الثلاثاء، 28 فبراير 2023

من حكايات الربّة مسعودة

أول أمسٍ، مات شاعر مغمور، ورغم قِصر الفترة التي مرت على رحيله، إلا أن روحه بدأت تنسج خيوطًا في مغزل الخلود. وجدت قصيدته الأخيرة طريقها إلى مقال بإحدى الصحف، ممهور عنوانه بهذه العبارة: "البيت الأخير كتبه الشاعر قبل رحيله بيومين!"

لاحظ معي علامة التعجب المتذيلة عبارة الصحافي المسكين. هي ليست إحدى تفتقات ذهنه الخالصة، بل هي إحدى تطريزات لعبة الغزل التي تلعبها ربة الخلود (الشعر سابقًا).

تقول الأسطورة، أن ربة الشعر العربي "مسعودة"، قامت على التآلف بين ربات الشعر القديم حين وجدت بينهم شقاق لا لزوم له، وبحكمة ربات العرب، استطاعت أن تترأسهم وتسمّ نفسها ربة الخلود. في تلك الأسطورة لم تُزهَق روح أو يُهراق دم، أو تقوم حرب أو تخون امرأة زوجها (أو العكس¹)، بل جرت هذه الأسطورة في صحراء بلاد عربية، لم يُحدد مكانها، لكن أقاويل متفرقة تهمس أنها جرت في صحراء مصر، أقاويل أخرى تزعق "بل في السعودية"، وأخرى تنادي "بل ليبيا". هذه أسطورة مملة جدا، مثلا؛ تأخرت ربة القصة القصيرة عن الموعد المتفق عليه، ولعبت الربات اللاتي حضرن لعبة الخلود إلى أن تصل ربة القصة القصيرة، في هذه اللعبة يتم اختيار كاتب عشوائي شرط أن يكون مضى على موته ليس أكثر من عامين، ورقوه سلم الخلود بدون أية اشتراطات (لجائزة ساويرس ألا تسمح بمثل هذه المهزلة) وضحكت ربة المسرح من هذه اللعبة، وكانت مائلة للمسرح الكوميدي، كما يظهر في شخصيتها. وصلت ربة القصة القصيرة في عجالة من يشعر بالتخلف عن أمر هام وظهر عليها عناء السفر، وقدمت اعتذارات وتبريرات، لم يناقشوها لما تأخرت أو "إحنا اتفقنا على معاد.. إلخ"، لا، بل ما زالت فيهم بعض من سموّ ربات هومر وڤرجيليو، وكياسة ربة اللُطف التي غفرت لمن تأخر ألف سنة وساعتين عن موعده، وما أن ركع يطلب الغفران حتى أقامته وقالت: "عذرك معاك".
ثم أن ربة القصة القصيرة حديثة عهد بمثل هذه الأمور، صحيح أنها وُلدت يوم وُلدت المقامة العربية، لكنها تقاعست عن القيام بدور ذي خطر.
بدأوا لتوّهم مناقشات حول كم هي مملة كثرة الأساطير وتشعّب رواياتها، وعدم ملاءمتها لحاجات العصر المتلاحقة تطوراته، وبدوا جميعًا منصتين إلا ربة قصيدة الهايكو، وهذه لا يعجبها العجب على كل حال.
اتفقوا على لم الشمل تحت لواء ربة الشعر مسعودة، وهي - لمن توقف عند رواية هومر العتيقة- ربة من أصول عربية، يُقال أنها حفيدة إحدى ربات العرب التي كانت تُعبد في الجزيرة وكانت مرصًدا للأديان مجتمعة في حربهم على آلهة الجزيرة. يُقال أنها تسلمت راية الشعر من ربّات الإغريق عندما تأكدّت نبوءة ظهور المسيح، وتنبؤوا بحروب لا نهاية لها في أرض الرومان وكان على جميع الأرباب الانضمام تحت لواء چوبيتر، استعدادًا لحربٍ تحدد مستقبل وجودهم. لم يكن الحال بأفضل من هذا في بلاد العرب، لكن رحلت مسعودة إلى مصر بعيدًا عن فوضى هذا العصر. وتوقفت صكوك الخلود مؤقتا في هذه الفترة حتى تنتهي المراسلات بين الأنبياء والملوك بهدف البشارة، يُقال أنها نزلت قُرب أسيوط حاليا أو المنيا، لكن كلها شطحات خيال شعراء هاتين المحافظتين ممن يدّعون أنهم مخلّدون في ندوات قصور الثقافة.
بدأت مسعودة، على أنغام ربة الموسيقى (وكانت تلعب تكنو، قبل أن يسحبك خيالك إلى آلة الهارب مثلا، فهي لا وجود لها إلا في الأوبرا): الخلود هو مشروعي، هو السلعة الأكثر رواجًا، لو بيدي لجعلته باشتراك شهريّ، مثل العلامة الزرقاء (ضحكت ربة المسرح هنا بشدة، وهي التي حصلت لتوها على علامة زرقاء في تويتر من خلال هيئة تنشيط السياحة الإيطالية)، وهي القاسم المشترك بيننا جميعا. مشروعي هو أن نمنح الخلود لمن يدفع أكثر…
هنا، وهنا فقط، اعترضت ربة الهايكو ساخرة: مثل البيض…
وما أن تفوهت بهذه حتى رمقتها ربة الشعر العجوز نظرةً، لخصت تاريخ الصراع والانفصال بينهما. وحتى لا تنشب حرب بينهما، استدركت مسعودة:
- Laissez-faire.

وعدّت أمثلة ممن أبخست حقهم في الخلود ربة الشعر، وذكرت كافكا؛ فانتصبت ربة الرواية عند ذكر الاسم تبجيلًا وأومأت ربة القصة القصيرة، وتشايكوفسكي؛ فتوقفت ربة الموسيقى عن لعب التكنو وعزفت مقطوعة من بحيرة البجع تمجيدًا. وڤان جوخ وغيرهم ممن استطاعت من خلالهم الربّة مسعودة أن تسوق حجتها في فشل نظام الخلود القديم الذي قادته ربة الشعر. واقترحت في النهاية أن كل ما يتطلبه الأمر هو أن يموت الكاتب حتى يُخلّد، ولكنها ستمنح الكاتب قبل أن يموت نبوءة موته، لتكون صلاته الأخيرة وشاهدِه الحي على الخلود. وجعلته نظاما أصيلا بديلا عن العشوائية السابقة التي لم يحكمها حاكم ولا رابط.

قبل أن يموت الشاعر المغمور، كتب هذا البيت الأخير من قصيدته الأخيرة: 
"آنبوءة الموت…".

تنسب ربة الهايكو هذا البيت لنفسها بينما تريد أن تنتزعه ربة الشعر العجوز. كانت الخطة متعثرة في بدايتها والتنفيذ تحُوله العقبات، وهي تفاصيل تنفيذية لم يتح لنا أبدا الاطلاع عليها من خلال كتابات هومر وڤرجيليو.


*******


¹ أضفتها خوفا أن تُنسب قصتي لأدب المحافظين، مع ذلك هي ليست من أدب الليبرالية اليسارية.

*القارئ النبيه سوف يعترض على ذكر السعودية وليس جزيرة العرب، والكوميديا محل الفكاهة، أقول لهذا القارئ: هذه ليست نباهة، وهذا رأيي المتواضع.

الجمعة، 17 فبراير 2023

موضوع المسافات في قصة حب بحَّار

كانت المسافة بيننا أميال.

قلت لها هذا: "المسافة بيننا أميال"

قالت: "أنا لست خبيرة في نظام القياس الأمريكي"، واقترحت أن نقرأ كتابًا عن نظام القياس الأمريكي.

اقترحتُ أن أعيد جملتي بالنظام المتري الذي تفضله، لكنها كانت بالفعل أخرجت عدة اقتراحات من متصفحها، وبدت متحمسة.

على أي حالٍ قلت: "أشعر أن المسافة بيننا مئات الكيلو مترات".

تجاهلتني، لتتحول مأساتي إلى مسألة حسابية من نوع آخر وهو التحويل بين الوحدات المختلفة، فكيف نحوّل من كيلو مترا إلى طن؟

قالت إنها منذ أن أنهت قراءة الكتاب الأخير منذ أيام وهي حائرة في أي موضوع تقرأ، وأثنت على فكرة المقاييس.

قلت لها أن ما قلته لا يعدو كونه شكوى، وسألتها كيف حولتها هي إلى موضوع كتاب. وبدت أنها تُنصت إلى شيء في الكتاب الإلكتروني الذي بدأت بالفعل في قراءته، وكانت لها عادة الإنصات إلى الكتب؛ لو كنت طفلا لارتعبت منها وظننت أن لها القدرة على كشف الأشباح. لكني في هذه اللحظة مع ذلك كنت مرعوبا منها، حتى ظننت أنها توصّلت إلى اللغز الذي ألقيته عبثًا، وهو لغز المسافات بيننا، وتمنيت ألا يكون قد خاب حسّي العلمي في تقدير المسافة بيننا.

رفعتْ وجهها، وقالت هذه الملاحظة بعد عناء استنتاجات داخلية بان أثرها على تقطيب جبهتها: "هذا الموضوع… حقا… أين كان هذا الاقتراح؟"


أوقفت أناملها صفحة عشوائية وقضت ثوانٍ قبل أن تقطع حديثًا مع أشباحها، قائلة موجهة حديثها لي وهي تقرأ: "اسمع هذه القصة: ”…وهكذا أثرت قصة الحب في مجتمع القياس العالمي، فقد انتشرت هذه القصة وسط البحارة وقطاع الطرق في زمن غير معروف، وانتقلت من جيل إلى آخر، حتى اختلط الخيال بالعلم، فيُحكى أنّ بحارًا وقع في غرام امرأة في أرضٍ مما انتقلت إليها أسفاره، وما أن وقع في شباك الحب حتى انتهى وقرّ حيث تقر محبوبته، منتظرا كلمة، أو طَرفة، أو مجرد إشارة بالقبول. يُحكى أن النحول قد صابه، ولم يتعرف عليه أصدقائه القدامى. وفي ذات ليلة مقمرة، وهو جالس يتنسم البحر ويتذكر، زارته مليكة خياله، وأعطته يدها، كملاك من السماء مُرسل بأمر الرحمة. وتعانقت الرحمة والحب، وكُتبت نهاية لذبولِ روحه. عاشا معًا في حب، كأن الليالي كلها مقمرة وكأن ملاكًا للحب عُيّن لسلامهما. ولأنه بحّار وأعلم الناس بالبلاد فقد طلبت إليه أن يزورا كل يوم مدينة أو بلد أو جزيرة، فما كان منه إلا أن استجاب ليس برضا العالِم بعلمه، ولكن كأنه يرى البحر والعالم لأول مرة، فسافرا كل البلاد التي لها بحر، واكتشفا العالم بعين واحدة وقلب واحد مقبل على حياة جديدة كل يوم.

وفي ليلة اختفى منها القمر، انقلبت عليه كأنها أمر من أمور الدهر التي تفوق فهم البشر، واختفت كأنها لم تكن لينقلب حلمه كابوسًا، وسمع كلاما وأخبارًا تطعن في قلبه الطعنات. وقضى أيامه معذبًا، فكل الأماكن تذكره بها، فما من مدينة أو بلد أو جزيرة، إلا وله فيها ذكرى تذكّره. وفي ذات يوم، وقد تلبّسه روح الانتقام، فكر أنه سيعيد تخطيط الأماكن من دون أن يحركها؛ سيعيد رسم المسافات، سينهي عذابه بالذكريات، وفكّر: لو كانت المسافة بين مدينتين مئة كيلو مترا، فإنه سوف يخترع مقياسا جديدا يجعلها ستين… ووُلد النظام الإمبراطوري الجديد والذي يعرف أيضا بالنظام الأمريكي، لينهي عذابه بالأماكن…“". هنا وهنا فقط رفعت رأسها تنظر إليّ، كأنها تحمل بشارة، وكنت أفكر في القصة والتشابهات التي في مأساتنا. سألتها عن رأيها، قالت: "لا أعرف، لكن القصة مدهشة"، واقترحتْ أن أخترع نظاما جديدا للقياس، وبدأت نوبة من الضحك هي وأشباحها.

كتاب: المغالطات المنطقية

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريالمغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري by عادل مصطفى
My rating: 4 of 5 stars


انتهيت من قراءة ربما واحد من أهم الكتب التي قرأتها على الإطلاق. أجلت قراءته أكثر من مرة، لكن بحثا عن كتاب غير أدبي يتخلل قراءة قصيدة الكوميديا الإلهية برز هذا الكتاب بقوة.
أقول، في رأيي المتواضع الغير ملم بفصول الفلسفة، أن قراءة ودراسة المغالطات المنطقية هي ما يجب أن تصب وتجتمع فيه كل الأفكار الفلسفية موحدة جهودها في صياغة طريقة رصينة واضحة المعالم ل"نقد الجدال"، ولا أعرف هدفًا أسمى للفلسفة تجاه عموم الناس أكثر من عقلنة طرائقهم في الحوار والتفكير.
على المستوى الشخصي أحسب نفسي متسلّحّا بأكثر من سلاح ضد الوقوع فريسة للمغالطات واكتشافها كذلك، ذلك أني هذبت نفسي بالأدب الجيد منذ أن واظبت على القراءة، والأدب الجيد ربما هو وصف سريع للأدب المحبوك جيدا الذي هو بدوره محاكاة تخيلية لمنطق العقل الناضج.
مع ذلك سوف أترك مساحة آمنة لنفسي أعترف فيها أني من وقت لآخر أرتكب مغالطة أو أكثر، دافعها ربما عدم الإلمام بمادة الحوار، أو ربما الموضة التي خلقتها وسائل التواصل الحديثة في الرغبة القاهرة في أن يكون لي "منبرا" والتي تصل عند البعض إلى حالة من "استجداء الانتباه" والذين يعرفون في لغة الإنترنت بال "attention whore"، لكني اكتشفت هذا التأثير السلبي للإنترنت مبكرا وحصّنت نفسي منه قدر إمكاني.
ملاحظات تأثير الإنترنت على أشكال الحوار قد فاتت الكتاب رغم أهميتها، لكن ربما ذلك بسبب أنه وقت كتابته لم يكن للإنترنت نفس التأثير الموجود الآن.
الكتاب إذن؛ فلسفي بسيط وهي سمة لا نزول عنها في كتاب فلسفي لقارئ عام مثلي. ساح في أكثر من مدرسة فلسفية بشكل سلس وممتع.
لكن إذا كنت أدعي أني محصنًا، فما الذي جاء به الكتاب؟
وضع الكتاب إطارًا واضحًا لنقد الجدل مبني على أساس علمي، مستبدلًا إحساسي العشوائي بوجود خلل في طرح ما، ففكرة تصنيف المغالطات المنطقية إلى تصنيفات معلوم أشكالها وظروف استخدامها، لهي فكرة فعالة لقنصها من فم مرتكبها، سواء كان هذا المرتكب أنا أو الطرف الآخر.

ظهرت بعض المغالطات في أسلوب الكاتب في عدم التزامه الحيادية في تمثيل الدين، حيث ظهر انتمائه الديني يطغى على أسلوبه النقدي في بعض المواضع. ربما لهذا السبب أنتقص من التقييم نجمة.
مجملا الكتاب محاولة شجاعة للفت الانتباه لفكرة المغالطات في مجتمعنا العربي وزرع ثقافة النقد لكل ما يستقبله العقل من أفكار. و إلى حد علمي هذا هو أشهر كتاب عربي في هذا الموضوع.
بجانب هذه المراجعة التي انتهت للتوّ، كنت بدأت محاولة على تويتر لتسجيل قراءتي اللحظية للكتاب:
https://twitter.com/Mohamed_Lshawaf/s...


View all my reviews

الأحد، 11 ديسمبر 2022

الكوميديا الإلهية - الجحيم

فيما يلي مجموعة تغريدات (ثريد)، استمرت في التشكل بداية من الأنشودة الأولى حتى اكتملت عند الأنشودة الرابعة والثلاثين من الكوميديا الإلهية. فيها مجموعة من الخواطر الغير مترابطة، وإنما جمعها مزاجي الآني وانطباع قراءتي وقتها، الطريقة التي وجدتها مُثلى للعودة لكتابة مراجعات الكتب، إن شئنا تسميتها مراجعة!


التغريدات

دانتي أليجييري - الجحيم
*مشروع ثريد مفكّك، بلا هدف أو هيكل محدد

Artist: Paul Gustave Doré

إن كنت فاعلا للخير، وتتباهى بذلك، فذلك قد لا يعدو كونه جبنًا منك لممارسة فعل الشر الذي تشتهيه نفسك، فإما لم تسنح لك الفرص لذلك، أو سنحت فجبُنت.
حينها فعل الخير قد لا يعدو كونه حلًّا بديلا.

مقدمة المترجم "تلخيص للأنشودة الثالثة"

لهذا فسماء دانتي العادلة - الذكية- فطنت لهذه الغريزة، فشيّدت لها صرحًا مخصصًا في الجحيم. أتذكر نجيب محفوظ بصورِه المرئية التي يستطيع من خلالها وصف صوت أو مشاعر بطريقة شديدة الانسيابية والسهولة، كأنه اكتشف رابطًا كان خفيا بين الأشياء التي اعتدناها.
هنا دانتي يقوم بتصوير مجسّم لصوت صراخ المعذبين فالأصوات تتلاطم من كل الاتجاهات، بعنف كذرات الرمل في صحراء تشهد نوة عنيفة.

الأنشودة الرابعة:

موضوع هذه المقطوعة (لو لم أقرأ ذلك في مكان ما، فلن أحدس ذلك بالطبع 🙂) هو نزول المسيح إلى الليمبو (أول حلقات الجحيم) لإنقاذ أرواح بعض الصالحين الذين لم ينالوا التعميد. (youtu.be/hkYGD9LCNXk) و بالمناسبة مؤلف المقطوعة هو أنطونيو ساليري مُعايش موزارت والذي قام بدوره Murray Abraham
في الفيلم الرائع أماديوس.

وهذا تصوير للمسيح ينزل الليمبو لإنقاذ بعض الصالحين.
مما يظهر في جحيم دانتي أن الأفضلية كانت للأنبياء (بالمعنى الإسلامي) مثل آدم وموسى وداود وراحيل (زوجة يعقوب).
على الفلاسفة وعظماء التاريخ (أرسطو، أفلاطون، جالينوس، ابن سينا، ابن رشد، صلاح الدين، وغيرهم)
Andrea Bonaiuti:

فيرجيل وهو يصطحب تلميذه دانتي في العالم الآخر وقد وصلا إلى الليمبو؛ مقر عظماء العالم القديم، ومقر فيرجيل أيضا حيث سيترك تلميذه دانتي يكمل رحلته، ففيرجيل لا يستطيع الخروج من الليمبو، حيث قضت المشيئة الإلـٰهية.
Eugène Delacroix:

أوبرا إليكترا-شتراوس

واحدة ممن اختارهم دانتي في صفوف العظماء في الليمبو. (youtu.be/ksByBZTbadA) لوحة مدرسة أثينا الشهيرة لرفايلو مستوحاة من صورة فلاسفة أثينا (أرسطو، أفلاطون، سقراط، وغيرهم) وهم مجتمعين في أحد قصور الليمبو يتشاورون ويفكرون.

قصة شيقة على الماشي من الميتافيزيقا اليونانية، وبعض المقطوعات هدية
(من الحواشي، للمترجم حسن عثمان)

الأنشودة الخامسة:
في رأيي يُضاف هذا التعبير إلى صيغ التجديد عند دانتي بالنظر إلى شكل الأدب في عصره (~1300م)، هذه الجملة الاعتراضية لتفسير بيت سابق، تضفي حيوية للنص وانتباه الكاتب إلى حالة القارئ (إشراكه ربما في تحديد وجهة النص؟)..

وفي نفس الوقت هو لم يحاول تعديل البيت السابق لجعله أكثر وضوحًا، ولكن كلاهما يشكّلان الصورة التي أرادها من دون أن يتنازل عن معنى لصالح الآخر. يُلاحظ التشابه بين صفات الخطيئة (الشهوة) وشكل العذاب.
فالشهوة تستعبد الجسد، وتطوّح العقل في كل الاتجاهات دون استقرار أو شبع.

بطلا الأنشودة الخامسة
باولو وفرانشيسكا
يقرآن قصة حبيبين، قادتهما القراءة إلى موضع استعار الحب بينهما في مشهد ملامسة الشفاة، فما كان منهما إلا أن استجابا للغواية واستغرقا في قبلة طويلة.
من خلف الستار يرقبهما زوج فرانشيسكا الذي عاد بوشاية، فقتلهما.
وثلاثتهم في الجحيم.
ديلاكروا:

تصوير الغضب عند دانتي.
"الأنشودة السادسة"

الأنشودة السابعة
أنشودة البخلاء والمبذرين وسريعي الغضب والكسالى

لفت نظري الانتقال من الحكي إلى المُناجاة؛ أسلوب آلفه في الأدب الحديث وقل ما وجدت هذه العذوبة والشاعرية في نص قديم.

عن خرائط جحيم دانتي: (atlasobscura.com/articles/mappi…)

#أسلوب_دانتي
"أن قوما تحت الماء يتهدون، و يملأون بالفقاقيع هذا الماء عند السطح..."
أبسط شيء ممكن يوصف الأسلوب دا هو "ضرب عصفورين بحجر واحد"
صورة الفقاقيع كجزء حي من عالم الجحيم المرعب،
لكن في نفس الوقت وظفه في تعذيب طائفة من الآثمين؛ ترابط جزأين متباعدين بيزيد من واقعية الحدث.

ها نحن ذا في الأنشودة الثامنة/ الحلقة الخامسة، على أبواب مدينة الجحيم-ديس،
بداية الجحيم الدنيا.
يستدل الشياطين على الأحياء من آثار وزنهم فالموتى لا وزن لهم. هكذا عرف شياطين مدينة ديس دانتي.
لكن ما الشيء النفيس في مدينتهم الذي يجعلهم يحمونها بهذا الشكل!

في مخيلتي مشروع مقولة، أو مَثل
عن شخص يستميت في حماية مكانة أو ممتلك لا يعود عليه منه سوى الهلاك والخسران. في بداية الأنشودة الثامنة يخصص دانتي الأبيات العشرة الأولى لوصف حالة الإخفاق التي شعر بها فيرجيل لعدم دخولة مدينة ديس. لكن فيرجيل الراعي والحامي لدانتي في رحلته ينتبه لأثر خوفه الظاهر، على دانتي. فيحاول أن يخفي مشاعر القلق البادية طمأنةً لدانتي.

أجد نفسي مشدوها لأساليب كهذه فأقرأها بتاريخها لا بتاريخنا. وأجد فيها العبقرية المتعديّة للأزمان.
يقارن عقلي بينها مثلا وبين الديكاميرون.. وبين المقامات، فأجد دانتي عبقريا بحق، فكأن المقارنات وضعت حدًّا للمسموح والمتوقع، وأساليب كهذه تكسر حدود المتوقع. أحيانا أخرج من قراءة الأدب إلى قراءة العصر من خلال الأدب، وكما يشدني الأدب الجيد، يشدني أيضا قراءة تطور الأدب من خلال الأدب. في الأنشودة العاشرة الآن، وأقرر ألا أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية أثناء القراءة.
في الفترة الأخيرة أجد نفسي أبتعد شيئا فشيئًا عن عادة السماع إلى الموسيقى أثناء القراءة، وهي كانت الرفيق الدائم لها.
ذلك أني مؤخرًا وجدت أن الهدوء والصمت يتيحان للقراءة أن تظهر بصوتها الخاص.
يشبه هذا>

الاستنتاج، تفضيلي في بعض الأحيان عدم استخدام جهاز الأذن أثناء التمشية للتمتع بصوت الأشياء من حولي؛ أبواق السيارات، المارة، الطبيعة إن توفّرت، باختصار كل ما يُعرّف الشارع. يتيح هذا اكتمال تجربة التمشية. إلا إذا كانت تجربة عن غير رغبة بالطبع، حينها يكون جهاز الأذن مثالي لعزل الصوت

الأنشودة ال11 على مشارف الحلقة السابعة في الجحيم.
يضع دانتي الخونة في أسفل السافلين، في أعمق حلقات الجحيم حيث مأوى لوتشيفر (ديس)
تستطيع أن تستنبط الكثير حول أي فلسفة دينية من خلال تقريرها للإثم الذي يودي بصاحبه إلى الدرك الأسفل من الجحيم.

اختار دانتي فطرته وقلبه الرافضين للخيانة

الأنشودة الثانية عشرة بداية غور الجحيم.
يستخدم دانتي بعضًا من صور الميثولوجيا الإغريقية في وصفه للجحيم،
لا يمكن القطع أن الجحيم كقطعة أدبية، مصدرها الرئيسي الدين المسيحي أو الوثنية الإغريقية، ولكن تكاملا بينهما ليسع خيال دانتي. ولكن هنا أريد أن أشيد بالمترجم (حسن عثمان) الذي بإضافاته وحواشيه جعلت من قراءة الجحيم متعة متواصلة من دون جهد البحث عن مرامي دانتي وهو يستخدم التوريات كثيرا مفضلا إياها عن التصريح المباشر.

قراءتين هنا:
١): "ذلك الجبين..." لا يظهر من الآثم في نهر الدم سوى جبينه، يعرف القارئ مسبقا شكل العذاب في هذه الحلقة، ولكن إبراز صور كتلك من وقتٍ لآخر تضعني دائما في "قلب الحدث" وهذا أمتن له كثيرا كوني أميل للشرود والتشتت.
وربما هذه طبيعة القراءة بعامة لهذا وُجدت الصور والمحسّنات!

٢): في البيت ١١٤ (ليكن هذا...) شعرت فورًا بفقدان الألفة الدافئة التي خلقها ڤيرجيل في رفقته لدانتي، فهو - وللمرة الأولى- لا يصبح الدليل والحامي الأول لدانتي ولكن الكنتروس الأكثر علما ودراية ببيئة تلك الحلقة، فلكي يعبرا بسلام هما بحاجة إلى عبور نهر الدم وتجاوز أكثر مواقعه عمقًا. بالمناسبة (وهي مناسبة بعيدة لكن طالما يقتضي تسجيل كل ما يدور في ذهني حول قراءتي)
أتذكر دائما مسلسل (الملك فاروق)، بالشخصية التي لعب دورها عزت أبو عوف،
وبالتأثير الذي تركته فيّ بعد موته.
يتطابق هذا التأثير ربما مع تأثير انسحاب ڤيرجيل من إرشاد دانتي وإن لم يكن انسحابًا كليًا. الأنشودة الرابعة عشرة
حكاية من حكايات ڤيرجيل لدانتي.
يأتي ذكر مدينة دمياط:

من حواشي المترجم:

الأنشودة الخامسة عشرة
أنشودة الملوطين (كما يسمّها المترجم، هذا مرادف جديد أعرفه)

"كما يحدّق حائك عجوز في سَمّ الخياط"
هكذا يقيم دانتي تشبيها من الواقع ولا يترك الصورة تمر مرورا عاديا بل يعطها هذه الأهمية بوضع الصورتين معا في خيال القاريء.

يستأذن أحد الأثمين أن يصاحب دانتي قليلا
فيوافق دانتي فورا الذي تعرف عليه ، بل يعرض أن يبقى معه في الجحيم إذا أراد ذلك.

(مصري): ودي عادة المصريين في عزومة ال مراكبية.

الأنشودة العشرون: أنشودة العرافين والدجالين

يجعل دانتي عذابهم أن تلتوي رقابهم إلى ظهورهم فتصبح خطواتهم إلى الوراء.

دائما يجد دانتي المقاربة المثالية بين الخطيئة وشكل العذاب.
فهم تحدوا الطبيعة بسحرهم ونبؤاتهم للمستقبل (الأمام) فهاهي تعاقبهم اليد الإلهية بأن يسيروا عكس المستقبل.

صور كهذه هي ما تجعل العمل إنسانيًا وترفعه من مجرد خيالٍ رحب أو فانتازيا مسليّة.
فيضع دانتي نفسه بروحه وعقله في موضع الحدث فيجد نفسه لا يحتمل النظر إلى ما يعانيه المعذبون الذين يشترك معهم في الإنسانية بانتصارتها وهزائمها، فيشعر بألمهم كأنه هو الذي يتعذب.

الأنشودة الحادية والعشرون
القطران المغلي يتعذب فيه المرتشون.
يصور دانتي غليان القطران، الذي لا يكتسب حرارته من نار أو فاعل خارجي وإنما من نفسه فأداة العذاب نفسها تكسب قوتها من ذاتها لا بفعل قوة خارجية، وهذا إمعان في قساوة العذاب وجبروت الذي أراد لها ذلك.

الأنشودة السابعة والعشرون

في الحواشي - في شرح هذا البيت- يقول المترجم أن دانتي يقصد أن المدينة المُشار إليها تقع على نهر الساڤيو. لكن فضّل دانتي أن يسوق هذه الجملة البسيطة في هذه الصورة العذبة، والمنعشة.

الأنشودة الثامنة والعشرون

أقصى ما أطمح إليه من مترجم عربي هي الموضوعية والحيادية، وعدم إخضاع النص لهوىً أو عقيدة.
وما أسهل علينا نحن العرب أن نُخضع إرث الغير لهوانا وعقائدنا متجاهلين حقيقة أن ذلك لا يختلف أي اختلاف عن الخيانة والزّور- ذنبين آخرين يعاقب عليها الله!

طيلة قراءتي وأنا معجب بموسوعية المترجم وفهمه الشمولي لقصيدة دانتي،
بدون هذا الفهم ما استطعت فهم القصيدة، من خلال حواشيه التي ما خلت من تفاصيل وشروحات طالت جوانب سياسية، تاريخة اجتماعية، دينية، فلسفية، فنية،

كلها ساهمت في رسم صورة كاملة وواضحة عن القصيدة، لمن ليس لهم نفس القدر من الموسوعية، لكن تدفعهم رغبة في قراءة نصوص من التراث الإنساني الخالد،
لكن أسفا مع هذا التعليق تنهار موضوعية المترجم ويسقط جزء كبير من ثقتي، التي نشأت خطأ من موسوعيته التي رسمت في مخيلتي شخصا مولعا بالفن والأدب

كل ما أطمح إليه الآن هو أن يستمر في الإقرار في حواشيه بقراراته الغير مسؤولة كتلك، فأستطيع ويستطيع غيري تداركها في لغة أخرى! طبعا يبقى احتمال قائم أنه خشى ترجمة هذه الأبيات لما سيحيق به من شتى ألوان العذاب في الدنيا قبل الآخرة.
لكن أستبعد هذا الاحتمال لأنه برر قراره بوضوح في الحاشية، بما يوحي أنه غير مُضطر أو مغلوب على أمره، وإلا خالف سجيّته مرتين؛ الأولى بأنه خان الأمانة الأدبية والثانية أنه كذّب نفسه

هذا هو الجزء الذي اجتزّه المترجم بدعوى التطاول على النبي،
للأسف الإنجليزية المستخدمة صعبة الفهم عليّ ولا تخضع للمترجمات الإلكترونية. للأسف حرمنا المترجم من معرفة فكرة دانتي عن الإسلام ونبيِّه، ليس من المعقول أن يقرأ ويعرف العالم أجمع ولكننا نجهل رأيه عنا.
ما أقبح السلطوية!

بعدما أحطت بالمحذوف من القصيدة، أعترف أن الموضوع أكبر من المترجم. الأنشودة الثانية والثلاثون

معذَّبان منغمسان تحت بحيرة متجمدة من برد الزمهرير، أحدهما يصرخ بعدما تناوش معه دانتي، فينزعج الآخر، ويطلق ألطف نكتة سمعتها في الجحيم.

بوابة الجحيم لرودان


مستوحاة من جحيم دانتي.
ذُكِر هذا العمل في بداية الجحيم، أذكره الآن- في الأنشودة الثالثة والثلاثون، لأنها ضمّت بين ما تضم من شخصيات القصيدة، شخصية أوجولينيو، الذي غُدِر به وحُبس مع أبناءه في أحد أبراج پيزا، الذي ماتوا فيه جميعا من الجوع (artsandculture.google.com/asset/the-gate…)

الأنشودة الرابعة والثلاثون - أنشودة لوتشفيرو

صورة المعذّبين في الحلقة الأخيرة من حلقات الجحيم، تذكرني بالصورة السينمائية التي توظف منظر الموتى داخل آنية زجاجية ملآى بمحلول ما، توظفها في بثّ الرعب، ودائما تنجح هذه الفكرة وتتكرر من فيلم رعب لآخر.
هنا، ربما ابتكر دانتي هذا المشهد..

الحواشي من ٨ إلى ١١:
لا يترك المترجم النص مُبهمًا إلا وفسّره، وربما هذا الإبهام أخطر من غيره لأن ظاهره شطحة بلا تخطيط، وهذا التفسير واضح أنه نتاج بحث واستقصاء، لن يبلغهما القارئ.
هذه من أفضل الترجمات التى بغض النظر عن سقطته في إسقاط نص كامل، كانت خير معين لي في هذه الرحلة الطويلة

وأخيرا.. تنتهي رحلة الجحيم.

السبت، 11 ديسمبر 2021

ضيف تقيل

 عندما طلب عم عبده الشرطة كان الكشك قد تحطم بالكامل وجثة ترقد بالخارج، قد لفظ أخر أنفاسه منذ ساعتين، وصلت الشرطة وبدأت في استجواب عم عبده: 

- كم تقدر حجم خسائر البضاعة في الكشك؟

كان عم عبده قد جهز رقمًا، قال:

-ألفين وخمسميت جنيه

في ذلك الوقت كان تجمهرًا آخذًا في التزاحم حول الجثة، فعطَّل الطريق، فانتبه المحقق الذي قطعت أصوات أبواق السيارات تحقيقه مع عم عبده، فذهب بنفسه لينتبه له العسكري المصاحب الذي انتفر من موقفه الراكن بجوار أحد أعمدة التندة التي سقطت عند سقوط الصريع، ودب نشاط في ذراعيه لتبطشا في المتجمهرين، بعد وقت قليل استطاع فتح طريق للسيارات، وهدأ صوت الغضب من أبواقها.

عاد المحقق:

- كم سعر التندة؟

- حوالي ألف جنيه

- الخسارة المقدرة إذن تلتلاف وخمسميت جنيه؟

- أيوا

انفضّ التجمهر وبقت الجثة وحيدة على قارعة الطريق.

جاء الابن الوحيد لعم عبده صاحب الثلاثين عام، واسمه إبراهيم مندفعًا مفجوعا بالمأساة والخسارة التي حاقت بمصدر الرزق الوحيد للأسرة، لكن ما أن وقع نظره على رجل الشرطة حتى تعقلنت ثورته، ضرب بكفيه إثر رؤيته آثار الخسارة، متنقلا بنظراته بين كراتين الشيبسي وأرغفة العيش وزجاجات العصير والمياه الغازية، والبيض والحلاوة، والزيت الذي وثق حركة أقدام الداخلين والخارجين إلى الكشك. ولسبب ما اختار الشمعدان من بين كل هذه البضاعة وقال متأثرًا:

- حتى الشمعدان! 

انتبه له المحقق الذي طلب منه الابتعاد، لكن عم عبده أخبره إن ذاك ابنه.

بدأ المطر في السقوط في الخارج، لكن وقع صوت ارتطام حبات المطر بأكياس الشيبسي موقعا حزينًا في نفس عم عبده، فتجسدت أحزانه، بينما جلس إبراهيم على أحد صناديق الكوك كولا، غير بعيد عن موقع الجثة التي شفّ المطر وجهها من تحت الملاءة البيضاء وفمه مفتوح لزخات المطر. 


ثم وكأنه تذكر شيئًا، بينما يحدّق في الجثة ويسبها في نفسه، انتفض إبراهيم من على الصندوق، وقال للمحقق:

- طيب مين يعوضنا الخسارة دي؟

جاء صوت والده كلحنٍ حزين على خلفية مشهد درامي:

- عليه العوض ومنه العوض.

قال المحقق:

- بنجرد الخساير وهيتم تقدير التعويضات.


كانت مجموعة من الكلاب تحوم حول الجثة فاشرأب المحقق نحوها ليتأكد عدم نيتها الاقتراب، فخرج العسكري يهش وينش كما يفعل مع ذباب المكتب. ابتعدت الكلاب وعاد العسكري يتسند واقفا على عمود التندة وهو يدخن.


عاد المحقق لمجرى التحقيق:

-هل لديك مصدر رزق غير هذا

-لا والله

فجأة قطع الهدوء صراخ العسكري وهو يقول "هش، امشي ابعد". فتحولت نظراتهم من داخل الكشك لما يحدث في الخارج، كانت الكلاب تحاول جذب الجثة من القدمين، لكن نجح الشاويش في إبعادها بالحجارة بعد أن استطاعت زحزحة الجثة مقدارا ليس قليلا حيث لم تعد في مركز مدخل الكشك من الخارج.

قال المحقق بعد أن اطمئن لاستتباب الهدوء في الخارج:

- نحتاج إلى استجواب الشهود

تواصل مع العسكري الواقف بالخارج الذي دخل وفي عينيه وأرنبة أنفه احمرار شديد، أمره المحقق بإحضار الشهود. 

بعد قليل دخل رجل ستيني في عينيه احمرار، وفي وجهه حزن وجفاف. تواجه مع المحقق الذي سأله:

- كيف عرفتم بالحادث؟

- سمعنا صوت انهيار في الطابق السفلي.

- ما علاقتكم بصاحب الكشك عبده إبراهيم؟

- كل خير

- هل أنتم على علم بحجم الخسائر؟

- لا، لكن هل...

فجأة انفجر المشهد إثر عواء عصابة الكلاب التي نجحت في خطف الجثة وفرّت بها هاربة، فهرع المحقق وراءها غير واعٍ، ثم تبعه العسكري الذي فاق من النعاس، ومن بعدهم الرجل الستيني يحاول إنقاذ جثمان ضيفه الذي زاره منذ الصباح.

نجح ثلاثتهم في استرجاع الجثة بعد أن عرقل حجر طريق الكلاب.

عادوا بها حملًا على الأعناق إلى مركز مدخل الكشك، وقامو بتغطيتها بورق الكرتون، بدلا من الملاءة القماش التي ضاعت في الطريق.

كان المحقق جالسًا يحدق في الأرض، يفكّر بعمق، يفرك يديه من آثار الطين العالق بملابس المتوفي، ثم رفع رأسه بخفّة بعد ثقل، وقال:

- هنوزن الجثة

وأشار للعسكري نحو ميزان الأجولة القائم في ركن الكشك البعيد، أحضره العسكري تحت قدم المحقق. لكن انفجر الرجل الستيني:

- يا سعادة البيه دا إسمه كلام! فين حرمة الميت، ميجوزش الكلام ده والله.

هنا تصدى له إبراهيم الذي قال بشكل قاطع:

- وفين حرمة الحي يا عم عبد الحي؟

خرج عم عبد الحي غاضبا، توقف عند جثمان ضيفه، قرأ الفاتحة ثم رجع إلى حيث كان.

تعاون إبراهيم مع العسكري في حمل الجثمان، صعدا بها الدرجتين اللتين تفصلان الكشك عن الشارع، وسارا بهدوء إلى داخل الكشك، لكن انزلقت قدم إبراهيم في المقدمة بسبب زيت الطعام، ففقد توازنه ليسقط وفي إثره سقط العسكري والجثة.


وضعوا الجثة على الميزان لتدب الحياة في مؤشره، حتى استقر عند الرقم ١١٢. فتوجهوا بنظراتهم المتسائلة نحو المحقق الذي كان يفكر بعمق. قال وهو ما زال يفكر:

- وزن ثقيل على التندة

فرد عم عبده:

- وحضرتك كنت مفكّر إننا بنتبلّى على الجثة، ما هي سبب المصايب دي كلها.

- مبتتبلاش، لكن الكلام بينا حاجة واللي هيتكتب في التحقيق حاجة تانية.

في هذه اللحظة انبثق من صمت الليل صوت سرينة بوليس، تقترب في سرعة وثبات، وما مرت لحظات حتى توقف بوكس خارج الكشك، بالكاد استطاع تفادي الجثمان، وخرج منه طاقم شرطة مكونًّا من أربعة عناصر، ذهب المحقق لاستقبالهم، تفحص أحدهم الجثة وانتظر البقية، وحين انتهى تجمعوا في دائرة ليجري حديث خافت بينهم، لا يُفهم منه شيء سوى أنها أمور خاصة برجال الشرطة. ثم انتهوا إلى اتفاق على شيء ما، واستقلّت كل مجموعة سيارتها، ورحلوا عن المكان، وكان عم عبده يشاهد كل ذلك، من دون أن يفهم شيء، خرج إبراهيم، وتوقف عند رأس الجثة، وهو يتابع انسحاب السيارات. حتى خلت المنطقة.

"هم راحوا فين؟" - سأل عم عبده من داخل الكشك بلا حراك، مصغيًا للسكون في انتظار مفاجأة أخرى، "مش عارف" قال إبراهيم وقد أصابه تيه أخضعه للسكون.


ثم جاءت الكلاب وأخذت الجثة بثقة كأنها اطمأنت لعدم وجود الشرطة، سحبها كلبان من القدمين، بينما تبعهما كلبان كبيران كأنهما يؤمنان عملية الاختطاف.

بدأ عم عبده في تنظيف الكشك، بينما قام إبراهيم بجمع الكراتين والعلب الملقية أمامه.


السبت، 24 أبريل 2021

الحساب البنكي

     كانت الساعة الثانية والنصف صباحًا، في الخارج تزأر محركات السيارات بحُرية، وبين الحين والآخر تعوي مجموعة كلاب. النسيم يجد طريقه إلى شباك غرفتي أو أن العالم بالخارج مشبع بالنسائم فطالت غرفتي نصيبها؛ عموما كان الجو ساحرا والبال خاليا وأنا كنت نائم في عز النوم حين زعرت بحلم كالجاثوم، حتى أنني التقطت هاتفي الذي بجواري على الوسادة؛ فتحته قاصدا تطبيقًا واحدًا ألجأ إليه في ظروف كهذه، فتحت تطبيق حسابي البنكي وتأكدت من رصيدي، كان كاملاً غير منقوص، خانة الرصيد ممتلئة بالأرقام؛ شعرت بالرضا ولفظت الأفكار السيئة التي ساقها الحلم إليّ، منذ فترة والأحلام السوداء تعكر ساعات نومي وتوقظني بعنف، على اختلاف طبيعتها إلا إني وجدت طريق راحتي للتخلص من القلق عن طريق الاطمئنان على حسابي البنكي حتى لو كنت في الكابوس أُشوى على مقلاة عملاقة تغلي بالزيت. بطريقة ما طورت أسلوبًا يجعلني أربط بين مجموعة أحداث سواء كانت واقعية أو خيالية وبين مصير حسابي البنكي، ليس في أحلامي وحسب، ولكن في حياتي اليومية أيضا؛ مثل رسالة بريدية من مديري يطلب مني مهام معينة، أحيانا أشعر أن غرضها الإيقاع بي للتخلص مني، حتى إن في موعد تجديد عقدي السنوي تجنبت التحدث في أي زيادة في الراتب كنوع من إثبات حسن النوايا من جهتي وتهدئة الصراع. بدأ الأمر عندما اجتاحت كورونا بيئات العمل حينها خسرت عملي في واقعة تقليل أعداد العمالة وبدأت الأرقام تتهاوى من حسابي البنكي شهرا بعد شهر، حينها أصبحت الحياة اليومية أثقل مما يكون فهي تنهش في هذه الأرقام أسرع من أي وقت مضى، فبانت على قساوتها الحقيقية. وكنت كالذي ينتظر حتفه عندما تتبدل الأرقام أصفارًا. وضعت تصورا للانتحار وخططًا لوظائف بديلة أيضا.
لكن حدث ما يشبه -في قوانين الإيمان- بالمد الإلـٰهي، وحصلت على وظيفة في شركة مستقرة نسبيًا، وما أن أنعشتني هذه التغيرات وأحيتني وأحيت رصيدي البنكي من جديد، حتى بدأت مباريات وهمية بين مصير حسابي البنكي وبين طريقة تعامل مديري معي، والعروض التي أقدمها أمام مجلس الإدارة، وتقييم الأداء السنوي.
منذ ذلك الحين أيضا ظهر نوع جديد من الكوابيس رغم النسيم الذي يعبر شباك غرفتي بين الحين والآخر، وكنت أجد الاطمئنان على حسابي البنكي الملاذ الوحيد من كل هذا.

*****

ليس بالضرورة أن تعكس هذه القصة (أو غيرها عموما) واقعًا حقيقيا عايشته، هي مزيج من بعض الوقائع والخيال. 

الجمعة، 12 فبراير 2021

حكاية منتصف الليل

4 يناير 2016

في تلك الليلة لوّح لي، لو لم نكن في منتصف الليل لظننت أنه يقصد أحد خلفي، وهذا يحدث عادة، أن يلوح أحدهم أو يبتسم ناحيتي، لكني أتجاهله كأنها غلطة. لكن هذه لم تكن غلطة، بل كانت موجهة لي أنا، فالميدان خالي تمامًا.
صاح من شرفة في الدور الأول، في حين كنت أسلك طريقي للعودة إلى المنزل، البرد قارصا، والكوفية تلف عنقي بإحكام، صاح مرة أخرى:
- تعالى متخفش.
لوحت له مستفهمًا وألقيت نظرة خلفي.
- تعالى بس.
اتجهت إلى موقع سقوط رأسه، وأصبح بيننا خطا قصيرا.
-معاك عشرين جنيه؟
لم أدر بماذا أرد، فكل الردود ستكون سخيفة في حضور ثقته الزائدة وكأننا صديقين:
-بتوع إيه؟
-شكلك معاك، هات عشرين جنيه وانا هوريك حاجة حلوه، بص لو حماده كان موجود كان هيديني العشرين جنيه.
سرى لدي يقين أنه مجنون، واخترت أن أعامله على هذا النحو:
-وحماده فين؟
-مات، مات من أسبوع.
-البقية ف حياتك، أنا هروح اجيب العشرين جنيه وارجعلك.
-ماشي بس متتأخرش.
-لا خالص، مسافة السكة، استناني هنا هجيلك.
-ماشي،انت اسمك ايه؟
-سامح، وانت؟
-محمود.
-ماشي يا محمود. هروح انا اجيب الفلوس.
ومشيت مبتعدًا منتظرًا أن يقول شيئًا أخرقًا، حتى صاح من خلفي:
-مش تتأخر يا سامح.
لم أرد عليه، وكأن الموضوع انتهى. لكنه لم يتوقف:
-سامح مش تتأخر..
فكرت أنه سيلاحقني بصياحه، التفت نحوه:
-هجيلك يا محمود.
لكنه كان ذكيا بما يكفي ليستنبط من نبرتي المُتعجّلة أنني أزوغ منه. نظرت خلفي فلم أجد له أثرًا.
لكني حثثت في سيري وأنا أفكر فيما جعله يختفي فجأة هكذا.
حتى سمعت:
- مش تهرب يا سامح.
نظرت خلفي، فوجدته واقفًا وسط الشارع، مرتديًا بلوفر قديم وبنطلون كستور. كان هزيلًا ومسكينا.
-إيه اللي نزلك، الجو برد.
-انت مش مصدقني؟
-مصدق إيه؟
-إن عندي كنز.
-ومين قال؟
-انا قلتلك!
ثم أمال رأسه قليلًا مشيرًا بإصبعه إلى شفتيه، مضيًقًا عيناه.
ثم صاح مبتهجًا:
-إيه دا صحيح، أنا مقلتلكش.. طيب تعالي معايا...
ثم جذبني من ساعدي كطفل، لكني قاومته، فنظر ناحيتي مستفهمًا، قلت:
-سيبني يا محمود، هروح اجيبلك ال20 جنيه.
قلتها ولم أكن خائفًا، لكن إحساسا بالشفقة جعلني متعاطفًا. وإلا لكنت دفعته عنّي وبنيتي أقوى منه.
قال:
-انت مش مصدقني ليه، والله العظيم- اللي خد حماده، فيه كنز.
-طيب عايز العشرين جنيه تعمل بيها إيه.
-هبيعلك الكنز ،أنا محتاج فلوس.
كان يمكنني أن أسأله أسئلة لا نهائية بخصوص كنزه، لكن ذلك سيكون مضيعة كبيرة للوقت، لذا فقد ذهبت معه، ولم ينبس بكلمة، لكنه كان متشبثًا بذراعي كأني سوف أهرب منه.
صعدنا سلمًا ضيقًا لا يسعنا معا، كانت تفوح منه رائحة قذرة، سوره متهدم والإضاءة شاحبة، نظرت إلى ملابسه، كانت قذرة كذلك، كان بائسًا.
عند نهاية السلم دفع بابًا خشبيًا متهالكًا، محدثًا صريرًا. وما أن دخلنا البيت، حتى ارتد الباب من تلقاء نفسه ليعود إلى وضعه الأول.
قلت وقد نفذ صبري:
-فين الكنز يا سيدي؟
أخذ يدور حول نفسه، مشيرًا مرة يمينه ومرة يساره، حتى استنفد جميع الجهات تقريبا، وتوقف قليلا ليفكر مبللًا إصبعه بين شفتيه، وعيناه تتابعان بحثًا مرهقًا في عقله.
فجأة توجه ناحية غرفة. ثم انحنى أسفل أريكة مزيحًا ملاءة تغطيها ليستخرج شيئًا ثقيلا، كان صندوقًا خشبيًا، حمله وجاء به إلي. كان مبتهجًا. كنت أتابعه باستغراب ودهشة بذلك الاحتمال الضئيل جدا، أن يكون هناك حقًّا كنز!
أخذ يفتح الصندوق بصعوبة، متوقعًا أن يتوقف ليفكر في طريقة فتحه، لكن بحماسة شديدة فتحه، ثم أشار إلى ما بداخله، وأنا أمعن النظر بمحاولة بطيئة للاستيعاب، التقط كيسًا وفتحه، ثم نثره فوق بقية الأكياس. سألته:
-إيه دا؟
فكر بصوت كالأنين، ثم قال:
- دا بانجو.
لم أشعر بشيء سوى برجفة غير مبررة من صدري، كان حسن التصرف يقضي بأن أغادر فورًا، لكن شيئًا بداخلي حاول إقناعي أني أمام كنز، وتذكرت، وبشكل يدعو للشفقة، أني بالفعل ليس معي عشرين جنيه، وربما هذه هي هدية السماء.
-وانت عايز تبيعلي الكنز دا ليه؟
-عايز فلوس...
-تعمل بيها إيه؟
-أشتري عربية.
-تشتري عربية بعشرين جنيه ازاي.
قطب حاجبيه، وفكر قليلًا بطريقته التي أصبحت مألوفة لي، ثم قال:
- لا.. عشرين ألف جنيه.
يا تُرى ماذا نسي أيضًا، شعرت أني في ورطة لو لم أغادر حالا قبل أن يأتي أحدهم نسي أن يذكره لي. قلت وكأن شيئا لم يكن:
-أنا هروح اجيب العشرين ألف جنيه واجيلك.
صدقني هذه المرة واثقًا من أن رؤيتي للكنز عزّزت من عرضه.
لكن قبل أن أغادر استوقفني:
-استنى هوريك البانجو بيتشرب ازاي
(12 فبراير 2021)
لم أدرِ بماذا أرد هذه المرة، وقد بدا غير قابل لتصديق أي حيلة أخرى، كأنني صديقه.
تراجعت بظهري للخلف قاصدًا الباب، وقد بدأ في فتح أحد الأكياس، ثم أخد يعب منها في أنفه وفي فمه بلا وعي أو هدف سوى الاستعراض أمامي. كنت قد تراجعت مسافة معقولة لكن ما إن لمح انسحابي حتى جرى نحوي وفي يده الكيس ثم رماه في وجهي وهو يصرخ سعيدًا منتشيًا.
أظنني استنشقت بعضًا منه قبل أن أمسحه بعصبية بكامل ذراعيّ. اقترب مني وهو يقول بهدوء ومسكنة:
هات عشرين جنيه
لكني دفعته بقوة خاسرًا كل هدوئي ورباطتي حتى سقط على الأرض، وجريت إلى الخارج وأنا أمسح كل أثر لتلك البودرة الغريبة عليّ. توقفت عند مدخل البناية أنظر حواليّ وأنا أفكر في الوقت ذاته في سامح فقد سقط بقوة على الأرض. لم يلاحقني وقد أقلقني هذا، وجعلني أفكر في السيناريوهات القاتمة.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...