السبت، 1 سبتمبر 2012

نار وطين


اندفع باب السيارة السوداء بيد خفية, ثم هبط حذاءان سوداوان أنيقان ومالبثتا أن تثبتتا بتراب الأرض حتى انتصب عود الرجل الوسيم... ثم مشى يتحسس بحذائه الثمين طريقا يحافظ على بهاء حذائه الإيطالى يلعب بمفاتيح السيارة فيختلط صوتها بصوت بائع الروبابيكيا وصياح أطفال يلعبون الكرة وبعض أصوات البيوت التى هربت من أصحابها معلنة عن أسرار تثير الضحك والإشمئزاز, وأصوات أخرى لايعرف أحد مصدرها لكنها كونت الكتلة الصوتية للحارة, قد لا تكون حارة بدونها.
وما إن سار بضع خطوات حتى أوقفه صوت سيدة عجوز تستند بظهرها المنحنى إلى حائط عريض, تبدو كهيئة حيوان ضعيف لفظه رحم أمه لتوه تلوذ بجسدها النحيل داخل قماش أسود كالخرقة, رفعت وجهها المجعد إلى وجهه وعلى كتفه قرص الشمس الذى نثر أشعته حول رأسه حتى بدت السيدة عاجزة عن تبين ملامحه. أخذت تدعو له بالنجاح والهناء وراحة البال, فتوقف وسلط عليها نظارته وأخذ يرمقها بنظرات تشى بالازدراء. أخذت السيدة العجوز تتلمس بنطاله الأسود الأنيق وتردد: "الله" ... ازدادت حدة الإزدراء فى وجهه فاندفعت قدمه الطائشة فى وجهها يركلها  صائحا فى وجهها: "ألا تخجلى أيتها العجوز. لقد لوثتى البنطال بأصابعك القذرة.. فلتذهبى إلى الجحيم" قالها ورحل. صرخت العجوز بأدعية من جهنم الحمرا تحمل له الموت والطاعون, ثم مالت بظهرها الأثرى لتجمع العملات المعدنية التى وقعت من حجرها واختلطت بالتراب, لم تأبه لقطرات الدم السوداء التى سالت من أنفها ورأسها, فاكتفت بمسحها بكم عباءتها البالية.. رحل يظبط هندامه متمتما: "ألا يخجلون هؤلاء النتنى, ألا يرون حتى شحاذى لندن أو باريس, يشحذون بفنهم وميسيقاهم ؟! الرحمة, وأنّى لهم أصلا برؤيتهم وهم هنا لا يعرفون سوى النفايات والروائح القذرة والحيوانات الضالة. كم هو عسير حقا هذا الوقت الذى سأضطر قضاؤه هنا بين هؤلاء النتنى " احتفظ لنفسه بتمتماته ثم عرج إلى محل بقالة ليشترى علبة سجائر . اشتراها ثم استكمل رحلته الشاقة, وما إن توقف عند منزل معين تفحص جوانبه ببعض النظرات واستعان ببعض المارة حتى تأكد لديه أنه مايبحث عنه...
صعد درجات السلم بعدما ألقى عقب سيجارته التى كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.. حتى ذهب رمقها الأخير تحت نعل ثقيل..
كان كل شيء يسعى كما تسعى الشمس: ينشطون حين تشرق ويخبو نشاطهم حين تخبو جذوتها فى الغروب فترحل بهدوء تاركة ستائرها الذهبية سلواهم حتى يستريحون ويُسلِّموا أجسادهم المتعبة للنوم العميق..
وكانت الشمس قد أعدت عدتها للرحيل بعد أن مرت دقائق حين خرج الرجل من الباب يضبط هندام بدلته السوداء ويثبت نظارته ثم عاد من نفس الطريق..
ولما اقترب من موضع العجوز وجد صخب وبلبلة وتجمع لأناس كُثُر حولها, فلما جاورهم ألقى نظرة خاطفة ووجد السيدة العجوز يسيل من رأسها دم غزير بينما كانت مغشية يحاول أحدهم إفاقتها ..
بينما كان أحدهم يصوب إلى نظارته نظرات نارية كادت أن تحرقه لولا أن ألقى خلفه هذا المشهد متجها نحو سيارته متمتما بكلمات مسموعة كأنه يهزى أولا يدرى بما يقول: "ثم إنهم أناس قذرون إن لمسوا ملابسنا تلوثت ومن يدرى فقد يصيبنا عدوى" ثم نظر إلى حذاءه : "وليتنى لم أقرب حذائى منها فيتلوث كما تلوث بنطالى"
ركب السيارة وانطلق..
مرر راحة يده اليسرى على شعره : "لماذا اضطررت إلى المجئ إلى هنا !"
ثم أدار مفتاح الراديو : عبد الحليم يغنى....
أداره ثانية: تواشيح للنقشبندى.... استمع إليه
ثم أداره مرة أخرى: مطرب حديث يغنى بصخب وإزعاج بآلات حديثة.. ترك المحطة

سلّم نفسه لصمت الطريق السريع الخاوى ولهبّات الهواء المداعبة شعره الناعم وصخب الأغنية الحديثة...
وبينما هو كذلك مسلّم يديه للمقود ورأسه لمداعبة الهواء وجسده لحالة الصمت الصاخب. إذ رأى جماعة من الناس يزيد عددهم على عشرين شخصا على يمين الطريق يسلكون دروبا لأرض زراعية يحملون كفنا, فتعلق نظره عليهم لسبب لا يعرفه ومالبث أن عاد ينظر إلى الطريق أمامه فوجد شاحنة كبيرة تقترب بسرعة أكبر من سرعته فأدار مقود السيارة بأقصى ما يستطيع حتى انحرفت السيارة إلى جرف واسع جانب الطريق. بدت إلى حشدهم كأنها عملة معدنية ترفرف فى الهواء حتى اصطدمت بأرض صلدة فانفجرت فى صورة مروعة تشبه إنفجار قنبلة ذرية فتصاعدت قبب من النيران يصاحبها دخان أسود كأنها سحب تتصاعد من الأرض إلى السماء...
كان العشرون رجلا قد توقفوا يشاهدون الحادث, يتملكهم الذعر والذهول, حتى خمدت نيرانها فذهب بعضهم إليها لإنقاذ أى ناج, وما أن اقتربوا منها حتى نفذ دخانها الكريه إلى صدورهم وأحسوا بحرارة شديدة كحر القيظ وهم بعد فى ساعة غروب...
اقترب رجلان من نافذة السيارة وبعض ألسنة اللهب تقاوم الخمود ودخان كثيف يتصاعد منها وباقترابهم وجدوا الرجل وقد تفحمت جثته تماما وطمست مملامحه, وسمعوا صوت ينبعث من داخل السيارة؛ كان صوت الأغنية الصاخبة .
حاولو إخراج جثته وفتشوا عن أى إثبات هوية لكن كل شىء قد احترق حتى لوحة السيارة انصهرت.
ولم يعرفه أحد. فقرروا دفنه بجوار السيدة العجوز.

الاثنين، 20 أغسطس 2012

عزلة من أجل القراءة

   
   يقول السيد المحترم ألبرتو مانغويل : "اعطتني القراءة عذرًا مقبولًا لعزلتي، بل ربما اعطت مغزىً لتلك العزلة المفروضة عليّ"
 لما وقعت عيناى البريئتين على هذا (الكووت) برقتا واتسعتا كأنهما نالا مرادهما وقلت فى نفسى بل وصرخت : يا إلهى إن هذا هو أنا..


القراءة,,,, دعونى أنحنى احتراما لذاتها التى لا ينطفئ أوار حماسها فينا أبدا .
لو أن لدى قبعة لرفعتها تقديرا لها, لكن للأسف لا أملك واحدة حيث إن عزلتى ليست بحاجة إلى قبعة تحمى عقلى من الشمس.
حتى هذه اللحظة التى أنقر فيها مفاتيح اللوحة.. فإنى قرأت حوالى 46 كتاب فى حوالى 16 شهر ..
أعرف أنه مجهود يُربَت به على كتفى.... على الرغم من أن هناك غيرى - الكثيرين - الذين زاد هذا الرقم لديهم ليضاهى المئات بل ويصاول الألوف.. أشاهد تلك المجهودات الجبارة على جودريدز وحقيقة فإن الغبطة تحترق داخل نفسى لما أراها فلا أقوى على شئ سوى الإنقضاض على كتاب لأقرأه فأشبع غبطتى التى لا تشبع ... 
والثورة أشعلتها
إن بضع حسابات بسيطة تظهر أن هذا الشغف المجنون قد بدأ يعتمل فى عقلى مباشرة بعد الثورة.. لن أجور على حق الإخصائيين النفسيين فى تفسير هذه الظاهرة التى - إن سمحوا لى - ليس معناها إلا أن هذا اليوم الذى اشتريت فيه أول كتاب كانت نقطة فاصلة فى حياتى التى تزامنت مع بزوغ النقطة الفاصلة فى تاريخ مصر..

إذن فهناك نقطة, وهناك حياه جديدة ما بعد النقطة.. وحياه تعسة ما قبل النقطة !
أما عن عما كان قبل النقطة, فسطور واهية مكتوبة بخط (منعكش) لا أستطيع أنا نفسى قراءتها.. ولكن مع بعض التروى والصبر فإنى أستطيع أن أستجمع كلمة واحدة هى: تفاهة... فى الحقيقة هذا ماكنت عليه وليس من قبيل الصدفة أن تكون نفسها الحالة التى كانت عليها البلد !
كأننى أذوب في بلدى, كأننى معنًى لها وهى معنًى لى, كأن هى مرآتى وأنا مرآتها.
أحيانا أفكر: ماذا لو كان هذا الشغف قد ظهر منذ صغرى, أعتقد أننى لكنت أصبحت ممن قرأ الألوف من الكتب وتغيرت حياتى كليّا. لكنها المئشية الإلهية أنصاع لها ..

وبالعودة إلى كلمة ألبرتو مانجويل: فإن تلك العزلة التى أعيشها كثيرا أصبحت الآن مصدر فخر لى بل وصارت مصدر كل شىء لى ( من المعرفة إلى التخبط, من المتعة إلى الملل) ولكنه ملل من أشياء تتحرك.. غير هذا الملل الناتج عن اللا شىء !
فعزلتى الآن هى بنيانى, حتى أنى أصبحت أخشى على فقدانها وأحاول الحفاظ عليها من المتغيرات التى تلتهم العزلة.


فى الحقيقة فإن عزلتى الآن هى ثروتى..  

الأحد، 19 أغسطس 2012

كتاب الأحاديث القدسية

الأحاديث القدسية
My rating: 4 of 5 stars

الحمد لله خلصته ف آخر ربع ساعة من رمضان :)
كتاب ممتع جدا لما ببدأ فيه مبحبش أسيبه.
فيه معلومات كتيرة مكنتش اعرفها ومعلومات غلط صححها, ده غير اللى اعرفه طبعا.
ــــ
يؤخذ عليه فى تنسيقه؛ التكرار: ممكن يذكر فى الباب الواحد عدة أحاديث متشابهه فى اللفظ منطبقين فى المعنى لمجرد اختلاف الرواه, ولازم يذكرها مرة من مسلم ومرة من البخارى ومرة من الترمذى... عذاب يعنى :(
يمكن ميزتها إنى تقريبا حفظت الأحاديث من تكرارها :)
____
أما فى الشرح(من النووى والقسطلانى) فدا ساعدنى كتير على فهم بعض الأحاديث اللى فيها غموض. لكن تبقى مشكلة التطرق لأمور سطحية بعيدة عن مضمون الحديث مشكلتى مع الكتاب.
___
أفضل تنسيق للكتاب فى رأيي لو كانت الأحاديث غير مكررة (من أقرب مصدر للصحة) والشرح يكون أبسط من حيث الطول.. كان الكتاب لايتعدى 200 صفحة بالكتير..
ــــــــــــ
الحمد لله

الثلاثاء، 14 أغسطس 2012

اليوم الأخير فى الجنة


وما كان يخفيان آنذاك أعضاءهما الغامضة

إذ لم يكن خجل الذنب قد ولد بعد , وهو الخجل الكاذب

من بدائع الطبيعة – أواه أيها الشرف الكاذب

يا ربيب الخطيئة ! لكم كدرت البشرية جمعاء

وشغلتها بالمظهر – مظهر الطهر الكاذب –

وأقصيت من حياة الإنسان أهنأ حياة له – حياة

البساطة والبراءة النقية !

كانا يسيران عاريين , ولم يتجنبا عيون

إله أو ملاك , إذ لم يخطر الشر ببالهما

وسارا وقد تشابكت أيديهما فكانا أجمل اثنين

يلتقيان منذ ذلك الحين فى أحضان الحب .




كان آدم أوسم الرجال الذين ولدوا من بعده فكانوا

أبناءه وكانت حواء أجمل بناتها .

وعلى الأرض الخضراء , تحت بعض الأفنان الظليلة

التى تتمايل فتهمس همساتها الناعمة بجوار نبع عذب ,

جلسا يستريحان بعد عناء يوم قضياه

فى العمل الهانئ بالحديقة , زاد من

استمتاعهما بالنسائم الباردة , وزاد من إحساسهما

بالراحة , ومن لذة عطش الأصحاء وشهيتهم ,

فاخذا يتناولان عشاءهما من الفاكهة .

فاكهة ذات رحيق ربانى تحملها الغصون الريانة

وتلقى بها إليهما بينما يسترخيان على

ربوة مكسوة بالزغب الناعم موشاة بالزهور !

كانا يأكلان لب الثمرة ثم ينتهيان إلى القشرة

فيملآنها بالماء من الجدول الرقراق لرى ظمأهما !

كان حديثهما مهذبا وبسماتهما حلوة

وملاطفات الشباب ومداعباته تليق

بالجميلين اللذين ربط بينهما رباط الزواج السعيد

فى وحدتهما . ومن حولهما تتواثب فى مرح

كل دواب الأرض التى استوحشت بعد ذلك , وسكنت كل مكان

فى الغاب والبرية , فى الأجمة والعرين .

كان الأسد يلهو فينهض على مؤخرته وفى يده

يلعب الجدى ! أما الفيل ثقيل الحركة

فيضحكهما باستخدام كل قوته , وتكوين حلقة كاملة

من خرطومه الضخم اللين . وبالقرب منهما كان الثعبان الماكر

يشق طريقه وقد صنع من ذيله عقدة عويصة

ضفرها تضفيرا ! كان يستعرض خبثه القاتل

ويمثل له فلا يلتفتان إليه ! أما سائر الحيوانات فعلى الكلأ

استلقت , وبعد امتلاء بطونها بخير المرعى اتكأت تنظر

أو كانت تجتر طعامها قبيل الرقاد . فالشمس تميل الآن

وتسرع فى فلكها المنحدر

نحو جزائر المحيط , والنجوم فى برج الميزان الصاعد

فى السماء تشرق لتعلن قدوم المساء .

ـــــــــــــــــــــــ

من "الفردوس المفقود" (جون ميلتون _ ترجمة: د.محمد عنانى)


الكتاب الرابع – سطور (312-355)

الأربعاء، 23 مايو 2012

أصداء من عالم الوحدة



(1)


سعدت حينما سمعت صرير المقبض، فهذا المقبض حرّكته يد، وهذه يد شخص ما جاء ليدخل حجرتي، ولا أحد في الحجرة سواي، أما عن سبب سعادتي تلك، فلأن أحدهم -أخيرًا- سيكسر وحدتي وأكسرها معه ونأكلها سويًّا في تلذذ وتمطق، هكذا هببت من الفراش كمن لدغته حيّة، وانفض عني الغطاء حتى ثار ترابه الكامن في ثقوبه، وأخذت أبحث عن إناء الماء لأروي به حلقي الجاف ومعدتي الخاوية، جالت عيناي بين مرتفعات الغرفة ومنخفضاتها، لكن لا أثر لإناء الماء، ثم تذكرت فجأة أن آخر مرة شربت فيها كانت منذ عشرة أيام أو عشرة أعوام، لا أتذكر بالضبط، وضعت حينها إناء الماء تحت السرير، فامتد ذراعي بعد أن ملت بظهري حتى اضطرب قلبي خشية الوقوع من على السرير، تحسّسَت أصابعي الفراغ تتخبط في أشياء لا علاقة لها بالزجاج أو آنية المياه، ثم فجأة صرخ رجل: "آه، عيني"، اعتذرت للصوت، ثم سألته: "من أنت؟"، فقال: "لا أعرف!"، فقلت له: "لا تهتم يا رجل وعِشْ في سلام"، ثم تعثَّرَت أصابعي في مقبض فالتقطته، فإذا به إناء الماء الذي شربت منه منذ عشرة أيام أو عشرة أعوام، كانت بالإناء سمكتان تجدفان بزعانفهما وتطوفان حول الشعب المرجانية الملتصقة بقاع الإناء، ندمت لأني لم آنس بهما طوال وحدتي الطويلة تلك. شربت حتى ارتويت وأغرقت ظمئي، ثم أعدت الإناء تحت السرير. كانت السمكتان تتخبطان في جدار الإناء الفارغ، وأنا أنظر إلى المقبض المتحرك أنتظر ضيفي ليدخل، ثم دخل بعد أن كسر المقبض وكذلك زجاج الباب، فصرخت في وجهه: "لماذا كسرت المقبض يا رجل وكذلك الزجاج!"

فرد عليَّ من بين شفتيه المنتفختين اللتين يتصاعد من بينهما دخان أبيض كثيف:

"هل أنت هاشم أبو هاشم؟"

فابتسمت وقلت له: " لا، بل أنا هيثم أبو هيثم"

ثم أدار وجهه الجرانيتي الأسود اللامع وتحول إلى قذال عريض وكرشه الأبجر إلى ظهر أخمص، وغرب عن وجهي دون أن يغلق الباب، فصحت: "يا رجل.. مرحبا بك، وأهلا وسهلا، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، لكنه ما لبث أن اختفى، ثم عاد الصمت مرة أخرى ليدوي في أذني بطنينه البغيض، فتذكرت السمكتين، توقف تخبطهما، التقطت الإناء فوجدتهما نائمتين، وقد أصابتهما الوحدة مثلي، فأعدتهما مكانهما وأنا أقول: "ارقدا بسلام يا صديقيّ القديمين"، حاولت أن أذرف دموع الواجب لكني فشلت ثم حاولت أن أنتحب وأصرخ لكني فشلت أيضًا، ففضلت النوم لعلي أجد أحدهم في أحلامي فأتحدث معه وأشكو وحدتي، رقدت على الفراش وصوت الصمت يزعجني فلا يغالبني النعاس. تذكرت أن الرجل الأبجر قد ترك الباب مفتوحًا، ففكرت أن أخرج وأرى الخلق من فصيلتي الآدمية، نظرت نحو الباب وما وجدت سوى السواد الكالح، فقلت لعله انقطاع في الكهرباء. هممت بالنهوض من الفراش لكني عجزت فحاولت مرة أخرى لكني عجزت أيضًا، ثم بكيت. قال الرجل الذي تحت السرير: 

- ما يبكيك يا رجل؟
- أريد أن أخرج لكني لا أستطيع النهوض
- ولماذا تريد الخروج؟
- سأمت الوحدة، أريد أن أرى الناس
- هم لا يريدون، لقد وضعوك هنا!

فتوقف بكائي، وصرخت: 

- لماذا؟!
- لا أعرف، أنا مثلك
- ما اسمك يا رجل يا طيب؟
- لا أعرف!
- لا يهم يا صديقي..

وتنهدت، ثم غفوت ورأيت حلمي الذي انتظرته... 

رأيت من بعيد شجرة وارفة متفرعة الأغصان يتظلل بها رجل يحمل بين ذراعيه فتاة، فلما اقتربت أكثر، علمت أن الشجرة ليست شجرة وإنما شعبة مرجانية، والرجل ليس رجل وإنما سمكة بلطي والفتاة ليست فتاة وإنما سمكة بلطية، وكان البلطي يبكي وينتحب، فسألته: 

- ما يبكيك يا رجل؟

فقال:

- لقد ماتت زوجتي، عشنا معًا عشرة أعوام، والآن هي ماتت، من لي بعدها بعد الآن؟!
- وكيف ماتت؟
- أنت شربت ماء البحر كله!

فصرخت: 

- لا، لقد كان إناء الماء تحت السرير، وليس البحر!
- انظر حولك!

فنظرت حولي فإذا بي أكتشف أني داخل إناء ضخم من الزجاج، فصحت: 

- يا إلهي، إنه الإناء الذي شربت منه!

فبكيت لأني تسببت في موت البلطية حتى امتلأ الإناء بدموعي وكدت أغرق فيه، لولا أني استيقظت على غطيط الرجل الذي تحت السرير، وشهقت كأنما نجوت من الغرق، أحسست بالعطش الشديد فهممت بالتقاط الإناء لكني ما لبثت أن عدلت عن ذلك وفضلت العطش على أن أراهما، ثم بكيت.

فاستيقظ الرجل وقال: 

- إنهم لا يريدونك يا رجل كف عن البكاء ونم كثيرًا!
- لا أبكي بسبب الناس إنما أبكي لأني تسببت في موت السمكتين!

فقال: "البقية في حياتك"، ثم غط في النوم..

ثم فجأة أحسست بشجار داخل عقلي بين "الوحدة"، "لا أستطيع النهوض"، "الناس لا تريدني"، "أنا قاتل"، "من أنا؟"، فدفنت عقلي تحت الوسادة، ونمت عشر سنوات أخرى.
ــــــــــــــــــــ

نُشِرت القصة فى مجلة أخبار الأدب فى عددها 989 بتاريخ: 8-7-2012



الخميس، 26 أبريل 2012

مـشـيـئـة


- صلّ يا ولدي، فالصلاة راحة للقلوب..

- أمي؟!... آه، وجهي، لماذا تضربيني يا أمي، ولماذا تنصحيني دومًا أن أصلي وأنتِ لم تعرفي ربًا يومًا ولا رسولا، أنتِ لم تعترفي بهما حتى.. ولم تخبريني أين الرب، ولماذا أرى سماواته وبذخ كرمه، وهو لم يرني وجهه حتى؟ لَمْ تشفي صدري يا أمي، أخبريني الآن وفي يدك دم وجهي، ليكن اعترافًا، ليكن اعترافًا بدم، ليكن ما يكون!

- ....

- لماذا تبكين يا أمي؟ أهو مثل أبي الذي غاب ولن يأتي؟ أهذا الدمع من ذاك؟

- يا ولدي كم أنت قاسٍ على أمك، أنت لم تعرفني!

- أين أنتِ يا أمي؟ لماذا لا أراكِ؟ لماذا لا أرى أي شيء؟

- لأنك لم تصلِّ للرب... صلّ يا ولدي ولا تكن كافرًا، حين تصلي سيكون الرب نظرك، ولا تنتظر أمك، قد ماتت ووراها الثرى وصارت من الأرض.

- لكنها لم تخبرني أنها ماتت، ولم تخبرني أين الرب، ولم تخبرني لماذا لم يأتِ أبي.. لماذا تركتني وأنا لا أعرف شيئًا؟

- ....

- أين أنتِ؟

- يا ولدي.. أنت مزعج، أسئلتك كثيرة وتزعجني.

- لكن من أشكو إليه؟.. لم أعد أرى شيئًا، أرى الظلام فقط، هل تذكرين عينىّ، ألا تذكرين أنكِ كنتِ ترين بهما؟

- أنا لم أكن أرى، كنت أُمًّا فقط!

- ولماذا أنجبتيني؟

- الرب.. شاء الرب!

- لكني لم أشأ، ولم يخبرني الرب أنه يشاء، ولم يعطني عينا، ولم يعطني أبا، ثم أخذك يا أمي، ثم صرتِ ترابا..

- أسئلتك تزعج الرب... سيحرقك

- وأنتِ يا أمي هل أحرقك لأنك لم تصلي..

- ...

- أمي، لماذا لا تجيبيني؟

- أنت تؤلمني يا ولدي، وتُذكّرني

- لكنك تألمتي كثيرًا هنا، لماذا يعاقبنا الرب دومًا يا أمي؟

- لأننا لم نصلِّ، هو أخبرني..

- أمي، لماذا صوتك يخنقني؟

- لأنه يخنقني يا ولدي، سأرحل، وتذكر أنني من تراب

- خذيني معكِ يا أمي، سأصلي هناك أمام الرب، سأمجده وأنا أراه

- لا يا ولدي، أنت لم تكتف بعد، عِش حتى الموت، الرب هو الذي سيأخذك.. تلك مشيئته


- لكني لا أشاء يا أمي، لا أشاء... أمي؟

- ...

- هل رحلتِ يا أمي!

- ...

- هل أنت هنا يا رب!

- ...

- هل أتيت يا أبي!

- ...

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...