Thursday, February 26, 2015

الجمال النائم


دعته فقط لتريه الضباب الذي تخرجه من فمها، قالت: " فقط تعال". في العادة، وضمن العادات الذكورية المتشيطنة، فكلمة "تعال" حينما تحل في نهاية جملة أنثوية، فإنها تحمل معانِ أكثر من "سأريك الضباب الذي يخرج من فمي" على هذا الأساس فقد ذهب، لأنه انتظر كلمة تعال هذه منذ المرّة الأولى التي التقيا فيها، حيث كانا يستخدمان باستمرار وبدون كلل جملة "حسنًا يمكننا أن نذهب سويًا إلى الأوبرا"، كأنهما يتسابقان على من يمكنه أن يتوخى التلفّظ بكلمة "تعال"، ومع ذلك فكانا يعلمان جيّدًا أن الفائز في هذا السباق هو نفسه من يلفظها أولًا.
وفي تلك الليلة التي دعته فيها وقالت "سأريك الضباب الذي يخرج من فمي" أطلقت ضحكة، وكانت تريد أن تقول: "لقد فزت يا عزيزي في السباق"، ضحك أيضًا، وكان يريد أن يقول: "على الرحب والسعة". حكت له في الهاتف عن كيف يبدو لها الضباب جميلًا جدًا حين تخرجه من فمها، "أبيض مثل السحاب" قالت، واقترحت أن يخرجا الليلة، لا إلى الأوبرا، ولكن ليتسكعا على الكورنيش وهما يزفران الضباب من فمهما. كان اقتراحها بألا يذهبا إلى الأوبرا هو انقلابها على المكان الذي لطالما احتضن دائمًا كلمة "سويًا"، أصبح الأوبرا يمثل لها الآن ماضي الخجل من "تعال".
كان شغفهما بموسيقى تشايكوفسكي هو الذي جمعهما على الأوبرا، كانت له القوة في علاقتهما هذه. وإذ أن علاقة جديدة تتشكّل بينهما الآن على أساس كلمة تعال، لا على حفل لتشايكوفسكي، فإنه كان يتوخى الحذر فيما يجب أن يرد به، فهما يستطيعان أن يلوما تشايكوفسكي على فشل علاقتهما، لكن من يتحمل فشل علاقة قائمة على كلمة تعال، قال لها: "وماذا عن الجمال النائم، سنفوت الحفل" وهنا قالت له مؤكّدة: "فقط تعال"، شعر بنبرة صوتها وكأنها تقول: "أعرف فيما تفكر"، قال لها: "أنا أيضًا أريد أن أريكِ الضباب الذي أخرجه من فمي".
كان كل منهما يبدو للآخر كمن يلقي ألغازًا جميلة، ألغازًا لا تُحلّ أبدًا، وهذا هو جمال الحب الذي كانا يضحكان منه. كان الضباب هو شفرتهما السرية ليقولا من خلالها "أنا أحبك"، تحررت شفتاها بعد شهرين من العلاقة الجامدة، لتصبح الآن قادرة على زفر الضباب من بينهما، ودعته لذلك ليحتفلا معًا بهذه المناسبة.

كل خطوة كان يخطوها داخل شقتها كان يتخلص فيها من أفكاره القديمة المتعلقة بتشايكوفسكي، التي ظلت بدورها متعلقة بها طيلة الشهرين الفائتين، وحين تخلّص في النهاية- في اللحظة التي جلس فيها على الأريكة- من كل أفكاره القديمة تلك، انسلخ منه هذا الشخص التي تكوّنه هذه الأفكار، وحين خرج هذا الشخص من شقتها، أغلقت هي الباب وعادت لتحتفل بانتصاره الخاص وقد عبرت عن ذلك بنظرة مثيرة. بقى جالسًا منتظرًا وعدها له بأن تريه الضباب الذي يخرج من فمها، الأمر الذي لم يفكر فيه بهذه الرغبة قبل دخوله شقتها وبالأخص قبل نظرتها المثيرة له. أما هي فقد تخلّصت من أفكارها القديمة بطريقة مغايرة له، فعلى عكس الشخص الوهمي الذي تحرر منه في تلك اللحظة، تحررت هي من ملابسها: فكرتها القديمة المتعلقة بالالتزام والاحترام المتبادل، المتعلقة بدورها بالزي الرسمي لحفلات الأوبرا، وكانت هناك موسيقى راقصة تخرج من باب غرفة نومها. وبعد أن تخلص كل منهما من أفكارهما القديمة أصبح من السهل الآن أن يمارسا الحب دون سلطة منهما، وكانت صادقة حين قالت: سأريك الضباب الذي يخرج من فمي، وكذلك كان.

وعلى الكورنيش كانا يزفران الضباب ويضحكان، في الوقت الذي بدأ فيه حفل الجمال النائم لتشايكوفسكي في الأوبرا.

Monday, February 16, 2015

الأبله

My rating: 2 of 5 stars

منذ عام تقريبًا كنت قد استمعت إلى مسرحية اسمها "الليالي البيضاء" مسجلة إذاعيًا، أربكت كل حساباتي بشأن دوستويفسكي، ولم أصدق أن صاحب هذه القامة العالية وهذه السُمعة التي تشبه اليقين عند من لم يقرأه، من ممكن أن ينجرف نحو هذا النوع من الكتابات التي تخوض في العاطفة بشكل مبتذل ورخيص، حتى أنني –وحفاظًا على صورة دوستويفسكي التي لا أتمنى أن أخسرها- أرجعت الأمر لتحريف في النص أو ضعف في آداء الممثلين، لكن ذلك لم ينل تمامًا من انطباعي عنه واعتبرتها واحدة من زلاته خصوصًا وأنه كاتب غزير الإنتاج، وكانت رواياته الكبيرة لا تزال تحتفظ بهالتها عندي (الجريمة والعقاب- الإخوة كارامازوف- الشياطين- الأبله..) واليوم أقرر أنني لن أستمر في قراءة هذه الرواية الأخيرة، وأعتقد أن صورة دوستويفسكي بدأت تنهار أمامي، إلا أن تنقذها روايتاه (الجريمة والعقاب- الإخوة كارامازوف) لا أعرف يقينًا متى سأقرر قراءتهما، إلا أنني مُحبط كثيرًا.
قصة ماريا التي ذكرها في بداية الرواية، وتصويره لحكم الإعدام، كانتا مُدهشتين لدرجة جعلتني أستمر في القراءة على أمل أن أجد شيئًا شبيهًا بهما- في طريقة الحبكة والتصوير. هاتين القصتين هما النظير المماثل لصورة دوستويفسكي التي احتفظت بها طويلًا في مخيلتي. ذكرهما البطل (الأمير ميشكين) بصورة عارضة، بعيدًا عن الحدث الرئيسي للرواية.
لكن الرواية نفسها، فلا أعرف يقينًا ما الذي يريده دوستويفسكي منها، ولست مهتمًا أن أعرف، لأنه من الواضح كم التخبط والفوضى في الأحداث. اعتمد دوستويفسكي بشكل كامل على المصادفات، كلها مصادفات مفتعلة يريد منها أن يصل إلى أحداثه التي رسمها للرواية، لدرجة أن الجزء الأول من الرواية (أكثر 300 صفحة) تحكي أحداث اليوم الأول فقط!
أيضًا العلاقات الغير مفهومة بين الأبطال؛ يبني من خلالها أحداثه الدرامية، وتصويره لآلام الشخصيات قائم أصلًا على علاقات غير مقنعة، فتبدو كأنها آلام من لا شيء، وكان ذلك ما شجعني على عدم إتمام الرواية حتى نهايتها: لأنه من الصعب أن أقتنع بأحداث قادمة- مهما وصلت ذروتها- قائمة على هذه الفوضى!
في مسرحية الليالي البيضاء كان دوستويفسكي يريد أن يوجه رسالة للقاريء وهي: "أرجوك ابك فهذا مؤلم". لا أعتقد أنه ابتعد كثيرًا عن هذه الرسالة في الأبله، واضح أن دوستويفسكي عائم على مستنقع فوضوي من العاطفة.
أما بخصوص الترجمة فبالإضافة للتكرار السخيف للحرف "إن" في بداية معظم الجمل على سبيل أن "إن حرف تأكيد" كأنه يترجم مجموعة مقالات مثلًا، فلم أجد موضع هذه العبقرية المشهودة للمترجم، بالعكس؛ الترجمة ضعيفة ولابد أن يكون هناك ما هو أفضل، إلا أن تكون هذا العبقرية والشهرة قائمة على الكم الذي نقله المترجم من الفرنسية إلى العربية، حينئذٍ لا يسعني إلا أن أقول "حسنًا!"


Saturday, February 7, 2015

داروين مترددًا: نظرة مقربة لتشارلز داروين وكيف وضع نظريته عن التطور

My rating: 4 of 5 stars

كتاب سيري جيد جدًا، لكنه مشوّش من الناحية العلمية. قبل قراءته كانت معلوماتي حول داروين طفيفة ومحدودة، لذلك فلا شك أن هذا الكتاب قد أضاف الكثير.
ما توصّلت إليه أن داروين قدّم تفسيرًا هو أفضل التفسيرات المقبولة، وما يتم اكتشافه من حفريات وأدلة جيولوجية وجينية تثبت ذلك يومًا بعد يوم. لا أعرف إذا كان داروين محظوظًا أم لا ليكون واحد من أكثر العلماء المُجابهين وجهًا لوجه لفكرة الإله، ربما وضع نفسه، عن غير قصد، مكانه، ولا أظنه –وهو المتشكك المُتعب الذي تشوشه مثل هذه الأسئلة- يكون راضيًا بهذا الوضع.
في رأيي أن وصوله لهذا التشوش أمر طبيعي بعد إرهاق نفسه بسؤال: "أيكون كل هذا الشر الموجود في العالم من وراءه إله؟"- هذا من أكثر الأسئلة سذاجة على الإطلاق يطرحها الملحدون، لأن وجود إله يجعل من المنطق وجود شر في العالم يُجزى عنه ضحاياه بالخير الأخروي الأزلي حتى تُعطى قيمة لصراع الحياة. وبالتالي فلا تعارض بين وجود الإله والشر معًا في كون واحد. لكن على كل حال لم يكن هذا وحده دافع داروين لمعتقده، بل هوسه بالأدلة المادية وإيمانه بها، في الحقيقة ساعده ذلك كثيرًا على التوصّل لنظريته. لو كان متديّنًا لما تجرّأ.
معاداة داروين أيضًا مثيرة للاشمئزاز (المعاداة الفكرية القائمة على المعتقد) لأنه في النهاية قدّم نظرية علمية مبنية على عشرات السنين من الأبحاث والملاحظات الدقيقة والعمل الجاد، لا من وحي الشيطان، وحتى لو تم انتقاده فلابد أن يكون ذلك من نفس الاتجاه: "جمع الأدلة المادية" ولو تم التوصل لرأي آخر أكثر ترجيحًا فلا أعتقد أن ذلك يسيء لرجل عاش حياته مبُجلًا للعلم والأسلوب العلمي في التفكير والاستقصاء، بل سيُذكر ذلك من مآثره وإسهاماته. أقدم هذا السيناريو فقط لأني مؤمنًا بداروين كعالم لا غير، كرجل اتّبع عقله كغيره من العلماء العِظام، لا بديل إله أو حتى دليل إدانة ضد الإله، وأيضًا أنا لا أجرؤ على انتقاده حتى أكون متبحّرًا في هذا المجال، مثل أن أكون قادرًا مثلًا على نقد النسبية بعد أن أُبحر فيها، وأنا لست متحمّسًا لذلك، حتى وإن كانت قراءة "أصل الأنواع" وفهم نظرية داروين نقطة فاصلة لتحديد موقف محدد من المعتقد أو البت في قضية حسّاسة، فهذا أمر لا يعنيني تمامًا، داروين نفسه مات مُشوّشًا، ولم يكن ملحدًا. لهذا فالقضية أزلية دائمة في الإستمرارية، ربما لم يفعل داروين شيء سوى إيقاظها في رؤوس البعض. رغم أن نظريته كانت في الأساس قائمة على الملاحظة والشغف والتسلسل المنطقي، الأمر الذي قد يستوعبه أي شخص مثلما استوعبها الشغوف رسل والاس، الذي لم يكن متعلمًا ولا مبحرًا في البيولوجيًا، لكنه كان شغوفًا ولديه اهتمامته وطموحاته. لذا فمن لديه الشغف العلمي ذلك فليبحر.
أنا حقًا استمتعت بهذه السيرة اللطيفة.

محاكمة سقراط

My rating: 3 of 5 stars

‫#‏الحرية_ليارا_سلام‬
‫#‏الحرية_لمعتقلي_الرأي‬

.........................
هذا الكتاب يثير إشكاليتين خطيرتين، من شأنهما إعادة التفكير في جوهر "فكرة حرية الرأي"، الأولى تتعلق بمواجهة الديمقراطية لحرية الرأي الذي يتم استغلاله لبث الأفكار المعادية لحريّة الرأي. الإشكالية الثانية تثير ما لدى الفكر من سلطة ونفوذٍ على البعض، سلطة من شأنها أن تتشابك مع سلطة الحكومة الديمقراطية نفسها، حينئذٍ، لن تكون المواجهة بين السلطة المسلحة التي تسن القوانين وتفرضها، وبين المفكر الأعزل المسالم، وإنما هي مواجهة بين سلطتين في الحقيقة، سلطة منتخبة من الشعب الذي اختار أن يحكم نفسه بنفسه واختار المساواة بين جميع أفراده، وبين سلطة أخرى ترى أنه ليس لكل المواطنين الحق في إبداء آراءهم، ليس لهم الحق في إدارة شئون بلدهم، وكذلك ترى أن الحكام لابد أن ينحصروا في طبقة محدودة جدا، طبقة الحكام الفلاسفة، وهؤلاء يقررون ما بدا لهم، من دون الرجوع لمشورة الشعب، لأن سقراط يرى أن الحاكم يعرف كيف يحكم الشعب، تمامًا كما يعرف الطبيب كيف يعالج المريض دون الرجوع لمشورته، ولا ترى هذه السلطة مانعًا من استخدام العنف لتطبيق مثل هذه الأفكار. وبداية من أفكار سقراط هذه، وطريقته الفذة في الإقناع وثقافته العالية، استطاع أن تكون له سلطة على بعض أتباعه، الذين قاموا بأكثر من انقلاب على ديمقراطية أثينا، ليطبقوا هذه المباديء، التي من أبرزها تقييد حرية الفكر التي بثها سقراط في عقولهم في أكاديميته في ظل حكم الديمقراطية. والعجيب أنهما (كريتياس وأرخميدس) طبّقا هذه المباديء على مُعلمهم سقراط بعد انقلابهم ومنعوه من (التفلسف)، ولم يعترض سقراط اعتراضًا يُذكر على ذلك!

فات الديمقراطية إذن أن تحافظ على نفسها، ربما أصبحت من الميوعة التي تجعل هؤلاء يلجؤون إليها ليحيكوا أفكارهم في هدوء، حتى أن هذه الأيام تعاني بعض الدول الأوروبية من تأثير بعض هذه الأعراض، وميوعتها الديمقراطية تمنعها من التعامل مع هؤلاء بشدّة، أو اقرؤا عن وزير تعليم داعش الألماني (قُتل في إحدى الغارات).. المُحبط أن الكثيرين لا ينتبهون لخطورة الأفكار، وأنه إذا وجب محاكمة إرهابي، فالأوجب قبل ذلك محاكمة كاتب/مفكر يدعو بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لهذه الأفكار. لكن بالطبع الأمر ليس بهذه السهولة، فليس أسهل من الكتابة، ولن نسمع عن فكرة عدائية لم تخرج للنور، لأن الديمقراطية كانت تتربص لها!

كنت مُعارضًا طوال قراءة هذا الكتاب لأفكار الكاتب، الحقيقة هذه المُعارضة في ظاهرها ملائكي في براءتها، فكنت في ذلك أقف في صف الديمقراطية وحرية التعبير التي تبيح للجميع أن يفكر ويُعمل عقله، لكني اكتشفت في هذا الموقف ميوعة قد تضر بالديمقراطية نفسها، لأنها يجب أن تحمي نفسها قبل أن تظلل الجميع تحت ظلها، لا بد لها من أن تكون ماهرة في تصيد هؤلاء. بحيث أن أي تعدّي يحاول المساس من مبدأيها المهمين: حرية التعبير والمساواة.. يجب أن ينال عقابًا لا يقل عن عقاب مجرم أو إرهابي.

الحقيقة كنت أقرأ الكتاب مُشمئزًا من محاولة الكاتب تبرير إعدام سقراط وإسقاط العار عن هذه الحادثة، وقد قضى حياته في هذا البحث المضني فقط ليبريء أثينا- ومن ثمّ الديمقراطية في مهدها الأول- من إعدام سقراط، وإثبات أن هذا الحكم كان في محلّه تمامًا، كنت معترضًا لأنه لا يمكنك قتل فيلسوف، وأنه مهما كانت الظروف والمُلابسات، لا يمكن قتل إنسان بسبب رأيه وفكره، لكن يبدو أني تأخّرت في معرفة أن الآراء والأفكار ليست بهذه القداسة، وهناك ملايين من البشر عانوا ولا زالوا بسبب أفكار وآراء البعض. كان سقراط مناهضًا شرسًا لفكرة أن يتكلم الجميع بحرية، وأن يشاركوا في الحكم.

وعلى الجانب الآخر فعكس ذلك هو الذي يحدث لدول تعاني الديكتاتورية- رغم إنكار حُكّامها مفتقدين في ذلك لشجاعة كريتياس الذي أعلن ديكتاتوريته كما يُعلن الديمقراطي ديمقراطيته- فلا يتم تطبيق مباديء الديمقراطية، أو محاربة الداعين لتقييد حرية الفكر والتعبير (السقراطيين والأفلاطونيين) بل يجري محاكمة الداعين لحرية الفكر، الرافضين لجميع أشكال التقييد.
يمكن تصنيف هذا الكتاب من الكتب ذات وجهة النظر الواحدة، خصوصًا وإن كانت تحمل رأيًا خطيرًا مثل ذلك الذي يروّج له المؤلّف، ألا وهو إلقاء اللوم على سقراط في محاكمته وإعفاء القضاة من قرارها، الذي كان يمكنها أن تتخلى عنه بسهولة، فقط لو أظهر سقراط شيئًا من مهارته الخطابية المشهورة، لكنه رفض لأسباب تبدو غامضة بالنسبة لي، ولأسباب تمت بشخصيته المتغطرسة بالنسبة للمؤلف. البت في هذا الأمر يحتاج لسماع وجهات نظر مختلفة، الموضوع برمته يتعلّق بموضوع الديمقراطية، لكن المؤكد أن سقراط كان مناهضًا لها رافضًا لفكرة حكم الشعب بنفسه.
ربما كان هذا الحكم قاسيًا بعض الشيء، فنحن إن أثبتنا أن سقراط كان فقط مروّجًا لأفكاره المعادية لحرية الرأي، فهذا ليس مبررًا لإعدامه، ولكن إن وصلت سلطته تلك لما قد يكون نذيرًا للديمقراطية فعلى الديمقراطية إذن أن تتأهب للدفاع عن نفسها. إثبات أن سقراط كانت له مثل هذه السلطة المباشرة على أتباعه وتلاميذه تحتاج لسماع وجهات نظر أخرى.

ما لفت نظري في هذا الكتاب هو موسوعية الكاتب، فهو تقريبًا قضى شطرًا كبيرًا من حياته في هذا البحث، وهذا يحيلنا لمشكلة الكتاب نفسه بالنسبة للقاريء العادي (الغير متخصص) وهو أنه تقريبًا ناقش الموضوع من جميع جوانبه وكل ما يثير شكّه، فناقش كل التفاصيل، التفاصيل المملة بالذات، حتى تلك التي تتعلق بأصل الكلمات التي تعبر عن "حرية التفكير"، خصص المؤلف فصلا كاملًا في البحث عن أصول هذه الكلمات!
الشيء الآخر الذي لفت نظري، أن هذه واحدة من أفضل الترجمات على الإطلاق، لسبب ما تذكّرت كثيرًا قصص بورخيس، الترجمة تشبه إلى حد ما مزج الأسلوب القصصي بالمقال عند بورخيس، وفكرة الإحالات السببية للأحداث، تشبه تلك القدرة المدهشة أيضًاعند بورخيس، الفضل للترجمة التي نقلت أسلوب الكاتب بهذا الوضوح.
ولأن هذا الكتاب يتحدث ويُدافع عن الديمقراطية، يفضح الديكتاتورية، فـ الحرية ليارا سلّام- الحرية لمعتقلي الرأي.

صخب البحيرة

My rating: 4 of 5 stars

المُلفت في الرواية هو استخدام البساطي ثلاث مستويات من السرد، فيها من التباين ما يصعب جمعها تحت أسلوب كاتب واحد أو في فترة واحدة من الكتابة. على غلاف الكتاب نبذة عن الرواية تشير إلى بساطة أسلوبه، كان ذلك واضح جدا من الجزء الأول الذي بدأت تتشكل فيه ملامح المستوى الأول من السرد، سرد أقرب لأسلوب القصة القصيرة جدًا في اعتماده على الجُمل القصيرة الخاطفة التي تبدأ بفعل مُضارع مُتحرّك (دال على الحركة)، واختصار مناطق الحوار وتحويلها لجمل سردية، فكان أن أصبح هذا الجزء مُغرقا بالفعل "قال" يتبعه الحرف "إن"، وكان ذلك تهميش متعمّد للشخصيات مناقض تمامًا للأسلوب الذي استخدمه في الجزء الثالث، الذي تجلّت فيه قدرته وشاعريته في بناء جسد حواري متكامل تميّز به البساطي، فكانت صياغته للشخصيات أكثر تعمّقًا، مع استخدام الجمل الطويلة بأسلوب أكثر انسيابية غير مقيّد بابتداء الجُمل بفعل مضارع، أو مقيد بطول معين للجملة، التناقض الآخر مع الجزء الأول، اعتماده في الجزء الثالث على السرد المستقبلي، تركّز هذا الأسلوب في نهاية الجزء، ربما أراد تعجّل الأحداث، وتجميعها لإنهاء الرواية وحسب، هذا الأسلوب –فيما أذكر- لم أره من قبل إلا عند ماركيز، حتى إن جملًا بعينها ذكرتني مباشرة بأسلوب ماركيز، ولا أعتقد أن أحدًا ممن قرأ "مئة عام من العزلة" لا يتذكر جُمل من نوع: "بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سوف يتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا..." استخدم البساطي نوع مماثل من هذه الجُمل في الجزء الأخير بشكل مكثف، أنجزت معه النهاية بشكل سريع وأعطته الحبكة المطلوبة. إذن فهناك جمل خاطفة معتمدة على الفعل المضارع وغياب شبه تام للحوار في الجزء الأول، في حين أن هناك جمل طويلة منسابة واعتماد شبه تام على الحوار مع استخدام مكثف للحرفين سوف والسين في الجزء الثالث. الجزء الثاني لا يختلف كثيرًا عن الثالث، وإن خلا من استخدام السرد المستقبلي بطبيعة الحال.
من خلال هذه المستويات المختلفة نجح البساطي في رسم صورة صادقة عن هذه الشريحة المُهمّشة من زوايا مختلفة، وذلك في الحقيقة مدهش؛ تلك المرونة والقدرة على استخدام أشكال مختلفة من السرد لدعم فكرة واحدة لدى الكاتب؛
الواضح في الرواية أن البطل فيها هو "الروابط الثنائية"، ليست فقط مع المكان أوالبحر، والذي كان المؤثر الأكبر في حيوات جميع الشخصيات، وإنما الروابط الثنائية المتعددة في جميع أجزاء الرواية: ارتباط الصيّاد العجوز ببائعة السمك، وارتباط ابنيها التوأم، وارتباط جمعة بزوجته، ثم ارتباطه بصندوقه السحريّ، ثُم فيما بعد بصديق رحلاته، وأخيرًا الارتباط المؤثر بين كراوية وعفيفي، ثم ارتباط زوجتيهما بعد اختفاءهما وارتباط بناتهم (فقط زوجة جمعة بقت وحيدة بعد انشغال زوجها بصندوقه ثم اختفاءه) هناك تأكيد وإلحاح على تلك الحاجة من الروابط كشفه هذا التمثيل الدرامي للحالات الطارئة لغياب هذه العلاقة، مثل البؤس الذي مُنِيت به زوجة جمعة بعد اكتشافه الصندوق، وحالة الخصام الهزلي المؤثر الذي فصل عفيفي عن كراوية، فكانت مبارزاتهم السخيفة دليلًا آخر على حاجتهم لهذه العلاقة وأنهما مهما أبديا خصامًا، فهما صديقين، لا يمكنهما العيش وحيدين، يقول كراوية لعفيفي بعد أن تشجّع لإنهاء هذا الخصام:
- يا عفيفي لن تجد غيري وقت الجد.
وتصالحا.
وكان جميع هؤلاء يجمعهم ولاءهم وارتباطهم الغريزي بالبحر، وكان هو قدرهم، كان بداخله مستقبلهم جميعًا.

بناء الرواية : دراسة مقارنة فى ثلاثية نجيب محفوظ

بناء الرواية : دراسة مقارنة فى ثلاثية نجيب محفوظ

My rating: 4 of 5 stars


كانت فيما مضى تصدر عن مكتبة الأسرة سلسلة خاصة تهتم بالكتابات المميزة لبنات حواء، اسم السلسة "إبداع المرأة" قرأت فيها "ثلاثية غرناطة" وهذا الكتاب، والواضح فيهما ما تتميز به هذه الاختيارات، تميزًا ينأى بها حتى عن تصنيفها النوعي الضيّق. فالاختيار الأول تميزه كان في حد ذاته نشر كتاب بذيوع ثلاثية غرناطة واقتناصه من فم دار الشروق ليباع في مكتبة الأسرة.
ولكم هو رائع أن تتعرف على "كاتبات" لهن تجارب مميزة تستحق الإشادة، فعلى الأقل هناك وجود نسوي في المشهد الثقافي، وجود يثبت قدرته وأحقيته في القيادة، خطوة جادة لتمكين نصف المجتمع وإتاحة لبث رأيه بثقة واستقباله بطمأنينة، في رأيي خطوات كهذه هي ما تدعم حرية وحقوق المرأة، أن تتيح لها المنافذ لتتحدث، لا أن يتحدث آخر باسمها.. طبعًا اختفت السلسلة واختفى معها هذا التحفيز، واكتفت مكتبة الأسرة بسلاسلها الرئيسية.
....
سيزا قاسم ناقدة نافذة، وإن كانت تسمي هذا العمل تحليلًا لا نقدًا.
ظننت أني لن أجد هذا الشخص القادر على التجرؤ على صرح نجيب محفوظ؛ أن يدّعي ضعفًا من ناحية ما في الثلاثية- أحد أكمل أعماله. لكن هذه السيدة تجرأت (ربما لأن ذلك قبل نوبل، لكن جرأتها العقلية مهمة) وأطلقت عبارات من قبيل "ضعف في الوصف"... هل تصدّق؟!! (ضعف في الوصف) كلمة تُقال في نجيب محفوظ! سخطت عليها طبعًا لأنها مسّت أحد مقدساتي، مقدس اعتبرته كاملًا، لم أجد فيه عيبًا واحدًا، حتى قضية الحوار بالفصحى، فلم أتمسك به كثيرًا، ولم أعتبره عيبًا، فخلت الرواية من كل العيوب، لهذا فقد كان مُقدّسًا- لأني لم أعرفه.
لكن بتتبع تحليلها السهل المنساب بلا تعقيد، خف سخطي، وثلمت حدتي، ثم نبذت العنف! وفي النهاية وافقتها، نعم هناك قصورًا في وصف نجيب محفوظ، يتعلّق بالأماكن بصفة خاصة وبتفاصيلها، فرغم أن الثلاثية هي ثلاثية القاهرة، فالقاهرة ليست موجودة في الحقيقة في الرواية، صبّ نجيب محفوظ كل اهتمامه على الشخصيات. فانزوت الأماكن وصارت مؤازرة فقط للشخصيات، تخدمها، كما فعل مع وصف الطبيعة- الأشياء... إلخ. تلك التفاصيل التي تجعل من الرواية رواية واقعية متكاملة.
لكن هذا لا يعني أني في البداية كنت مؤمنًا بنجيب محفوظ، والآن أكفر به! فهو لا يزال عبقريًا عظيمًا، لكن الفرق أنه لم يعد مقدسًا، لأنه لم يعد مجهولًا. ولا يعني أيضًا أن الرواية ناقصة نقصانًا معيبًا، وأنه لو تنبّه لهذه الملاحظات لكان أكثر عظمة وكمالا، لا بالطبع، فالثلاثية لا زالت عظيمة، لأنه في الحقيقة لا يوجد عمل فني مقدس أو خالٍ من العيوب، وعلينا أن نبحث عنه إن لمسنا في أنفسنا ميلًا للتقديس.
وأعتقد أن شعور العظمة والكمال الذي يصاحبنا بعد قراءة عمل ما، يكون واقعًا تحت تأثير الانبهار بهذا العمل، هذا الوقوع العاطفي البحت الذي لا يذيبه إلا مرور الزمن، فقديمًا عندما قرأت تشيخوف، كنت واقعًا تحت هذا التأثير المتعصب النابذ لكل فكرة مُعارضة، يؤلمني سماع كلمة تشكك في عظمته، خصوصًا وإن كانت تشبه الحقيقة، أما الآن فأنا على استعداد أن أستمع إلى أية فكرة معارضة لتشيخوف بصدر رحب، لكن هذا الاحترام والتبجيل لا يزولان أبدًا، إنما الذي يزول هو هذا الشعور العاطفي الساذج الهائم في الخيالات، فهذا كفيلٌ به الزمن. مثل بيدرو بارامو التي أعرف أنها في يومٍ ما سينطفيء هيامي اللاعقلاني بها. رغم أني لا أدري كيف يحدث شيء كهذا مع بيدرو بارامو، على الأقل في الوقت الحالي!

ومع ذلك فلم أكن أوافقها في كل ما ذكرته، وأعتقد أنها أفرطت في وصف "وصف" نجيب محفوظ بالقصور، تحت تأثير مقارنتها بالأعمال الواقعية الأوروبية، وكان بعض مما تعتبره قصورًا في الوصف أعتبره ذكاءًا في الاختصار والحذف.
انتبهت لهذا الجزء بالذات من الكتاب، كونه قام بتحليل جيد لوصف نجيب محفوظ، ونقد أسلوبه بشكلٍ ذكيّ.
لكن في بقية أجزاء الكتاب فهي تدرس أسلوبه من جميع النواحي، مبينة نقاط القوة التي جعلت من الثلاثية عملا متكاملًا متفرّدًا، لتعترف أيضًا في النهاية بقدرة نجيب محفوظ الفذة في الخلق.

في النهاية فأنا أحب أن أشيد بـ "سهولة" و"إمتاع" هذا العمل النقدي.
فبالنسبة لنا ما يهم في كتاب نقدي أن يكون سهلًا وممتعًا.


Wednesday, February 4, 2015

أنا الآن أستمع إلى موسيقى المزرعة السعيدة

من كام يوم افتكرت إني كنت بحب اسمع موسيقى المزرعة السعيدة، أيام انتشارها لما كانت بتشتغل على كل كمبيوتر في كل بيت، وبما إن أخواتي (2) كانوا بيلعبوها وكنت بضطر استناهم لما يخلصوا لعب عشان ارجع للكمبيوتر، وغالبًا كنت بقرأ، فارتبطت في ذهني النغمة بالكتاب اللي كنت بقراه، كان تشيخوف.
النغمة نفسها صاحبها حط فيها كل مقومات الراحة والهدوء النفسي، موسيقى تشبه صوت الطبيعة لكنها لا تشبه أي صوت في الطبيعة، النغمة مدتها حوالي 17 ثانية، ولو فعّلت خيار الrepeat في الplayer هتفضل تعيد نفسها من غير أي رتابة كأنها شيء متصل أبدي، بالظبط زي صوت الطبيعة؛ الموج- الشجر- العصافير.. إلخ.