Friday, September 28, 2012

عندما أحدثك لأول مرة, حينها دع عنك نبرات الريبة ونظرات الخجل, فلنكسر معا حواجز الغرباء, أريدك أن تكون صديقى, وأنت كذلك, حينها إذا سأحدثك كمن يعرفك منذ عشرين عاما, ولا أريد منك سوى ابتسامتك الصافية, وضحكاتك القلبية. أتعرف.. سنكون اختصرنا طريقا طويلا تبدأ بهما أى صداقة, أريد لصداقتنا أن تكون غير عادية, أريد أن نبدأها مبكرا, أريدك أن تكون صديق العمر...



Thursday, September 27, 2012

المعلم والآلهة



بعدما أغلقت النوافذ وأوصدت الباب, وأحكمت الظلمة غرفتى. عرفت أن كلهم خائنون, وأن الأمانة لفظة مجردة من البشر, كان الألم يعتصرنى لأن من علمنى الألفباء, علمنى أن كلهم يحبونها, ولم يعلمنى أن طبيعتهم تصبو نحو الغدر والخيانة, وقفت خلف الباب أحول بينى وبين تسرب أنفاسهم إلى غرفتى, وأتذكر يوم فتح معلمى الكراسة وكتب فى منتصف السطر (الأمانة)... وقال وهو يبعد عينيه عن عيناى: (الصديق أمين والحبيب أمين .. الأمانة شيء جميل .. يجب على الإنسان أن يكون أمين )
ليتنى سألته وهل يكون العدو أمين ؟! ليتنى سألته وهل يكون الغدر والخيانة إلا من الحبيب ؟!
لكنى لم أسأله لأنه علمنى فى الدرس الأول أن يكون الإنسان صادق ومطيع..
تذكرت هذا والدموع تبلل عيناى, لا تفارقنى صورة انهيار صروح الأخلاق الحميدة, كنت شاهدا عليها, رأيتهم يهدمونها, كان أحدهم يمسك المعول وهو يصرخ حمدا باسم آلهته التى يعبدها, كان يعبد آلهة لم أسمع عنها فى الأساطير القديمة. فلما سألت كاهن مدينة الأخلاق قال لى إنه يقدم قرابين الشكر للآلهة, فسألته أين تلك الآلهة, لكنه اختفى وراح يهدم الصرح الكبير ويصرخ بتراتيل الشكر, رحت أجول مدينة الأخلاق لعلى آوى إلى مكان يعصمنى من الانهيار, كانت كل الصروح تهوى بمعاول الآلهة وقد صار كل واحد منهم إله نفسه يتعبدها, يقدم لها قرابين الشكر, يمجدها.
هربت بعيدا خارج المدينة, حتى أوقفنى صوت متحشرج, نظرت خلفى, فوجدتها الأمانة تحتضر تلفظ الأنفاس الأخيرة, اقتربت منها فسألتها من قتلك, فقالت قتلت نفسى, فلما سألتها لماذا لم ترد علىّ وتوقفت حشرجتها وذهبت آلامها, فشعرت أن الموت انتقل منها إلى فعدوت بعيدا عن أرض الموت. حتى توقفت عند الصرح الباقى فى المدينة فآويت إليه, أذكر تراتيل إلهى, أقدم له الشكر على هذا الصرح الباقى. حتى سمعت صوت المعاول تقترب, فاضطرب قلبى وشعرت كأنى سجين أنتظر الموت, فرفعت صرخاتى المتتالية لعل إلهى يستجيب, لكن صيحاتهم كانت تزداد وتقترب, وما أن وصلت باب الغرفة حتى شعرت بهدوء أشبه بهدوء الميت, ثم خفت الأصوات وانعدمت وتوقف قلبى, ولم أعد أرى إلا أشكال مجردة لا أفهمها, لم يقطعها إلا أشكال بشر يمسكون المعاول ويقتربون منى بحركة بطيئة شبيهة بالتصوير السينمائى البطيء, تأملت وجوههم, وعيناى صامدتان غير متعجبتان لا تهتم إلا بالتفاصيل, تراخت أعصابى حتى أحسست أننى أعرفهم وأنهم يعرفونى لوحت لهم بيدى, لوحو لى بمعاولهم, ثم سقطت.. لا أدرى أسقطت أنا أم أن الصرح قد سقط..

Friday, September 14, 2012

وليمة متنقلة

وليمة متنقلةوليمة متنقلة by Ernest Hemingway
My rating: 5 of 5 stars

أول كتاب أقراه وأول كتاب اقراه للمرة الثانية !
حبى للكتاب ده منقطع النظير.. من الكتب النادرة اللى بتجاوب على السؤال الصعب: "إيه هو أفضل كتاب قريته ؟!" بدون تفكير تكون إجابتى : وليمة متنقلة
...
سحر الرواية دى مش إن فيها أحداث وقلاقل وحدث بداية وعقدة ونهاية والكلام دا.
لكن سحرها الحقيقى إنها مجرد أحداث عادية فى مكان زى باريس فى أزهى عصورها لما كانت تحتضن أعظم أدباء هذا العصر, أحداث عادية وبأسلوب همنجواى الفكاهى ووصفه للناس ومناطق الحوار الممتعة كل دا (بالإضافة لشعور غير قادر على وصفه) خلاها أفضل رواية اقراها لا أمل منها أبدا, وسأظل أقرأها كلما افتقدت هذا الشعور !


View all my reviews

Thursday, September 13, 2012

لم تُخلق الشمس لنرى نورها, بل لنرى بها الأشياء التى تصغرها !



Thursday, September 6, 2012

النظام الإلهى والبشرى .. فى ضوء الفردوس المفقود

الفردوس المفقود - جون ميلتون
ترجمة : د.محمد عنانى


فى الفردوس المفقود: بعدما رفض إبليس الانصياع لأوامر الله التى تقضي بطاعته للمسيح (على حسب عقيدتهم المسيحية) ,لأن نفسه المتكبرة ترفض هذا, آثر إبليس أن يخرج عن طاعة الله على أن يطيعهما كليهما (الله ومن بعده المسيح)..

فقامت حرب ضروس بين ملائكة العرش المخلصين والملائكة العاصين بقيادة إبليس أنتهت بهزيمتهم هزيمة نكراء وصفد حشدهم إلى الجحيم... ثم رأى الله أن يخلق بشرا من طين لتمجيد ألوهيته ..
فلما رأى إبليس ما آلت إليه الأمور وماهم فيه من عذاب وذل لا يليق بنفوسهم الملائكية وطموحهم إلى الخلود والألوهية... قرر أن تكون مواجهته مع الله لن تكون بالنيران والدروع فهى محسوبة لقوة الله.. لكنه رأى فى إغواء الإنسان أمله فى أن يتحدى جبروت الله وأن يفسد خلقه الجديد ويضمهم إلى زمرته فى الجحيم..

وتمر الأحداث إلى أن استطاع إبليس الهروب من الجحيم إلى الفردوس ويتخذ شكل الثعبان ليستطيع إغواء حواء بالأكل من الشجرة المحرمة مقنعا إياها بأنها ستمنحها القدرة على معرفة الخير والشر ,, وتصير من الأرباب !

وتصدقه حواء وتأكل من الشجرة المحرمة فتشعر بتغير ما فى جسدها وروحها , وتظن بهذا التغيير أنها أصبحت ربة, فتقنع آدم بالأكل منها... 

لم يكذب عليهما إبليس حين أقنعها أنها ستميز بين الخير والشر..
فآدم وحواء لم يعرفان خيرا كانت الأمور أم شرا.. فكانت الفطرة تقودهم إلى الحياة الهنيئة وحسب لم يشغلا بالهما ببواطن الأمور أو ظاهرها, فقد كانت كل الأمور تحت طوعهما!

فلما أكلا من الشجرة توطن الشر داخلهما وتراجع الخير, وأول بوادر هذا الشر أنهم رأو ما هم فيه من عرى فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنه, فعرفا معنى الخجل لأول مرة , وأحسا بمعنى الشهوة .

ــــــــــــــــــــ

عرفا آدم وحواء إذا الخير والشر كما يعرفه الله, ومع ذلك تدنت مرتبتهما بعدما كانا النزيلين الكريمين فى الجنة , ولم يصبحا من الأرباب كما وعدهما إبليس !

فالله يعرف الخير والشر وبهما يجازى ويعاقِب. والإنسان يعرف الخير والشر لكن بهما يُجزى ويُعاقَب. ففكرة معرفة الخير والشر ليست هى مصدر السعادة التى نشدتها حواء..
بل هى مصدر تعاسة البشرية جمعاء !

Saturday, September 1, 2012

نار وطين


اندفع باب السيارة السوداء بيد خفية, ثم هبط حذاءان سوداوان أنيقان ومالبثتا أن تثبتتا بتراب الأرض حتى انتصب عود الرجل الوسيم... ثم مشى يتحسس بحذائه الثمين طريقا يحافظ على بهاء حذائه الإيطالى يلعب بمفاتيح السيارة فيختلط صوتها بصوت بائع الروبابيكيا وصياح أطفال يلعبون الكرة وبعض أصوات البيوت التى هربت من أصحابها معلنة عن أسرار تثير الضحك والإشمئزاز, وأصوات أخرى لايعرف أحد مصدرها لكنها كونت الكتلة الصوتية للحارة, قد لا تكون حارة بدونها.
وما إن سار بضع خطوات حتى أوقفه صوت سيدة عجوز تستند بظهرها المنحنى إلى حائط عريض, تبدو كهيئة حيوان ضعيف لفظه رحم أمه لتوه تلوذ بجسدها النحيل داخل قماش أسود كالخرقة, رفعت وجهها المجعد إلى وجهه وعلى كتفه قرص الشمس الذى نثر أشعته حول رأسه حتى بدت السيدة عاجزة عن تبين ملامحه. أخذت تدعو له بالنجاح والهناء وراحة البال, فتوقف وسلط عليها نظارته وأخذ يرمقها بنظرات تشى بالازدراء. أخذت السيدة العجوز تتلمس بنطاله الأسود الأنيق وتردد: "الله" ... ازدادت حدة الإزدراء فى وجهه فاندفعت قدمه الطائشة فى وجهها يركلها  صائحا فى وجهها: "ألا تخجلى أيتها العجوز. لقد لوثتى البنطال بأصابعك القذرة.. فلتذهبى إلى الجحيم" قالها ورحل. صرخت العجوز بأدعية من جهنم الحمرا تحمل له الموت والطاعون, ثم مالت بظهرها الأثرى لتجمع العملات المعدنية التى وقعت من حجرها واختلطت بالتراب, لم تأبه لقطرات الدم السوداء التى سالت من أنفها ورأسها, فاكتفت بمسحها بكم عباءتها البالية.. رحل يظبط هندامه متمتما: "ألا يخجلون هؤلاء النتنى, ألا يرون حتى شحاذى لندن أو باريس, يشحذون بفنهم وميسيقاهم ؟! الرحمة, وأنّى لهم أصلا برؤيتهم وهم هنا لا يعرفون سوى النفايات والروائح القذرة والحيوانات الضالة. كم هو عسير حقا هذا الوقت الذى سأضطر قضاؤه هنا بين هؤلاء النتنى " احتفظ لنفسه بتمتماته ثم عرج إلى محل بقالة ليشترى علبة سجائر . اشتراها ثم استكمل رحلته الشاقة, وما إن توقف عند منزل معين تفحص جوانبه ببعض النظرات واستعان ببعض المارة حتى تأكد لديه أنه مايبحث عنه...
صعد درجات السلم بعدما ألقى عقب سيجارته التى كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.. حتى ذهب رمقها الأخير تحت نعل ثقيل..
كان كل شيء يسعى كما تسعى الشمس: ينشطون حين تشرق ويخبو نشاطهم حين تخبو جذوتها فى الغروب فترحل بهدوء تاركة ستائرها الذهبية سلواهم حتى يستريحون ويُسلِّموا أجسادهم المتعبة للنوم العميق..
وكانت الشمس قد أعدت عدتها للرحيل بعد أن مرت دقائق حين خرج الرجل من الباب يضبط هندام بدلته السوداء ويثبت نظارته ثم عاد من نفس الطريق..
ولما اقترب من موضع العجوز وجد صخب وبلبلة وتجمع لأناس كُثُر حولها, فلما جاورهم ألقى نظرة خاطفة ووجد السيدة العجوز يسيل من رأسها دم غزير بينما كانت مغشية يحاول أحدهم إفاقتها ..
بينما كان أحدهم يصوب إلى نظارته نظرات نارية كادت أن تحرقه لولا أن ألقى خلفه هذا المشهد متجها نحو سيارته متمتما بكلمات مسموعة كأنه يهزى أولا يدرى بما يقول: "ثم إنهم أناس قذرون إن لمسوا ملابسنا تلوثت ومن يدرى فقد يصيبنا عدوى" ثم نظر إلى حذاءه : "وليتنى لم أقرب حذائى منها فيتلوث كما تلوث بنطالى"
ركب السيارة وانطلق..
مرر راحة يده اليسرى على شعره : "لماذا اضطررت إلى المجئ إلى هنا !"
ثم أدار مفتاح الراديو : عبد الحليم يغنى....
أداره ثانية: تواشيح للنقشبندى.... استمع إليه
ثم أداره مرة أخرى: مطرب حديث يغنى بصخب وإزعاج بآلات حديثة.. ترك المحطة

سلّم نفسه لصمت الطريق السريع الخاوى ولهبّات الهواء المداعبة شعره الناعم وصخب الأغنية الحديثة...
وبينما هو كذلك مسلّم يديه للمقود ورأسه لمداعبة الهواء وجسده لحالة الصمت الصاخب. إذ رأى جماعة من الناس يزيد عددهم على عشرين شخصا على يمين الطريق يسلكون دروبا لأرض زراعية يحملون كفنا, فتعلق نظره عليهم لسبب لا يعرفه ومالبث أن عاد ينظر إلى الطريق أمامه فوجد شاحنة كبيرة تقترب بسرعة أكبر من سرعته فأدار مقود السيارة بأقصى ما يستطيع حتى انحرفت السيارة إلى جرف واسع جانب الطريق. بدت إلى حشدهم كأنها عملة معدنية ترفرف فى الهواء حتى اصطدمت بأرض صلدة فانفجرت فى صورة مروعة تشبه إنفجار قنبلة ذرية فتصاعدت قبب من النيران يصاحبها دخان أسود كأنها سحب تتصاعد من الأرض إلى السماء...
كان العشرون رجلا قد توقفوا يشاهدون الحادث, يتملكهم الذعر والذهول, حتى خمدت نيرانها فذهب بعضهم إليها لإنقاذ أى ناج, وما أن اقتربوا منها حتى نفذ دخانها الكريه إلى صدورهم وأحسوا بحرارة شديدة كحر القيظ وهم بعد فى ساعة غروب...
اقترب رجلان من نافذة السيارة وبعض ألسنة اللهب تقاوم الخمود ودخان كثيف يتصاعد منها وباقترابهم وجدوا الرجل وقد تفحمت جثته تماما وطمست مملامحه, وسمعوا صوت ينبعث من داخل السيارة؛ كان صوت الأغنية الصاخبة .
حاولو إخراج جثته وفتشوا عن أى إثبات هوية لكن كل شىء قد احترق حتى لوحة السيارة انصهرت.
ولم يعرفه أحد. فقرروا دفنه بجوار السيدة العجوز.