Saturday, February 7, 2015

بناء الرواية : دراسة مقارنة فى ثلاثية نجيب محفوظ

بناء الرواية : دراسة مقارنة فى ثلاثية نجيب محفوظ

My rating: 4 of 5 stars


كانت فيما مضى تصدر عن مكتبة الأسرة سلسلة خاصة تهتم بالكتابات المميزة لبنات حواء، اسم السلسة "إبداع المرأة" قرأت فيها "ثلاثية غرناطة" وهذا الكتاب، والواضح فيهما ما تتميز به هذه الاختيارات، تميزًا ينأى بها حتى عن تصنيفها النوعي الضيّق. فالاختيار الأول تميزه كان في حد ذاته نشر كتاب بذيوع ثلاثية غرناطة واقتناصه من فم دار الشروق ليباع في مكتبة الأسرة.
ولكم هو رائع أن تتعرف على "كاتبات" لهن تجارب مميزة تستحق الإشادة، فعلى الأقل هناك وجود نسوي في المشهد الثقافي، وجود يثبت قدرته وأحقيته في القيادة، خطوة جادة لتمكين نصف المجتمع وإتاحة لبث رأيه بثقة واستقباله بطمأنينة، في رأيي خطوات كهذه هي ما تدعم حرية وحقوق المرأة، أن تتيح لها المنافذ لتتحدث، لا أن يتحدث آخر باسمها.. طبعًا اختفت السلسلة واختفى معها هذا التحفيز، واكتفت مكتبة الأسرة بسلاسلها الرئيسية.
....
سيزا قاسم ناقدة نافذة، وإن كانت تسمي هذا العمل تحليلًا لا نقدًا.
ظننت أني لن أجد هذا الشخص القادر على التجرؤ على صرح نجيب محفوظ؛ أن يدّعي ضعفًا من ناحية ما في الثلاثية- أحد أكمل أعماله. لكن هذه السيدة تجرأت (ربما لأن ذلك قبل نوبل، لكن جرأتها العقلية مهمة) وأطلقت عبارات من قبيل "ضعف في الوصف"... هل تصدّق؟!! (ضعف في الوصف) كلمة تُقال في نجيب محفوظ! سخطت عليها طبعًا لأنها مسّت أحد مقدساتي، مقدس اعتبرته كاملًا، لم أجد فيه عيبًا واحدًا، حتى قضية الحوار بالفصحى، فلم أتمسك به كثيرًا، ولم أعتبره عيبًا، فخلت الرواية من كل العيوب، لهذا فقد كان مُقدّسًا- لأني لم أعرفه.
لكن بتتبع تحليلها السهل المنساب بلا تعقيد، خف سخطي، وثلمت حدتي، ثم نبذت العنف! وفي النهاية وافقتها، نعم هناك قصورًا في وصف نجيب محفوظ، يتعلّق بالأماكن بصفة خاصة وبتفاصيلها، فرغم أن الثلاثية هي ثلاثية القاهرة، فالقاهرة ليست موجودة في الحقيقة في الرواية، صبّ نجيب محفوظ كل اهتمامه على الشخصيات. فانزوت الأماكن وصارت مؤازرة فقط للشخصيات، تخدمها، كما فعل مع وصف الطبيعة- الأشياء... إلخ. تلك التفاصيل التي تجعل من الرواية رواية واقعية متكاملة.
لكن هذا لا يعني أني في البداية كنت مؤمنًا بنجيب محفوظ، والآن أكفر به! فهو لا يزال عبقريًا عظيمًا، لكن الفرق أنه لم يعد مقدسًا، لأنه لم يعد مجهولًا. ولا يعني أيضًا أن الرواية ناقصة نقصانًا معيبًا، وأنه لو تنبّه لهذه الملاحظات لكان أكثر عظمة وكمالا، لا بالطبع، فالثلاثية لا زالت عظيمة، لأنه في الحقيقة لا يوجد عمل فني مقدس أو خالٍ من العيوب، وعلينا أن نبحث عنه إن لمسنا في أنفسنا ميلًا للتقديس.
وأعتقد أن شعور العظمة والكمال الذي يصاحبنا بعد قراءة عمل ما، يكون واقعًا تحت تأثير الانبهار بهذا العمل، هذا الوقوع العاطفي البحت الذي لا يذيبه إلا مرور الزمن، فقديمًا عندما قرأت تشيخوف، كنت واقعًا تحت هذا التأثير المتعصب النابذ لكل فكرة مُعارضة، يؤلمني سماع كلمة تشكك في عظمته، خصوصًا وإن كانت تشبه الحقيقة، أما الآن فأنا على استعداد أن أستمع إلى أية فكرة معارضة لتشيخوف بصدر رحب، لكن هذا الاحترام والتبجيل لا يزولان أبدًا، إنما الذي يزول هو هذا الشعور العاطفي الساذج الهائم في الخيالات، فهذا كفيلٌ به الزمن. مثل بيدرو بارامو التي أعرف أنها في يومٍ ما سينطفيء هيامي اللاعقلاني بها. رغم أني لا أدري كيف يحدث شيء كهذا مع بيدرو بارامو، على الأقل في الوقت الحالي!

ومع ذلك فلم أكن أوافقها في كل ما ذكرته، وأعتقد أنها أفرطت في وصف "وصف" نجيب محفوظ بالقصور، تحت تأثير مقارنتها بالأعمال الواقعية الأوروبية، وكان بعض مما تعتبره قصورًا في الوصف أعتبره ذكاءًا في الاختصار والحذف.
انتبهت لهذا الجزء بالذات من الكتاب، كونه قام بتحليل جيد لوصف نجيب محفوظ، ونقد أسلوبه بشكلٍ ذكيّ.
لكن في بقية أجزاء الكتاب فهي تدرس أسلوبه من جميع النواحي، مبينة نقاط القوة التي جعلت من الثلاثية عملا متكاملًا متفرّدًا، لتعترف أيضًا في النهاية بقدرة نجيب محفوظ الفذة في الخلق.

في النهاية فأنا أحب أن أشيد بـ "سهولة" و"إمتاع" هذا العمل النقدي.
فبالنسبة لنا ما يهم في كتاب نقدي أن يكون سهلًا وممتعًا.


No comments:

Post a Comment