السبت، 30 سبتمبر 2023

لماذا الموسيقى سيئة مثل التدخين

فاميلي جاي: بيتر جريفن يبعث رسالة إلى الفرنسيين مفادها:
أن رجلا وسيما يشعر بالاكتئاب ويدخن السجائر، ليست قصة لفيلم

هذه تجربة خضتها شخصيًا، كان لها أثرًا أن أتعلم درسًا هامًا، ساعدني في تخطي تبعات التجربة.

كان لجوئي للتدخين منيبًا عن حالة عاطفية قائمة، حالة متدنية رسمتها لنفسي ثم وضعت نفسي في قلب هذه الحالة وتوّجتها بطلا في ملحمة خيالية، في حين أنه قد أكون مجرد شخصية ثانوية في الحالة التي رسمتها لكن من منظور آخر. وبالمناسبة ذلك المنظور الآخر ليس بالضرورة أن يكون المنظور العقلاني، وليس بالضرورة أن يتواجد هذا المنظور من الأساس.

تتشابه هذه الظاهرة -وبشكل أكثر وضوحا ربما- مع التأثير الذي تبعثه الموسيقى مدعومة بمشاعر عاطفية جاهزة تقوم هي بتضخيمها، لتحجب أملا ولو ضعيفا لعمل العقل في إعادة التوازن بين قوى النفس. مثل أن تُضخم الموسيقى مشاعر الحزن المترسبة في أعماقي وتحيلها اكتئابًا، أو حتى تخلق مشاعر زائفة من البهجة والفرح لا أساس لهما في الواقع، لتكون النتيجة هي بهجة هشة تتحطم بسهولة بمجرد انتهاء المقطوعة الموسيقية/ الغنائية، تاركةً ربما أثرًا لمشاعر حزن واكتئاب.

كل هذه المشاعر الزائفة مشكلتها أنها تجعل صاحبها بطلا في ملحمة خيالية، في حين أنه في الواقع قد لا يعدو كونه شخصية ثانوية.

لو أن للإنسان قدرة من نوع ما تجعله ينزع نفسه من دور البطولة إلى دور ثانوي هامشي، لما كان هناك مبررا لحزنه واكتئابه. من هنا جاء تصوري عن دور الموسيقى والتي بطبيعتها تنمي هذا الإحساس المركزي لدى المستمع.

يتشابه التدخين مع الموسيقى، ربما في بداياته- بالنسبة لي على الأقل- في ارتباطه بمشاعر عاطفية ضاغطة يبدو أن لا مهرب منها سوى بكبح دوامات الأفكار ببث النيكوتين في خلايا عقلي، والشعور بدوار ولا مبالاة- كلها أساليب للمواجهة، لكن هذه النتيجة خطرها أنها تؤكد السبب الذي صورته، وتبرز الصورة الملحمية التي أردت أن أنشئها لنفسي، ومن جديد تضعني في دور البطولة، مثل الموسيقى تماما. مع ذلك فليس هذا تعميم. مثلا قد تدفع ضغوطات الحياة البعض إلى التدخين كمهرب لهم من الضغوطات المادية والأسرية وإلى آخره من المشاكل ذات "المنظور الأحادي"، التي تنعدم فيها الرؤية النسبية التي تتمتع بها الأزمات العاطفية.

لهؤلاء قد لا يؤتي جهاد النفس لمنعها من التدخين أية ثمار، فالتوقف عن التدخين لن يحل المشاكل المادية او الأسرية، لذا فالأمر متروك للرأي الطبي إذا كان ذا أهمية عند المدخن.

هذه رؤية جديدة اكتسبتها مؤخرا، ربما تتسم بشيء من السوداوية ناحية الموسيقى، لكن بالنظر إلى قيمة إعلاء دور العقل، فلا تعدو السوداوية غير مقاومة متوقعة من عاطفتنا المدعومة بقوى خارجة لها تأثير بشكل أو بآخر على حالتنا النفسية. قلّ سماعي للموسيقى بشكل ملحوظ أصبح مليئًا أكثر بالصمت، أو الضجيج الطبيعي المحتمل، أو ما أسميته في قصة قديمة موسيقى "الإزعاج المفيد".

اسمع مثلا مقطوعة أداجيو لريمو جيازوتو (Adagio- Remo Giazotto) هي واحدة من أكثر المقطوعات حزنا من بين كل ما سمعت، تخيل أن تسمعها وأنت في حالة حزن، أو الأخطر؛ وأنت مكتئب! هذه درجة من درجات الانتحار. في هذه الحالة لا أخشى تسمية هذا النوع من الموسيقى أنه مبتذل حتى لو كانت مقطوعة من التراث الكلاسيكي الرفيع مثل الآنف ذكرها. فعندما تكون النتيجة سقوط مشاعرك من درجة لدرجة أدنى، مثل أن تكون حزينا فتمسي مكتئبا، لاغيًا دور العقل في طرح التساؤل عن أصل مشاعرك ومحاولة التوصل لحلول ونزع نفسك من دور الضحية وتقبل النهايات غير السعيدة كأحد قوانين الحياة، حينما تُعمي الموسيقي رؤية هذه الأمور، فتوقف فورا عن سماعها. عليه فإن القطعة الموسيقية لا يُحكم عليها بمعزل عن ظروف سماعها، فهي في حالات، قطعة فنية كاملة حينما يكون المستمع في كامل قوى العقل. وقد تكون مبتذلة إذا أدت إلى سقوط المشاعر من درك إلى درك أدنى، حاجبة عن العقل رؤية البدائل المتاحة، الدور الثانوي الحقيقي لا دور الضحية البطولي، أو أنها ترسم بهجة مصطنعة، لا أساس لها في الواقع. في هذه الحالة تشارك الموسيقى في فيلم مبتذل أنت بطله.

الجري

للجري (الرياضة عموما) حالة خاصة. أكتب هذا الجزء بعد عودتي من الجري، أحب أن أسمع الموسيقى أثناء الجري. فكرت وأنا أجري هل أناقض نفسي بفرض الموسيقى على نشاط الجري، وكأنه لا جري من دون الموسيقى؟ 
لكن لا تناقض، وإنما الحالة الملحمية التي تخلقها الموسيقى (حسب نوع الموسيقى بالطبع، أنا أفضل النوع الملحمي) تساعد على الجري وتحفزه، كان بإمكاني أن أرفض الموسيقى والاكتفاء بالواقع حولي كونه الشيء الحقيقي الوحيد. لكن المهم هنا ليس التفاعل مع العالم بل بالعكس الخروج منه إلى حالة روحية من نوع ما قد تساعد على الجري وتحفزني إلى بذل الجهد، وهو ما يحدث بالفعل، وهذه رؤية نفعية تؤتي ثمارها بشكل فعال.
الملاحظة الثانية، وهي أن الجري يخلق حالة نفسية أحد جوانبها أنها عكس ما يخلقه التدخين، حالة تعجب فيها من رغبة قد تنشأ لاشتهاء سيجارة. وقد أشبع الجري هذه الرغبة بالفعل بشكل مضاد.
أشعر وكأن الخيوط تتشابك، ربما بشكل معقد بعض الشيء تجعلي أريد أن أنهي هذه التدوينة بشكل سريع. 
*******

أما كيف أنقذتني هذه الفلسفة من الوقوع ضحية دور البطولة… فالإجابة هو أنني في ليلةٍ حضّرت كوبًا من الشاي، أشعلت سيجارة، أخذت نفسين، أطفأتها ورميتها في الشارع، ثم رفعت الموبايل وسجلت لقاءًا مع نفسي، هو محتوى هذا الموضوع، وأعتقد أنني بعد هذا اللقاء، سوف أكون أكثر حذرًا ناحية مشاعري والمؤثرات التي قد توجهها…


الخلاصة:
  • الحزن أمر طبيعي وقائم، وليس عيبا أن يحزن الإنسان، لكن المهم أن يحدد دوره في صورة الحزن التي يعيش فيها ويتساءل هل حقا ينتمي إلى هذه الصورة بشكل قسري لا مفر منه.
  • كانت الموسيقى مشاركا رئيسيا في يومي، ولا تزال، لكن قل دورها بشكل ملحوظ، مثلا؛ لم أعد أعتمد عليها بشكل كامل في القراءة، بل أعتقد أنها قد تؤذي صفاء الذهن المطلوب للتركيز. الانتباه لما هو قائم قد يكون أفضل من الاندماج في حالة تخيلية.
  • ليس الغرض من هذه التدوينة إدانة الموسيقى، ولكن تسليط الضوء على كيف أن أحزاننا قد تحفزها مؤثرات خارجة عن إرادتنا (غير المسببة للحزن)، الموسيقى هي واحدة من هذه المؤثرات، التدخين كذلك.

بدأت التدوينة ب family guy وكذلك أنهيها به 

فاميلي جاي: بيتر جريفن يجهش بالبكاء عند اختلائه بنفسه
بينما يستمع إلى الموسيقى الحزينة لمروره بحالة نفسية سيئة،
لكن بمجرد أن تبدأ أغنية مرحة راقصة، يرقص معها منتشيا
وهو يقول بأريحية أنه سهل التأثر بالموسيقى


* أعتذر عن تكرار كلمة "جري" في النص السابق، مؤذي جدا هذا التكرار، لكن بعد يوم عمل طويل، تحتاج طاقة رهيبة لتُجري تعديلًا في نص تكررت فيه كلمة ما.

الخميس، 13 يوليو 2023

الكوميديا الإلهية - دانتي أليجييري

الكوميديا الإلهية - الفردوسالكوميديا الإلهية - الفردوس by Dante Alighieri
My rating: 4 of 5 stars



العمل عظيم من جميع النواحي، على سبيل التقريب- عظيم عظمة الفنون البصرية لعصر النهضة مثل لوحة لبوتتشيلي أو تمثال لميكلآنجلو، لها ذلك الجلال المهيب الذي لا تخطؤه عين.
حتى أن الكوميديا بهذه الصفة، تمتلئ بالصور الحية التي لا تقل جلالا عن فنون هذا العصر المدهش.
لم يترك دانتي مجالا إلا واعتلى قمته، قل ذلك في الخيال، قل في التعبير، في العاطفة، في الوصف، في الإيجاز، في رسم الشخصيات، في الخلق الفني… هو الفنان الكامل بحق.
صحيح أنني ربما قد فوتّ على نفسي المتعة الكاملة لها لعدم تحمسي لبعض مواضيعها مثل اللاهوت والسياسة (اللاهوت أكثر)، وعدم تمكني من الإلمام بالأمور الفلكية بشكل كامل- فمن الفلك بنى دانتي مسرح الكوميديا، وكنت أتحين الخروج إلى صورة شعرية من صور ولهه ببياتريتشي مثلا، أو صورة للطبيعة يخلطها بأسلوبه الحر في جو الفردوس، أو قصة عجيبة من قصصه، لذا انتقصت نجمة من التقييم، وهي ليست تعبيرا عن قيمة العمل لا سمح الله! ولكن هي تعبير عن تشككي في قدرتي على التقييم الكامل.
كان هذا الجزء مليئا بالمواضيع اللاهوتية التي كانت ثقيلة على قلبي، ولكن من يتصور الكوميديا بغير اللاهوت، وهي بغير ذكرها إنما تقوم عليه وتتجه إليه.

انتهت الكوميديا كما بدأتها؛ فوق سطح منزلنا، مستلقيا محاولا خلق جو شعري قوامه النجوم والقمر ونسيم من مقدمات صيف، أودّع بها الكتاب الذي بقى مفتوحًا معي قرابة العام. حسنا بخلاف قرصات الباعوض، واختباء القمر خلف الجدار العالى للغرفة الوحيدة على السطح، فكانت الشاعرية حاضرة جدا- لا أنكر.

لكن كيف يمكن أن تنتهي الكوميديا من دون أن يحضر قارئها امتنان غير محدود للمترجم حسن عثمان، وأي خدمة قدمها، فأن تخرج من هذا العمل بغير جهد يُذكر لفهم أجواء الكوميديا بكل ما اشتملت عليه من تفاصيل وأحداث تباينت غموضها، لهو، بلا شك، نتاج جهد استثنائي قام به المترجم، وقد قام بمشاركة القراء جهوده والعقبات التي واجهها خلال سنين ترجمته الكوميديا في نهاية الكتاب. لم أفوّت حاشيةً من حواشيه وهي أكثر من نص الكوميديا نفسه، وبقدر ما ساح دانتي في عوالم شتّى؛ في السياسة، اللاهوت، الفلك، السياسة، التاريخ، الجغرافيا، الفنون…، تجد الحواشي حاضرة وبقوة لتعضد تجربة القارئ؛ بدونها لم أكن لأعتبر نفسي قرأت الكوميديا. وهنا يجب الإشادة بتخليه عن نزعة كثير من المترجمين تقفية الشعر المترجم، ليجعله في أبهى وأكمل صوره من دون تشويه القوافي المُصطنعة، ليركز جهده على نقل الصور والمعاني التي رسمها دانتي، وهو معترف في أكثر من موضع أن أبياتًا من الكوميديا هي أروع ما تكون في نصّها الأصلي وأنه يستحيل نقل أجوائها لأي لغة أخرى، وهذا الاعتراف بحد ذاته جزء من التجربة التي قام بتشييدها، وبشكل ما جعلتني أتذوق جمال النص الحاضر، مع ذلك فكان نقله شعر دانتي جميلا لا يخلو من بديع تصرفه وانتقائه الألفاظ، متمكنا من أدواته مترجمًا وأديبًا على حدّ سواء.


View all my reviews

الخميس، 25 مايو 2023

الأربعاء، 24 مايو 2023

أكثر من انعكاس


  ذات مساء، عرج على محل درينكيز لشراء قنينة نبيذ أحمر غير مُحلّى من النوع الرخيص. خرج من المحل وهو يضع القنينة في حقيبة الظهر، كانت تعج بالأشياء، فبذل مجهودا لخلق مساحة للضيف الجديد. وبينما هو منشغل في هذه المهمة التي استلبت كل تركيزه، إذ سمع اسمه يُهمس قُرب أُذنه اليمنى:

- مهدي؟

سوّى قامته ليحول انتباهه لصاحبة الصوت. كانت مها، صديقته السابقة، انتهت علاقتهما منذ عامين، ومنذ تلك اللحظة انقطعت كافة أشكال التواصل بينهما، سألت:

- لسه بتشرب عمر الخيام

- دا عِشرة

مرت لحظة من الصمت جسدت حقيقة ذهول المصادفة، ليبدو الحوار البسيط الذي دار بينهما أشبه بمعجزة أفلتت.

سألها:

- بتعملي إيه هنا

- كنت عند صاحبتي

- معرفش ليكي صحاب هنا

كان من الصعب أن تخبره أنها كانت مع صديقها الجديد الذي تعرفت عليه منذ أشهر قليلة؛ علاقة من هذا النوع، تأسست على أنقاض علاقة أكثر صلابة وأمضى تأثيرًا في القلب، لجأت إليها لتُخفي آثار هذه الأنقاض. والآن تمثّل أمامها كل ما حاولت إخفائه طيلة عامين، حتى خرجت الكذبة من بين شفتيها عادية كأنها الحقيقة لا ريب فيها، ولِمَ لا، وتلك العلاقة الطارئة ما هي إلا كذب أشبعت نفسها به.

- دي إسراء، نقلت شغلها من زايد لمدينة نصر.

بدت أكثر جمالا وهي تحبك كذبتها، كأن غشاءًا أُزيح عن وجهها كاشفًا بريقًا ماضيًا أكثر صدقًا، في علاقة شغلت ثلاث سنوات من عمريهما، علاقة حب لن تُمحى من ذاكرتها كلما جيئت سيرة الحب وأبطاله.

-انتي عامله إيه؟

ندّت عنها آهة مختنقة ضاق بها صدرها، ملتفتة ناحية الشارع الواسع وأحدهم يبتعد وفي يده شنطة سوداء ثقيلة تكتظ بزجاجات الخمر، نظر يُمنة ويُسرة قبل أن يخطو نحو باب سيارته، ركب ثم انطلق وحلّ صمتٌ ربما لا تشهد مثله مدينة نصر، لكن كان الزحام يجري بداخلها هي: تسارع دقات القلب، تدافع الدم في شرايينها، ودموعٌ تكتظ في مجرى عينيها تتحين لحظة الانفجار. نظرت في عينيه، وقالت: أنا كويسه.

كانت نظرة خاطفة لكنها سجّلت اللقاء الطويل الذي أنهك خيالاتها طيلة فترة غيابه عنها.

لم يكن ما لم تفصح عنه غير مرئي، ولا غير مسموع ولا غير محسوس، شعر بثقل الكيس الأسود في يده، نقله لليد الأخرى مُحدثا صوت خشخشة، مررت إصبعها أسفل جفنيها كأنها تحاول أن تكون "كويسه"، وانسدل غشاء على وجهها، فتوارى بريقها.

كان قد نسيها، نعم كلفه ذلك أزمة عاطفية حادة لم ينقذه منها غير أصدقائه المقربين واللجوء للمعالجين النفسيين. لم ينجع لجوؤه للمعالجين بشكل مباشر، شعر أنهم يتاجرون في معاناته، وضاق بصوتهم الرخيم الهادئ أمام ضعفه، كان منكسرًا محطّما، وما يبحث عنه كان شيئًا لا يذكره بانكساره، كانوا جميعا لديهم الحضور القوي والثقة الساخران من انكساره. كانت آخر محاولاته بعد إلحاح من صديقه محمود لمقابلة معالجة "ممتازة جربتها أنا وريم شخصيا". يعرف مهدي أن العلاقة بين محمود وزوجته ريم مرت بأوقات عصيبة، لكنها عادت إلى الاستقرار مؤخرا، في فترة لم يدر بأبعادها شيئًا، والآن يتنازل محمود عن خصوصيته التي لا يفرط فيها أبدا فقط لإقناع مهدي، تضحية ليست بالهينة. قدّر مهدي ذلك واستجاب لدعوته.

في عيادة دكتورة مي انتظر، طالع وجها أو وجهين قبالته، رأى فيهم مرآة لنفسه، تساءل عن قصص الحب وراءهم، تساءل عما يفكرون فيه هذه اللحظة وهو يراقبهم، عن الأمل الذي قادهم هنا- عن الفرص البديلة، وعن الحياة التي ينتظرونها خارج سجن الحب. نعم هكذا فكر: "سجن الحب"، أمسى كافرا بالحب، مثل الذي يكفر بدينه الذى نشأ عليه، مارا بكل تحولاته، كانت تحولاته عواصف هوجاء، لا ترى ما تحمل، بدأت بنوّةٍ طفيفة عندما أخبرته: "مش هينفع نكمل مع بعض يا مهدي" حينها ادّعى أنه قادر على المقاومة، لم ير الإعصار قادما. إلا أنه شعر به في الرابعة صباحا يقض مضجعه: "مش هينفع نكمل مع بعض"، كان هذا أول ما وعى ذهنه عليه، فتح هاتفه، طالع الرسالة من جديد؛ لا ليست كابوسا، هي الواقع لا مهرب.

قلّب "مش هينفع نكمل مع بعض" على كل أوجهها، أدرك في مرحلة متأخرة أنه أسير لهذا الدِّين من منطقه العقلاني المعروف به، والذي تقهقر لثلاث أعوام أمام سحر مها، جنونها، حبها للتجربة بلا قيد أو خوف، بينما هو اعتاد القيود والقواعد؛ أرساها حتى تستقيم حياته ولا تنجرف إلى العشوائية، لكن مع مها اكتشف الحياة المنسابة بحرية، ذاق الخمر لأول مرة، رقص، وذابت ضلوعه بين أحضانها. عرّف الحب كأنه شاعر يجرب شيئًا جديدًا لم يكتشفه إنسان من قبل، أو هكذا آمن مُدافعًا عن عقلانيته، كأنه يُبرر لعقله: "هذا ليس الحب بل هو شيء آخر تمامًا".

- أستاذ محمد أحمد مهدي؟

أخرجه صوت المساعدة في العيادة من أفكاره، وتذكّر أنه جاء ليتخلص من آثار ذلك الاكتشاف الذي رفض أن يسميه "الحب" آنذاك.

بخُطىً متثاقلة ليس وراءها دافع صادق للتعافي، دلف إلى غرفة الدكتورة مي. استقبلته بابتسامة بشوش وترحاب لمس فيهما صدقًا لم يعتده، مد يده للتصافح بشكل تلقائي لم يقرره، لكن اجتذبته الابتسامة والوجه البشوش، مدّت يدها بسخاء، ليس فيه الحياء الممانِع غير المُبرر والذي تفتعله معظم النساء عند التصافح، قدّر لها ذلك، وشعر لأول مرة أنه على استعداد للبوح.

- إزيك أستاذ محمد

نعم جميعهم تقريبا بادؤوه بهذا السؤال عن حاله، لكن داخله شعور بالراحة جرّاء نبرة صوتها الطبيعي الهادئ، ليس فيه ادعاء خبرة المعالج، وثقته اللامحدودة التي يريدون أن يثبتوا بها جدارتهم العلاجية، بل خرجت محمولة على نغمة مهتزة غير واثقة بلا داعي، مثل غريبين يلتقيان، ولا يجمع بينهما سوى هذا الرابط المشترك المتكون من نشأة العلاقات الإنسانية.

في طريق العودة سائرا، راجع ما فاضت به نفسه، وكيف تسلسلت الذكريات حتى رآها تتكوم أمام عينيه، وكيف بنى حُلمًا وانهار، حتى أضنت روحه كمدًا لمرآها، ثم برر ضعفه المنعكس في تهدج صوته أنه فقط يريد أن تعود الحياة لمجاريها، وأن حياته العملية أصبحت على المحك. كانت دكتورة مي تسمع وتسأل كإنسانة تشغلها قصص الحب في مساءاتها الوحيدة، ومُعالِجة تَعقِلُ دروب القلب وأوكاره، ولم يغب تفاعلها عنه حتى في أشقّ تفاصيل قصته.

كان منشغل الفكر حينما لاح له من بعيد في الناحية الأخرى من الشارع الشيخ إبراهيم لطفي محفّظ القرآن الذي سلمه أبوه إليه وهو في سن الخامسة ليحفظه القرآن، يذكر أنه كان خيبة أمل أبيه في هذا المضمار، وخيبة للشيخ إبراهيم كذلك، يعرف أنه يعيش على دروس تحفيظ القرآن بشكل أساسي، ويعرف أنه تزوج حديثًا، كانت له لحية كثة قصيرة وغير متناسقة وله عرجة خفيفة في ساقه اليسرى، كانت زوجته تسير وراءه مطأطأة الرأس ساهمة مثل الحمار يمشي خلف سيده، فتاة لم تكمل عقدها الثاني، تشبه في ملبسها فتيات المدرسة الثانوية، بينما هو يسبقها، وما بينهما عوالم لا رابط بينها.

تساءل في نفسه كيف انتهيا إلى هذه الحال، وكيف انتهى هو ومها إلى "مش هينفع نكمل مع بعض"، ولمن الرأي النافذ في وجود الحب وعدمه في هذا العالم المظلم.

أفاق من أفكاره على رنة هاتفه، كانت المساعدة من عيادة الدكتورة مي، تريد تأكيد الموعد التالي. موعده القادم بعد أسبوعين.

يخشى أن يقرّ أمام نفسه أنه بدأ ينزاح عنه ذلك الجبل الذي جثم على صدره وظن أنه لن ينزاح، كأن كل ما كان بحاجة إليه هو أن يسمع صوته وهو يُفصح عما يختلج في نفسه، اختبار لقلبه أمام عقله. 

آه، كيف يعمل القلب؟ وهل هو القلب أم العقل؟ أم هو سؤال ماذا أريد وماذا جنيت؟ أو هو سباق وقد تخلّف عن المقدمة؟ 

لا يحب السباقات لأنها تفترض أن هناك مُطلقًا، بينما هو لا يؤمن بغير النسبي.

لم تغب عنه صورة زوجة إبراهيم أبدا؛ فتاة لم تخط عتبة العشرين، اختُطِفت، ربما، من أحد دروسها لتتزوج. ربما بنَت حُلمًا مع صديقاتها في حديقة المدرسة، وأرجَت تحقيقه إلى حين مجيء فتاها المُنتظر، ربما امتلكت الحلم لنفسها وحبسته في صدرها؛ تُخرجه على فراشها في المساء، تتأمله وتصنع له ضفائر من أحلام أخرى. 

"ساهمة مثل الحمار يمشي خلف سيده".

كان سهومها سهوم شخص فقد عزيزا؛ وما يعز على فتاة لم تبلغ ربيعها العشرين غير أحلامها؟

شغلته الصورة، كانت تتراءى له في أوقات غير منتظمة، حتى وجدت لها رابطا بين كل الأشياء التي انشغل فيها، لأسباب يجهلها تماما، ليست الشفقة واحدا من هذه الأسباب.

كيف يعمل عقله؟ وما الذي يحاول إثباته من إقحام صورة الفتاة في أوقاته الهادئة والصاخبة على السواء؟

لطالما آمن أن لا سبيل لفهم نفسه ولا عقله تمام الفهم، فقد تركهما يغزلان له ما يشاءان من فنونهما.

أول ما تستقبله شقته عائدًا من الخارج، هي صورة خلق آدم المرسومة على الحائط المواجه للباب، يظهر آدم بالحجم البشري تقريبا لكن الصورة غير كاملة فلا وجود لله في الصورة، فقط آدم يرفع أنامله لمن يدخل. اختارها ومها، وأوعزا أمر رسمها إلى محمود حسن؛ فنان جداريات له دراية عميقة بالمدارس الفنية، يتابعان أعماله على إنستجرام كواحد من اهتماماتهما المشتركة.

لا شيء يذكره بمها أكثر من هذه الصورة؛ لحظة دخوله المكثفة تكتظ بحماس مها للفكرة، ضحكها من إلغاء صورة الرب وتأويلها أن الداخل هو الرب، هو نفسه لم يفكر في هذا التأويل، وقد أعجبه كثيرا. يومها انتهز حماسها والتحما معًا في عناق ثمِل متلقيًا ضحكها الساخن من صدرها.


جاوز الجدار إلى الصالة، ومنها دخل البلكونة، تصفّح العمائر، السماء، الأجسام المتحركه في الشوارع، كرفاق وحدته الدائمين. تناهى إلى سمعه وردة تغني من الدور العلوي الأغنية التي فيها الكوبليه "روح عد أوراق الشجر" وفكر لو كأس بيرة في يده منتظرا مجيء هذا الكوبليه… جاء الكوبليه فسكر به ولم يأس لفراق البيرة، لم يكن ليخطر بباله أنه يريد أن يسمع وردة الآن. لكن جاءت وردة بنفسها، بصوتها العذب، وأنوثتها التي لا تغيب. 

يقول چايمس براون:

This is a man's world

But it would be nothing,

Without a woman or a girl. 

كانت ليلته لتدخل عالم اللاشيء هذا لو لم يأته صوت وردة، ممثلا للأنثى التي في أغنية چايمس براون.


مرة سأل مها، وكان قلّما يفصح عما يعتمل بداخله من أسئلة، لكن شغَله السؤال ورغب في كشف إجابته:

- انتي بتحبيني ليه؟

ردت مها متدللة: السابيوسيكشواليتي يا حبيبي.

قالتها بغنج نسي معه إجابتها فلا يلبث يكرر السؤال فيما بعد، كأنه لم يسأل.


دخلت الساعة الثامنة، أمامه على الأقل أربع ساعات حتى موعد النوم، نفدت البيرة، فطلبها مع زجاجة عمر الخيام التي أوشكت أن تنفد. لا يحب الشرب لكنه يمده بطنين مقاوما الوحدة، وأربع ساعات تمر ثِقال من دون شرب وبضع أغنيات.


"النوم له تأثير السحر في الزمن"، هذه الفكرة حاضرة دائما في مستهل نومه، فمن يصدق أن ما يفصله عن كل هذه الساعات هي إغماضة عين.


"على أرضٍ وعرة امتد نظره، ليشمل مسطحًا متراميًا لا يفضح ولا يستر غيره. غشي الأرض ليلٌ رهيب يكاد من جثومه الثقيل أن ينبثق من جوفه الكون كما يعرفه مؤلفه، لا كما نعرفه، وليبدأ من حيث لم يولد حلم البشرية الأول.

أرض وعرة، سماء مكتنزة بالأسرار، وحدٌّ فاصل بين الكونين، يدور كلّما دار، وأينما حلّ هو مركزه.

- يا صاحب المكان، أجبني

ردد النداء، بلا صدى أو جواب، مرتدًا إلى نفسه كأنه لم يتشتت، هكذا بلا أمل.

ربما ليس هكذا يُنادى، نبت إيمان في قلبه، كاكتشاف رائع، أملٌ غير محدود. ظهر كوكب أحمر في قلب السماء، أول بشائر إيمانه. ومضَ الكوكب الأحمر، طارت نفسه من الأرض إلى السماء، جرت محاورة بين الكونين، هذا الكوكب الأحمر أول الموالين له، هكذا فسّر الوميض المتتابع كاللهج. ساح في الكون، كأول حر في كتاب البشر، غير مثقل بالمقدمات ولا بالحتميات التاريخية".

تسبب الشرب في الليلة الماضية في صداع تلقاه حينما استيقظ. 

في الحلم قاد طريق التجربة بلا تصنّع، تجربة الإنسان الأول، بدون إيعاز من أي إله، من دون أن تحركه الحتميات، أو أحد دروس المجتمع. أنّى لأفكاره أن تجد لها متنفسا في أحلامه بتلك الصورة المجردة؟ هكذا أخبر محمود مرة ساخرًا من نفسه: أنه أصبح يحلم بالأفكار. 


سألت مها لماذا يلتزم الحيادية ناحية كل شيء، تعارضت حياديته مع حبها للتجربة، كبحت جماحها، حتى ضاقت. تعلمت منه توخي إطلاق الأحكام وحساب نسبية الأمور في الحكم عليها؛ لم تنعت حياديته بالفتور، لكنها أرادت أن تكون "مش هينفع نكمل مع بعض" الشيء المطلق الوحيد في حدث إنهاء علاقتهما.


انتظمت حياته بشكل تدريجي أو هذه هي نوبة الانتظام غير الدائمة وقد أطلّت عليه أخيرًا بعد انقطاع منذ رسالة مها. يعرف أن دوام حاله من المُحال- كما يُقال، وكما يفرض إيمانه بنسبية الأشياء.


مر أسبوعان منذ زيارة الدكتورة مي، مرا برتابة حلت محل رفضه ألوان الحياة: العمل، المحادثات اليومية، رؤية النهار، رؤية الناس واحتمال زحامهم.

من أرشيف بريده الإلكتروني إلى مها:

لماذا أصبح كل جميل يذكرني بكِ،

كأنه خُلق للتنافس معك وتكسبين دائمًا؟


كانا قد اتخذا البريد الإلكتروني بديلا لتطبيقات المحادثات الفورية. كانت فكرة مها في الأساس كنوع من التجريب والخروج من ضوضاء السوشيال ميديا، وأمست وسيلتهما الفُضلى.


في صالة الاستقبال انتظر دوره. يفكر كيف ستجري المحادثة وأي نوع من الأسئلة تفرضها جلسة ثانية. لم يعد بحاجة إلى التعالج أو التحدث. لم يجئ لهذا.


خطا نحو بابها الموارب، دفعه ببطء كمن يخشى إيقاظ نائم، استقبلته بذات التوهج والسخاء:

"إذْ توهجت في عينيها بسمةٌ، اعتقدتُ بها أني لمستُ بعينيَّ أغوار نعمتي وسبرتُ أصلَ نعيمي"١



- مهدي 

 حينما سمع اسمه يُنادى، تراءى له في انعكاس الزجاجة صورة مي، كأنه لم يمر على آخر لقاء قرابة عامين، حينما رفع قامته كانت شجاعة من نوع ما قد ألمَّت به وقد تمثل في خياله ثغرها الباسم يصب على روحه السكينة.


١دانتي أليجييري - قصيدة الفردوس من الكوميديا الإلهية - ترجمة حسن عثمان



السبت، 18 مارس 2023

الرمزية في الأدب

 الرمزية في الأدب لا يجب أن تكون مقياسا لجودته، ويجب ألا تُحسب أكثر من مساحة حرة ولكن محسوبة للكاتب، يعبر فيها بلغة الرموز عما يختلج في نفسه بما لا يتجاوز شخصية النص الجديد المستقل عن كل ما حدث قبله. 

فلو قرأ النص شخص غير ملم بمضمون الرموز يجب عليه أن يستمتع بالنص تماما مثل شخص استطاع بطريقة ما فك شفرات هذه الرموز (بتجاهل فروقات التذوق بين القارئين) الفرق بين القراءتين هو تفسير النص وهو شيء يرجع للقارئ في جميع الأحوال. فلو حدث أن نشأت علاقة حتمية بين النص والرمز بمعنى أنه لا معنى للنص بدون تفسير الرمز انهارت القيمة الاستقلالية للنص.


أقول هذا لتجربتين:

الأولى: متعلقة بالفيلم الإنجليزي حياة برايان وهو فيلمي المفضل دائما، ورغم مشاهدتي له عدة مرات إلا أني مؤخرا فقط اكتشفت هذا الرابط الواضح بين برايان والمسيح وبين أمه والعذراء، وبين مريديه الأوائل (فرقتي القارورة والحذاء) وبين تلاميذ المسيح. وذلك لأني لا أجهد نفسي في البحث عن الرموز بقدر رغبتي الأولية في الاستمتاع بالعمل، والعمل (مجردا من هذه الرموز) ممتعا لأقصى حد، ناهيك عن تناوله موضوع نشأة الأديان بشكل مبدع.


التجربة الثانية هي في قراءة دانتي، وقد استعمل دانتي حيلة الرموز بشكل ربما مبالغ فيه، ففي قصيدة المطهر مثلا هناك أناشيد كاملة توظف رموزا لتناول موضوعات دينية وتاريخية بحيث أن لكل لاعب في القصة التي تناولها دانتي رمز ميثولوجي ما، بحيث يستحيل على غير الملم بهذه الرموز فهم المعنى الذي أراده دانتي، فقراءة هذه الأناشيد بعيدا عن معنى الرموز، سيجعلها مجرد شطحات عشوائية من الخيال بلا هدف أو معنى، لكن هذا ربما راجع لأمزجة الناس في عصر دانتي وقيمة الميثولوجيا في حياتهم، وهي (علاقة الرمز بالقارئ) موضوع آخر تماما غير الذي أتطرق إليه.

الثلاثاء، 28 فبراير 2023

من حكايات الربّة مسعودة

أول أمسٍ، مات شاعر مغمور، ورغم قِصر الفترة التي مرت على رحيله، إلا أن روحه بدأت تنسج خيوطًا في مغزل الخلود. وجدت قصيدته الأخيرة طريقها إلى مقال بإحدى الصحف، ممهور عنوانه بهذه العبارة: "البيت الأخير كتبه الشاعر قبل رحيله بيومين!"

لاحظ معي علامة التعجب المتذيلة عبارة الصحافي المسكين. هي ليست إحدى تفتقات ذهنه الخالصة، بل هي إحدى تطريزات لعبة الغزل التي تلعبها ربة الخلود (الشعر سابقًا).

تقول الأسطورة، أن ربة الشعر العربي "مسعودة"، قامت على التآلف بين ربات الشعر القديم حين وجدت بينهم شقاق لا لزوم له، وبحكمة ربات العرب، استطاعت أن تترأسهم وتسمّ نفسها ربة الخلود. في تلك الأسطورة لم تُزهَق روح أو يُهراق دم، أو تقوم حرب أو تخون امرأة زوجها (أو العكس¹)، بل جرت هذه الأسطورة في صحراء بلاد عربية، لم يُحدد مكانها، لكن أقاويل متفرقة تهمس أنها جرت في صحراء مصر، أقاويل أخرى تزعق "بل في السعودية"، وأخرى تنادي "بل ليبيا". هذه أسطورة مملة جدا، مثلا؛ تأخرت ربة القصة القصيرة عن الموعد المتفق عليه، ولعبت الربات اللاتي حضرن لعبة الخلود إلى أن تصل ربة القصة القصيرة، في هذه اللعبة يتم اختيار كاتب عشوائي شرط أن يكون مضى على موته ليس أكثر من عامين، ورقوه سلم الخلود بدون أية اشتراطات (لجائزة ساويرس ألا تسمح بمثل هذه المهزلة) وضحكت ربة المسرح من هذه اللعبة، وكانت مائلة للمسرح الكوميدي، كما يظهر في شخصيتها. وصلت ربة القصة القصيرة في عجالة من يشعر بالتخلف عن أمر هام وظهر عليها عناء السفر، وقدمت اعتذارات وتبريرات، لم يناقشوها لما تأخرت أو "إحنا اتفقنا على معاد.. إلخ"، لا، بل ما زالت فيهم بعض من سموّ ربات هومر وڤرجيليو، وكياسة ربة اللُطف التي غفرت لمن تأخر ألف سنة وساعتين عن موعده، وما أن ركع يطلب الغفران حتى أقامته وقالت: "عذرك معاك".
ثم أن ربة القصة القصيرة حديثة عهد بمثل هذه الأمور، صحيح أنها وُلدت يوم وُلدت المقامة العربية، لكنها تقاعست عن القيام بدور ذي خطر.
بدأوا لتوّهم مناقشات حول كم هي مملة كثرة الأساطير وتشعّب رواياتها، وعدم ملاءمتها لحاجات العصر المتلاحقة تطوراته، وبدوا جميعًا منصتين إلا ربة قصيدة الهايكو، وهذه لا يعجبها العجب على كل حال.
اتفقوا على لم الشمل تحت لواء ربة الشعر مسعودة، وهي - لمن توقف عند رواية هومر العتيقة- ربة من أصول عربية، يُقال أنها حفيدة إحدى ربات العرب التي كانت تُعبد في الجزيرة وكانت مرصًدا للأديان مجتمعة في حربهم على آلهة الجزيرة. يُقال أنها تسلمت راية الشعر من ربّات الإغريق عندما تأكدّت نبوءة ظهور المسيح، وتنبؤوا بحروب لا نهاية لها في أرض الرومان وكان على جميع الأرباب الانضمام تحت لواء چوبيتر، استعدادًا لحربٍ تحدد مستقبل وجودهم. لم يكن الحال بأفضل من هذا في بلاد العرب، لكن رحلت مسعودة إلى مصر بعيدًا عن فوضى هذا العصر. وتوقفت صكوك الخلود مؤقتا في هذه الفترة حتى تنتهي المراسلات بين الأنبياء والملوك بهدف البشارة، يُقال أنها نزلت قُرب أسيوط حاليا أو المنيا، لكن كلها شطحات خيال شعراء هاتين المحافظتين ممن يدّعون أنهم مخلّدون في ندوات قصور الثقافة.
بدأت مسعودة، على أنغام ربة الموسيقى (وكانت تلعب تكنو، قبل أن يسحبك خيالك إلى آلة الهارب مثلا، فهي لا وجود لها إلا في الأوبرا): الخلود هو مشروعي، هو السلعة الأكثر رواجًا، لو بيدي لجعلته باشتراك شهريّ، مثل العلامة الزرقاء (ضحكت ربة المسرح هنا بشدة، وهي التي حصلت لتوها على علامة زرقاء في تويتر من خلال هيئة تنشيط السياحة الإيطالية)، وهي القاسم المشترك بيننا جميعا. مشروعي هو أن نمنح الخلود لمن يدفع أكثر…
هنا، وهنا فقط، اعترضت ربة الهايكو ساخرة: مثل البيض…
وما أن تفوهت بهذه حتى رمقتها ربة الشعر العجوز نظرةً، لخصت تاريخ الصراع والانفصال بينهما. وحتى لا تنشب حرب بينهما، استدركت مسعودة:
- Laissez-faire.

وعدّت أمثلة ممن أبخست حقهم في الخلود ربة الشعر، وذكرت كافكا؛ فانتصبت ربة الرواية عند ذكر الاسم تبجيلًا وأومأت ربة القصة القصيرة، وتشايكوفسكي؛ فتوقفت ربة الموسيقى عن لعب التكنو وعزفت مقطوعة من بحيرة البجع تمجيدًا. وڤان جوخ وغيرهم ممن استطاعت من خلالهم الربّة مسعودة أن تسوق حجتها في فشل نظام الخلود القديم الذي قادته ربة الشعر. واقترحت في النهاية أن كل ما يتطلبه الأمر هو أن يموت الكاتب حتى يُخلّد، ولكنها ستمنح الكاتب قبل أن يموت نبوءة موته، لتكون صلاته الأخيرة وشاهدِه الحي على الخلود. وجعلته نظاما أصيلا بديلا عن العشوائية السابقة التي لم يحكمها حاكم ولا رابط.

قبل أن يموت الشاعر المغمور، كتب هذا البيت الأخير من قصيدته الأخيرة: 
"آنبوءة الموت…".

تنسب ربة الهايكو هذا البيت لنفسها بينما تريد أن تنتزعه ربة الشعر العجوز. كانت الخطة متعثرة في بدايتها والتنفيذ تحُوله العقبات، وهي تفاصيل تنفيذية لم يتح لنا أبدا الاطلاع عليها من خلال كتابات هومر وڤرجيليو.


*******


¹ أضفتها خوفا أن تُنسب قصتي لأدب المحافظين، مع ذلك هي ليست من أدب الليبرالية اليسارية.

*القارئ النبيه سوف يعترض على ذكر السعودية وليس جزيرة العرب، والكوميديا محل الفكاهة، أقول لهذا القارئ: هذه ليست نباهة، وهذا رأيي المتواضع.

الجمعة، 17 فبراير 2023

موضوع المسافات في قصة حب بحَّار

كانت المسافة بيننا أميال.

قلت لها هذا: "المسافة بيننا أميال"

قالت: "أنا لست خبيرة في نظام القياس الأمريكي"، واقترحت أن نقرأ كتابًا عن نظام القياس الأمريكي.

اقترحتُ أن أعيد جملتي بالنظام المتري الذي تفضله، لكنها كانت بالفعل أخرجت عدة اقتراحات من متصفحها، وبدت متحمسة.

على أي حالٍ قلت: "أشعر أن المسافة بيننا مئات الكيلو مترات".

تجاهلتني، لتتحول مأساتي إلى مسألة حسابية من نوع آخر وهو التحويل بين الوحدات المختلفة، فكيف نحوّل من كيلو مترا إلى طن؟

قالت إنها منذ أن أنهت قراءة الكتاب الأخير منذ أيام وهي حائرة في أي موضوع تقرأ، وأثنت على فكرة المقاييس.

قلت لها أن ما قلته لا يعدو كونه شكوى، وسألتها كيف حولتها هي إلى موضوع كتاب. وبدت أنها تُنصت إلى شيء في الكتاب الإلكتروني الذي بدأت بالفعل في قراءته، وكانت لها عادة الإنصات إلى الكتب؛ لو كنت طفلا لارتعبت منها وظننت أن لها القدرة على كشف الأشباح. لكني في هذه اللحظة مع ذلك كنت مرعوبا منها، حتى ظننت أنها توصّلت إلى اللغز الذي ألقيته عبثًا، وهو لغز المسافات بيننا، وتمنيت ألا يكون قد خاب حسّي العلمي في تقدير المسافة بيننا.

رفعتْ وجهها، وقالت هذه الملاحظة بعد عناء استنتاجات داخلية بان أثرها على تقطيب جبهتها: "هذا الموضوع… حقا… أين كان هذا الاقتراح؟"


أوقفت أناملها صفحة عشوائية وقضت ثوانٍ قبل أن تقطع حديثًا مع أشباحها، قائلة موجهة حديثها لي وهي تقرأ: "اسمع هذه القصة: ”…وهكذا أثرت قصة الحب في مجتمع القياس العالمي، فقد انتشرت هذه القصة وسط البحارة وقطاع الطرق في زمن غير معروف، وانتقلت من جيل إلى آخر، حتى اختلط الخيال بالعلم، فيُحكى أنّ بحارًا وقع في غرام امرأة في أرضٍ مما انتقلت إليها أسفاره، وما أن وقع في شباك الحب حتى انتهى وقرّ حيث تقر محبوبته، منتظرا كلمة، أو طَرفة، أو مجرد إشارة بالقبول. يُحكى أن النحول قد صابه، ولم يتعرف عليه أصدقائه القدامى. وفي ذات ليلة مقمرة، وهو جالس يتنسم البحر ويتذكر، زارته مليكة خياله، وأعطته يدها، كملاك من السماء مُرسل بأمر الرحمة. وتعانقت الرحمة والحب، وكُتبت نهاية لذبولِ روحه. عاشا معًا في حب، كأن الليالي كلها مقمرة وكأن ملاكًا للحب عُيّن لسلامهما. ولأنه بحّار وأعلم الناس بالبلاد فقد طلبت إليه أن يزورا كل يوم مدينة أو بلد أو جزيرة، فما كان منه إلا أن استجاب ليس برضا العالِم بعلمه، ولكن كأنه يرى البحر والعالم لأول مرة، فسافرا كل البلاد التي لها بحر، واكتشفا العالم بعين واحدة وقلب واحد مقبل على حياة جديدة كل يوم.

وفي ليلة اختفى منها القمر، انقلبت عليه كأنها أمر من أمور الدهر التي تفوق فهم البشر، واختفت كأنها لم تكن لينقلب حلمه كابوسًا، وسمع كلاما وأخبارًا تطعن في قلبه الطعنات. وقضى أيامه معذبًا، فكل الأماكن تذكره بها، فما من مدينة أو بلد أو جزيرة، إلا وله فيها ذكرى تذكّره. وفي ذات يوم، وقد تلبّسه روح الانتقام، فكر أنه سيعيد تخطيط الأماكن من دون أن يحركها؛ سيعيد رسم المسافات، سينهي عذابه بالذكريات، وفكّر: لو كانت المسافة بين مدينتين مئة كيلو مترا، فإنه سوف يخترع مقياسا جديدا يجعلها ستين… ووُلد النظام الإمبراطوري الجديد والذي يعرف أيضا بالنظام الأمريكي، لينهي عذابه بالأماكن…“". هنا وهنا فقط رفعت رأسها تنظر إليّ، كأنها تحمل بشارة، وكنت أفكر في القصة والتشابهات التي في مأساتنا. سألتها عن رأيها، قالت: "لا أعرف، لكن القصة مدهشة"، واقترحتْ أن أخترع نظاما جديدا للقياس، وبدأت نوبة من الضحك هي وأشباحها.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...