الجمعة، 12 فبراير 2016

إعدام قاسم

في اليوم الذي سبق إعدامه طلب قاسم من القاضي أن يرى حفيديه، كانا يافعان، لهما نفس الطول وملامح الوجه، حيث أنه أنعم النظر في أحدهما -ماجد- مقتنعا أنه بذلك ينظر في الوقت ذاته إلى الآخر -عصفور- الذي كان مشغولا بأكل العسلية، بكى قاسم من خلف القضبان، لم يجد أفضل من أن يخبر ماجد أنه بريء، شعر أن ذلك واجب عليه قبل موته كأنها تركة لزم تسليمها إلى أحفاده، ربما لو لم يُحكم عليه بالإعدام لأخبرهما ببراءته تلك بنفس الحماس، فهي تتيح له مقدارا كبيرا من الخطابة التي يحبها. قال ماجد: وأخي؟
مسح قاسم الدموع من جفنيه وقرر أن ينظر لحفيده المجنون الذي لم يكن يشعر بشيء من حوله، ولا أن جده سوف ينمحي وجوده من العالم بشكل نهائي غدا فقط، لم يكن يدرك كل هذه الأمور المعقدة، فقط العسلية.
بعد أن جفف قاسم دموعه، سأل عصفور إن كان يعرف أن جده بريء، واستخدم ضمير الغائب كإحدى حيله في الخطابة وتسليط الضوء على نفسه بتواضع. قال عصفور: أعرف كل شيء.
قال ماجد لجده:
- إنه لا يريدك أن تقاطعه وهو يأكل.
سأل الجد:
- هل هناك ما يكفي من العسلية؟
- نعم.
- وأنت.. أعتقد أنك تعرف كيف تسيّر أمورك؟
- كل شيء بخير يا جدي
- أتعرف، أرى الحياه بشكل مختلف عما قبل، والجيد أنها ستنتهي غدا، إنها لحظة مكثفة   يا ولدي من البراءة، أتمنى أن تشعر بها. لكن بلا إعدام، بلا أية إعدامات.

ثم بكى، وكان بكاءً مصطنعًا، حيث أن التكثيف بدا وكأنه يعود للتبخير مجددًا، والمجانين يشعرون بهذه الفروقات الطفيفة، فقال عصفور متأففًا:
- أريد أن أعود لمنزلنا
سارع قاسم في تجفيف جفونه، والتقط رأس عصفور وقبلها بشكل درامي مُبالغ، حتى انفرطت حبات السمسم من بين أصابع عصفور، وكان هذا هو المشهد الذي اختتم به لقاءه الأخير مع الحفيدين.
جاء الشرطي بإشارة من قاسم، حيث أُخبر بمنحه حرية غير مشروطة للقاء أحفاده، صفد يديه وخرج به، اكتفى ماجد بتوديع جده بنظرات مؤثرة، في حين لم يتغير موقف عصفور.
في طريق العودة، أراد ماجد أن يناقش موضوع العسلية في شيء من الحزم؛ قال لأخيه:
- ألم أخبرك أن العسلية مُضرة، ستسمن.
فلطمه عصفور على وجهه، ثم أخذ برأسه يغربلها، كأنه ينفضها من هذه الفكرة، صرخ ماجد محاولًا التفلّت من بين يديه:
- طيب، طيب يا بغل.
في اليوم التالي طُلب منهما حضور إعدام جدهما، كانت الفكرة مرعبة، ليس لارتباطهما الواهي بجدهما المجرم، ولكن لأن فكرة مشاهدة أحدهم يموت، كانت تفوق احتمالهما، لكن كان عليهما الحضور، فذلك هو طلب جدهما الأخير، والذي لن ينفّذ فيه حكم الإعدام بدونه، لذلك فإعدام جدهما يتوقف على حضورهما. لذا فقد ذهبا.
توقفا أمام منصة الإعدام، وتلا ضابط سجل تهمه:
"قتل عاملين بمصنع الزجاج/ سرقة رواتب العاملين بمصنع الزجاج/ اغتصاب فتاتين قاصرتين/ إتجار بالمخدرات..."
واستمر في تلاوة باقي سجل إجراماته، في حين كان قاسم يقف منتصبًا مشدودًا كالوتر.. أدار رأسه المغطاة بكيسٍ قماشي أسود إلى الجهة اليسرى حيث وقف حفيداه، لم يكن عصفور يأكل العسلية، حيث مُنع من الدخول بها، باعتبارها مواد غير لائقة في حضور لحظة الإعدام، وكان الشرطي الذي جرده منها يضحك لغرابة الموقف؛ أن يأكل عسلية وهو يشهد إعدام جده.
بعدما فرغ الضابط من تلاوة سجل إجراماته، صاح قاسم قائلًا: "جدّكما.." إلا أن العسكري لم يمهله حتى يكملها فنُفِّذ فيه الحكم بالإعدام، وهوى مُعلقًا من رقبته يتأرجح.
خرجا الأخوان، وبمجرد أن استلم عصفور عسلياته، حتى بدأ في التهامها، طلب منه أخوه واحدة، لكنه كان يفكر بأسى في جده الراحل، حتى انتُشل من تفكيره العميق بجذبة من يدي أخيه تغربل رأسه وهو يُعنّفه:
- ستسمن، ستسمن.
شاهد الضابط ذلك ولم يستطع منع نفسه من الضحك.

الأحد، 17 يناير 2016

المسخ والمخاض

هذا يحدث عادة.. أن أصير غير مرئيٍّ، وأنا في الغالب لا أصير غير مرئيٍّ بإرادتي، وإنما هو شيء يفوق الإرادة، بحيث أنه شيء أشبه بالمخاض، بقوة دفعه وألمه وقوته المصيرية.
بالأمس عرفت أن ابن عمي قد زارنا وأنا موجود في البيت، وجد الباب مفتوحًا لأن أمي غالبًا ما تترك الأبواب مفتوحة حينما تخرج تحسبًا لتحولي، لكن هذه المرة بالذات اخترت اللامرئية بإرادتي الحرة دون أية آلام، بل كانت التجربة لطيفة. جاء ابن عمي هذا، ولما وجد الباب مفتوحًا ولا أحد في المنزل، دخل وأعدّ لنفسه فنجان قهوة، وجلس يشاهد التلفاز إلى حين عودة أحدنا. نعم نادى باسمي، لكني كنت قد تحوّلت، منذ تلك اللحظة التي سمعت فيها دبيب أقدامه تخطو نحو باب المنزل، ذهبت إليه، وبطبيعة الحال لم يرني، نادى عليّ مرة أخرى مُشرئبًا ناحية باب غرفتي المفتوح، فرفعت عنقي إليه ناحية أذنه وقلت "نعم"، لم يسمعني، نادى مرة أخرى، فصنعت من راحتي يديّ مكبرًا للصوت، وقلت "نعم" بصوت لا أجرؤ على رفعه في حالتي المرئية.
بعدما لم يجد مجيبًا، جلس يحتسي القهوة ويشاهد التلفاز، ثم تابعت طريقي إلى الحمام وأنا أضحك. أستطيع أن أتحول إلى اللامرئية، لكن هذا لا يعني أن بولي يتحول معي، لكنه يحتفظ- رغما عني- بقوامه كاملًا، وإثر ارتطامه بقاعدة الحمام، أحدث صوتًا، كتم ابن عمي صوت التلفاز ليُرهف السمع، ثم نادى عليّ مرة أخرى، فصحت من الحمام: نعم.
لم يسمعني، فكنت أضحك وأنا أتابع التبول الذي استمر أطول من المعتاد نظرًا لاحتباس البول في الفترة التي استغرقتها في التحول. كان قلقًا طوال الوقت، وللمصادفة، قرر أن يرحل في اللحظة التي مررت به عائدًا من الحمام. ظننت أن ذلك شيء مضحك فاكتفيت بالابتسام وأنا أتابع عملية رحيله؛ حمل حقيبة ثقيلة، أطفأ التلفاز، ثم غادر بعد أن ألقى نظرة خاطفة ناحية ستار الحمام، ثم أغلق الباب خلفه. حملت فنجان القهوة ووضعته في حوض المطبخ، فقط لتبدو الأشياء على طبيعتها. في اليوم التالي أبلغتني أمي بحضوره. هي لم تخبره أنني كنت متحولا إلى الصورة اللامرئية، وإنما قالت "لا أعرف" بطريقة مستهينة، هذه هي طريقة أمي في غلق المواضيع الشائكة، فأخبرها أنه سيعاود الزيارة مجددًا في عصر ذلك اليوم.
أغلقت أمي نافذة غرفتي وخرجت، وكانت على وشك أن تقول شيئا، حيث أن غلق النافذة جاء بشكل ارتجالي تقريبا بلا تخطيط، لكني عرفت أنها تود أن تقول لي: لا تتحول. لكنها لم تجد الصيغة المناسبة لذلك. ربما كان فقط عليها أن تقول: "لا تتحول بإرادتك"، لكن من الواضح أيضًا أن هذا مُهينًا لكلينا، فاكتفت أمي بغلق النافذة بشكل مُحبَط.
حين جاء ابن عمي أراد أن يجعل من هذا الحادث شيئًا مضحكًا، جلست إلى جواره وحاولت أن أضحك، لكن صوتي لم يكن مسموعًا، كنت أخرسًا، وعندما تحدث عن صوت الماء في الحمّام، جاءني المخاض لأن الضحك كان مكتومًا أكثر من اللازم، كانت أمي تتابع بقلق، حيث كان عليها أن تضحك وتتابع تحوّلي معًا، أعرف أن ذلك أمرًا شاقًا، لكن ذلك لم يكن شيئًا بجوار آلام المخاض، حيث دُفعت إلى الحالة اللامرئية رغمًا عني، وحين أتممت التحوّل، كان ابن عمي يقول أنه خاف أن يقترب من الحمام فلم يُعِد فنجان القهوة إلى المطبخ، وجدت أن ذلك أكثر شيءٍ مضحك، فقهقهت بأعلى صوتي ممسكًا بطني من ألم الضحك، بعد أن خرج ذلك الجنين العملاق من فمي.

الأحد، 3 يناير 2016

أعظم استعراض فوق الأرض

My rating: 4 of 5 stars

بعيدًا عن النبرة المُتسلّطة لدوكنز، ورغبته الزائدة عن الحد في اعتراف الجميع بالتطور، إلا أن تفويت كتاب مُبسّط عن التطور مثل هذا الكتاب خسارة كبيرة، فليس فقط الطريقة البديعة التي يمارس بها التطور سلطانه هي محفّز قوي للقراءة عنه، لكن أيضًا هناك كم مدهش من المعلومات التي تم إهمالها بجُرم أنها معلومات تطورية.
أيضًا كون هذا الكتاب هو المدخل الأول الحقيقي لي في هذا العلم، فقد بدأته متحفّزًا بأسئلة ظننت أنها مُعجزة ، لكن مع الوقت أدركت أن مثل هذه الأسئلة ليست مُعجزة كما ظننت وإنما هي نتاج جهل وعدم معرفة لا أكثر، وفي المقابل تظهر أسئلة أخرى أكثر نضجًا لن يجبّها سوى معرفة جديدة بالطبع، وهكذا فإن التنطع والمكابرة أحيانًا الذين يقابلهما التطور يكون في الغالب من جهل وقلة معرفة مدعومًا طبعًا بالنعرات العقائدية الجاهزة دومًا بغض النظر عن أي معرفة مطلوبة. فمثلًا سؤال مثل "إن كنّا قد تطورنا من الشامبانزي، فلماذا إذن لازال هناك شامبانزي لم يتطور؟".. أعتقد بعد قراءة هذا الكتاب يجب أن أقلق على كل أسئلتي التي أظن أنها مُعجزة!
إذن لماذا التطور مُدهش؟ التطوّر ملموس في كل شيء وأعتقد أن التطور البيولوجي هو أحد صوره، هذه فكرة راسخة طبعًا لا تحتاج نقاش؛ فكرة اتجاهنا نحو التطور أو أن عجلاتها ستفرم من يعارضون قانونها. لكن صور ممارستها أيضًا يجعـ... مثلًا هناك الحشرات التي تنتخب أزهارًا معينة فقط لأن لونها أو رحيقها متوافق مع مزاجها، هي بذلك تعمل على تدجين الأزهار باختيار تفضيلات معينة، يقول دوكينز أن الأزهار التي نستمتع بجمالها ورائحتها الآن هي في الأصل نتاج انتخاب الحشرات لها، ومن حسن حظّنا أننا والحشرات نتشارك نفس المزاج الجمالي! هذه العملية لا تختلف كثيرًا عن التدجين الاصطناعي الذي يقوم به البشر للأبقار والكلاب لتكون أكثر ملائمة لحاجاتنا اليومية والترفيهية.. هذه من أكثر الصور البديعة في العلم والبيولوجيا، بإمكانها أن تفسر سبب شغفي بالعلم، في الحقيقة أنا أبحث عن مثل هذه الأشياء المدهشة، والعلم حقًا حقًا مدهش بما فيه الكفاية.
المثال أعلاه هو مثال عمّا يُسمّى بالتطور المتشارك، وهو يتم بالتشارك بين نوعين مختلفتين في علاقة نفعية متبادلة، فالحشرات تقدم وسيلة "مواصلات" ليست مجانية لنقل حبوب اللقاح، وفي المقابل فالأزهار تقدم الرحيق المطلوب لنقل هذه "البضاعة"، ليس هذا فحسب، ولكن هناك "عقلانية" في إدارة هذه العملية ربما نحن البشر لن ننتبه إليها بسهولة؛ وهي أن الأزهار تقدم كمية محسوبة فقط (ليس وجبة كاملة من الرحيق)، فبهذه الطريقة تضمن ألا تشبع الحشرات فتبحث عن زهورٍ أخرى، وبذلك تضمن وصول حبوب اللقاح لمستحقّيها!.. كل هذه الدقّة.
وهناك أيضًا التطور بالانتخاب الجنسي وهو الذي يتم عن طريق انتقاء الإناث (غالبًا الإناث) لذكور لهم مواصفات السوبر ذكر، وبذلك فهي تقوم بانتقاء الفرع القوي، أما ما دون المواصفات، فإن عجلة التطور كفيلة به!
(مثالين عن هذا النوع من الانتخاب.. واضح إني مهتم بالموضوع من فترة!..:
https://goo.gl/jt3eYg
https://goo.gl/zJ5Ob7

أما الانتخاب الطبيعي، فهو يتم بين الفريسة والمفترس، مثلًا؛ هناك نوع من الأسماك القابعة في قاع البحار المظلمة، تصطاد فريستها عن طريق إنارة بيولوجية مُعلّقة فوق رأسها، ونوع من الطعم تظهره لفريستها، بالطبع الفريسة تنجذب للمفترس الذي لديه أدواته الأقوى فبالتالي –وبلا وعي- تنجذب نحوه، لتكون هي السبب المباشر لبقاء هذا النوع الأقوى، أي أن الفريسة بشكلٍ ما تنتخب المفترس!
الانتخاب هو آلية التطور.. والكتاب فيه تجارب ثرية ومدهشة عن "التطور أمام أعيننا" بحيث أننا لسنا بحاجة لملايين السنين لإجراء تجربة عملية للتأكد من التطور، هناك مثلًا السمك الذي أظهر تكوينات لونية على قشرته الخارجية بمجرد انتقاله لبيئة تختلف في تكوين قاعها عن تكوين بيئتها الأصلية لتتجنب أعين المفترسين، تمامًا مثل السحالي التي لها لون جلد مشابه للون بيئتها بشكل عجيب.. هذه مثلًا إحدى صور الانتخاب، فالسحالي التي لم تستطع أن تخفي نفسها عن أعين المفترسين بجلدها ذو اللون المبهر الفاضح، كان مصيرها أن كانت وليمة لمفترسيها وانتهى أمرها، ومن استطاع أن ينجو هو فقط الذي تمكن من المراوغة بلون جلده المُخادع، وهكذا وعلى مر آلاف السنين، تنفصل السحالي التي لها لون جلد فاضح في جانب المفترس، في حين تتزاوج السحالي التي لها جلد مٌموّه لتنجب المزيد ممن لهم قدرات متطورة على التموه، لتكون النتيجة ما نراه الآن من تطابق عجيب بين لون جلدها ولون بيئتها..

في التجربة التي تم فيها فصل السمك عن بيئتة الأصلية (مع توفير مفترس مناسب له) أنتج هذا السمك نفس التكوينات والبقع على جلده بما يُشابه لون وحجم الحصى المستقر في قاع البحيرة الجديدة تمامًا عليه، وأصبح فيما بعد مختلفًا عن أقرانه في بيئته القديمة، فكلٌ أصبح مُتكيّفًا مع الظروف التي وُجد فيها.
في الختام، هذا الفيديو يجمع بين قريبين بعيدين بينهما حميمية مؤثرة. :)
https://www.youtube.com/watch?v=vOVS9...

الاثنين، 14 ديسمبر 2015

أعظم سيمفونية، أعظم كونشرتو... تفضيلاتي في الموسيقى الكلاسيكية


تأتي الموسيقى الكلاسيكية في عدة أشكال Forms، أشهرها السيمفونية والكونشرتو، وهما شكلان في قالب السوناتا الذي تبنّاه المؤلفون ليضيفوا ويعدلوا عليه لما له من مدىً واسع من الحركات تتراوح بين السرعة والبطء، السوناتا هي معزوفة لآلة واحدة مثل البيانو أو الكمان، أشهر السوناتات على الإطلاق هي سوناتة بيتهوفن ضوء القمر moonlight، أما القالب الذي صيغت فيه السيمفونية والكونشرتو، فهو مجرد الشكل الذي يضم الحركات الأربع في حالة السيمفونية، أو الثلاث في حالة الكونشرتو، باختصار فإن السيمفونية هي سوناتة تعزفها الأوركسترا، أما معزوفة السوناتة نفسها، فتعزفها آلة منفردة. هناك أشكال أخرى مثل الافتتاحيات، المارش، السويت، الفالس، الثلاثي، الرباعي، والخماسي (إشارة إلى عدد الآلات المُستخدمة).. أو ما يُصطلح عليه موسيقى الصالون، التي تطورت في ظل حاجة الطبقات الأرستقراطية لمعزوفات وترية تُعزف جانبًا في الحفلات والأمسيات، عادةً يفضل الناس الموسيقى الكلاسيكية وحسب بعيدا عن القوالب، ففي النهاية القالب هو الشكل المفضّل لدى المؤلف الذي يصب فيه قدراته وموهبته، ليخرجها على أفضل وجه، والمؤلفون عادة ما يحبون التجريب، ومعظمهم لهم إسهامات في كل شكل. حين نتحدث عن إسهامات المؤلفين في الموسيقى الكلاسيكية، فنحن لا نشير فحسب إلى معزوفات جميلة تلمسنا بشكل أو بآخر، ولكن على وجه الخصوص فيما أضافه للموسيقى الكلاسيكية جعلها تتقدم إلى الأمام، لذلك فإن بيتهوفن وفاجنر يتربعان على عرش الموسيقى باعتبارهما من قادا أبرز حركتي تطور في مسيرة الموسيقى الكلاسيكية، أمّا موزارت وفيفالدي وشوبان وشومان إلى آخر هذه القائمة من عظماء الفنانين، فهم وإن ضافوا أيضًا الكثير، إلا أنهم شكلوا ملامح الفترة التي ألفوا فيها.
يُشار عادةً إلى بيتهوفن على أنه نصف كلاسيكي- نصف رومانتيكي. فهو الذي تسلّم راية الكلاسيكية بعد موزارت وهايدن، وبدوره سلمها لفاجنر لتكون جاهزة للهزّة الرومانتيكية، فأوصلها فاجنر لحالة يستحيل بعدها تطورها، فجاءت التأثيرية استجابة لقانون التطور والفنون.
لتكون الأمور واضحة بين الكلاسيكية والرومانتيكية، فهذا المقارنة الموجزة بين المدرستين، هي أبسط ما قرأت في هذا الموضوع:
"الأسلوب الكلاسيكي هو الذي يقوم على إظهار الفن نفسه، ويتنزّه فيه الفنان عن شخصه والظروف المحيطة، ويسمو ويصفو ويهذّب تعبيراته، ولا يهتم بشيءٍ في العمل الفني قدر اهتمامه، بتحديد هذه التعبيرات وإبرازها في إطار من الأنظمة والقوانين؛ بينما يقوم الأسلوب الرومانتيكي على رفع القناع عن شخصية الفنان وأفكاره ونفسيته كما هي. ويبرز فرديتها بتجاربها وعواطفها. وفي كلمة واحدة يرتبط الأسلوب الكلاسيكي بكلمة "رسم" design في حين يرتبط الرومانتيكي بكلمة "عاطفة" emotion." من كتاب "الموسيقى الكلاسيكية"، تأليف: صالح عبدون 

وكمثال على الكلاسيكية، فهذه السيمفونية رقم 40 لموزارت، يمكنك تلمس فيها المعنى أعلاه؛ سمو المشاعر والمعاني، لدرجة من المثالية، وذلك الهدوء الذي يشبه التنزه في حقل إنجليزي في القرن الثامن عشر:



هذا كونشرتو الفلوت مع الهارب، من أجمل المقطوعات:

أما السيمفونية الخامسة لبيتهوفن ، فمن أول وهلة يمكنك استشعار هذا القلق المتصاعد، وكأنه صراع بين الفنان وآلامه أو عجزه (وقد ألفها في فترة تدهور سمعه)، ومع تقدم السيمفونية بحركاتها، يصل بحدة معركته إلى ما يشبه الانتصار.
يقول بيتهوفن بنفسه عن هذه السيمفونية (في حوارٍ أسرّه إلى شاندلر صديقه): "هذه ضربات القدر يطرق على الأبواب"

كان بيتهوفن قد ألف سيمفونيته الثالثة "البطولة"، ناويًا أن يهديها إلى نابليون بونابرت الذي آمن به باعتباره ممثلًا لقيم الثورة الفرنسية، لكن ما أن أعلن نابليون نفسه إمبراطورًا حتى عدل عن هذا الإهداء، وقدم السيمفونية إلى راعيه الأمير جوزيف فرانتس لوبكوفيتز.

ولأني لست من هواة الأوبرات التي كتب فيها فاجنر معظم أعماله، فإن هذه المقطوعة من أوبرا فالكيري هي المفضلة بالنسبة لي:

قلنا أنّ بيتهوفن سلم فاجنر راية التطور لتنتقل الموسيقى من الكلاسيكية إلى الرومانتيكية، إلا أنه ورغم هذا الاجتياح الرومانتيكي، كان هناك من ظل مواليًا محافظًا على القواعد الكلاسيكية دون أن يغريه هذ الحماس الرومانتيكي، أتكلم عن يوهان برامز، الذي شهد نجاح فاجنر وأوبراته، لكنه مع ذلك ظل محتفظًا بولهه بالكلاسيكية على أصولها القديمة. ومثله مثل فرانز ليست فقد ألّف رقصات هنغارية بديعة:

وهذه نسخة ليست من الرقصات الهنغارية:

هناك بعض الفنانين الذين منحوا الموسيقى مقطوعة أو أكثر كافية لتخليدهم، إنهم من هذا النوع الذي كنا سنقول عنه: "لو لم يؤلف سوى هذه لخلّدته"، من هؤلاء الذين ضمنوا لنفسهم الخلود بواحدة من أندر السيمفونيات هو التشيكي دِفورجاك، بسيمفونيته عالم جديد، أستمع إليها كثيرًا وفي كل مرة أشعر كأني أسمعها لأول مرة، لهذا فهي عالم جديد دائمًا:

في الحقيقة ألف ديفورجاك غير هذه السيمفونية، لكن لن تستطيع واحدة أن تبزّها أبدًا.. مؤلف آخر ممن ألفوا القليل الكافي لتخليدهم هو موريس رافل، ومقطوعته الشهيرة هي بوليرو، أشعر دائمًا أنها من نوع مارش، لكن الظروف التي كُتبت فيها تحول دون هذا المصير، فقد كُتبت للباليه ولم تؤدّ، هذه المقطوعة مؤلفة من نغمات بسيطة تتكرر المرة تلو الأخرى بدون ملل، كأنها حفيف شجر أو لطمات موج أو نسيم عليل، كل هذه المقطوعات الطبيعية نستمتع بها رغم أنها تتكرر على نحو أبدي بلا ملل، الفارق الوحيد أن رافل جعل مقطوعته أكثر قلقًا وانتظارًا لمصير هذا التكرار الأبدي، الذي يتصاعد نحو ذروة مجهولة:

لازال هناك شومان وشوبان وشوبيرت، يجمع بين هؤلاء (غير حرف الشين طبعًا الذي يبدأ به اسم كل منهم) أنهم تخصصوا في آلة البيانو، وبرعوا فيها، وليس غريب أنهم يتمتعون جميعًا بحس رهيف رقيق- أهم ما يميز شخصية البيانو.
ألف شومان هذا الكونشرتو والذي صار مرجعًا لكثير من الرومانتيكيين، ليصيغوا عليه أعمالهم من الكونشرتو مثل رخمانينوف:

أُصيب شومان في نهاية حياته بمرض عقلي، حتى أنه ألقى بنفسه في نهر الراين، أنقذه المارة، ثم أُدخل لمصحة عقلية، لم يخرج منها إلا إلى القبر.

هذه المقطوعة أشهر ما ألف شوبيرت


رغم أن آلة البيانو تهافت عليها الكثيرين، وأبدعوا فيها، إلا أن شوبان يقف كمعجزة اقترنت بهذه الآلة، ألف الفالسات والنوكتيرن وله كونشيرتو بديع. تجلّت موهبة شوبان الفذة منذ طفولته، وشهد الجميع له بعبقريته، وقد ألّف هذا النوكتيرن في حوالي العشرين من عمره:

هذا الكونشرتو بعزف يفجيني كيسن:

لو أننا عدنا بالزمن للخلف قليلًا للبحث عن أصول هذا الفن العريق، لوجدنا يوهان سباستيان باخ هو قائد كل هذا الأوركسترا البديع، بما قدمه للموسيقى الكلاسيكية من تجديد، فهو يعتبر من نقل الموسيقى من حقبتها الباروكية إلى الكلاسيكية الأكثر نضوجا، بما أدخله من توليفات جديدة تمامًا بمهارته الهارمونية والكونتربانطية، ولو أننا أيضًا بحثنا عن سر هذه الموهبة لوجدنا أن تدينه المسيحي هو الذي أصقل روحه بهذه الخفّة والانسيابية في الألحان، من أهم أعماله كونشرتوهات براندنبورغ:

وله توكاتا مشهورة للأرغن:

ورغم هذه المكانة العظيمة التي يتمتع بها باخ في تاريخ الموسيقى إلا أنه عُد في فترة قديم وغير مناسب مقارنةً بما أنجزته الموسيقى في ذلك الحين، إلى أن أعاد مندلسون البحث في تراثه وأحياه، ومنذ ذلك الحين وباخ يتمتع بمكانة فريدة وأستاذية يرجع إليها الكثيرين في أعمالهم. ويعد هذا الإنجاز لمندلسون من أهم ما يُذكر له بجانب أعماله العظيمة طبعًا.
هذه المقطوعة لمن يبحث عن الهدوء في الموسيقى الكلاسيكية:

نسخة أخرى:


ولأنني ذكرت ورعه الديني، فهذا الأوراتوريو من أجمل ما ألّف باخ في الموسيقى الدينية:

أظن أنه حان الوقت أن أتحدث عن الراهب الأصهب، فيفالدي، وهو باروكي مثل باخ، وكان متديّنًا أيضًا، استطاع أن يبدع في الموسيقى الدينية والدنيوية معًا، أشهر ما ألّف، الفصول الأربعة:
الربيع:

الصيف:

الشتاء:

الخريف:

الحديث عن فيفالدي يذكّرني بالكمان، والحديث عن الكمان لابد أن يُذكّرني بباجانيني- شيطان الكمان. La Campanella:

ربما تستأسر ألمانيا والنمسا بمعظم عباقرة الموسيقى الكلاسيكية، وفي إيطاليا تطورت الأوبرا. في فرنسا أيضًا تطورت أوبرا خاصة بهم، وظهرت التأثيرية بعد الرومانتيكية، وكان من أهم أعلامها ديبوسي:


رغم أن الموسيقى الكلاسيكية اقتصر تطورها في أوروبا، إلا أن هناك من استطاع أن يكسر هذا الحاجز الجغرافي بموهبته الفذة، من هؤلاء تشايكوفسكي، ريمسكي كورساكوف، بورودين، جلينكا، بروكوفييف، سيرجي رحمانينوف وغيرهم ممن وضعوا الموسيقى الروسية في مصاف الموسيقى العالمية. وهم في الحقيقة ساعدهم على ذلك تاريخ الموسيقى الشعبية التي تمتاز بها روسيا في الحقبة القيصرية.. وإن جعلوا من هذه الشعبية حس عالمي في هذا الزمن القصير، فهذا أمر عظيم قياسًا بما احتاجته أوروبا لتطور الموسيقى الكلاسيكية من موسيقاها وأغانيها الشعبية بداية من القرن الخامس عشر.
من بينهم استطاع تشايكوفسكي أن يجعل من نفسه واحدًا من أعظم المؤلفين على الإطلاق، ولأن المعاناة غالبًا هي ما تشكل الموهبة أو تمدها بالصدق اللازم لصقلها، فكان تشايكوفسكي مستعدا لذلك تمامًا بما عاناه في حياته، فمن ناحية كان مثلي الجنس، وفي ظل العار الذي يلقيه المجتع على المثليين، عانى تشايكوفسكي من هذا الصراع الداخلي، ومن ناحية أخرى عانى جفاءً غير مبرر من السيدة التي عطفت عليه وتبنّت موهبته بعد ان تفرّغ تمامًا للتأليف، فبعد تخلّيها عنه، توطدت علاقته بابن أخته فلاديمير دفيدوف، ونمت هذه العلاقة في السنوات الأخيرة من حياة تشايكوفسكي بشكل ملحوظ، تبادلا فيه الرسائل الحميمية أثناء رحلة تشايكوفسكي إلى باريس، وصلت هذه العلاقة ذروتها حتى أهدى إليه تشايكوفسكي سيمفونيته السادسة، وهي من أبدع أعماله. وقد سبقت علاقته هذه علاقات أخرى كثيرة.
ولأن الحديث عن تشايكوفسكي، فلايمكنني إلا أن أشير إلى تحفته الخالدة: الكونشرتو الأول للبيانو، بعزف يفجيني كيسن- الروسي أيضًا، وأحد أهم العازفين المعاصرين:

كل ما يمكنني أن أستحضره وأنا أستمع إلى هذا الكونشرتو، هو الليل، الليل ولا شيء غيره، هذه المقطوعة بالذات مرتبطة في ذهني بلوحة قماشية قديمة كانت عندنا لونها أسود منقوش عليها بجعة بترتر فضي.

هذه السيمفونية الخامسة، واحدة من تلك الأعمال الرائعة أيضًا:

مطلع هذه السيمفونية يعد من أعظم الافتتاحيات على الإطلاق، في كيفية توظيفه لآلة الكلارينيت، في أول السيمفونية ثم دخول الباصون، ليكون نوع من الحوار والتجاذب بين آلات النفخ والآلات الوترية، شيء غاية في الجمال.
برع تشايكوفسكي أيضًا في الأوبرات ورقصات الباليه، منها
Nutcracker:

Swan lake:

Dance of swans:

هناك روسيان آخران لا يمكنني أن أتجاهلهما في معرض حديثي عن الموسيقى الكلاسيكية، أولهما هو ريمسكي كورساكوف صاحب موسيقى شهرزاد، ربما هذه المقطوعة هي أكثر المقطوعات التصاقًا بذهن العامة لتداخلها مع ثقافتنا العربية، أكثر حتى من أي عمل لبيتهوفن أو موزارت، ربما يرجع ذلك لتوظيفها في الأعمال الدرامية، إلا أنه يجب ألا ننسى كيف صاغها كورساكوف، بحيث لا يمكنك أن تفصل ملحمة ألف ليلة وليلة عن المقطوعة، وبذلك يكون ريمسكي كورساكوف هو الفنان الروسي الذي طور موسيقى بلاده الشعبية على أسس الموسيقى الغربية، ليؤلف موسيقى للحضارة الشرقية، هذا مذهل.

الروسي الثاني هو سيرغي بروكوفييف، هو مؤلف كبير أيضًا، إلا أنه صاحب مقطوعة، هي أعظم المقطوعات الكلاسيكية بالنسبة لي، هي في القمة، وهي من مسرحية روميو وجولييت لشكسبير.

وبجانب روسيا التي طورت لنفسها موسيقاها المميزة، كان هناك أيضًا النرويجي إدفارد جريج الذي تميّز بحسِ مرهف لا يخطئه القلب وهو يلامس نغماته البديعة، له كونشرتو للبيانو، من ذلك النوع الذي يرسم معنى كلمة كلاسيكية في الأذهان، وهذه نسخة بتوقيع يفجيني كيسن أيضًا:
الحركة الأولى: 

الثانية: 

الثالثة:

هذا المقطع من نوع سويت، أو متتابعة موسيقية، أُلفت لإحدى مسرحيات هنريك إبسنPeer Gynt

بجانب روسيا من الشرق والنرويج من الشمال، كانت إسبانيا أيضًا نشطة في موسيقاها، لها خصوصية ميزتها عن غيرها، أهم أعلامها كان جرانادوز، صاحب الرقصات الإسبانية:

حسنًا، من لا يرتبط الجيتار في ذهنه بهذه المقطوعة:


ولأني لا أفضّل أن أنتهي من هذه التدوينة بمعزوفة مثقلة في دراماتيكيّتها، فهذه نسخة البيانو من الكامبانيللا، عزف آليس سارا أوت:



السبت، 14 نوفمبر 2015

في انتظار جودو

My rating: 5 of 5 stars

رغم كل هذا العبث، إلا أن هناك مغزى.

الانتظار- مثله مثل الرجاء- ملعون. فكلاهما يستعبدان، كلاهما يلغيان وجود اللحظة الآنية- الشيء الوحيد الحقيقي في وجودنا. المسرحية كلها عبثية؛ الشخصيات- الحوار- الزمان والمكان، كان الانتظار هو الحقيقة الوحيدة في وجودهما، كان ذلك قاسيًا، أن يكون وجودهما مبنيًّا فقط على انتظار آخر، هما ملغيّان تمامًا. أعتقد أني لو أتيح لي اختيار قوة ما، لما ترددت في اختيار قوة إلغاء الرجاء والانتظار واستحضار الماضي، كلها أفعال منهِكة لاغية للوجود. لكن رغم ذلك أعتقد أنه أصبح لديّ مؤخرًا شيء من هذه القوى، في لفظ أي شيء أو علاقة ما تتوهم فيّ رغبة الانتظار أو الرجاء. لا أترك لهذه العلاقة مساحة تتوهم فيّ هذا الضعف، أبصقها تماما كما بصقة استراجون هنا. في الانتظار لا يفلت أي فعل أو شعور يتم في أثناءه من وطأته الثقيلة، حتى استراجون وفلاديمير حين يشعران فجأة بالسعادة، كان هناك شيء خفيّ يمنع مصداقية هذه السعادة، شيء طاغي ساخر من وجودها، لأن وجود الانتظار ينكأ أي وجود غيره. فعلى أي شيء أن ينتظر معنا، فنحن- ذواتنا إن شئنا الدقة- لا ننتظر وحدنا؛ سعادتنا، آمالنا، طموحاتنا، كل شيء يتعلق بوجودنا لن ينطلق إلى رحابة الحياة الحقيقية حتى نخلّص أنفسنا منه، نحن من نقرر لا غيرنا.. بانتهاء انتظارنا.

طيلة قراءتي للمسرحية كنت أستشعر هذه الغلالة الكئيبة ذي السطوة طالما أن هناك انتظار لا ينتهي.. حالة شبيهة بأن تكون مجبورًا أن تسمع الصوت الساذج لتنقيط الصنبور في صمت الليل، فيعجزك أن تفكّر في أشياء أكثر أهمية.

كل عناصر المسرحية اشتركت في بث هذا الشعور القاسي بالانتظار، الجاثم على النفس بلا رحمة؛

- بدءًا من المكان البسيط الذي يصعب أن يكون محل إقامة، إنما هو عراء ليس فيه سوى شجرة وطريق، أقسى ما يستطيعه أن يستضيف انتظارًا عابرًا، لا بهذه الأبدية، لكنهما اتخذاه محلًا مستديما في انتظار جودو.

- تتابع الزمن والعجز عن تحديده هل هو شروق أو غروب، كان له أثر يشبه أثر عبثية المكان.

- اختيار بيكيت شخصية الصبي بالذات لتوصيل رسالة السيد جودو لهما بتأجيل الموعد، أضفت على الموقف نوعًا من البراءة والمصداقية، والطفل كان مرتبكًا خائفًا صادقًا، ليس متبجحًا مثلًا، كان مُسالمًا ، فوضعهم ذلك أمام موقف جبري آخر لمزيد من الانتظار، فالرسالة تحمل صدقًا وأملًا في الحضور، يحتاج رفضها إلى قوة إرادة وقدرة على اتخاذ قرار، لا يملكانهما.

- حضور بوزو ولاكي يضع استراجون وفلاديمير- موضع مقارنة مع مصير لاكي، ذلك المستعبَد من قبل سيده، لا يملك مصيره ولا يملك رفضًا لأوامر سيده الإذلالية الغير إنسانية. ربما وضع المقارنة هذه بين وضع استراجون وفلاديمير من ناحية ولاكي من ناحية أخرى، جعلت مصائرهم متشابهة إلى الحد الذي يجعل استراجون يسأل بوزو إن كان هو جودو! هذا التشابه ذكرني بلقاء توماس- في رواية "كائن لا تحتمل خفته"- بابنه بعد غياب طويل واكتشاف التشابهات بينهما، الأمر الذي جعله يرتعب من فكرة أن يرى نفسه أمامه. هذا النوع من المقارنات يجعلنا نعيد الكثير من الحسابات بشأن حياتنا وطريقتنا، رغم ذلك فإن فلاديمير واستراجون يستمتعان بإذلال لاكي بعد استئذان بوزو، فكانت تلك طريقتهما (صورتهما في مرآة لاكي) في التعامل مع مصيريهما، بإذلال نفسيهما بمزيد من الانتظار.

- عدم خوضهم في سبب تأخر جودو وإخلافه لمواعيده، أو اتهامه أو على الأقل لومه أضفى على انتظارهم شيء من الجبرية، والعجز عن تحديد المصير- الشيء الأكثر قسوة وكآبة في المسرحية.

عند بيكيت الانتظار غاية.. فقط لو يأتي جودو، لكن ليس من الضروري أن نسأل ماذا بعد!

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

نصّان يضحكان من الموت


(1) الجنازة



المشهد الأول: الميت من داخل النعش، المسرح مظلم تدل جدرانه على جوانب النعش الداخلية.

شخص مغلّف بإحكام في كفن أبيض، يتقلب يمنة ويسرة، يشعر بعدم ارتياح، متأوهًا:
- حوَش.. رعاااع، مكتّفني في ملاية معفنة، هو انا هطفش يا أغبيا. اوفففف.
يهتز الكفن بعد أن اصطدم أحد الحاملين بحجر، يصيح:
- حاسب يا بغل.
يشعر بشيء ما يتعثّر في يده، يستخرجه من داخل الكفن بصعوبة، فيجدها بقايا ثمرة تفاح مأكولة. يحدق فيها ليتبينها في ظُلمة النعش، يحدسها بعد قليل من التفكير، فيصيح مغتاظًا:
- حتى مش مستحملين لما تدفنوني... حوش رعاااع.
محدثًا نفسه في شيء من الندم والأسى:
- خططي كلها باظت، مش كان لازم اموت دلوقتي، مش كان لازم اموت دلوقتي.
يبكي بحرقة. 

(يظلم المسرح، تُسدل الستار) 

المشهد الثاني: أربعة أشخاص يحملون النعش، وخلفهم أربعة.
الحامل الأمامي الأيمن واسمه (صلاح) ينادي على مُجاوره :
- سمير... سمير.
ينتبه له سمير، وكان يأكل تفاحة:
- عايز إيه؟
- مين هيدفعلنا؟
- مش انت قلت ابنه محمود هيحاسبنا.
- لا مقولتش يا سمير.
- والله العظيم قلت.
صلاح بنصف التفاتة من رأسه مناديا على الحامل خلفه:
- جمال، هو أنا قلت محمود هو اللي هيدفعلنا؟
- إيه؟
- أنا قلت محمود هيحاسبنا ع الشغل؟
- لا مقولتش.
يلتفت لسمير:
- أهوه، شفت!
يلتفت سمير للحامل خلفه:
- أحمد، مش صلاح قال محمود هو اللي هيحاسبنا.
- آه قال كدا.
- أهوه، شفت!
يُسقط صلاح النعش من على كتفه في عصبية، فيُسقطونه جميعًا على الأرض. ينظر صلاح خلفه باحثًا عن محمود ابن المتوفي، يصيح:
- أستاذ محمود.
يأتي محمود مندفعًا:
- إيه يا صلاح، دا اسمه كلام، عيب والله!
- عايزين حسابنا دلوقتي يا أستاذ محمود!
- لا إله إلا الله!
- لا، أنا عارف الحركات دي من أيام المرحوم، مش متحركين إلا اما تدينا حسابنا.
يلتفت محمود يمنة ويسرة وهو يصفق بيديه مصطنعًا الاستنكار:
- لا إله إلا الله، هي فلوسك هتروح يا صلاح!
- كدا! ماشي.. يللا يا رجاله!
يترك صلاح الجنازة ويتبعه رفاقه الثلاثة.
يصيح محمود من خلفهم:
- خليك فاكر يا صلاح.. لا إله إلا الله!
على بعد عدة خطوات يستوقفهم سمير:
- استنى يا صلاح نسيت حاجة.
يعود حتى يصل إلى النعش، يميل عليه.
محمود:
- شهم يا سمير وجدع والله!
لكن سمير يبدأ في فتح النعش ثم يسحب منه الكفن.
سمير:
- ملايتي دي، أبيعها لحد مش ميت على القرش.
ثم يبدأ في تنفيضها، فتتطاير منها قطع التفاح المقضومة التي التصقت بها. يطويها ثم يعود لرفاقه.
- ماشي يا سمير خليك فاكر... لا إله إلا الله!
يصيح سمير:
- عالم مفترية، تاكل مال النبي!
يقف محمود وسط الثلاثة المتبقين، وكانوا جميعهم شيوخ تتراوح أعمارهم بين ال70 وال75 سنة. يقترب من واحد منهم:
- ازيك يا حج!
- ....
- انت منين يا حج أول مرة اشوفك؟
- إيه!
يفهم محمود أنه ثقيل السمع فيقترب منه أكثر، يصيح في أذنه:
- اسمك إيه يا حج؟
ردّ عليه من فمه الأهتم:
- سليم
- انت تعرف ابويا يا حج سليم؟
- لا والله يابني.
محدثًا نفسه:
- الحمد لله!
يتواصل معهم لكن بصعوبة، فكانوا جميعًا يعانون من مشاكل في السمع، اتفق معهم أن يحملوا معه النعش إلى المقابر، لم يعترضوا، بل رحبوا بحسن نية. كان الحاج سليم يجاور محمود في الصف الأمامي. قال محمود ليكسر صمت الجنازة:
- وحدوه!
لكنهم لم يسمعوه فتذكر مشكلتهم، فصاح بصوت عال:
- وحدوووووه.
لم يسمعوه أيضًا. صاح ناحية الحاج سليم:
- وحدووووه يا حج سليم.
فنظر إليه الحاج سليم بهدوء مبتسمًا كاشفًا عن لثتين عاريتين من الأسنان. بعد قليل شعر محمود بثقل في النعش، في نفس الوقت سمع أحدهم من خلفه يصرخ:
- حاج سليم!
نظر جواره فلم يجد الحاج سليم، نظر خلفه فوجده منطرحًا على الأرض، صاح:
- حاج سليم... لا إله إله الله!
أشار لهم ليضعوا النعش أرضًا، فحصه فوجده قد مات. اتفق معهم أن يذهبوا أولًا لدفن أبيه ثم يعودوا لدفن الحاج سليم. كانوا يبكونه بشدّة. تولى هو وحده حمل الجزء الأمامي، وهما تعاونا على الجزء الخلفي. بعد قليل سمع من خلفه صياحًا:
- حاج إبراهيم!
نظر خلفه فوجد أحدهما مُطرح أرضًا، رجع إليه فوجده قد وافته المنية. اتفق مع الأخير على أنه سيتولّى دفنهما بعد الانتهاء من دفن أبيه. كان يبكي صديقيه بشدّة. بصعوبة استمرا في حمل النعش، حدّث نفسه:
- ما كنت أدفعلهم وخلاص!
فشعر بضربة على رأسه تخترق النعش، تأوه رافعًا عينيه لأعلى، وتذكر والده:
- الله يرحمك يابا.
رأي من بعيد المقابر، فتهلل وجهه:
- شد حيلك يا حاج إسماعيل هانت.
أخذ الحاج إسماعيل يسعل بشده، فشعر محمود بالقلق:
- لا إله إلا الله!
سقط النعش.. أخذ يدفع النعش وحده أمامه بصعوبة بالغة حتى اختفى تمامًا من المشهد جانبًا، تُسدل الستار على مشهد الثلاث شيوخ مُطرحين أرضًا.

(2) الزنزانة 




المشهد الأول: في الزنزانة، ثلاثة مساجين هيئتهم الرثة تدل على سوء حالهم. يوجد سرير بدورين، وفي الجانب المقابل طاولة قديمة.


أحدهم نائم، والآخران جالسين ظهريهما للجمهور يعبثان في شيء ما يصدر صوتا مميزا. يختلفان في أمرهما فيتجازبان هذا الشيء، ثم يتعاركان، تزداد حدة الضرب حتى يطرح كل منهما الآخر، فيظهران للجمهور وبينهما الآلة التي يعبثان بها التي نتبين أنها ناي، لهما وجهان كالحان بجسدين هزيلين. يهم أحدهما واسمه (سيد) بضرب الثاني واسمه (حسني)، فيوقفه بإشارة من يده:
- استنى!
- إيه؟
يضغط على معدته متألمًا:
- أنا جعان يا سيد.
- استنى هصحي نبوي.
يذهب سيد لإيقاظ نبوي النائم على السرير الأرضي، وكانت له الزعامة في الزنزانة بحكم جسده القوي نسبيًا. يلحق به حسني وفي يده الناي. سيد:
- نبوي.
ينفخ حسني في الناي على وزن "نبوي"
- نبوي عندك أكل؟
لازال نائمًا، وحسني يتابع سيد بنغمات تحاكي نداءاته لنبوي.
- قوم يا نبوي جعانين.
ثم أخذ يهزه من جنبه، فعزف حسني لحنًا يتهادى يمنة ويسرة.
استيقظ نبوي أخيرًا:
- عايز إيه يالا؟
- جعانين يا نبوي شوفلنا أكل.
- مرموش حاجة؟
- لأ
يلاحظ الناي في يد حسني، فيسأله:
- إيه اللي في إيدك دي يا حسني؟
نفخ حسني نغمة سريعة، ثم قال:
- مش عارف، راموهالنا من شوية.
- هات كدا
أعطاه حسني الناي، فأخذ يقلّبها بين يديه، ثم تبدّت على وجهه ملامح من أدرك شيء ما، تناول من تحت وسادته شفرة حادة، همّ بتقطيع الناي، فصرخ حسني:
- هتعمل إيه؟
نظر إليه بفتور:
- مش عايز تاكل يا بغل، هقسمها علينا احنا التلاتة.
- هناكل إيه.. دي.. دي خشب!
- انت واكل امبارح إيه يامغفّل؟
أشار إلى رأسه ليتذكر:
- مش فاكر.
فتولى سيد عنه الرد:
- نعل جزمة.
نبوي:
- طيب. أسيادكو حبوا يكرموكوا، فبعتوا حتة الخشبة المعتبرة دي.
ثم بدأ بتقسيمها بالشفرة الحادة إلى ثلاث قطع متساوية. ووزع على كل واحد منهما قطعة، تناولها حسني بسرعة، وجرب نفخها فلم تصدر صوتًا، فخطف القطعة التي مع سيد وكان على وشك أن يضعها في فمه، نفخ فيها فلم تصدر هي الأخرى صوتًا وكان نبوي يتابع ذلك باستغراب، أشار حسني إلى القطعة التي معه، صاح نبوي في وجهه:
- انت اهبل يالهْ!
- والنبي يا ريس، اللي معاك هي اللي بتنفخ.
اختطف نبوي القطعة التي في يده، ورمى له قطعته. التقطها حسني بسرعة، وأخذ ينفخ فيها فأصدرت صوتًا، لكنه أقل جودة مما كانت عليه، لكنه رغم ذلك كان سعيدًا، أخذ هو يعزف بها، في حين أخرج نبوي صحن به ماء مالح، يغطس فيه قطعته ليتناولها مملحة، بينما كان سيد يقضمها بصعوبة. في اليوم التالي انتظر سيد وحسني جالسين خلف باب الزنزانة حيث كانا يشعران بإنهاك شديد، كان حسني يتسلّى بالعزف على نايه المكسور ورأسه مسندة على كتف سيد في إعياء فكانت نغماته شديدة الإعياء والهزال هي الأخرى، إلى أن ألقى حارس السجن وجبتهم اليومية وكانت عبارة عن النعل الثاني للأول، تناولها سيد وتوجّها سويًا إلى نبوي الذي كان نائمًا، أيقظاه، وبعد تقسيمها أراد حسني أن يستبدل قطعته لسبب بدا غامضا لهما، فاستبدلها باللتي مع سيد. أخذها ثم توجه للجهة الأخرى من الزنزانة، وعند الطاولة انحنى تحتها ليلتقط شيئًا ما، فأخرج قطعته من النعل الأول، وضعهما متجاورتين، وبدا راضيًا لتطابقهما، دسّ فيهما قدميه العاريتين، وصل حدّي النعلين إلى منتصف قدميه أو أقل بقليل، حاول التحرك بهما في الغرفة فاردًا ذراعيه في الهواء ضاحكًا، وكان نبوي وسيد مشغولين بالتهام النعلين. نظر إليه نبوي فأشار إليه ضاحكًا:
- تدوس ع النعمة يا كافر.
ضحك سيد، في حين استمر حسني في المشي بحذر حتى لا يسقط كمن يمشي على الزجاج. أخرج من جيبه الناي الصغير وأخذ يعزف، عزف بضعة نغمات موزونة بشكل اعتباطي، بينما كان صلاح ونبوي يتابعانه بإعجاب. حتى سقط على الأرض فضحكا عليه.. طال مكوثه فهرع نحوه سيد، مال عليه فوجد عينيه غائبتين. سيد:
- حسني... حسني
أحضر نبوي صحن الماء المالح، وصب بعضه في فم حسني، غمغم بشيء غير مفهوم.
سيد:
- حسني.
بصعوبة قال:
- أنا بايني كنت مضرب عن الطعام يا سيد.
قال سيد متأثرًا وهو على وشك البكاء:
- لا يا حسني، انت بقالك فترة مش عاجبك الأكل.
ابتسم حسني بالكاد.
قال نبوي:
- خد، خد يا نبوي بُقين ميا.
- لا يا ريس خليهم، بيخلو للنعل طعم
استراح قليلا ثم قال:
- عارفين انا نفسي ف إيه؟
- إيه يا حسني؟
- نفسي اروح للدكتور.
- اختلط حزنهما بالضحك.
سعل بشدة.

(يُظلم المسرح)

المشهد الثاني: حارس بزيه الرسمي يظهر منحنيًا وهو يجر جثة حسني، لا يظهر منه للجمهور سوى خوذته. كان الناي لازال في جيب حسني العلوي والنعلين مربوطين بقدميه. يختفي الحارس. ينغلق الباب بقوة.

(الفصل الثاني- بعد شهرين)

نبوي يبحث تحت الطاولة على شيء ما، في حين أقعى سيد خلف باب الزانزانة ينتظر. بعد قليل يُقذف من الخارج واحد من النعلين الذين كان يرتديهما حسني، اختطفه سيد وانطلق به نحو نبوي، هز كتفه ورفع أمامه النعل مبتسما، انتصب نبوي وأخذ منه النعل وانطلق نحو فراشه، بعدما جلس قلّبها بين يديه، بدا متحيرًا، حاول قطعها باستخدام يديه، وكان سيد يتابع ذلك متحيرا أيضًا. عجز عن قطعها، فأخذ يضربها على الفراش بعصبية فاقت احتماله، ظل يضربها هكذا بشدة حتى غشت عينيه الدموع من العجز وبدا كأنه على وشك الصراخ، وسيد يتابع ذلك بقلق وخوف، حتى سقطت الشفرة على الأرض. سارع سيد بالتقاطها، نظر إليها كمن واتته فكرة، فقدمها إلى نبوي، أخذها منه نبوي كأنه يراها لأول مرة، حاول قطع النعل بها، ولما بدا الأمر ناجحًا، تبدًت من على وجهه ابتسامة.
(يُظلم المسرح تدريجيًا وهو يقوم بتقسيمها)

الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

من يوقف سيل العناوين في رأسي

لم تعد توجد قصص في رأسي، هناك فقط عناوين، آخرها كان: "متى يتوقف اللورد الصغير عن الموت"، ورغم تطابق ظروف ظهور هذا العنوان مع آخر اسمه: "ملاطفة فتاة شاردة" إلا أنهما مختلفان تمامًا، ظروف القصتين مختلفتين، فالفتاة الجالسة قبالة شاطيء البحر وحدها، يتصادف وجودها مع رجل يوزع الملاطفات مجانًا على فتيات الشاطيء الوحيدات، هذه القصة كما هو واضح نشأت في عالم موازٍ، حيث لا تُعتبر الملاطفة إجرامًا. أما عن لوردنا الصغير فعمره لا يتعدى الحولين، لكنه كان من المفترض أن يجرب الموت كلعبة اعتاد أن يلعب بها، وأنا أردت أن يتوقف عن ذلك لأن الموت ليس لعبة، لكن من يهتم حقًا بلورد صغير يلعب بالموت.. لذلك فقد تركوه، ربما لأنه لورد في الأساس، وله صلاحيات.
عنوان آخر كان "لم أعد أهتم"، حاولت دفعه بعيدًا عني لأنه لا يحقق لي مقدارًا ولو ضئيلا من اللغة الحداثية التي حققها اللورد الصغير والفتاة الشاردة، لكن لم يكن لي أن أتجاهل العنوان الأكثر بروزًا من بين أقرانه، حيث كان له الفضل في وأد مشاريع قصصهم، فحين ظهر اللورد أول مرة، ظهر معه هذا العنوان. أما الفتاة الشاردة، فقد فكرت أن أرسل العنوان لشاعر يجيد استخدام العناوين، لأننا قبل كل شيء في حاجة لتكريم هؤلاء الذين يوزعون الملاطفات مجانًا، ناهيك عن مزايا الشرود، والتي أولها: صمت، حيث هذا شيئًا لم أعد أجيد استخدامه ورأيت أني في حاجة ماسّة لممارسته بشكل أكثر توازنًا، كانت الفتاة محظوظة لأنها في حضرة البحر، لكن من يحضر لي بحرًا في غرفتي. قليلون جدًا من يملكون بحرًا في غرفهم، أقول قليلون جدًا لأنهم موجودون، وقد كنت واحدًا منهم. كانت الفتاة أيضًا تمتلك بحرًا في غرفتها.

ليس هذا فحسب فكما يقول المثل (العناوين حين تهب فإنها تجرف كل شيءٍ أمامها)، ففضلًا عن عناوين القصص هناك أيضًا عناوين المقالات، واحد من هذه العناوين كان "تسعة أشياء لها مفعول رصاصة ليس من بينها حلمة منتصبة"، أعرف جيدًا أني لا أذكر من هذه الأشياء سوى الحلمة المنتصبة، ربما لهذا السبب لم أشرع في كتابة المقال أبدًا حتى أجد هذه التسعة أشياء التي أستطيع أن أستثني منها حلمة منتصبة. وإلى ذلك الحين فالأجدى أن أتساءل: ما هو تأثير الحلمة المنتصبة؟ وإلى جانب هذا العنوان شديد الضبابية، هناك عنوان آخر أقل منه ضبابية لا يستخدم أسلوب الاستثناء في تكوينه، هو "القائمة الكاملة بالأشياء التي لا تُحتمل" بزغ هذا العنوان بالذات كردّ فعل مسالم حين كنت أنتظر وسيلة مواصلات في جو حار لا يُحتمل، ومن هنا جاءت هذه الصرخة الصامتة، كان لدي بالفعل شيئين جاهزين للبدء بهما: انتظار مُطوّل، وجو حار يتزامن مع انتظار مطوّل. بعد أن ركبت وبدأت نوافذ السيارة تدفع هواءً شديدًا، فكرت في باقي القائمة، لكن ذلك بدا مُصطنعًا خصوصًا وأن عناصر هذه القائمة لها صفة "الصرخة الصامتة" التي لا يناسبها هواء النافذة بعد الانتظار المُطوَّل. بالطبع لا حظت أني مهتم بشكلٍ لا إرادي بالقوائم، وكأن حملة دعائية تتحرك داخل عقلي لحثّي على قراءة مقالات لا يوجد منها سوى العناوين، حيث عليّ أن أكملها بنفسي دائما.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...