الخميس، 20 أغسطس 2015

العفاريت


كان دسوقي حلاقًا نادرًا من نوعه، لم يُعرف عنه أنه قال أكثر من كلمتين لزبائنه: "اتفضّل" و"نعيمًا" وما بينهما لا يُسمع سوى صوت المقص يجز الشعر. لم يطالبه أحد أن يتكلم بالطبع، لأن هذا يضمن لهم -هكذا اعتقدوا- حلاقة أفضل وأسرع من لو كان مشغولًا بالحديث والثرثرة. لكن ما الذي حدث جعل دسوقي يحكي هذه القصة لكل زبائنه حتى للغرباء منهم؟

تقول القصة باختصار: أنه كان يسير وحده ليلًا بعد انتهاء عمله في أحد الشوارع المعتمة المهجورة، ثم جاءه صوت لامرأة عجوز تقول "تعالى هنا، تعالى ساعدني أنا تعبانة"، يقول بحماس: "شعري وقف، وما حسّتش إلا ورجلي شايلاني وبتطير". كان يريد أن يجد تفسيرًا من أي زبون لديه، حتى أنه كان يُمعن في ذكر التفاصيل وشرحها كي يقدم لهم كل التساهيل لتبديد مخاوفه، لكن أحدًا لم ينتبه لذلك، فقط تقبلوا وضعه الجديد على أنه أصبح من هذا النوع من الحلاقين؛ ثرثارًا.

كانت من ضمن هذه التفاصيل أن صوتها كان ينصبُّ عليه من جهة اليمين، حيث النباتات الشيطانية والظلام الذي لا تستطيع أن تتبين منه شيء، وأنها رغم ادعائها التعب كانت لها نبرة قوية كأنها في غنىً عن مساعدته، يقول لأحد زبائنه "حتى لو كانت تعبانة كانت كحّت ولا مثلت إنها بتكح، لكن أبدًا يا أستاذ رمضان صوت فيه صحة عشر رجالة"، كان الأستاذ رمضان يقول "آه" خارجة من حلقه الضيق وذقنه منكفئة على صدره فقط ليجاريه في الحديث، ودسوقي يتابع جز الجزء السفلي من رأسه، والأستاذ رمضان ملتزم بأن يقول "آه" أو "غريبة".

"أنا برضو طلعتلي واحدة نايمة جنب القناية وبتقولي تعالى لِم شعري اللي واقع في الميا، وكان مقصوص وهي كان باين شكلها مدبوح، كانت الساعة واحدة، سبت المجموعة شغالة وجريت لحد بيتنا من غير الحمار حتى".. هكذا حكى محمود عن تجربته مع العفاريت لدسوقي الحلاق، وقد وجد أخيرًا زميلًا يشاركه نفس الشعور والتجربة، حتى أنه توقف قليلًا عن الثرثرة ليسمع منه بانتباه شديد. ثم اتفقا أن يسيرا ليلًا في يومٍ في الشارع المعتم ويومٍ آخر عند القناية، كان قرارًا صعبًا بالنسبة لمحمود، لكنه أذعن في النهاية لوجاهة السبب الذي أقنعه به دسوقي: "لو واحد بس يطلعوله، لو اتنين يخافوا منهم، ولو تلاتة بيموتوا"، لم يكن لأحد أن يشكك في هذه القاعدة القديمة الغير معروف مصدرها في القرية، لكنها من العقائد. بالطبع حاولا أن يُدخلا ثالثًا معهما في المغامرة، لكن أحدًا لم تواتيه شجاعة دسوقي أو رغبة محمود في التخلّص من العفاريت، فهم- أهل القرية- إن كانوا يؤمنون إيمانًا بعيدًا بالعفاريت وقدرتها، إلا أنهم يؤثرون الابتعاد عن كل ما يخصها للسلامة قبل أي شيء، خصوصًا وأنهم يعتبرون وضعهم أفضل من وضع محمود ودسوقي.

حفظا آية الكرسي على صعوبتها بالنسبة إليهما. بدآ بالشارع، سارا متلاصقين وهما يرتّلان بلا توقف، كانا يخطئان أحيانًا في الآية لكنهما لم يشعرا بذلك، وأرهفا السمع لكل حركة تند من حولهما، وحين خرجا من الشارع لم يتوصّلا إلى نتيجة يقينية، فمحمود يقول بشكل قاطع مُنذر، أنها كانت تتحرك بمحاذاتهما وأنها كانت تريد دسوقي وحده دون محمود لكنها خافت محمود. في حين يرى دسوقي بشكل أقل تأكيد فيه تردد أن ذلك كان كلب لمح ذيله وسمع لهاثه، لكنه لم يستطع مقاومة نبرة اليقين والتحذير لدى محمود. ويمكننا أن نقطع بأنهما لم يخرجا من الشارع سوى بمزيد من القلق والخوف. ثم جاء يوم القناية، حاول دسوقي أن يثني محمود عن عزمه، لكن محمود رأى أن عواقب الإخلاف بالوعد وخيمة وكان يشعر من داخله بالغدر، لكن في الحقيقة كان دسوقي في طريقه لأن ينسى الموضوع برمّته، لكنه رضخ لرغبة محمود في النهاية لإلا يقع تحت طائلة الإخلاف بالوعد. استقبلا بداية الطريق المظلم المحاط بالمساحات الزراعية الشاسعة بالقلق نفسه، كأن ذلك أصبح من طقوس السير في الأماكن المظلمة، وبدآ بتلاوة آية الكرسي وكان محمود يلهث فينطق بعض الكلمات أثناء شهيقه رافضًا أن يترك مجالًا للصمت دون أن يملأه بالآية، وحين اقتربا من القناية تشبّث محمود بساعد دسوقي بشكل لا إرادي لو حدث لشخص آخر لحكم عليه بالجبن و"النسونة" فورًا، توقفا أمام القناية وهما يرتلان بصوت منخفض خوفًا من أن يلفتا انتباه العفريته لوجودهما، توقف دسوقي وسأل محمود إن كان يرى شيئًا، لكنه ضغط بأصابعه الملفوفة حول ساعده وهو مستمر في التلاوة يريد أن يقول "اصبر". ثم فجأة سمعا أنفاسًا ولهاثًا متعاقبة تشي بغضب لا يرونه من خلف الشجيرات، وبدأ دسوقي في التلاوة بشكل عصبي، ثم فجأة خرج هذا الشيء الضخم من بين الشجيرات ليؤكد أن هذه الأنفاس الغاضبة واللهاث المتواصل هي له، ثم نبح الكلب العملاق مكشّرا عن أنيابه وأطلق قوائمه نحوهما يريد اقتناص الغريبين فأطلقا هما أيضًا ساقيهما ليعدوان بأقصى ما يستطيعا لا يعيان ما الذي يحدث من حولهما، حتى وجدا نفسيهما قد باعدت المسافة بينهما وبين نباح الكلب، فأبطآ من العدو، واندفاع لهاثهما يعجزهما عن التناقش فيما حدث، حتى توقفا عندما اطمئنا لنجاح هروبهما، قال محمود بصوته اللاهث "يا نهار أسود"، بينما يفرغان لهاثهما ناحية الأرض وهما يأخذان وضعية الركوع. وقد رجعا القرية ولم يتحدثا سوى عن هروبهما الأسطوري من هذا "الذئب" العملاق- وقد أصرّ محمود أنه كان ذئب لا كلب، وكان الجميع يصدقهما.

بعد عدة أيام كانت البلدية تعلق مصابيح في الشوارع الرئيسة، وقد أصبح الشارع المظلم مختلفًا عمّا كان عليه ليلًا، وقد جرب دسوقي أن يمشي في الشارع وهو مضيئ للمرة الأولى، وكل ما اكتشفه أن هناك سحالي وثعابين وكلاب على جانبيه لا تظهر نهارًا، وخرج منه مندهشًا من تجربته الخيالية. وحين عرف منه محمود ذلك، نظر إليه بعين الحسد خصوصًا وأنه ما زالت تؤثر فيه حكاية العفريتة ويرى أنها كانت موجودة والذئب هو من كان يحرسها، لكنه لم يشأ أن يفاتحه في الأمر، وكان عليه أن يسهر في اليوم التالي عند القناية لمتابعة الري. وحين رأى عُمّال البلدية يعلقون المصابيح جرى نحو أحدهم وكان أعلى سلم خشبي وقال له: "والنبي ابقوا علقوا لمبة هناك في الغيط جنب المجموعة عشان ضلمة خالص"، فأشار له العامل وهو يقوم بقطع طرف سلك مُعلّق بين شفتيه إلى رئيس العمال والذي كان يرتدي قميصًا وبنطلونًا نظيفين، فاتجه نحوه محمود بجلبابه المتواضع في شيء من الحرج والرجاء: "والنبي يا بشمهندس ابقوا علقوا لمبة في الغيط جنب المجموعة عشان ضلمة خالص"، نظر إليه الرجل غير مدرك السبب وراء هذه السذاجة والرغبة في الرفاهية، ثم قال في استخفاف: "مبقاش إلا الغيطان كمان"، حاول أن يحكي له عن العفريتة والذئب لكنه كرهه لفوره.

الجدير بالذكر أن دسوقي عاد إلى سيرته الأولى، لا يقول أكثر من كلمتيه: "اتفضل" و"نعيمًا".

الجمعة، 14 أغسطس 2015

خفّة الرعد



كانت السَّماءُ تُمطِرُ قِشرَ لُبٍّ أَبيَض،

وكانَ شَيئًا يَستَحِقُّ المُشَاهدةِ يَحدُثُ عَلى الأرضِ.

وفي نِهايتِه الدِّراميَّة

أَرعَدَت السَّماءُ وأَبرَقَت.

مَنْ يَسْتطيعَ أَنْ يُنكِرَ أَنَّ هَذا ما يَحدُثُ دائِمًا!

السبت، 8 أغسطس 2015

أشياء تحدث لي

أحب فيفالدي وشومان وموزارت، وأستمع للمهرجانات الشعبية وأحبها. ماركيز كاتبي المفضل ولم أقرأ له سوى رواية واحدة. أفضّل أن أقرأ سلسلة ما وراء الطبيعة في أوقات معينة، ومع ذلك فلن أقرأ سلسلة هاري بوتر لأن طولها لا يتناسب مع هذه الأوقات. لي هواية متابعة آخر التطورات التكنولوجية خاصة في الموبايلات. نادرًا ما أكتب قصة لا يمت فيها أحد، وأفضَل قصة كتبتها كانت في الصيف وأنا أرتدي فالنتي البيضاء. فكرت أن أتعلم الرقص بعد أن أفقد بعض وزني، والفلوت آلتي المفضلة. حاولت تعلم قراءة النوتة الموسيقية، وأسعد لحظة حين تمكّنت من قراءة مطلع السيمفونية الخامسة لبيتهوفن. الجميلات هن أكثر ما يلفت نظري في الطريق، لكني لا أمعن فيهن النظر احترامًا لحريتهن، فقط أحتفظ بصورة لهن في ذهني وأتأمل فيها. في سفري الأخير رأيت سيدة شابة جميلة تحمل طفلها وهي تبتسم ووجهها بشوش، ولا أعرف سبب تجهم معظم الجميلات حديثات العهد بالزواج. القارئة الذكية هي أثمن النساء وأكثرهن ندرة وأتمنى أن أرتبط بواحدة منهن. أطلق لفظ علق على من يتثقفون للتجمّل والمباهاة، وأكره من لا ينتج لنفسه ثقافة وفكر ويتوقف عند الاستهلاك. في الفترة الأخيرة أصبحت لي وجهة نظر متطرفة في نجيب محفوظ. أعتقد أن الثقافة الغربية تكفيني تماماً وألجأ غالبا للأدب العربي لمتابعة الأساليب البليغة التي يفتقد إليها المترجمون، لكن يحيى الطاهر عبد الله هو أول من نبهني لأهمية التعبير الصادق وبعد قراءته كتبت أول قصة حقيقية، ومؤخرًا اكتشفت أن إبراهيم أصلان يدفعني للكتابة أيضًا. أصبت بالإحباط حين عرفت أن لخوان رولفو ابنًا يعمل مخرجًا ويعيش سعيدًا بشكل طبيعي، لكن تمنّيت ألا يعقد الندوات على شرف أبيه. أجلس في المنزل لفترات طويلة وغالبًا لا أفعل شيئًا على الإطلاق، يعتقد البعض أني متكبر، لكن أكثر كلمة قيلت لي في عملي السابق أنّي "طيّب".
أكثر الأوقات التى أشعر فيها بالسعادة هي حين أكون قادرًا على الإضحاك وهذه شخصيتي الطبيعية، وأحب الأشخاص الذين أستطيع أن أتعامل معهم بهذه التلقائية.
أحياناً أشعر بالفخر بحجم التغيير الذي حدث لي في هذه المدة القصيرة بعد بداية عهدي بالقراءة.
كان هناك جرو صغير أمام منزلنا  كنت أحب عواءه كثيرًا وكلما سمعت صوته خرجت للشرفة لمشاهدته، كان سعيدا ويحب اللعب، وأحيانًا يجري وراء ذيله، فكان يدور حول نفسه، لكن أطفال الشارع كانوا يرمونه بالحجارة ففكرت أن آخذه لتربيته فوق السطح، اليوم وأنا واقف في الشرفة رأيت جسده مستويًا بالأرض، استوقفني المنظر وفكرت فيه كثيرًا، لكن لم أحزن بعمق كافي، فقط دفعني المنظر للتفكير في الأمر، ولا أعرف السبب وراء هذا البرود، لكني مؤخرًا أصبحت مؤمنًا أن الموت ليس هو أسوأ شيء.
أخيرًا، حدث أن قابلت أشخاصًا أحبهم وحملت لهم هدايا، لكن لم أستطع أن أقدمها لهم لأنهم كانوا في صحبة آخرين.

الأحد، 26 يوليو 2015

عرض مسرحي


   افتتح عمي السيرك الجديد، كان متفائلًا، قال إنه يجب أن يدرّ المال سريعًا لأنه سيقدم عروضًا غير مسبوقة. عمي هذا بكرش لكنه نشيط مع ذلك، قصير وسريع الحركة، ويصرخ في أي مكان ولأي سبب، وحين يفعل ذلك يضرب بقدمه اليسرى على الأرض محركًا من تحته موجة من الغضب تنذرهم جميعًا بمشاق لا طاقة لهم بها، لذلك فكان الجميع يعمل تمامًا كما يريد، لأنهم يخافونه ولأنه لن يتورّع عن استخدام أقذع الألفاظ في سبِّهم والتي غالبًا لا تأتي منفردة وإنما يُتبعها بجزاءات واستقطاعات ظالمة. أحضرني عمي لأنه يعتقد أني الأنسب لعرضه الجديد، وقد تم تدريبي بعناية. لم يصرخ فيّ أبدًا، فقط كنت أشاهده يفعل ذلك مع مرؤوسيه، وكنت أشاهدهم وهم يعملون لكن بحذر شديد، حتى أني لم أتخيل أحدهم يعمل في عدم وجود عمي، حتى أبسط العمال الذي كل مهمته تعليق الزينات، أصبح أخرسًا من شدة خوفه. كان من الواضح أنه يخاف عمي للدرجة التي تجعله يحذر وقوع الأشياء من يده فيُنبه بصوتها عمي إليه، لم يكن يعرف عملًا آخر، وفي حال خسارته فإنه سوف يصبح عاطلًا لفترة قد تطول وقد تقصر حسب ضربات الحظ لا حسب مهاراته أو خبراته التي تتكون من سبع سنوات من رفع ذراعيه مُعلِّقًا الزينات، كان يدرك ذلك جيّدًا، فكان يتحاشى غضب عمي مستجلبًا رضاه العسير بكل مقدرته، لكن كان ذلك على حساب خوفه. كان واضحًا في عينيه الخوف أكثر من حركة يديه المرتعشتين، كأنهما تريان شيئًا مروّعًا، شيئًا لا يستطيع أحدٌ غيره رؤيته. كان عمي يجول في الأنحاء يتابع العمل ويمارس سلطته الجائرة، فأوشك مصباح أن يسقط من بين يديه فوجدت نفسي بلا وعيٍ مني وأنا أراقبه أميل بجذعي كي ألتقطه، لكنه لحقه قبل أن يسقط. كان العمل في مجمله يقضي بتنفيذ أوامر عمي فحسب، لم يكن لأحد أن يتدخل فيه بأي شكل، كان له مساعدون عينهم لمعاونته في تنفيذ هذه الأوامر، حتى أنه، وفي مقابلة مع أحدهم، أخبره بعد أن بشره بقبوله في الوظيفة الجديدة، أن هؤلاء، وأشار برأسه إليهم وهم يعملون، مثل الخنازير حقيرة ونتنة ولا تؤدي ما عليها بغير الضرب مثل الحمير، استجاب له المساعد الجديد متفهّمًا، وكان أيضًا يخشى أن يفقد وظيفته الجديدة.

تم لعمي ما أراد من تجهيزات في المسرح. يستطيع الجميع الآن أن يتنفسوا الصعداء، ويمسحوا العرق عن جباههم من خلف الكواليس. الآن جاء دوري.
(العرض الأخير)

توقع عمي أعدادًا كبيرة حقًا لكن ليست بهذا الحجم الذي استقبله المسرح، ظل صامتًا لفترة طويلة.

استقبلني الجمهور بتصفيق طويل وراءه فضول، قدمت التحية فخفت التصفيق تدريجيًا وكان آخر مصفق صبيٍّ متحمس للعرض فظل يصفّق وحده طويلًا إلى أن أوقفته أمه. ثم بدأت فترة انتظارهم للعرض، وكان عمي يتابع من الصف الأول. ظللت أحدق في الجمهور كشخص عملاق مرعب. غاب عامل تعليق الزينات وقد طلب إجازة مفتوحة، عرفت أنه يعاني اكتئابًا حادًا، ليس لأن الضغط النفسي الواقع عليه لا يتناسب والراتب الحقير الذي يتقاضاه، ولكن لأنه اكتشف أنه يخاف أكثر من اللازم وأنه لو ظل عاملًا لتعليق الزينات في فرقة عمي فلسوف يظل أخرسًا دائمًا. طالت فترة صمتي وتحديقي في ذلك العملاق المرعب الذي يملأ المسرح. تناهى إلى سمعي همهمة مُتسائلة، أشار لي عمي بيده للأمام كأنه يقول لي "تقدّم". تقدمت نحوه وظن الجميع أن العرض قد بدأ، فكان منهم من تراجع بظهره للخلف، لكني في الحقيقة كنت أريد أن أتأكد من شيء غريب، شيئًا لم أتوقعه أبدًا، اقتربت كثيرًا حتى حافة المسرح -تماما في مواجهة عمي، وقد تأكدت أن وجهه يرتعش وحدقتاه تلمعان في خوف ورجاء. اندهشت، وأعترف أني كنت منتشيًا، مستريحًا، أرغب بشكل غير مفهوم أن أسمي ذلك راحة ضمير.

أشار لي عمي مرة أخرى -بشكل أكثر حزمًا- أن أرجع لوسط المسرح. كنت مشدودا لملامح خوفه تلك التي كانت غريبة عليّ، غير متوقّعة. أصبحت الهمهمة الآن صفيرًا وزعيق. وقف عمي وهو يميل بظهره للأمام وهو يشير بطول ذراعه أن أذهب فورًا لوسط المسرح وأبدأ العرض.

لاحظت أنه يلوي قدميه داخل حذائه من شدة خوفه. كان يتعرق، وجهه دامٍ.. أصبح مجنونًا. فكرت في عامل تعليق الزينات، لربما يستطيع أن يتخلص من اكتئابه لو شاهد كل هذا الخوف في عمي.

قلت له: أنت تخاف أيضًا يا عمي!

فصرخ وأخذ يشد شعره من جانبي رأسه، وصعد المسرح بسرعة عصبية، ظل يدق بقدمه ويلوّح ويتوعّد ويصرخ، لم أسمعه بوضوح بينما الجميع يتصايحون في فوضى عارمة وقد تفكك هذا الشخص المرعب العملاق إلى أشخاص كثيرين مزعجين يطلبون عرضًا دفعوا من أجله. لم يكفّوا عن الصراخ إلا وعمي يهوى بجسده المكتنز القصير على خشبة المسرح. تسمّر الجميع لفترة زمنية قصيرة ومكتنزة مثل عمي، مركزين أنظارهم على جسده المُطرح أرضًا، ثم خرجوا في صمت، وكان آخرهم ذلك الصبي الذي وقف على مقعده يتابع ما يحدث، جذبته أمه وحملته وخرجت. كان يضحك من أعلى كتف أمه وهو يشير لي بطول ذراعه أن أتقدم للأمام.

الأحد، 12 يوليو 2015

الإله والشيطان

اليوم هو غرّة شهر رمضان، ومن المفروغ منه ضمن الأدبيات الإسلامية، أن الشياطين، ودون أيّ ذرة شماتة، يتم تصفيدها لمعاونة أحباب الرب على متابعة واجباتهم الدينية، ولمّا كنت من محبي الشياطين، المقدّرين لما يفعلوه من أجلنا طوال العام، فقد واتتني فكرة أن أصفّدها بنفسي، لضمان ألا يصفدها الله، كان عليّ إذن إيجاد المكان المناسب لذلك، "وهل هناك ما هو أفضل من حجرة الفئران" هذا ما أوحاه إليّ شيطان لعين أراد أن يوقع زملاءه في حجرة الفئران، ابتسمت له، غمز لي، ولأجل تنفيذ هذه المهمة الشاقة فقد استعنت ببضعة عاهرات ومائتي جرام حشيش، وقنينتي نبيذ، وبضعة شتائم في الأديان مجتمعة، وانتقيت بضعة أشخاص طيبين ملتزمين بالصلاة في المسجد كي ألعنهم وألعن طيبتهم المملة. واستطعت بخطتي هذه أن أجذب إليها كل الشياطين حقّا وقد نجعت خطتي التي وصفها إبليس بنفسه بالخبيثة ضاحكًا. وقد جاء بنفسه ليستطلع نجاح مفعوله فيّ.. لم أكن أشعر بعد أني أتحوّل إلى شيطان وأنا أمزّق الملابس الداخلية لأطول العاهرات، في ظل صياح صديقاتها وتشجيعهن لي. كان أحد أتباع إبليس يناولني جرعات الحشيش، وكؤوس الخمر، كان الضحك يهز الغرفة في حين أن المسجد المجاور كان يؤدي صلاة الترواويح في هدوء جعلنا نضحك منه.. وبعد أن أتيت على كل الحشيش والنبيذ، ونامت العاهرات من التعب، ظللنا نلعب أنا والشياطين الكوتشينة، كنا نشعر بالملل، حينئذ ذكّرني الشيطان اللعين بخطتي التي كدت أن أنساها..فقمت في هدوء مستغلا حالة الملل والتعب، وأخذت في تقييد كل الشياطين الموجودة في الغرفة، وكانوا جميعًا يبكون قائلين: "غفرانك يارب، نتوب إليك" كانوا يعتقدون أنني الله الذي يصفدهم، كانوا غائبين عن الوعي بعد أن سرقوا مني قنينتي نبيذ ومائة جرام حشيش. ظللت أضحك عليهم، واعتبر أحدهم أن ذلك نذير سوء، أن يضحك الله منهم وهو يصفّدهم، وبعد أن تمكّنت منهم جميعًا، سحبتهم إلى غرفة الفئران، والتي كان يستخدمها أبي لترهيبي من ترك الصلاة. ألقيتهم فيها، ولما مرت أعوام على وجود الفئران في هذه الحجرة، فقد كبرت كثيرًا حتى أن بعضها أصبح يكبرني حجمًا، ألقيت الشياطين مصفّدة في الحجرة وأغلق الشيطان الخبيث الباب ضاحكًا من أصحابه، (وقد رأيت تركه ليسليني) كنا نسمع صياحهم الذي كان يبدو مرتعبًا من أزيز الفئران العالي. تركتهم لأنزل إلى حجرتي، لم أكن أعلم بعد وقد انتهت صلاة التراويح أني نفسي أصبحت إلهًا، كنت منتشيًا؛ ففي ليلة واحدة بدأت شيطانًا وانتهيت إلهًا.. فأنا من أطلقت الشياطين وأنا من صفدها.

الخميس، 9 يوليو 2015

الكلب


كان لأبي كلب كبير كنت أخاف منه ولا أكاد أقترب منه أبدًا ولم يحاول أبي أن يُبدد هذا الخوف، بل كان يطلقه في حديقة المنزل ويلعب معه وكنت أحبس نفسي في الغرفة، لم تسألني أمي أيضًا عن سبب خوفي، رغم أني متأكد أنها تعرف كل شيء، ورغم ذلك كانت تجلس مع أبي ليشاهدا الكلب وهو يقفز نشيطًا خلف الصحن الطائر الذين يلقيانه أمامه في فرح ونشوة، كان نباحه مثل ضحك طفل صغير بالنسبة إليهما. وذات يوم وأنا عائد من المدرسة أحمل حقيبتي الطويلة التي تصل إلى ربلتيّ ساقيّ، نبح الكلب خلفي، حينها صرخت رغما عني: بابا بابا، ماما. لم يجبني أحد، ظللت أجري في الحديقة بصعوبة بسبب ثقل الحقيبة وارتدادها المزعج عن ساقيّ والكلب يلاحقني بنباحه، اختفى والداي تمامًا، وفكرت أنهما إنما كانا يدربانه ليتمكن من اللحاق بي حتى أني اكتشفت أن الصحن الطائر الذي كان يلعب به بصحبتهما له نفس لون حقيبتي المدرسية. والآن- وهما ليسا موجودين- فالأمور تسير كما خططا له تماما. انقطعت أنفاسي وتعبت من الهرب، حاولت التعلق بجذع الشجرة لكني سقطت، ونمت متقوّسًا بسبب الحقيبة أسفل ظهري، كان الكلب يعض ساقي وينهش من لحمها، حاولت دفعه عني لكنه كان قد أمسك بساقي بين أنيابه، كان جائعًا شرهًا، كنت مرعوبًا لدرجة أن صوتي كان مُعطّلًا، كان والداي يتابعان من شرفة المنزل، همس أبي في أذن أمي، وكنت أسمعه كأنه يهمس في أذني أنا: "انظري إليه، يبدو أنه لم يعد خائفًا". كانت أمي تستند بطول ذراعها الأيسر على حافة الشرفة وذقنها مستريحة على راحة ذراعها الأيمن المتّكئ بكوعه على الحافة. كانت تفكر بعمق، وأبي كرر مرة أخرى هامسًا لنفسه: لم يعد خائفًا.

بعدما أكل الكلب وشبع، اختفى أبي من الشرفة، حينئذ لوحت لأمي وكنت أخاف أن أفعل في حضور أبي. لكنها كانت مستغرقة، تفكّر في شيءٍ يبدو مصيريًا، ثم دخلت الغرفة وأغلقت خلفها الباب ولم تعد. نام الكلب جواري وفي معدته لحم ساقيّ وقد اكتفى بلحس عظامي التي أصبحت أكثر بياضًا، ثم أخذ يمسح ما علق حول خطمه بلسانه.

اتكأت على عظمتي ساقيّ وتبعني الكلب الذي كان يلاحق الحقيبة مدلدلًا لسانه الطويل. دخلت المنزل، وحين وجدت الصحن رميته في الحديقة فجرى الكلب وراءه. أغلقت الباب وصحت: "ماما"، ارتدّ صدى الصوت إليّ: "ماما"، شعرت بالخوف منها فجأة، وتراجعت عن البحث عنها. ظللت واقفا على عظمتيّ ساقيّ وسط بهو بيتنا الواسع الذي ما رأيته كثيرًا بسبب أنني كنت أحبس نفسي في الغرفة بعيدًا عن الكلب، حتى أني وللمرة الأولى ألاحظ تفاصيل العمود الضخم الذي يصد أية نظرة تطال أي جدار خلفه، كانت به تشكيلات لولبية من قطع السيراميك اللامع، في شرائط متجاورة باللون الأحمر والقرمزي والأصفر لينتهي عند السقف بتاج ضخم مصنوع من الجص مُضاء بأنوار خافتة. في بيتنا أشياء جميلة حقًا لكن لم يسنح الوقت أبدًا لرؤيتها. والآن أنا وحيد مع الكلب بعدما اختفيا من البيت ظنًّا منهما أني لم أعد خائفًا، لكني في الحقيقة الآن ميّت.

الأحد، 22 مارس 2015

عن الحكايات التي يطول شرحها

اليوم قررت أن أتوقّف عن قراءة الكتب، سألني صديق عن سبب هذا القرار الذي بدا له غير مألوفًا، قلت: "الحكاية يطول شرحها"، وهذا النوع من الحكايات بالذات هي ما يكتب الكتّاب من أجلها، فالحكايات مهما طال شرحها، فإن هناك فرصة ذهبية لكتابتها، بل إن الكتب مُخصصة في الأساس لحكايات يطول شرحها، وكلما ضاق أحدهم باختصار الكلام فإنه يكتب كتابًا، لأنه دائمًا يفكّر في حكايات يطول شرحها ولابد من شرحها، وهذا ما يجعل الكتاب عازفين عن الخروج للعالم عبر شاشات التلفاز أو الأثير الإذاعي، لأن هذه الوسائل تطلب دائمًا الحكايات القصيرة نسبيًا التي تتيح الفرصة ليقول المذيع أو المذيعة: "سوف نخرج في فاصل قصير ونعود من جديد"، هذه الجملة- كما هو واضح- معادية تمامًا لفكرة "الحكايات التي يطول شرحها" والملل الذي يكسو وجه الكاتب في هذه اللقاءات التلفزيونية ليس نابع بالطبع من روحه، لكن بسبب عدم قدرته على تحمل هذا الصراع بين القِصر الذي يفرضه ملوك الإعلانات وبين الطول الذي تخصّص له ومنح له كل كيانه بل وحياته القصيرة نسبيًا، وحين يكون مطالبًا أن يشرح ما يطول شرحة في مدة لقاء قصير فإنه يضطر أن يدخل هذا الحيز المأساوي الذي فرضته الإعلانات، وهو في هذا الموقف يقدم إختصارات متتابعة لكل حكاياته الطويلة فيبدو مشوّشًا لأن هذا الجو الذي فُرض عليه سلب منه أكثر تضحياته قربًا إلى قلبه؛ وهو أن يمنح حياته القصيرة نسبيًا للحكايات التي يطول شرحها، ومن دون أن يدري، تتحوّل هذه الاختصارات القصيرة إلى إعلانات؛ بطلها ليس فتاة شقراء ولكن كاتب يشعر بالضجر، والنتيجة التي توصّل إليها الجميع من ذلك أن الميديا لا تقدّم الكتاب بشكل صحيح، لكن ذلك الفرض خاطيء منطقيًا، فالميديا لا تقدم كتّابًا بل إعلانات قصيرة نسبيًا تختصر المنتج في فتاة جميلة شقراء غالبًا، لأن الشهوة أقصر الحكايات التي يحب الجميع أن يستمع إليها، وأكثرها دهشة أيضًا، والكتّاب –كما ذكرت مرارًا– لا يكتبون إلا الحكايات التي يطول شرحها وهم بهذا يضعون أنفسهم في مواجهة الشهوة والدهشة- أيقونتيّ القِصر، فيظهروا باردين مملين- أيقونتيّ الطول، وهذه الصورة التي تقدمها الميديا هي بالضبط حقيقتهم التي ينكرها عليهم الكثيرون، فهذا البرود وهذا الملل دائمًا وراءه حكايات يطول شرحها ويعجز عن شرحها طبقًا لقواعد الميديا. ولا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في هذه القضية، لكن الفرق أننا لا نراهم مملين بل مدهشين مثل الشهوة مثل الفتيات الشقر تمامًا، وليسوا باردين، لأنهم احتفظوا بنفس الصيغة التي يعرضون بها حكاياتهم الطويلة نسبيًا وهي الكتابة وليس العرض التلفزيوني الإعلاني. وهناك صيغ مُبتكرة تعبّر عن تلك الدهشة التي تحمل رائحة الشهوة، هناك مثلًا صيغة "هذا أكثر شيء.." أو "أعظم فيديو رأيته" أو "تلك الفتاة أجمل كائن على الكوكب" أو "دهشة"، "أنا مندهش.." "أغرب.." كل تلك الصيغ المُبتذلة المبعثرة في كل صفحات هذه المواقع اختصرت الكثير من الكلام الذي يطول شرحه، ليتم الزج بها مباشرة في عقول القرّاء مثل عضو ذكري يتم الزج به فرج امرأة بدون المقدمات الطويلة للحب. كل ذلك يشير إلى شيء واحد، أن الدهشة الجديدة تقوّض برودنا الفطري الذي نتّسم به ككائنات تمارس وجودها الزائل مثل كل الكائنات الأخرى، لا أحد يتمنى مثلًا أن يرجع لعصر ما قبل داروين.. فداروين كان معروف عنه البرود، وببروده اكتشف أننا كائنات باردة مثل الكائنات الأخرى، لا شيء مميز فينا. وبهذا فإننا أمام ظاهرة أخطر وهي أن الكتّاب لن يصبحوا مملين أو باردين أمام الحكايات القصيرة الدعائية التي لها مفعول الشهوة، وبالتالي فإن الحكايات التي يطول شرحها في خطر حقيقي أمام هذا البديل المُغري، لأنهم لن يجدوا حينئذ مبررًا لأن يقولوا "حكايتي يطول شرحها"، فمواقع التواصل الاجتماعي تقدم الحل السحري بدون التعرض لقوانين الميديا الإعلانية، وقد منحته أيضًا شعور الكتابة بدون أي تضحيات من جانبه. كل ذلك يؤكد أن الملل والبرود في خطر.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...