Sunday, July 3, 2016

شارع مظلم


بحثًا عن قنينة جن، تحريّت عن كل الأماكن التي قد تبيعه في بلدتنا الفقيرة، وذلك بتكتّم شديد، قابلت جمعًا من الشبان الصاخبين وقت صلاة العشاء، كانت ضحكاتهم الصاخبة والمحركة لمشاعر المجون تدفعني نحوهم لأسألهم بإحساس الإخوة:

- ها يا أصحاب، ليلتكم سعيدة (وقد تمنّيت لهم بالفعل ليلة سعيدة من أعماق قلبي)، من تعرفون هنا قد يبيع الجن؟

- بيرة؟.. سأل أحدهم

أومأت برأسي وانتظرت رده. اقترب مني وربت على كتفي، بينما كان رباط الإخوة لا زال يجد طريقه في قلوب الآخرين المتابعين باهتمام، وصف لي طريقًا ملتويًا يمر عبر طريق زراعي ضيق وأماكن مظلمة، لكنه وصفه ببساطة.

"وضحت كدا؟"- سألني بعد أن انتهى، فقلت له إنني لم أرغب في وصف أبسط من هذا، ضحك وتمنّى لي ليلة سعيدة أيضًا، ثم ذهب مع رفاقه الذين سوف يعاودون مرحهم الصاخب بعد حينٍ على الأرجح.. أمسكت في ذهني أول الطريق ثم ألقيته أمامي وسرت عليه كما وصف، لكن شيئًا ما جعلني أنظر خلفي؛ كانوا أربعة، رأيت ثلاثة منهم يدخلون المسجد المجاور، بينما انتظر الرابع تحت جدار المنزل المقابل وأشعل سيجارة، كان وحيدا بحيث أنه لم يكن باستطاعته أن يمرح، لكنه كان يدخّن، رأيت ذلك باهتمام.

ابتلعني الظلام.. ومشيت على حافة قناة مائية بحذر، متشبثًا بالوصف الدقيق. وعند نهاية القناة كان علي أن أعرج يمينًا حيث يتوفّر شارع أكثر اتساعًا لا يكلفني مشقة الحذر. نظرت خلفي؛ كان الضوء الخافت لمئذنة المسجد هو ما تبقّى بعد هذه المسافة، تساءلت في نفسي: "لمَ لم يدخل معهم المسجد، وكيف هانت سلسلة الصداقة؟" ضحكت من كلمة "سلسلة الصداقة" هذه.

رأيت أمامي نورًا ينبثق من شارع جانبي، آنسني، وفكّرت أنه ربما يكون فرح. خرجت من جوف الظلمة وعند المفترق نظرت يَمنة ويَسرة، واكتشفت أنه مأتم حيث هناك فرق طفيف بين زينة الفرح وأضواء المأتم. عدت إلى الخريطة في ذهني ولم يكن علي اختيار أحد الشارعين، بل يجب عليّ فقط اجتياز الطريق بطوله، كان المقريء له صوت جميل وحزين بما يكفي، تركته خلفي. وعند نهاية الشارع فوجئت بساحة كبيرة تضيق بالمعزّين، وحركة نشيطة بين القادمين والمُغادرين، وسلامٌ لا يكف بالأيدي والعناق عند مدخل الساحة. كانت الساحة عارية، لا يظللها سرادق سوى سلاسل المصابيح الممتدة بين أزواج من الأعمدة الطويلة، كانت مليئة بالكراسي الممتدة في زوجين من الصفوف المتقابلة، لمحت أبي على أحد الكراسي ممسكًا مسبحة، وحينها وجدت أنه يجب عليّ أن أؤدي واجب العزاء كما يفعل الرجال في مثل هذا الظرف، كنت أرتدي شورت وشبشب. وقفت في نهاية طابور المعزين وسرت مع حركتهم البطيئة نحو مُستقبلي العزاء، وحينما أصبحت في مواجهته قبضت على يد ابن المرحوم وتمنّيت للفقيد الرحمة والصبر على رحيله، قلت ذلك بصوت عالٍ مكلوم بحيث أنه كان في نفس مستوى صوت المقريء الحزين، وبدا أنّ كلماتي كان لها صدىً أبعد من الحزن في نفس ابن المرحوم، حيث أنه انتبه لي بشدة مضيقًّا ما بين عينيه الحزينتين، حتى أنه لم ينظر لا إلى الشورت أو الشبشب. وعلى مسافة أربعة كراسي مني اشرأب أحدهم برأسه قائلًا: "أيوا كدا يا أحمد، ربنا يهديك" ورجع إلى موقعه حيث اختفي بين صف الرؤوس، لم أره رغم أنه تراجع ببطء، وكأنه لم يكن. لم أفهم رسالته، ونسيت أبي، نسيت موقعه، شعرت بالضجر، وتساءلت "ماذا إن كان صاحب الرسالة الغامضة هو أبي؟" شعرت بالضجر أكثر وغادرت بسرعة العزاء عائدًا لخطّتي الطموحة؛ شراء أوّل قنينة جن. كان صدى صوت المقريء هو ما تبقى معي من المأتم وأنا أسير في شارع بالكاد تصله بعض أضواء المصابيح.

وقبل أن أخرج منه، استوقني صوت مألوف، يقول: "استنى يا أحمد.."

نظرت خلفي، وبسبب العتمة، رأيته أجزاءً غير مترابطة؛ جزء من الرأس، وساقه اليمنى فقط.. وحينما اقترب مني، ظهرت ابتسامة، ثم رأس صلعاء تلمع. أصبح في مواجهتي هذا الشخص الغامض.

- نعم؟

- نوّرت

- متشكر، مين حضرتك؟

- مش عارفني؟

- معلش مش واخد بالي، مش بنزل كتـ...

قاطعني، وقد تبدلت نبرته:

- انت مشيت بسرعة ليه، وازاي تعزّي بشورت؟ دا ذوق؟

- معلش أنا آسف بس عندي مشوار مهم... انت مين؟

انطفأت أضواء المصابيح، وصار صوته هو الدليل الوحيد على وجوده.

- يعني لا عندك ذوق، وخمورجي وكمان مش عارفني!

- انت مين؟

صفعني على وجهي، وانقطع حسّه.

صحت، لأصحح إحدى غلطاتي التي أغضبته: بابا. وأنا لست متأكدا منه.

شعرت أن سرّي الذي أخفيته طويلًا قد افتُضِح الآن أمام أبي، وأمام الجميع.

وقفت في الشارع تائهًا في ظلمته، كنت خائفًا، وتلاشى تفكيري في قنينة الجن، صرت خجلانًا من الشورت والشبشب، وأخشى أن أخرج بهما إلى الطريق ويراني الناس. كنت غارقًا في أفكاري وشكوكي حتى أمسكَت يد بساعدي وسحبتني معها.. لم أسأل، ولم أستبين شخصية من يسحبني، توقّعت أنه أبي، أو أنه من طرفه. ووقعت في فكرة أنني مذنب يتلقّى العقاب.

وجدت الساحة كما هي ممتلئة تعج بالناس، نظروا إليّ، وإلى الشورت والشبشب، شعرت بالخجل ينصبُّ على رأسي منصهرًا، وبحثت بطرف عيني عن الرجل الأصلع بينهم بخوف، فوقعت عيناي على ثلاث صُلع.
تجمعوا حولي، وتحدّثوا إليّ، كانت لكلماتهم وقع المواساة. أجلسوني في مقدمة الصفوف بجوار المستقبلين.. كان صوت المقريء حزينًا كما هو، وأكثر بُطئًا، وأنا لم أفهم شيئًا مما يحدث، وقد عاودتني قنينة الجن كفكرة مُخلّصة.

No comments:

Post a Comment