Sunday, January 17, 2016

المسخ والمخاض

هذا يحدث عادة.. أن أصير غير مرئيًا، وأنا في الغالب لا أصير غير مرئيًا بإرادتي، وإنما هو شيء يفوق الإرادة، بحيث أنه شيء أشبه بالمخاض، بقوة دفعه وألمه وقوته المصيرية.
بالأمس عرفت أن ابن عمي قد زارنا وأنا موجود في البيت، وجد الباب مفتوحًا لأن أمي غالبًا ما تترك الأبواب مفتوحة حينما تخرج تحسبًا لتحولي، لكن هذه المرة بالذات اخترت اللامرئية بإرادتي الحرة بدون أية آلام، بل كانت التجربة لطيفة. جاء ابن عمي هذا، ولما وجد الباب مفتوحًا ولا أحد في المنزل، دخل وأعدّ لنفسه فنجان قهوة، وجلس يشاهد التلفاز إلى حين عودة أحدنا. نعم نادى باسمي، لكني كنت قد تحوّلت، منذ تلك اللحظة التي سمعت فيها دبيب أقدامة تخطو نحو باب المنزل، ذهبت إليه، وبطبيعة الحال لم يرني، نادى عليّ مرة أخرى مُشرئبًا ناحية باب غرفتي المفتوح، فرفعت عنقي إليه ناحية أذنه وقلت "نعم"، لم يسمعني، نادى مرة أخرى، فصنعت من راحتيّ يديّ مكبرًا للصوت، وقلت "نعم" بصوت لا أجرؤ على رفعه في حالتي المرئية.
بعدما لم يجد مجيبًا، جلس يحتسي القهوة ويشاهد التلفاز، ثم تابعت طريقي إلى الحمام وأنا أضحك. أستطيع أن أتحول إلى اللامرئية، لكن هذا لا يعني أن بولي يتحول معي، لكنه يحتفظ- رغما عني- بقوامه كاملًا، وإثر ارتطامه بقاعدة الحمام، أحدث صوتًا، كتم ابن عمي صوت التلفاز ليُرهف السمع، ثم نادى عليّ مرة أخرى، فصحت من الحمام: نعم.
لم يسمعني، فكنت أضحك وأنا أتابع التبول الذي استمر أطول من المعتاد نظرًا لاحتباس البول في الفترة التي استغرقتها في التحول. كان قلقًا طوال الوقت، وللمصادفة، قرر أن يرحل في اللحظة التي مررت به عائدًا من الحمام. ظننت أن ذلك شيئا مضحكًا فاكتفيت بالابتسام وأنا أتابع عملية رحيله؛ حمل حقيبة ثقيلة، أطفأ التلفاز، ثم غادر بعد أن ألقى نظرة خاطفة ناحية ستار الحمام، ثم أغلق الباب خلفه. حملت فنجان القهوة ووضعته في حوض المطبخ، فقط لتبدو الأشياء على طبيعتها. في اليوم التالي أبلغتني أمي بحضوره. هي لم تخبره أنني كنت متحولا إلي الصورة اللامرئية، وإنما قالت "لا أعرف" بطريقة مستهينة، هذه هي طريقة أمي في غلق المواضيع الشائكة، فأخبرها أنه سيعاود الزيارة مجددًا في عصر ذلك اليوم.
أغلقت أمي نافذة غرفتي وخرجت، وكانت على وشك أن تقول شيئا، حيث أن غلق النافذة جاء بشكل ارتجالي تقريبا بلا تخطيط، لكني عرفت أنها تود أن تقول لي: لا تتحول. لكنها لم تجد الصيغة المناسبة لذلك. ربما كان فقط عليها أن تقول: "لا تتحول بإرادتك"، لكن من الواضح أيضًا أن هذا مُهينًا لكلينا، فاكتفت أمي بغلق النافذة بشكل مُحبَط. 
حين جاء ابن عمي أراد أن يجعل من هذا الحادث شيئًا مضحكًا، جلست إلى جواره وحاولت أن أضحك، لكن صوتي لم يكن مسموعًا، كنت أخرسًا، وعندما تحدث عن صوت الماء في الحمّام، جاءني المخاض لأن الضحك كان مكتومًا أكثر من اللازم، كانت أمي تتابع بقلق، حيث كان عليها أن تضحك وتتابع تحوّلي معًا، أعرف أن ذلك أمرًا شاقًا، لكن ذلك لم يكن شيئًا بجوار آلام المخاض، حيث دُفعت إلى الحالة اللامرئية رغمًا عني، وحين أتممت التحوّل، كان ابن عمي يقول أنه خاف أن يقترب من الحمام فلم يُعيد فنجان القهوة إلى المطبخ، وجدت أن ذلك أكثر شيءٍ مضحك، فقهقهت بأعلى صوتى ممسكًا بطني من ألم الضحك، بعد أن خرج ذلك الجنين العملاق من فمي.

Sunday, January 3, 2016

أعظم استعراض فوق الأرض

My rating: 4 of 5 stars

بعيدًا عن النبرة المُتسلّطة لدوكنز، ورغبته الزائدة عن الحد في اعتراف الجميع بالتطور، إلا أن تفويت كتاب مُبسّط عن التطور مثل هذا الكتاب خسارة كبيرة، فليس فقط الطريقة البديعة التي يمارس بها التطور سلطانه هي محفّز قوي للقراءة عنه، لكن أيضًا هناك كم مدهش من المعلومات التي تم إهمالها بجُرم أنها معلومات تطورية.
أيضًا كون هذا الكتاب هو المدخل الأول الحقيقي لي في هذا العلم، فقد بدأته متحفّزًا بأسئلة ظننت أنها مُعجزة ، لكن مع الوقت أدركت أن مثل هذه الأسئلة ليست مُعجزة كما ظننت وإنما هي نتاج جهل وعدم معرفة لا أكثر، وفي المقابل تظهر أسئلة أخرى أكثر نضجًا لن يجبّها سوى معرفة جديدة بالطبع، وهكذا فإن التنطع والمكابرة أحيانًا الذين يقابلهما التطور يكون في الغالب من جهل وقلة معرفة مدعومًا طبعًا بالنعرات العقائدية الجاهزة دومًا بغض النظر عن أي معرفة مطلوبة. فمثلًا سؤال مثل "إن كنّا قد تطورنا من الشامبانزي، فلماذا إذن لازال هناك شامبانزي لم يتطور؟".. أعتقد بعد قراءة هذا الكتاب يجب أن أقلق على كل أسئلتي التي أظن أنها مُعجزة!
إذن لماذا التطور مُدهش؟ التطوّر ملموس في كل شيء وأعتقد أن التطور البيولوجي هو أحد صوره، هذه فكرة راسخة طبعًا لا تحتاج نقاش؛ فكرة اتجاهنا نحو التطور أو أن عجلاتها ستفرم من يعارضون قانونها. لكن صور ممارستها أيضًا يجعـ... مثلًا هناك الحشرات التي تنتخب أزهارًا معينة فقط لأن لونها أو رحيقها متوافق مع مزاجها، هي بذلك تعمل على تدجين الأزهار باختيار تفضيلات معينة، يقول دوكينز أن الأزهار التي نستمتع بجمالها ورائحتها الآن هي في الأصل نتاج انتخاب الحشرات لها، ومن حسن حظّنا أننا والحشرات نتشارك نفس المزاج الجمالي! هذه العملية لا تختلف كثيرًا عن التدجين الاصطناعي الذي يقوم به البشر للأبقار والكلاب لتكون أكثر ملائمة لحاجاتنا اليومية والترفيهية.. هذه من أكثر الصور البديعة في العلم والبيولوجيا، بإمكانها أن تفسر سبب شغفي بالعلم، في الحقيقة أنا أبحث عن مثل هذه الأشياء المدهشة، والعلم حقًا حقًا مدهش بما فيه الكفاية.
المثال أعلاه هو مثال عمّا يُسمّى بالتطور المتشارك، وهو يتم بالتشارك بين نوعين مختلفتين في علاقة نفعية متبادلة، فالحشرات تقدم وسيلة "مواصلات" ليست مجانية لنقل حبوب اللقاح، وفي المقابل فالأزهار تقدم الرحيق المطلوب لنقل هذه "البضاعة"، ليس هذا فحسب، ولكن هناك "عقلانية" في إدارة هذه العملية ربما نحن البشر لن ننتبه إليها بسهولة؛ وهي أن الأزهار تقدم كمية محسوبة فقط (ليس وجبة كاملة من الرحيق)، فبهذه الطريقة تضمن ألا تشبع الحشرات فتبحث عن زهورٍ أخرى، وبذلك تضمن وصول حبوب اللقاح لمستحقّيها!.. كل هذه الدقّة.
وهناك أيضًا التطور بالانتخاب الجنسي وهو الذي يتم عن طريق انتقاء الإناث (غالبًا الإناث) لذكور لهم مواصفات السوبر ذكر، وبذلك فهي تقوم بانتقاء الفرع القوي، أما ما دون المواصفات، فإن عجلة التطور كفيلة به!
(مثالين عن هذا النوع من الانتخاب.. واضح إني مهتم بالموضوع من فترة!..:
https://goo.gl/jt3eYg
https://goo.gl/zJ5Ob7

أما الانتخاب الطبيعي، فهو يتم بين الفريسة والمفترس، مثلًا؛ هناك نوع من الأسماك القابعة في قاع البحار المظلمة، تصطاد فريستها عن طريق إنارة بيولوجية مُعلّقة فوق رأسها، ونوع من الطعم تظهره لفريستها، بالطبع الفريسة تنجذب للمفترس الذي لديه أدواته الأقوى فبالتالي –وبلا وعي- تنجذب نحوه، لتكون هي السبب المباشر لبقاء هذا النوع الأقوى، أي أن الفريسة بشكلٍ ما تنتخب المفترس!
الانتخاب هو آلية التطور.. والكتاب فيه تجارب ثرية ومدهشة عن "التطور أمام أعيننا" بحيث أننا لسنا بحاجة لملايين السنين لإجراء تجربة عملية للتأكد من التطور، هناك مثلًا السمك الذي أظهر تكوينات لونية على قشرته الخارجية بمجرد انتقاله لبيئة تختلف في تكوين قاعها عن تكوين بيئتها الأصلية لتتجنب أعين المفترسين، تمامًا مثل السحالي التي لها لون جلد مشابه للون بيئتها بشكل عجيب.. هذه مثلًا إحدى صور الانتخاب، فالسحالي التي لم تستطع أن تخفي نفسها عن أعين المفترسين بجلدها ذو اللون المبهر الفاضح، كان مصيرها أن كانت وليمة لمفترسيها وانتهى أمرها، ومن استطاع أن ينجو هو فقط الذي تمكن من المراوغة بلون جلده المُخادع، وهكذا وعلى مر آلاف السنين، تنفصل السحالي التي لها لون جلد فاضح في جانب المفترس، في حين تتزاوج السحالي التي لها جلد مٌموّه لتنجب المزيد ممن لهم قدرات متطورة على التموه، لتكون النتيجة ما نراه الآن من تطابق عجيب بين لون جلدها ولون بيئتها..

في التجربة التي تم فيها فصل السمك عن بيئتة الأصلية (مع توفير مفترس مناسب له) أنتج هذا السمك نفس التكوينات والبقع على جلده بما يُشابه لون وحجم الحصى المستقر في قاع البحيرة الجديدة تمامًا عليه، وأصبح فيما بعد مختلفًا عن أقرانه في بيئته القديمة، فكلٌ أصبح مُتكيّفًا مع الظروف التي وُجد فيها.
في الختام، هذا الفيديو يجمع بين قريبين بعيدين بينهما حميمية مؤثرة. :)
https://www.youtube.com/watch?v=vOVS9...