الأربعاء، 24 سبتمبر 2014

الأستاذ


عند تقاطع شارع عماد الدين مع شارع 26 يوليو، لمحته لأول مرة، فركت عينيّ غير مصدق فإذا به بالفعل يسير مبتعدًا قابضًا جرنال الصباح، هرولت نحوه لألحق به، كانت الشوارع تقريبًا خالية إلا منّا- أنا ونجيب محفوظ، لما دنوت من منكبه، لم أدرِ كيف أناديه؛ أستاذ، أو يا سيّدي، أو يا نبي، أو يا مولانا، أو يا عمّنا، أو يا نجيب، فكل الأسماء هتفت بها كثيرًا في أعماق نفسي في لحظات تجليه المقدسة، ولم أكن يومًا متحفظًا وأنا أناديه بها، والآن وهو أمامي على بعد خطوات قليلة، لا أدري إلا وأنا أهتف:

- أستاذ.. أستاذ نجيب

وها أنذا أهتف باسمه لأول مرة بصوتٍ مسموع يخرج من أعماقي إلى أذنيه وإلى العالم من حولنا، حتى بدا وقع الاسم غريبًا على أذنيّ، لم يكن شفافًا روحيًا كما بدا لي كثيرًا في نفسي. توقّف مُلتفتًا إليّ، وبادرني بابتسامة، ابتسامة جميلة حقًا لكنها مثل تلك الابتسامة التي يوزعها على كل المعجبين، لم تكن ابتسامته لي وحدي، ليست مثل خفقان قلبي الذي يهتف الآن من الأعماق باسمه وحده في لحظات مشحونة بالحب والإجلال، لم أتخيل نفسي- أو لم أتمنى- أن أكون واحدًا من هؤلاء المعجبين المتماثلين. بعدما توقف وصرت بجانبه، استكمل سيره، كأنما يبدي استعداده لسماع تحية مُعادة أو ثناء يعرفه، وشجعني بكلمة باردة:

- إزيك.

انعقد لساني، وفي تلك اللحظة مررنا على بائع الجرائد الذي حيّاه الأستاذ بابتسامة مثل ابتسامتي وإن كانت أقل برودة بدافع المعرفة المسبقة. قلت وأنا أخوض معركة داخلية:

- أنا قرأت لحضرتك الحرافيش وليالي ألف ليلة وليلة وقشتمر، إمبارح بس خلصت الثلاثية.
أردت أن أقول: "أنا أعرف عنك حاجات كتير جدا"، أو "أنا أكتر واحد يعرفك، أنا بحبك أوي"، لكن لم تسعفني أعماقي بالمدّ العاجل. أين مني أبيات الشعر، وأين طاقات العظمة والتبجيل.. أين؟!

- جميل، اسمك إيه؟
نعم.. هو لا يعرف اسمي! عندما هرولت نحوه ظننته سيعانقني بحرارة مثلًا ويقول "أهلًا أهلًا بقارئي الوفيّ انتظرتك كثيرًا"، ثم يسألني عن أحوالي فأجيب وأسأله فيجيب ويكون لقاءً روحيًا مثل قراءته، ظننته يعرفني كما أعرفه- كما ينبغي لتلاقي روحين، لكنه استقبل تحيتي واشتياقي ببرود، كأن هذا المشتاق مكرّر ألف مرة، وكأن هذه التحيات المرتبكة هي تحيات معادة آلاف المرات ومملة، وكأن هذه الروايات قد قرأها ألوف غيري.. فدفعني بذلك نحو الجموع وقد كنت أستمد منه قوة روحية تسمو بي.. قلت محاولًا وأد كل الأجنحة الروحية بداخلي، وأستعيد عقلي قليلًا- طريقي الأخير للنجاة وللحب:

- اسمي محمد الشواف.

- جميل يا محمد، عايزين نسمع عنك.

وتوقف أمام مدخلٍ كبير مهيب لمؤسسة كبيرة، وقال ليُنهي اللقاء بأدب مع واحد من محبيه:

- مع السلامة.

وابتعد ليدلف إلى البهو تحفّه التحايا من كل الجوانب يستقبلها بتواضع وأريحية. رقي درجات السلم حتى توارى، وبقيت وحدي. وكانت تجلس جوار بائع الجرائد بائعة ذرة مشوي، فلما استفسرت منه من يكون هذا الرجل، قال في غبطة لم تخل من الفخر:

- دا الأستاذ!

لم يزد ولم تهتم، واستمرت في النش على جمراتها، في حين كنت أعدّ كم عدد الروايات التي تبقت لي من أعماله لم أقرأها، وكنت أهرب.

الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

القط المكسيكي


   يكفي أن يُعلن المرء في ساعة هزيمة، أنه مُنتصر.. يقول پيداڤيرو، وهو كاتب ومفكِّرٌ مكسيكي مقيم في البرتغال، أنه كلما تراجع الإنسان أكثر فإن في رجوعه تقدمًا لأشياء تحتل موقعه، حينها يصير تبدل الأشياء عملية محكومة من قهر الإنسان، والقهر حينها يتجلى حاكمًا. يريد پيداڤيرو أن يعبّر بصيغة الأكواد الفلسفية عن فكرته المارقة أن القهر فكرة مجردة معدومة الدلالات، وأن النصر أمرٌ محتّم على الإنسان كونه إنسانًا راض إنسانيته، ويضيف في لفتة مثيرة: "كفى أن يكون الإنسان إنسانًا!"، ثم يستدرك قبل أن ينهي فقرته: أنه يشعر بالرثاء لكل قطط حيّه المكسيكي الفقير لأنها ربما كانت في يوم ما إنسانًا تمنى أن يكون قطًّا بعد أن أعيته فكرة الهزيمة، فصار كذلك كي يذوق الهزيمة بحق، ويعبر عن هذه الهزيمة بعبارة: "هزيمة صناديق القمامة" إشارة إلى بيئة حيِّه الذي كان يقيم فيه في المكسيك، ويضرب بكفّيه ليقول مُعجِزًا: "لكن هل يعود القط إنسانًا؟!"، فيهز منكبيه استهانة. وعندما سُئل عما يفعله حيال القطط المسكينة التي تتضور جوعًا وهي تنقب عن رأس سمكة في صندوق القمامة، قال پيداڤيرو: "الحقيقة أنني لا أشعر بأي شفقة، بل إنها اختياراتهم هم، اختيار أن يكون الإنسان قطًا، لأنه صدَّق أسطورة هزيمته القديمة، فتحوّل إلى قطٍ أجرب".

لم يعرف أحد حتى الآن سبب هجرته إلى البرتغال بالذات، يُقال إنه بسبب أنها الدولة الوحيدة في العالم التي تحارب القطط باعتبارها كائنات معادية لإنسانية الإنسان، وأنها كانت فيما مضى بشرًا تبرّؤوا من إنسانيتهم فبالتالي وجب على الإنسان أن يتبرّأ من حيوانيتهم، وهذه طبيعة تبادلية، أي أننا نتبادل نفس الأفعال الاحترازية والأفعال الإقصائية كي يحدث التوازن الذي يبقينا- جميعًا- على قيد الحياة، وقد أكد پيداڤيرو أن هذا المبدأ في حد ذاته يمثل ذروة المعرفة الإنسانية؛ أن يكون سبب بقائك مرتبط ببقاء الآخرين فتعمل على توازن كفّتي الميزان- لا رُجحان كفة فيه على الأخرى- على حسب خياراتهم بالطبع، فالكائن الحي مسؤول عن كل ما يفعله ويختاره وليس لأحد أن يتحمل خطأ اختياراته، من مثلًا يستطيع أن يتحمل خطأ تحول عمِّه إلى حيوان الفقمة؟ (يمكنك تخيل مدى بشاعة ذلك!) وهذا ما جعل الكثيرين يؤكدون أن تبنيه لهذه الفلسفة –الفلسفة التبادلية- هي سبب هجرته للبرتغال، الدولة التي أنجبت أعظم الفلاسفة التبادليين على مرِّ التاريخ.

كانت فلسفته تغري الصحفيين بسؤاله: إلى أي مدى تشعر بالنصر سيد پيداڤيرو؟

فيقول إنه يشعر بالنصر في كل لحظة، خصوصًا حين يدخن سيجار كوبيَّ فاخر. أوحى هذا التصريح إلى الصحفيين أنه ربما يكون مدخنًا للماريجوانا، في الوقت الذي أعلنت فيه البرتغال عن رفع تجريم بيعه.

أما القضية الشهيرة والمعروفة بـ "القط كان في الأصل قطٌّ" فكان صاحبها صحفيًّا مغمورًا أراد أن يتيح لنفسه بعض الشهرة من وراء فلسفة ذائعة الصيت، من خلال الدحض الضعيف: "أليس من المعقول أن القط كان قطًّا منذ قديم الأزل وسيبقى قطًّا إلى الأبد؟"، لكن تم مجابهته بقوة من قِبل أحد تلامذة پيداڤيرو النجباء، الذي رد في مقال مُطوّل عنوانه: "ومن قال أن الإنسان أصلًا كان إنسانًا؟"، كان مقالًا مُحكَّمًا يشهد بأستاذية پيداڤيرو قبل كل شيء. فاجأ هذا التلميذ كل المتابعين في نهاية المقال– بالتنسيق مع "عُصبة تلامذة پيداڤيرو"- بأنه سيقيم دعوى قضائية ضد الصحفيّ المغمور لأنه –حسب تعبيره- أهان الفلسفة التبادلية، التي تحظى باحترام عظيم في البرتغال، وقد تم الحكم لصالح پيداڤيرو، وكان ضمن حيثيات الحكم التي أذاعها القاضي المُختصّ، أنه 
"... إذا كان پيداڤيرو يعتبر أن القط كان إنسانًا، وقرر أن يصير قطًّا لشعوره بالقهر والهزيمة، فإن كل صناديق قمامات العالم تشهد بصحة رأيه، وأن رجوع القطط لصناديق القمامة الخاصة بالبشر بالذات- دون أية كائنات أخرى، تُثبت هذا الحنين الفطري القديم.."، رأى البعض أن القاضي لم يكن "مثقفًا" بما فيه الكفاية، وأنه ليس محيطًا بالفلسفة التبادلية، لكن انتصار قضية پيداڤيرو استطاعت أن تخفي هذه الحقيقة المُرّة عن كثير من البرتغاليين: أن يكون أكبر قضاة البلاد غير مُلم بالفلسفة التبادلية- الفخر المعرفي للبرتغال.

هناك شائعات تقول أن پيداڤيرو يصيغ فرع جديد من الفلسفة التبادلية تهتم بما سيكون عليه الإنسان الحديث المنهزم- الذي سوف يعلن هزيمته ويقرر أن يتبرّأ من إنسانيته- وحسب حوارات صحفية فإن پيداڤيرو يميل إلى تصور أن يصير الإنسان خنزيرًا، لأن هذا الحيوان -حسب رأيه- يعبر بشناعة عن موقف الإنسان من وجوده الحالي، مشيرًا إلى أكثر من تقريرٍ إخباري يؤكد ظهور ميل فطري لدى البعض في النوم في حظائر الخنازير، وتلاشي حالة التقزز والغثيان من رائحتها وقذارتها.

وفي حين عبّر البعض عن مخاوفهم إزاء هذا التطور العنيف المقزز، كان پيداڤيرو مطمئنًا أن التخلص من المقهورين سيكون سريعًا فضلًا عن قسوته العادلة، ولأنه معروف عنه اللؤم فإنه كان يؤكد أن هؤلاء المُتخوفين من هذا التطور، هم أنفسهم من يشعرون في داخلهم بالقهر، وأحيانًا تراودهم أحلام التخلص من إنسانيتهم.

بالطبع پيداڤيرو ليس ضد القهر كونه شعورًا ارتجاعيًا طبيعيًا، لكنه ضد أوهام البعض من أن التخلص منه يكون بهذه السهولة، أي أن يتحول الإنسان خنزيرًا. حاول أحدهم التدخل في حياته الشخصية - ربما لمعرفة أي الدوافع التي جعلته أحد أهم الفلاسفة التبادليين في العصر الحديث، حتى لُقِّب بسُقراط التبادلية (وهنا تلميح إلى شكله الدميم ورأسه الصلعاء)- فسأله إن كان أحد أقاربه قد تحول إلى قط، وتبين أن أبيه الآن يرعى في أحد مراعي المكسيك باعتباره خروفًا، لم يبد عليه الشعور بالعار بل إنه يؤكد أنه أتيح له زيارته وإجراء بعض التجارب عليه، والمتعلقة بالنظريات المعرفية السلوكية، وهي النظريات التي قضت مضجع أحلام فرويد -التي هي بحسب پيداڤيرو التحول الحيواني لنظريات الطب النفسي التي لم تسلم أمام القهر الصناعي الحديث، لم يوافقه الكثيرون على ذلك، لكنه كان يقول بدهاء: "إذن فلتسألوا كل خنازير العالم وقططه، كيف يقرؤون فرويد!".. وبالنظر إلى زياراته إلى أبيه، فإنه يؤكد أنه بصحة جيدة، وربما هذا ما كان يسعى إليه أبوه. لكن من حق القارئ أن يتساءل عما ستؤول إليه الأمور لو لم يحصل الخروف على سعادته المنشودة أو أنه ظل مقهورًا (باعتباره خروفًا قبل كل شيء -لا ذئب مثلًا)، هل سيتحول إلى حيوان آخر أكثر سعادة؟! لم يتطرق أحدٌ بجديّة إلى هذه القضية الحساسة من قبل، ربما لأن النظرية الإنسحيوانية لم تتبلور بشكل كامل، والتفكير في قضية الحيوان المؤوّل تحتاج إلى صبر كبير حتى يكتمل نمو هذه النظرية الواعدة من الفلسفة التبادلية، وربما أيضًا لأنه لم يمكن العثور على حيوان مقهور من قبل وأراد التملّص من حيوانيته، فالقطط كما هو واضح سعيدة بقططيتها والخراف سعيدة بخروفيتها والخنازير متعايشة بطريقة مثالية مع خنزيريتها، وهذا ما أشار إليه پيداڤيرو؛ أن الإنسان المقهور كان ذكيًا بما يكفي ليتحول إلى حيوان، لا أحد آلهة الأوليمب مثلًا.. يضحك پيداڤيرو كثيرًا عندما يذكر هذه الملاحظة.

الجمعة، 25 يوليو 2014

السهل يحترق

My rating: 4 of 5 stars

تحدثنا كثيرًا عن تأثير رولفو فينا، اختلفنا حوله، البعض عدّوه قديسًا (مِثلي مثلًا) وآخرون اعتبروه مارق مجنون، يكتب حُبًّا في التيه وحسب، وأنا اعتبرت أن حب التيه هذا ليس سهلا، وكتابة التيه تحتاج أستاذية ومهارة، وأنْ يتمحور أدب عظيم مثل أدب رولفو حول التيه فهذه عبقرية، يُذكرني رولفو بالمدرسة الإنطباعية، وكيف أن بضربات سريعة من الفرشاة – تبدو غير محسوبة- يمكن أن تترك (إنطباعًا) لدى المُتلقي، ففي حين كسرت الانطباعية قواعد التصوير الأكاديمية الرتيبة، فعل رولفو أمرًا مُشابهًا؛ أن كسر حواجز الزمان والمكان، بحيث أن تقرأ نتفًا من المآسي والأحزان وبعض اللهو والكوميديا داخل قصة واحدة، أحيانًا لا تدري كيف تسير الأمور، لكن لتكن صادقًا مع نفسك: هذا الرولفو لا يكتب اعتباطًا، بحيث أنك بعد هذه الدوامات لا تستطيع أن تُنكر أن بقلب هذا الرجل أحزان مُترعة بالأسى، وأنك –رغم تيهك- تحس بهذا الحزن بجلاء، وحين يكتب إنسان عن مأساة عايشها وكابد آلامها، فيجب أن تنصت بحذر، فهذا الرجل يكتب ما لم تره أنت، وسيكون من الحماقة أن نُقيم هذا النص باعتباره نصًّا أدبيًا محضًا ما لم نأخذ في الاعتبار بجدية مأساته التي بقدر ماهي عظيمة بقدر ما تغلبت على القوالب المعهودة، فتصنع قالبًا أدبيًا مُشابهًا لطبيعتها، لا في الشخوص وحسب وطريقة الحوار، لكن أيضًا في ازدراء الزمان والمكان الذين كانا في يومٍ ما يشهدان مأساته دون أن يمدّا يد العون له، فحين ملك زمام الكتابة ثار عليهما، ليصنع هذا التيه العظيم، تيه رولفو، رولفو الذي ألهم ماركيز، ولابد أن يستمر إلهامه لأن الزمن كثيرًا ما يضن علينا بمثل هؤلاء الصادقين. لا أظن أن رولفو كتب لنقول أنه كاتب عظيم أو لنقيم نصوصه، هو حتى لم يفكر أن قارئًا من الجهة المقابلة لعالمه سوف يقرأ نصوصه ويصير مُتيّمًا بها، بل كتبها من أجل نفسه فقط وحتى لو حكمنا أنه ليس عظيمًا، فهو قد كتب وروّض ألمه ومات.. لكنه –لمن يؤمنون به- لابد ألا يموت...
لا أدّعي أن المجموعة القصصية تركت فيّ ما تركته (بدرو بارامو) لكني قلت هذا الكلام فقط لأنه حتى وإن اختلفت قوة القصص، فالألم والحزن واحد، في الرواية وهذه المجموعة، لذا فأنا أحب أن أُمجد ألمه قبل أن أُمجّد نصه...
والمشكلة- رغم ثقل هذه الكلمة بيني وبين خوان رولفو- أنه من أجل أن أقرأ له، فإن عملية القراءة هذه لابد أولا أن تمر على شخص ثالث (ثيرد بارتي) هو المترجم، الذي يكون في يده قدرة إحياء أو موت العمل الأدبي. وكثيرًا ما خايلتني فكرة خطيرة، وهي أننا إذ نُحب أديبًا أجنبيًا ما ونتأثر بأسلوبه فنحن في الحقيقة نتأثر بأسلوب مترجمه، أما الأديب فنحن بعيدين كثيرًا (ليس تمامًا) عن أسلوبه الحقيقي، وهذا هاجس قاسي، أن تدرك أنك في الحقيقة بعيد عن كاتبك المُفضّل بسبب المترجم.. المترجم الذكي هو من يترجم هذا الأسلوب بتأثيره بقوته، بكل لواحقه، والمترجمون الأذكياء بطبيعة الحال قليلون (قانون الطبيعة).. مُترجِمة (بدرو بارامو) كانت ذكية، واستطاعت نقل رولفو إلى العربية، هنا نقل المترجم "قصص" رولفو إلى العربية.. وعمومًا أسلوب الرجل في حد ذاته يمثل تحدي لأي مترجم.. تفاوتت جودة الترجمة أحيانًا، لكن مع ذلك يبدو أن القصص نفسها متفاوتة حتى تصل إلى ذروتها في القصص الأخيرة للمجموعة، في خلق عوالم بحق مُدهشة، في طريقة تشابك شخصياتها وخلق أحداث لا تدري كيف يمكن أن تلتقي، والجميل أيضًا أن دهشة هذه القصص تختلف عن دهشة (بدرو بارامو) حتى أنني أحسست أني أقرأ لرولفو آخر غير الذي كتب (بدرو بارامو).
لذلك فلك مني تحيتان يا رولفو.

عبقرية الصديق

My rating: 2 of 5 stars

انت ممل يا عقّاد.. الجزء دا ممل على عكس عبقرية محمد، في مواضع كتير حسيت إنه مش لاقي كلام يقوله فبيعوضها بحذلقته اللغوية. أسلوب تحليله- زي كتاب حياة المسيح- معتمد على رصد دواخل الشخصية كأنه عايش جواها- مش معاها!! ودي مجازفة خطيرة كون إن كل تحليلاته قايمة على الأساس دا، صحيح هو بينطلق من الحقائق والوقائع المثبتة، ومنها يعمل التحليل النفسي دا، لكن الوقائع والحقائق عبارة عن منظور تاريخي عمرها ما ترقى لدواخل الشخصية، وهيفضل التحليل النفسي دا نوع من ضربات الحظ.
ناهيك إني عشان أحب كتاب زي دا (وبما إننا جميعًا بنشترك في رؤية واحدة للوقائع والحقائق) فلازم نشترك برضو في نفس العاطفة وهوى الكاتب عشان نطوّع الحقائق للتحليلات النفسية دي.. والحقيقة إن شخصية أبو بكر الصديق عمرها ما كانت ملهمة ليّ أو بتثير فضولي زي عُمر مثلا أو عليّ، ودا أشار له العقاد بإن أبو بكر الصديق كان محافظ- مُتّبع، في حين إن عُمر مُجدد، لذلك فعُمر يستحق بجدارة صفة العبقرية لصلتها بالتجديد، مش المحافظة والاتّباع. ودي غريزة طبيعة إن ميلك للمجدد المبتكر أكبر من ميلك للمحافظ المُتّبع. وكان فيه نقطة مهمة وغريبة أشار لها العقاد بخصوص شخصيته وهي إن أفعاله وحبه للرسول وإيمانه به مبعثها "حبه للبطولة" والعقاد اعتبرها مفتاح شخصيته، اللي قاس عليه جميع أفعاله وتصرفاته، فهو آمن برسالة النبي لأنه مُعجب بالبطولة، وإعجابه بالنبي هو إعجابه بالبطولة، غريب التحليل دا من العقاد، اقترنت عندي بصورة طفل مُعجب مثلا بشخصية خيالية، خصوصًا إن العقّاد جعلها مفتاح شخصية يعني أساس أفعال أبي بكر.. لجميع اسباب الآنفة دي، الكتاب معجبنيش، وكنت أفضل إني أتوقف عند التاريخ والوقائع..
عشان كدا أنا مُتلهّف لقراءة عبقرية عُمر، وعندي يقين إنه هيعجبني.

انتظر!

- نأسف على التأخير، سوف يتم تعويض ذلك، نحن فعلا آسفون!
- أتعرف! أنا لا يهمني التأخير قدر ما يهمني التعويض، ولأكون صريحًا معك، طيلة فترة انتظاري كنت أفكر في قيمة التعويض، لم أفكّر قط في معاقبتكم.. الإنتظار الطويل أفقدني حرارة المُعاقبة، لا أبالغ إن كنت قد فكرت في رجاءكم تعويضي، حتى لو تنازلت عن بعض حقوقي!
- نحن مسرورون لتعويضك حقًّا، ومسرورون لتفهمك!
- أخبرني بالله عليك، هل أنت حقيقي، من الشركة نفسها، أم أنك أحدهم ممن يتندر على شيخوختي؟!
- هذه بطاقة التعريف الخاصة بي يمكنك التأكد!
- نظري لم يعد يسعفني، أنا بالكاد أرى شبحًا عريضًا يقف أمامي، على كلٍّ، معظم من يتندّر عليّ لا يتمالك نفسه ويضحك بعد أن يسمع صوتي الضعيف هذا.
- نحن حقًّا آسفون على كل هذا، لماذا لا تجلس وتسترح!
- آه، أنت تعرف إني مللت الجلوس هنا، أنتظركم من سنوات، و.. و.. يبدو أني أتحدث كثيرًا، أليس كذلك! في الحقيقة أنا سعيد، لأن الأمور أخيرًا سوف يتم تسويتها بيننا.
- نعم، ونحن أيضًا سعداء لذلك، هل تريد البدء!
- نعم بالطّبع، ليبدأ كل شيء من جديد، حتى وإن فقدت كل شيء في الانتظار هذا، لكن هذا لا يمنع من ضرورة البدء من جديد!
- بالطبع، هلا أمليتني اسمك!
- بالتأكيد، هذه بطاقتي، اسمي كاملا موجود، كل التفاصيل عني...
- جيد، أمهلني دقيقة حتى أفرغ من كتابة العقد
- خذ وقتك، وإن كنت أرجو الإسراع، فلم يعد من وقت باقي، لكن أليس كل شيء سوف يكون على ما يرام؟
- كل شيء سيكون بخير، وسوف يمكنك البدء في حياة جديدة كما تحب!
- كل شيء يتعلّق بالوقت، سواء انتظاري، أو حتى البدء في حياة جديدة، حتى مشيبي، كان دائمًا يذكّرني بعمري وما مضى منه.. هه؛ لم يعد لدي أية شعرة سمراء أو حتى رمادية تمنحني ولو أيامًا قليلة للتعويض.. هل انتهيت؟
- نعم، العقد الآن لا ينقصه سوى توقيعك فقط.. ها هو القلم والعقد، يمكنك التوقيع هنا..
- حسنًا جدًا، أنا سعيد لدرجة أني أسترجع الآن ذكريات انتظاري هنا، كأني سوف أتركها الآن، لا أصدق..
- هل يمكنك أن تتماسك قليلًا، أن تمسك الرعشة في يديك حتى تستطيع أن توقع!
- .....
- ماذا.. هل هناك شيء، لماذا لا توقّع؟
- أنا أعتذر على هذا، لكني نسيت اسمي، هل أمليتني إياه من البطاقة؟
- ... بالطبع (....)
- جيد أني لا زلت أتذكّر الكتابة هه، رغم شيخوختي البيضاء..
- أقدم اعتذاري مرة أخرى...
- لا تعتذر، لا تذكرني حتى، أنا سعيد على كل حال، هل هناك شيء أفضل!
- على كلٍ سوف يتم إنهاء الأوراق ومراجعتها وسوف نتواصل معك لتستلم التعويض.
- هل أنت راحل الآن، هل انتهى كل شيء؟!
- نعم!
- حسنًا، وعلى كلٍ أصبحت معتاد على الانتظار، على الأقل تحدثت مع شخص حقيقي، لا يتندّر عليّ..
- لا تقلق، كل شيء سوف يكون على ما يُرام، إلى اللقاء
- إلى اللقاء...
(يرحل وتختفي صورته الشبحية من أمام عينيه... بيدٍ مُرتعشة يُدخِل بطاقته في جيبه)

الخميس، 10 يوليو 2014

عقل غير هادئ

My rating: 5 of 5 stars

ماذا لو كتب كل إنسان قصة عن حياته النفسية؟ ماذا لو جرب كل إنسان الصدق؟ ماذا لو واجه كل إنسان نقاط ضعفه بشجاعة؟ حينها سوف نعرف حتمًا إنسانًا آخر غير الذي نعرف، إنساٌ ليس محورًا وإنما هو ذرة تراب عالقة في عجلة تديرها ضروب شتى من المقادير، لكنها ذرة نابضة بالحياة، متضوّعة بالمشاعر النبيلة، أشبه ما تكون بالكون ما قبل الإنفجار العظيم- كتلة ضئيلة تافهة لا شيء يميزها من خارجها، لكنها تحمل طاقات الكون داخلها، حين أفصحت صارت فان جوخ، تشايكوفسكي، روبرت شومان، بيتهوفن، فرانس كافكا، دوستويفسكي... هؤلاء تفجّروا ثم خلقوا عالمنا الفكري، مثلما تفجر الكون في طوره الأول وتخلَّق قوامه المادي.
لهذا فالحياة النفسية أعمق وأسمى من الخجل، من النبذ، من الشعور بالعار، من كل التفاهات المتوهَمة، يجب طرح كل هذه الأمور ومواجهتها، والإنسان كما وُلد بأعضاء تمرض فإنه ولد أيضًا بنفس معرضة للمرض، للجنون، وإن كانت أمراضها تتصل بطريقة أو بأخرى بعطبٍ جيني- وقد اكتشف العلم إن الأمراض النفسية أيضًا منشأها عضوي- إلا أنها لا تفتأ تتفوّق على المرض العضوي، الذي لا يجلب سوى العجز، في أنه يُحدث هذا التماس السحري مع النفس، الذات في مواجهة النفس، أو في داخلها في عملية مراوغة مستمرة، شد وجذب، كر وفر، الكر جنون وهوس، والفر اكتئاب... وفي حال زيادة هذا التماس الجنوني، فإن الموت يصير متجسدا، والحياة تتجهم، والمراوغة تنتقل مع الموت، والجبن والشجاعة يتهاويان، أمام شعور آخر نحو هذا الموت، شعور البيت وشعور الانتماء إلى السوداوية المطلقة. وهنا إما أن تنتهي المأساة بصفة نهائية أبدية، أو أن تُعاد الكَرّة مرة أخرى..
بالطبع جاء الإنسان الحياة ليعيشها، وقد عاشت جاميسون ثلاثين عامًا بين رحي الهوس والإكتئاب، حتى اعتصرتها مئات المرات في محاولات انتحارها، ورغم ما كابدته وعانته، إلا أنها-بحسب ما قرأت- عاشت، عاشت بحق، عاشت حياه لم يعشعها أعتى الأصحاء لدينا، وهذه الحياة هي ما أبقتها على قيدها وحالت دون انتصار وشيك للموت، هذه الحياة كان قوامها الحب، فقد استوفت منه حقها جاميسون، ووجدته بجوارها دائمًا يقظًا حنونًا في حالات هوسها واكتئابها.
التأكيد على فكرة الطبيب النفسي والعلاج النفسي، يواجه الأفكار المترسخة لدينا بخصوص أن طرق باب طبيب نفسي هو بداية طرق باب العار والنكوص والهزيمة، وهو عكس ما تؤكد عليه جاميسون: الطبيب النفسي وحبات الليثيوم هما ما أعادا إليها الحياة من جديد- طبعًا بجانب الحب!
هذا الكتاب أتى ليؤكد لديَّ عشقي للسيرة الذاتية.

بيت من لحم

My rating: 2 of 5 stars

يوسف إدريس مُحترف، يُحسن استخدام أدواته، لكنه ليس فنّان- ليس شاعرًا، وبعد قراءة مجموعته القصصية الثانية فقلّما تركت قصة ما أي أثر، الفنان شاعر- أي فنّان، وليس من غريبٍ أن يتم تصدير الشعر دومًا كونه متحدث باسم الأدب، وليس غريبًا أيضًا أن يكون هناك آلهة للشعر لا الأدب. ولأنه محترف صاحب صنعة، فقد تم اعتباره دومًا مثالا يُحتذى به في صناعة القصة، تكوينًا وشكلًا.
الشاعرية هي المُعادل الزمنيّ لخلود القصة، ولافتقار القصص لهذا العنصر المهم، فكنت أشعر كثيرًا أني أقرأ نصًّا قديمًا لم يعد يصلح لإعادة القراءة، مثل موضة انتهى زمانها، وقد استوفت حقّها من الإعجاب والانبهار.
إن كان هناك ما لفت انتباهي في المجموعة حقًا، فهو موضوع بعض القصص حول الجنس، والذي يلفت الانتباه، هو معالجة هذا الموضوع المؤرق في مجتمعنا في الآونة الأخيرة: اغتصاب- تحرش- اعتداءات جنسية- زنى محارم... إلخ.
تناول الموضوع بشكل صادق، سواء في إظهار الرغبة ضد الكبت، أو تخاذل المجتمع الذكوري أمام صيحات سيدة يتم التحرش بها داخل أتوبيس، فيعاتبها الناس لأنها لم تتستر على نفسها، أو الفقر والقدر اللذين اجتمعا على أسرة لينتقضها حقها في الحياة فتلجأن إلى وخز ضمائرهن لإشباع رغباتهن المكبوتة.
هذا الموضوع في اعتقادي مهم تناوله، وقد أحسن ذلك أو أن قراءته جاءت في وقت بدا فيه كذلك.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...