Thursday, June 30, 2011

الدم والمشمش

الإطار من المشمش الذهبى , الصورة فقر وعجز ومرض وقلة حيلة ,كل ذلك داخل جلباب أسود حاكته أصابع الزمن بلا شفقة.
    امرأة ستينية أو أرادتها أصابع الزمن كذلك, داخل جلباب أسود لايخلو من علامات البؤس.
يتدلى من قبضتها كيس ضئيل يحمل بعض الحبيبات –ربما مشمش.
تقف بملامحها العتيقة البائسة ذات الوجه البائس والعينان التائهتان فى دروب الحياة الشاقة التى لم تعد تتحملها.
       هى مشهد صامت بين أكوام من الحركة والعشوائية , لاتتمنى من الله سوى أتوبيس يحملها إلى هناك –أى هناك فطالما هى تملك حبيبات المشمش وذهبت إلى هناك , فيجب أن تحمد الله على هذه النعم الكثيرة.
أما أنا فأقف على يمينها ,أشاركها الانتظار, يفصلنى عنها بضعة أمتار .أنها حسابات القدر.
     أتراجع قليلاً إلى الوراء, ليس لسبب ولكن لأكسر المشهد الصامت الذى التصقت به, أما ثالثنا فهو أتوبيس صامت أيضاً يقف بمحازاتى وتقف هذه السيدة خلفه, امتنع عن الركاب فامتنعنا عنه, خاوٍ ليس به إلا السائق, امتناعه عنا أتاح لى ظلاً أحتمى به من حراة الشمس الملتهبة.
        وبينما أقف فى هذا الظل شارد الفكر , متعب , أرهقنى اليوم بمشاغله وحرارته, فجأة تحرك الظل من تحتى حاملاً أتوبيسه إلى يسارى ببطء ومازال يتحرك ولازلت شارد الذهن ,لاأهتم بما حولى حتى استوقفنى شئ غريب.
     شئ ما تلتهمه إطارات السيارة, شئ أسود يدور بين الإطارات , ألقى بنظرى بعيداً إلى يسارى وقد اختفت السيدة البائسة ذات الجلباب الأسود .
أهيم بوجهى نحو السيارة وأضرب بقبضتى جدارها صارخاً نحو السائق:"توقف..توقف..توقف..", ويتجمهر الناس . فقد تأكدت أن هذا الشئ الأسود ماهو إلا جلباب السيدة البائسة , الحادث يفسر نفسه : فبينما تتراجع السيارة إلى الخلف , كانت هذه السيدة منشغلة بهموم الحياة ومآسيها, لاتفكر فى الغد فيكفيها أن تفكر فى هموم الأمس ومشاغل اليوم,
كانت من داخلها تعتصر ألماً وذلاً من الحياة , ورغم ذلك تراها مشهد صامت يحاول أن يقاوم غطرسة الزمن والحياة التى لاترحم ضعيفاً, لربما ارتدت قناع الصمت لتُخرس الحياه, لكن أى قناع يُخرس القدر !!
       ولاتزال السيارة تتراجع , وذلك السائق لايعرف عن إطاراته سوى أنها تلبى أوامر القيادة , لم يأله جهداً فى أن ينظر خلفه, حتى اصطدمت السيارة بالسيدة البائسة ولم تستطع أن تستغيث أو تصرخ , فهى مثل الغريق كيف يشتكى من البحر وهو فى حضرة البحر !
وحتى توقفت السيارة كانت قد التهمتها بالكامل ووصلت إلى أحشاء السيارة.
         اتسع التجمهر, حاول البعض انتشالها من بين الإطارات إلى الخارج , وكلما اقتربت رأسها الى الخارج ازداد قلبى اضطراباً وهلعاً.
حتى ظهرت رأسها , واكتملت الصورة , وتصورت أن قلبى قد توقف تماماً , فما رأيته صادم : قد برزتا عيناها إلى الخارج والدم يسيل من رأسها وجلفت نصف جبهتها , قد تلطخ وجهها بالكامل بالدماء.
وجهها لايبوح بأى حياة , ولايبوح بأى موت.
        حملها البعض إلى السيارة لينقلوها إلى أقرب مستشفى , وتنطلق السيارة, وينفض التجمهر , ولايبقى سواى –مذهول مما رأيت, قد تجمهر من تجمهر وشاهد من شاهد وانفض من انفض , وقد انتهى الأمر , ليتنى أكون بهذه المرونة.
فقد أصبحت مثل هذا التمثال الشامخ الذى يقف أمامى لايستطيع الحركة , لكنه يبدو أفضل حالاً منى كثيراً , على الأقل هو مبتسم.


يالها من حياة شاقة وقدر صارم ,قسوتهما أطلت برأسها على هذه السيدة البائسة  .
كم نحتاج إلى مصالحة القدر والحياة , كم إن الإنسان فى أشد الحاجة إليها ,, لكن فى النهاية هذا هو حال الحياة وهذه طبيعة القدر .
وحبيبات المشمش تلك تركت سيدتها وتناثرت واختلطت بالدماء , كم يبدو هذا المشهد مصالحة القدر مع الحياة , كم نحتاج إليها ..... إلى مصالحة الدم والمشمش.

No comments:

Post a Comment