بإحساس الإخوة:

    - ها يا أصحاب، ليلتكم سعيدة (وقد تمنّيت لهم بالفعل ليلة سعيدة من أعماق قلبي)، من تعرفون هنا قد يبيع الجن؟

    - بيرة؟.. سأل أحدهم

    أومأت برأسي وانتظرت رده. اقترب مني وربت على كتفي، بينما كان رباط الإخوة لا زال يجد طريقه في قلوب الآخرين المتابعين باهتمام، وصف لي طريقًا ملتويًا يمر عبر طريق زراعي ضيق وأماكن مظلمة، لكنه وصفه ببساطة.

    "وضحت كدا؟"- سألني بعد أن انتهى، فقلت له إنني لم أرغب في وصف أبسط من هذا، ضحك وتمنّى لي ليلة سعيدة أيضًا، ثم ذهب مع رفاقه الذين سوف يعاودون مرحهم الصاخب بعد حينٍ على الأرجح.. أمسكت في ذهني أول الطريق ثم ألقيته أمامي وسرت عليه كما وصف، لكن شيئًا ما جعلني أنظر خلفي؛ كانوا أربعة، رأيت ثلاثة منهم يدخلون المسجد المجاور، بينما انتظر الرابع تحت جدار المنزل المقابل وأشعل سيجارة، كان وحيدا بحيث أنه لم يكن باستطاعته أن يمرح، لكنه كان يدخّن، رأيت ذلك باهتمام.

    ابتلعني الظلام.. ومشيت على حافة قناة مائية بحذر، متشبثًا بالوصف الدقيق. وعند نهاية القناة كان علي أن أعرج يمينًا حيث يتوفّر شارع أكثر اتساعًا لا يكلفني مشقة الحذر. نظرت خلفي؛ كان الضوء الخافت لمئذنة المسجد هو ما تبقّى بعد هذه المسافة، تساءلت في نفسي: "لمَ لم يدخل معهم المسجد، وكيف هانت سلسلة الصداقة؟" ضحكت من كلمة "سلسلة الصداقة" هذه.

    رأيت أمامي نورًا ينبثق من شارع جانبي، آنسني، وفكّرت أنه ربما يكون فرح. خرجت من جوف الظلمة وعند المفترق نظرت يَمنة ويَسرة، واكتشفت أنه مأتم حيث هناك فرق طفيف بين زينة الفرح وأضواء المأتم. عدت إلى الخريطة في ذهني ولم يكن علي اختيار أحد الشارعين، بل يجب عليّ فقط اجتياز الطريق بطوله، كان المقريء له صوت جميل وحزين بما يكفي، تركته خلفي. وعند نهاية الشارع فوجئت بساحة كبيرة تضيق بالمعزّين، وحركة نشيطة بين القادمين والمُغادرين، وسلامٌ لا يكف بالأيدي والعناق عند مدخل الساحة. كانت الساحة عارية، لا يظللها سرادق سوى سلاسل المصابيح الممتدة بين أزواج من الأعمدة الطويلة، كانت مليئة بالكراسي الممتدة في زوجين من الصفوف المتقابلة، لمحت أبي على أحد الكراسي ممسكًا مسبحة، وحينها وجدت أنه يجب عليّ أن أؤدي واجب العزاء كما يفعل الرجال في مثل هذا الظرف، كنت أرتدي شورت وشبشب. وقفت في نهاية طابور المعزين وسرت مع حركتهم البطيئة نحو مُستقبلي العزاء، وحينما أصبحت في مواجهته قبضت على يد ابن المرحوم وتمنّيت للفقيد الرحمة والصبر على رحيله، قلت ذلك بصوت عالٍ مكلوم بحيث أنه كان في نفس مستوى صوت المقريء الحزين، وبدا أنّ كلماتي كان لها صدىً أبعد من الحزن في نفس ابن المرحوم، حيث أنه انتبه لي بشدة مضيقًّا ما بين عينيه الحزينتين، حتى أنه لم ينظر لا إلى الشورت أو الشبشب. وعلى مسافة أربعة كراسي مني اشرأب أحدهم برأسه قائلًا: "أيوا كدا يا أحمد، ربنا يهديك" ورجع إلى موقعه حيث اختفي بين صف الرؤوس، لم أره رغم أنه تراجع ببطء، وكأنه لم يكن. لم أفهم رسالته، ونسيت أبي، نسيت موقعه، شعرت بالضجر، وتساءلت "ماذا إن كان صاحب الرسالة الغامضة هو أبي؟" شعرت بالضجر أكثر وغادرت بسرعة العزاء عائدًا لخطّتي الطموحة؛ شراء أوّل قنينة جن. كان صدى صوت المقريء هو ما تبقى معي من المأتم وأنا أسير في شارع بالكاد تصله بعض أضواء المصابيح.

    وقبل أن أخرج منه، استوقني صوت مألوف، يقول: "استنى يا أحمد.."

    نظرت خلفي، وبسبب العتمة، رأيته أجزاءً غير مترابطة؛ جزء من الرأس، وساقه اليمنى فقط.. وحينما اقترب مني، ظهرت ابتسامة، ثم رأس صلعاء تلمع. أصبح في مواجهتي هذا الشخص الغامض.

    - نعم؟

    - نوّرت

    - متشكر، مين حضرتك؟

    - مش عارفني؟

    - معلش مش واخد بالي، مش بنزل كتـ...

    قاطعني، وقد تبدلت نبرته:

    - انت مشيت بسرعة ليه، وازاي تعزّي بشورت؟ دا ذوق؟

    - معلش أنا آسف بس عندي مشوار مهم... انت مين؟

    انطفأت أضواء المصابيح، وصار صوته هو الدليل الوحيد على وجوده.

    - يعني لا عندك ذوق، وخمورجي وكمان مش عارفني!

    - انت مين؟

    صفعني على وجهي، وانقطع حسّه.

    صحت، لأصحح إحدى غلطاتي التي أغضبته: بابا. وأنا لست متأكدا منه.

    شعرت أن سرّي الذي أخفيته طويلًا قد افتُضِح الآن أمام أبي، وأمام الجميع.

    وقفت في الشارع تائهًا في ظلمته، كنت خائفًا، وتلاشى تفكيري في قنينة الجن، صرت خجلانًا من الشورت والشبشب، وأخشى أن أخرج بهما إلى الطريق ويراني الناس. كنت غارقًا في أفكاري وشكوكي حتى أمسكَت يد بساعدي وسحبتني معها.. لم أسأل، ولم أستبين شخصية من يسحبني، توقّعت أنه أبي، أو أنه من طرفه. ووقعت في فكرة أنني مذنب يتلقّى العقاب.

    وجدت الساحة كما هي ممتلئة تعج بالناس، نظروا إليّ، وإلى الشورت والشبشب، شعرت بالخجل ينصبُّ على رأسي منصهرًا، وبحثت بطرف عيني عن الرجل الأصلع بينهم بخوف، فوقعت عيناي على ثلاث صُلع.
    تجمعوا حولي، وتحدّثوا إليّ، كانت لكلماتهم وقع المواساة. أجلسوني في مقدمة الصفوف بجوار المستقبلين.. كان صوت المقريء حزينًا كما هو، وأكثر بُطئًا، وأنا لم أفهم شيئًا مما يحدث، وقد عاودتني قنينة الجن كفكرة مُخلّصة.