Saturday, March 2, 2013

حُلْمٌ.. ألا تجيء يوماً !


عن الطبيعة والتاريخ

حُلْمٌ.. ألا تجيء يوماً !
لا أدرى ليلتها ما أيقظنى, عادة أرقى أن يكون عطشاً أو حاجةً أقضيها لا تحتمل ساعات الليلِ, لكنى عندما فتحت عينىّ فجأة كشبح فيلم الرعب, خِفت من نفسى وفكرت للحظة أنى شبحٌ تلبّسنى, وينوى التهامى, لكن مالبثَِت أن مرت لحظات يقظة ملؤها الواقع الذى يُقرُّ بأن لكلِّ ليلٍ نهارٍ يتبعُه, حتى غطّيت جسدى حتى وجهى بالغطاء, ودفعت عنها الهراء وفكرت أن أحلم فأستطيع أن أشغل يوم الغد بشيءٍ أفكر فيه, فأنا أحب التفكير فى الأحلام فى يقظتى كانت أو كوابيس, ولما كانت من عادة الأحلام أن تتطلب منى تفكيراً مليّاً حتى أتقمص الحلم قبل أن يتقمصنى, فقد قررت أن أفكر فى الطبيعة وحدها, فتخيلتها ذاك الشبح الأسطورى الذى تلبّسنى, تثاءبت فعرفت أنه وقت إسدال الستار, ثم نمت وقد حلمت... اسمع تلك القصة:
     أشجار الزيزفون تظلِّل حوريات البحر النائمة, طيور النورس البعيدة تحلِّق فوق صوارى سفن غارقة, والسحاب عقد من الآلئ البيضاء يزيّن عنق السماء الياقوتىّ, وأنا تائهٌ لا أود أن أستفيق من هذا الحلم, وأنا أعلم أنه حلم. أسير وحدى بين عمالقة الطبيعة الأقدمين وأساطير التاريخ, آلهة قديمة تستفيق من وسط أطلال المعابد فتنفض غبار الزمن عن جسدها الحجرى الناعم, أراها تجثو على ركبتيها فتحلق نحو السماء ورقرقة دمع تلوح من مقلتيها: روما البعيدة تستنجد بالإله, تطلب المغفرة, وأنا أرقب نبض القلب عندى وعندها, جلستُ على مبعدةٍ منها, نهضَتْ فاستقبلت ضوء الشمس على كفيها ثم ذراعيها فصدرها ثم غمر كل جسدها, بدت أكثر إشراقا من الشمس, تناولتْ كتاباً عتيقاً ملقىٌ تحت عمود رومانىّ متهدم, مسَحَتْ بكفّيها دقائق التراب فتناثرت طائعة, مدَّت إصبعها إلى دفته, ثم قرأت صفحته الأولى, ابتسمت لما قرأت يوم مولدها, بدت غير آبهة لمَّا رأت صورة الرؤوس منحنية لها, الصفحة الثانية مثل الأولى؛ رؤوس تنحنى, الصفحة الثالثة؛ ترى وجوه كثيرة ودماء وأشلاء وفرسان, ونقع الخيول يغشى عينيها, فتطلعت نحو السماء فترقرق الدمع من مقلتيها فسقط على الصفحة الثالثة, أغلقت الكتاب وأعادته بحذرٍ إلى مكانه, ثم ذهبت بعيداً, وتحدّرت مع المساوف الطويلة الواصلة بين الأرض والسماء, واختفت مع الشمس نحو الغروب, بدت بعد الرحيل كحلمٍ داخل حلم.
    بعد أن أفقت منه شعرت بحب التحامٍ مع الطبيعة؛ أمى القديمة, أخذت أرقب كل مشهد أمامى وأجمع المشاهد فيبدو أنه نفس المشهد الأول, لا انفصام ولا التقاء, بدأت رأسى تدور, زاغت عيناى, ثم عُزِف لحنُ الطبيعة وفاقت حوريات البحر النائمة, ورقصت فى دائرة رافعة هاماتها الممشوقة, وهبَّ نسيمٌ أرْقَص أغصان الزيزفون, واقترب سرب النوارس البيضاء يصحب السفن التى تمخر عُباب البحر. أحياها لحن الطبيعة...
اقتربتْ منى, همست فى أذنى, أفقت على عينيها الباسمتين, ثم احتضنتى, وسال الدمع من عينى, وسال الدمع من عينيها, "انتظرتك كثيرا", قلتها وقالتها, ثم سرنا كملاكين هبطا أو بشرين عادا إلى حيث الرعيل الأول من البشر لم يهبطا من الفردوس, ورشفتُ رحيق الطبيعة؛ لون السماء الزبرجدىّ وحفيف أجنحة النوارس وطعم البحر الهائج, ودقات قلب عائد.. عاشق.
لثمتها, ضحكت, عاتبتها " لماذا تأخرتِ؟", فرأيت وجهها البضّ, وعينيها كرتين من اللؤلؤ وشعرها شلال أسود يغمر نهديها الثائرين, فطلبتْ مزيداً من الخمر لننسَ ما كان بالأمس, ونعود حيث الحلم الجميل, "فى الأحلام لا عتاب", هكذا قالت, رضيت ما رأت, وطلبتُ خمرا فلم يجيء, فاحتضنتى, فنسيت أمسى وغدى, وصرت هيمانا بعشق الحلم. ثم.. ثم انتهى الحلم ..