الثلاثاء، 26 أبريل 2016

المِرآة


(إلىّ، مِن صاحب اليمامات البِيض)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبَتتْ بِداخِلي زَهرةٌ جَميلَة

كانَتْ تَكْبُر

حتّى أَصبَحَتْ أَكبرَ منِّي

فاقتلعتُها

ورَميتُها حيثُ لا أراها مُجدّدًا

الآن أنا مُستَريح

لأنّ صَدْري مُقْحَلْ

..........................


كُنتُ أَظُنُّ أنّني غَير مَوجُودٍ،

لَيسَ لي جَسَد،

حتّى نفخَ فِيَ رّبُّ اليَماماتِ البِيض

مِن رُوحِه

فأَصبَحتُ مَوجُودًا

ولِي جَسَد

لَكِنّي رأيتُ في المِرآة

أنّي حقيرْ

الاثنين، 25 أبريل 2016

صورة في البُحيرة

بعدَ حادِثةِ احتراقِ وجهِها

تزيّنتْ، وجاءَتْ لِمَوعدِنا الغرامِيِّ

تظَاهرتُ بأنَّ لا شيء قد تغيّر

أشَحتُ بوجهِي بعيدًا

عندَ البُحيرةِ السَّاكِنة

وأنا أُحدّثُها عن مَقطوعةٍ

نَسيتُ اسمَها لمُوزارتْ

أَخبرتني فِيما بعدْ

أنَّها كانت تتأمَّلُ حَرقَدَتي

بينَما أتحدّثُ عنِ المَقطوعةِ المَنسيَّة

قُلتُ لها: زِينتُك جَميلة.

لمْ تبكِ أبدًا وأنا أُخبرُها أنَّ زينتَها جميلَة.

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

الأدب في خطر

My rating: 2 of 5 stars


يناقش هذا الكُتيّب موضوعًا حسّاسًا يمسّ صميم -لن أقول دراسة، فهي كلمة بغيضة، ولكن- التعامل مع الأدب، لا أعرف يقينًا ما الذي يجري في أروقة الكليات الأدبية (المُنتِجة للنظرة الأكاديمية)، لكني متأكد أن الأمور ليست على ما يُرام. في رأيي أن هذا الموضوع سيُثار دومًا طالمًا وُجدت هذه الهوة السحيقة بين ما يُسمّى "أدب النخبة" و"الأدب الشعبي" أو "أدب العامة". حيث هناك أدب المتخصصين المشتغلين أكاديميًا في مجال الأدب، الذين يرجحون أسلوب العمل الأدبي على موضوعه (الشعر بالتحديد)، وبين الذين يتنازلون عن مزايا الأسلوب الناضج لصالح الموضوع وحده، وكأن السّجال الدائر بين الفريقين يحتّم على كليهما الانضواء تحت رايته دون الأخذ في الاعتبار ما للفريق الآخر من مزايا. ذلك على وجه التحديد هو ما أوصلنا لمنطقة معزولة بين الطرفين تتطلب بشكل عاجل، نوع من الأدب يراعي فيه نضوج الأسلوب، حيث ذلك أمر لا يمكن التفريط فيه تحت أي ظرف مهما وصلت معه الحكاية. الأسلوب هو طريقة الأديب في التعبير ومن ثم مرآة صدقه، ولأن الرواية الجيدة هي رواية حقيقية واقعية (مهما وصلت غرائبيتها)، فلا يجب التفريط في الأسلوب. يأتي بعد الأسلوب الموضوع، ولأن الموضوع يمس ذائقة القاريء وعاطفته وميوله، فلا يجب أيضًا تحديد هذه المنطقة بحدود، ويمكن للكاتب أن يكتب عن أي شيء، إنها المنطقة الحرة، هي ممثلة "الحرية" في عالم الأدب. فكما كان يجري في الأنظمة الشمولية من تحديد للأطروحات والمواضيع الفنية والأدبية بغرض خدمة شموليتها ويوتيوبيتها، فلا يجب ممارسة هذا الأمر في المجتمعات الحرة الديمقراطية، حتى أني أجد مناقشة موضوع الرواية هو نوع من التجريح في حرية الكاتب وفي ذائقة آخرين طالما التزم الصدق المطلوب في العمل الجيد. كل ما نملكه هو تناول أسلوب الكاتب، وبحث ما إذا وصل بأسلوبه إلى الحقيقة والواقعية المنشودين، أم أنه يبتذل ولا يصدق نفسه وفنه ويرجو من الآخرين تصديقه، هؤلاء في الغالب يراهنون على الفريق الذي يرجح الموضوع على الاسلوب، وهؤلاء لديهم بالفعل قائمة بالمواضيع المفضلة التي يحبون القراءة عنها، وهذا مفهوم من ناحية أنهم يتمتعون بنوع من الكسل الذي لا يعرف متعة الاكتشاف، وليس لديهم الإيمان الكافي بأن الأسلوب له فعل السحر على تطويع أي موضوع أيًّا كان.
عمومًا أرى الفريق الأول يحفظ بعض ما تبقى للفنون السردية من مجد، في حين يحفظ الفريق الثاني ما للشعر من صدق وموضوعية.
أراه شيئًا مثيرًا للسخرية أن أجد بعض مواضيع الكتاب صعبة على الفهم ومعقّدة، وكأنها تتوجه إلى النخبة التي تنتقدهم.

فقه اللذة والبائيّة والحائي

My rating: 2 of 5 stars


هذا الشعر بالنسبة لي، هو قنبلة من الألفاظ، تترك أثرًا عميقًا في مستودع ألفاظي، ومن ثم في طريقتي في التعبير عن نفسي، وهذا مهم، بل رائع أحيانًا. لكن الوجدان فيه بلا موقع تقريبًا، أي أننا أمام معجم أكثر من قصيدة شعر. لذلك أحب قراءته على صوت الموسيقى حيث إنها تعوّض هذا الجفاء الوجداني، وتمهد الطريق لألفاظه أن تصير مألوفة.

السراية الخضراء

My rating: 5 of 5 stars

هناك طريقة لطيفة أتبعها لتسهيل التعاطي مع الحبكة ودراستها، وهو تحويلها لرسم بياني بين الشخصيات والزمن، حيث تمثل القفزات في المنحنى مقدار الطفرات في الأحداث، فيمكننا اعتبار ميل الشخصية على الزمن هو الحدث نفسه، وبهذه الطريقة يمكننا تتبع الأحداث وتطورها وعلاقتها بالشخصيات وتزامن التطور لكل شخصية مع الأخرى في مرحلة زمنية ما.
طبعًا هذه الطريقة لا تقيس قوة الحبكة وإلا كانت إهانة للأدب، لكن فقط دراسته.
لو رسمت منحنى الحبكة لهذه الرواية ستجد انحناءات وطفرات كلها في مدى زمني قصير، فيها من التكثيف والتركيز شديد الدهاء بما تحتويه نوفيللا بهذا الحجم الصغير، كل قفزة في المنحنى تمثل اندهاشة غير متوقعة، لتنتهي الرواية عند حد من الدهشة، تجعلني أعجب من مقدرة ماشادو دي أسيس على اتخاذ قراره المبكّر بالتوقف هنا، عند الصفحة 55، لأنها فقط اكتملت، هذا رجل لا يضعف أمام الحشو، والأماني الكاذبة أمام حجم الرواية، ولكن واضح، وأستطيع أن أشعر بذلك، إلى أي مدي شعوره باللذة بعد أن أهدى روايته تلك نقطة النهاية. هذه رواية عبقرية في أسلوبها الساخر وكأنها تؤكد لي من جديد على أن الساركازم في الأدب ربما هو معادل لعظمة النص، بما يحتويه من نقد بليغ قصير وخاطف، مما لدى أديب حقيقي يتمتع بهذا القدر من اللماحية والذكاء وسرعة البديهة. رغم أنها كُتبت في فترة مُبكّرة نوعًا إلا أنّها رواية متقدمة جدًا، بالنسبة لي تحتل موقعًا مميزًا في أدب الواقعية السحرية.
ختامًا، شكرًا للعزيز هاني عبد الحميد، فمصادفة من نوعٍ ما لم تكتف بصديق نبيل وحسب، بل أيضًا بصديق يتمتع بذائقة أدبية رفيعة.

الجمعة، 12 فبراير 2016

إعدام قاسم

في اليوم الذي سبق إعدامه طلب قاسم من القاضي أن يرى حفيديه، كانا يافعان، لهما نفس الطول وملامح الوجه، حيث أنه أنعم النظر في أحدهما -ماجد- مقتنعا أنه بذلك ينظر في الوقت ذاته إلى الآخر -عصفور- الذي كان مشغولا بأكل العسلية، بكى قاسم من خلف القضبان، لم يجد أفضل من أن يخبر ماجد أنه بريء، شعر أن ذلك واجب عليه قبل موته كأنها تركة لزم تسليمها إلى أحفاده، ربما لو لم يُحكم عليه بالإعدام لأخبرهما ببراءته تلك بنفس الحماس، فهي تتيح له مقدارا كبيرا من الخطابة التي يحبها. قال ماجد: وأخي؟
مسح قاسم الدموع من جفنيه وقرر أن ينظر لحفيده المجنون الذي لم يكن يشعر بشيء من حوله، ولا أن جده سوف ينمحي وجوده من العالم بشكل نهائي غدا فقط، لم يكن يدرك كل هذه الأمور المعقدة، فقط العسلية.
بعد أن جفف قاسم دموعه، سأل عصفور إن كان يعرف أن جده بريء، واستخدم ضمير الغائب كإحدى حيله في الخطابة وتسليط الضوء على نفسه بتواضع. قال عصفور: أعرف كل شيء.
قال ماجد لجده:
- إنه لا يريدك أن تقاطعه وهو يأكل.
سأل الجد:
- هل هناك ما يكفي من العسلية؟
- نعم.
- وأنت.. أعتقد أنك تعرف كيف تسيّر أمورك؟
- كل شيء بخير يا جدي
- أتعرف، أرى الحياه بشكل مختلف عما قبل، والجيد أنها ستنتهي غدا، إنها لحظة مكثفة   يا ولدي من البراءة، أتمنى أن تشعر بها. لكن بلا إعدام، بلا أية إعدامات.

ثم بكى، وكان بكاءً مصطنعًا، حيث أن التكثيف بدا وكأنه يعود للتبخير مجددًا، والمجانين يشعرون بهذه الفروقات الطفيفة، فقال عصفور متأففًا:
- أريد أن أعود لمنزلنا
سارع قاسم في تجفيف جفونه، والتقط رأس عصفور وقبلها بشكل درامي مُبالغ، حتى انفرطت حبات السمسم من بين أصابع عصفور، وكان هذا هو المشهد الذي اختتم به لقاءه الأخير مع الحفيدين.
جاء الشرطي بإشارة من قاسم، حيث أُخبر بمنحه حرية غير مشروطة للقاء أحفاده، صفد يديه وخرج به، اكتفى ماجد بتوديع جده بنظرات مؤثرة، في حين لم يتغير موقف عصفور.
في طريق العودة، أراد ماجد أن يناقش موضوع العسلية في شيء من الحزم؛ قال لأخيه:
- ألم أخبرك أن العسلية مُضرة، ستسمن.
فلطمه عصفور على وجهه، ثم أخذ برأسه يغربلها، كأنه ينفضها من هذه الفكرة، صرخ ماجد محاولًا التفلّت من بين يديه:
- طيب، طيب يا بغل.
في اليوم التالي طُلب منهما حضور إعدام جدهما، كانت الفكرة مرعبة، ليس لارتباطهما الواهي بجدهما المجرم، ولكن لأن فكرة مشاهدة أحدهم يموت، كانت تفوق احتمالهما، لكن كان عليهما الحضور، فذلك هو طلب جدهما الأخير، والذي لن ينفّذ فيه حكم الإعدام بدونه، لذلك فإعدام جدهما يتوقف على حضورهما. لذا فقد ذهبا.
توقفا أمام منصة الإعدام، وتلا ضابط سجل تهمه:
"قتل عاملين بمصنع الزجاج/ سرقة رواتب العاملين بمصنع الزجاج/ اغتصاب فتاتين قاصرتين/ إتجار بالمخدرات..."
واستمر في تلاوة باقي سجل إجراماته، في حين كان قاسم يقف منتصبًا مشدودًا كالوتر.. أدار رأسه المغطاة بكيسٍ قماشي أسود إلى الجهة اليسرى حيث وقف حفيداه، لم يكن عصفور يأكل العسلية، حيث مُنع من الدخول بها، باعتبارها مواد غير لائقة في حضور لحظة الإعدام، وكان الشرطي الذي جرده منها يضحك لغرابة الموقف؛ أن يأكل عسلية وهو يشهد إعدام جده.
بعدما فرغ الضابط من تلاوة سجل إجراماته، صاح قاسم قائلًا: "جدّكما.." إلا أن العسكري لم يمهله حتى يكملها فنُفِّذ فيه الحكم بالإعدام، وهوى مُعلقًا من رقبته يتأرجح.
خرجا الأخوان، وبمجرد أن استلم عصفور عسلياته، حتى بدأ في التهامها، طلب منه أخوه واحدة، لكنه كان يفكر بأسى في جده الراحل، حتى انتُشل من تفكيره العميق بجذبة من يدي أخيه تغربل رأسه وهو يُعنّفه:
- ستسمن، ستسمن.
شاهد الضابط ذلك ولم يستطع منع نفسه من الضحك.

الأحد، 17 يناير 2016

المسخ والمخاض

هذا يحدث عادة.. أن أصير غير مرئيٍّ، وأنا في الغالب لا أصير غير مرئيٍّ بإرادتي، وإنما هو شيء يفوق الإرادة، بحيث أنه شيء أشبه بالمخاض، بقوة دفعه وألمه وقوته المصيرية.
بالأمس عرفت أن ابن عمي قد زارنا وأنا موجود في البيت، وجد الباب مفتوحًا لأن أمي غالبًا ما تترك الأبواب مفتوحة حينما تخرج تحسبًا لتحولي، لكن هذه المرة بالذات اخترت اللامرئية بإرادتي الحرة دون أية آلام، بل كانت التجربة لطيفة. جاء ابن عمي هذا، ولما وجد الباب مفتوحًا ولا أحد في المنزل، دخل وأعدّ لنفسه فنجان قهوة، وجلس يشاهد التلفاز إلى حين عودة أحدنا. نعم نادى باسمي، لكني كنت قد تحوّلت، منذ تلك اللحظة التي سمعت فيها دبيب أقدامه تخطو نحو باب المنزل، ذهبت إليه، وبطبيعة الحال لم يرني، نادى عليّ مرة أخرى مُشرئبًا ناحية باب غرفتي المفتوح، فرفعت عنقي إليه ناحية أذنه وقلت "نعم"، لم يسمعني، نادى مرة أخرى، فصنعت من راحتي يديّ مكبرًا للصوت، وقلت "نعم" بصوت لا أجرؤ على رفعه في حالتي المرئية.
بعدما لم يجد مجيبًا، جلس يحتسي القهوة ويشاهد التلفاز، ثم تابعت طريقي إلى الحمام وأنا أضحك. أستطيع أن أتحول إلى اللامرئية، لكن هذا لا يعني أن بولي يتحول معي، لكنه يحتفظ- رغما عني- بقوامه كاملًا، وإثر ارتطامه بقاعدة الحمام، أحدث صوتًا، كتم ابن عمي صوت التلفاز ليُرهف السمع، ثم نادى عليّ مرة أخرى، فصحت من الحمام: نعم.
لم يسمعني، فكنت أضحك وأنا أتابع التبول الذي استمر أطول من المعتاد نظرًا لاحتباس البول في الفترة التي استغرقتها في التحول. كان قلقًا طوال الوقت، وللمصادفة، قرر أن يرحل في اللحظة التي مررت به عائدًا من الحمام. ظننت أن ذلك شيء مضحك فاكتفيت بالابتسام وأنا أتابع عملية رحيله؛ حمل حقيبة ثقيلة، أطفأ التلفاز، ثم غادر بعد أن ألقى نظرة خاطفة ناحية ستار الحمام، ثم أغلق الباب خلفه. حملت فنجان القهوة ووضعته في حوض المطبخ، فقط لتبدو الأشياء على طبيعتها. في اليوم التالي أبلغتني أمي بحضوره. هي لم تخبره أنني كنت متحولا إلى الصورة اللامرئية، وإنما قالت "لا أعرف" بطريقة مستهينة، هذه هي طريقة أمي في غلق المواضيع الشائكة، فأخبرها أنه سيعاود الزيارة مجددًا في عصر ذلك اليوم.
أغلقت أمي نافذة غرفتي وخرجت، وكانت على وشك أن تقول شيئا، حيث أن غلق النافذة جاء بشكل ارتجالي تقريبا بلا تخطيط، لكني عرفت أنها تود أن تقول لي: لا تتحول. لكنها لم تجد الصيغة المناسبة لذلك. ربما كان فقط عليها أن تقول: "لا تتحول بإرادتك"، لكن من الواضح أيضًا أن هذا مُهينًا لكلينا، فاكتفت أمي بغلق النافذة بشكل مُحبَط.
حين جاء ابن عمي أراد أن يجعل من هذا الحادث شيئًا مضحكًا، جلست إلى جواره وحاولت أن أضحك، لكن صوتي لم يكن مسموعًا، كنت أخرسًا، وعندما تحدث عن صوت الماء في الحمّام، جاءني المخاض لأن الضحك كان مكتومًا أكثر من اللازم، كانت أمي تتابع بقلق، حيث كان عليها أن تضحك وتتابع تحوّلي معًا، أعرف أن ذلك أمرًا شاقًا، لكن ذلك لم يكن شيئًا بجوار آلام المخاض، حيث دُفعت إلى الحالة اللامرئية رغمًا عني، وحين أتممت التحوّل، كان ابن عمي يقول أنه خاف أن يقترب من الحمام فلم يُعِد فنجان القهوة إلى المطبخ، وجدت أن ذلك أكثر شيءٍ مضحك، فقهقهت بأعلى صوتي ممسكًا بطني من ألم الضحك، بعد أن خرج ذلك الجنين العملاق من فمي.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...