Monday, November 3, 2014

أسطورة أقفاص المانجو


وهكذا فقد أصيبت البلدة بمرض شراهة أكل المانجو، ولم تخل أحاديثهم من ذكر فوائدها الجمّة، وعلى ذلك انتشرت شائعة تقول أنها تقي من كل الأمراض إلا مرضًا واحدًا لم يعرفه أحد أبدًا، لكن لأنهم لم يعرفوا ذلك المرض، فقد تناولوا المانجو بشكل هيستيري، أدّى لانخفاض سعرها لدرجة أن صار ثمن القفص الواحد جنيهين فقط، وقد أراد أحد المزارعين توزيعها بالمجان على أهل البلدة، لأن وجود خمسمئة وست وتسعين قفص مانجو في بيته، يزيد احتمالية إصابته هو وعائلته بذلك المرض المجهول، لكن التجار الصغار- الذين يبيعون القفص الواحد بجنيهين- أزمعوا على أن يقتلوه لأنه سوف يفسد تجارتهم وحرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد. لكنهم مع الوقت- وتحت تأثير المانجو الساحر- كانوا قد أُصيبوا بتخمة لذيذة، أقعدتهم عن خطتهم للتخلص من المزارع الأهوج، وأنهم أنفسهم اكتشفوا حقيقة أن لا أحد باستطاعته أن يتخلص من كل أقفاص المانجو الموجودة في البلدة، لأن وفرة المانجو في القرية تفوق قدرة أي مزارع تحدوه أي نوع من النوايا الحسنة للتبرع بمحاصيل المانجو لديه، فاقت المانجو كل النبل داخلهم، أو بمعنى آخر هزمت هذا النبل لصالح تخمتهم. حتى أن المزارع تكاسل عن توزيع أقفاص المانجو التي في بيته، وقرر أن يأكلها هو وزوجته وبناته الستة عشر. كنّ جميعهن لا يرون إلا بعين واحدة بسبب مرض وراثي، وقد أدّى ذلك أن أصيبت الفتيات بالحقد والطمع، فلم تستطع واحدة منهن أن ترى ثمرة المانجو التي في يدها، وإنما التي في يد أختها، فلم تأكل واحدة منهن المانجو المقررة لها، وإنما ظللن ينظرن إلى الثمرة التي في اليد الأخرى، لكن الشراهة الزائدة عن الحد، جعلت والديهما يتناولان وحدهما كل أقفاص المانجو، لفض هذا العراك الصامت بين فتيات لا ترى إلا بالعين اليسرى، وفي حين كان الأب يرى باليمنى والأم ترى باليسرى، فلم يجدان أية غضاضة من الأكل سويًا بدون حقد، لكن الفتيات أصيبت في النهاية بالحقد المميت، حتى نفذت كل أقفاص المانجو وتعطّنت الثمرات التي بقيت في أيديهنّ، وأصيب الوالدان بتخمة، جعلتهما مثل فقمتين بعين واحدة. كانت أسقف المنازل في البلدة تتساقط منها حبات المانجو التي توقف الناس عن الخروج لشراءها، لوصولهم لمرحلة متقدمة من التخمة أصبحوا معها غير قادرين على النفاذ من الأبواب، وصاروا مع الوقت خائفين أكثر من المرض المجهول الذي لم يُصب به أحد حتى تلك اللحظة.