الجمعة، 7 يونيو 2019

الحالة الحرجة للمدعو ك

My rating: 5 of 5 stars

كنت أؤجل اكتشاف الأدب الخليجي لأجل غير مُحدّد كواجب عليّ أن أزوره وأطمئن على تواجده، للرابطة اللسانية بيننا (والأدب العربي الغير مصري عمومًا- يا للخسارة، أعرف!)، حتى ظهر اسم هذه الرواية في تايملايني على تويتر، وكانت الآراء شبه متفقة بإيجابية على الرواية، واكتشفت أنني تأخرت، لا في قراءتها، ولكن في التعرّف عليها. وقررت قراءتها فورًا.
في البداية حينما ذُكرت كلمة "غترة" فقد ظننت أني بشكل رسمي، قد قرأت أدبًا خليجيًا، وشعرت بشعور الفاتح، وسعدت أن أدبًا حداثيًا بهذا النضج يجد مكانه في هذه المنطقة المثقلة بماضيها وتقاليدها وتراثها الأدبي.
والآن وبعد انتهائي من الرواية لا أجد منها ما ينتمي للبيئة سوى النذر القليل، وأن البيئة ليست ما يشغل الرواية، بل ما هو أبعد- إلى حدود إنسانية بعيدة، فكان خير للأدب الخليجي والأدب العربي عمومًا.
***
الرواية بديعة، مرهفة، وآية من آيات الذكاء في استنباط ما وراء الحواجز الإنسانية. لا أذكر عدد المرات التي ضحكت فيها للتطابق المدهش الذي بيني وبين أحد الشخصيات -لا سيما ك.- وشعرت بالغيرة أنه فهمني أكثر مني! أو وصفًا شديد التعقيد صيغ بأسلوب سهل كأنه ليس معقّدًا أصلًا.

● لا أعرف تصورًا واقعيًا لأدب كافكا أفضل مما قُدِّم في هذه الرواية، بل أعتقد أن وظيفته في هذا أكثر تعقيدًا، فبدون أن يتحوّل إلى حشرة عملاقة، استطاع أن يجد طريقه إلى الطبيعة النفعية السوداوية في العلاقات، كان مقنعًا جدًا، صادقًا بشكل مفجع. طبعًا بدون انتقاص شيء من قيمة كافكا، فكافكا في النهاية حكّاء يحب الخلق، وكتابة قصة عن حشرة عملاقة لهو أمر مثير لشهية رجل يشتغل في الخيال. العلاقة النفعية طبعًا ليست شيئًا متجذّرًا في العلاقات الأسرية، لكن كيميائيًا هناك نسب في هذا المركب المعقد.

● كنت أريد أن أنتقد كراهيته لكل ما حوله خصوصا في علاقاته داخل الشركة، وكأن هناك مغالاة في الكراهية، لاغية كل الأواصر الإنسانية ولو بسيطة (ليس الحب، ولكن التقاطعات الإنسانية)، فتذكّرت أني في مرحلة ما من حياتي العملية كنت أكره عملي والشركة التي أعمل فيها والزملاء الذين أختلط بهم يوميًا، ولا أرى أي أواصر إنسانية تربطني بهم، وربما نسيت هذه المرحلة أثناء إطلاق هذا الحكم، لكني أطلقته وأنا في وضع أفضل وأكثر رضا، فتنبّهت إلى أن بعض الأحكام التي أطلقها ربما منبعها هو إسقاط مباشر على خبراتي أنا في الحياة بما فيها من محدودية وضيق أفق وقلة تمرّس، بغض النظر عن تجربة الكاتب الخاصة، فتعلّمت (أتمنى!) أن أكون أكثر حذرًا في إطلاق أحكام عن التجارب الإنسانية الخاصة.

● أعجبتني جدا شخصية الجد؛ وجودها كان هام أيضا لتحرر نوايا ك. من عدوانيته المطلقة للمجتمع، فالعلاقة المتبادلة بين ك. والجد أكدت كراهيته للافتعال والتصنع، المتفشيين في كل ما حوله، في مقابل الصدق والصراحة، حتى لو صاحبتهما فظاظة وقسوة، فذلك أفضل من علاقته مع أهل خطيبة أخيه العائمة في التصنع الاجتماعي.

طبعًا الرواية تشع ذكاءً وألمعية لكنها مع ذلك ليست إلهامًا متصلًا، وقد أغض البصر عن بعض ملاحظاتي عندما تكون محصلة قراءتي لها استمتاعًا ودهشة، لكني أحاول أن أكتب كل ملاحظاتي على الكتب التي أقرأها في المراجعة وكل ما يخطر على بالي، إن أتيح لي ذلك، لأن هذا غالبا ما يبقى لي من الكتاب بعد قراءته، فبعد شهر أو أكثر سيتلاشى هذا الكتاب من رأسي، وبقاءه معي يتحدد بذكرى عنه أو بشيء كتبته مرتبط به:

● بالحديث عن رسم الشخصيات وكيف أنه أتقنها، وكيف أنني أحببت شخصية الجد، كانت شخصية الأب عكس ذلك؛ كانت سمته الرئيسية التي حددت شخصيته: "لا تبالغ" وكان هذا تقريبًا رد فعله على كل شيء، فأدركت أن الكاتب يريد أن يبني "براند" الشخصية على هذه الكلمة، وهذا لا يجعل قبولها في نفسي -على الأقل- ذا صدى، فالبراند لا يُبنى بالشعار وحده، ولكن هناك مقدمات تاريخية، فأنت مثلًا عندما تذكر أمامي كلمة "نوكيا" فأنا أدرك الكثير ما يختصر الكلام، ليس في قوة كلمة "نوكيا" في حد ذاتها ولكن لأن المقدمات التاريخية تحمل على رأسها اسم البراند. فلا تتوقع أنك عندما ترسم شخصية وتحدد بضع كلمات تكررها أني سأقنع بالأفعال التي في هذه الكلمات.
● في مواقف قليلة كان مبالغًا في الوصف، مثل زيارته للطبيب في صباه مع أبيه؛ وصف ميكروسكوبي لكل شيء، لجلسة الطبيب، لوضعية ذراعيه.. إلخ، وصف يؤدي بدوره إلى وصف، مثل لعبة الماتريوشكا الروسية، بشكل لا فائدة منه سوى إفراغ طاقة أدبية زائدة، يبدو أن الكاتب حضرته الكلمات والأحداث بتدفق بشكل من الصعب التخلي عنها، هي لحظات تحتاج بعض الشجاعة من الكاتب أن يلقيها جانبًا رغم ما فيها من صنعة وحبكة. قرأت في مقال يتحدث عن ليوناردو دافينشي أن من أسباب تفوقه ونبوغه أنه لم يهتم بالأشياء قدر اهتمامه بالرابط بينها، وهذه هي المشكلة في مواقف كهذه؛ اهتمام زائد بالأشياء بدون وجود دور فاعل لها في حركة الأحداث.

هذه بضع ملاحظات مرت عليّ أثناء قراءتي الرواية، ووجدت أنها ربما تكون ذا قيمة في تقييمي للكتاب.

لكن مجملًا، هذه واحدة من أجمل الروايات التي قرأتها إلى الآن.

الخميس، 6 يونيو 2019

شكرانية

تغدينا سويًا على أجنحة العصافير الصغيرة 
طار طبق إلى السماء، إلى الأم المهاجرة الثُكلى 
بعد حينٍ سقط الطبق وعليه عصفورة أكبر 
أكلنا حتى شبعنا، شاكرين النعم.

الأحد، 12 مايو 2019

القارئ

    قابلته ذات أصيل في أحد المقاهي، كان ملثّمًا ويرتدي جلبابًا أزرقًا، وأنا سألته: "أتيت من الصحراء الغربية؟"، ساعتها نظر إليَ مستنكرًا، رفض شرب أي شيء وشربت أنا الشاي. تحدّث معي كثيرًا، وفي النهاية أخبرني أني سأموت غدًا، وأنا شكوت له أني لا زلت صغيرًا، وأحب الحياة، وتعرفت على فتاة أخيرًا، وطلب فنجان قهوة وأنا انتظرت حتى جاء النادل، قلت "هل هذا آخر كلام؟"، قال "نعم، هناك لوائح"، وأنا طلبت قراءة اللوائح، فكشف عن وجهه، حدقت فيه طويلًا، وقرأت اللوائح، ثم أعاد لثامه بخفةِ مَن أمامه العمر كله، وأنا شعرت بالوهن كدنوّ الأجل، جاء النادل بالفاتورة وأنا حاسبت، غادر المقهى، لم أنظر خلفي لأتابعه، ظل شبح وجهه أمامي، حملت كتابًا كنت أحضرته معي للقراءة في المقهى، وغادرت. عند المفترق، نظرت يمنة ويسرة، لم أجد له أي أثر، وبدأت أجهز لمراسم موتي المبكّر؛ اتصلت بها وأخبرتها أني أحبها وأريد تقبيلها، رفضت لأنها ظنت أني تحت تأثير الشهوة، وكنت حقًا تحت تأثير الشهوة التي سأفتقدها بعد موتي، لكني غضبت لأنها لم تفهم أني سأموت غدًا. عندما تقابلنا، وكانت تتكلم معي كأننا فعلنا شيئا فاحشًا في الحلم، سألتني عن ديوان لوركا الذي أعطته لي وطلبت أن أقرأه، كذبت وقلت أني قرأته ولم يعجبني، ولم يعد من مجال لفتح حوارٍ بعدها، حاسبتُ وغادرنا المقهى وافترقنا، ولم أنظر خلفي، ومن خبرتي في العلاقات تأكد لي أن هذا آخر لقاء بيننا.

في البيت وجدته ينتظر ومعه اثنين ملثّمين، وكانوا يشربون القهوة. لوهلة ظننتهم لصوص، حتى نظر نحوي الرجل الذي قابلته في المقهى، سقطت من يدي المفاتيح، وشعرت بالموت ورائحة قديمة تزكم أنفي. دعوني لأجلس معهم، وأفهمني أن هؤلاء جاءوا للتنفيذ، ثم أشار لي ناحية باب غرفتي، وفهمت أني سأموت على فراشي، عندما انفتح الباب وجدت صديقتي جالسة تتزيّن أمام المرآة مرتديةً قميص نوم أبيض واستطعت أن أرى صدرها العفيّ وأردافها الممتلئة، وأشار لي كمن يقدم هدية من العيب رفضها، وأنا رفضت، وزعقت فيهم وأفهمتهم أن هذا غير لائق، وأن عليهم أن ينفذوا الإعدام بدون إضافات، كانت صديقتي ميتّة- أفهمني- وقوانين الموت تختلف، وكشف واحد آخر عن وجهه وقرأت فيه قوانين الموت، للحظة شعرت برضا جامح أنه ليس عليّ ادّعاء المُثل، نظرت إليها وأنا أشعر بالخجل والرغبة معًا. أصبحنا وحدنا بعد أن أُغلِق الباب علينا، استلقت على الفراش وابتسمت بغنج وقالت: "قبلني"، هممت بها، ثم انفتح الباب واندفع ثالثهم، سحبني من ذراعي وخرج، صرخت مدافعًا عن نفسي: "لم نفعل شيئًا"، كشف عن وجهه وقرأت حظي.

الثلاثاء، 16 أبريل 2019

نسيان

استيقظت هذا الصباح، أردت تشكيل تعبيرٍ طرأ في رأسي كومضة، لكني اكتشفت أني نسيت الكلمات الرئيسية المكونة للتعبير، نسيتها تمامًا، حاولت البحث عن مترادفات قريبة من خلال الإنترنت، لكن كل ما اكتشفته لم يسد حاجتي من التعبير وفكرت عبثًا أنه تم حذفها من الإنترنت، استعنت بصديق موسوعيّ متخصص في المعاجم وتاريخ اللغات وحاولت شرح ما أردت التعبير عنه، لكنه عجز عن فهمي، وأتى بكلمات جعلت من تعبيري مسخًا. شعرت بالضيق والحاجة للبكاء، نصحني بالذهاب إلى طبيب نفسي وقال أنه بالفعل عرض جميع الكلمات المحتملة الموجودة في المعاجم الكبيرة، ولابد ألا يخرج منها تعبير أيًّا كان حجمه وطبيعته، فنبهني حديثه عن المعاجم إلى أنه من الممكن أن يكون التعبير الذي أبحث عنه موجودًا في لغات أخرى، فجربت اللغة الإنجليزية التي أتقنها بالفعل، لكن فكرتي كانت بالعربية ولا يمكن ترجمتها في شكلها المجرد، بدأت أتدرب على تشكيل تعبيرات بسيطة، مثل "الشمس مشرقة"، ثم أقوم بتطوير التعبير مثل "الشمس مشرقة على أجنحة العصافير"، وكررت نفس الطريقة مع التعبير الذي أردته، لكنه لم يتحرك خطوة واحدة للأمام، وظل التعبير في رأسي على أمل أن أجد له الكلمات المناسبة، حاولت مجدّدًا بعد عدة أسابيع من قراءة المزيد من الكتب والمقالات وتصفّح المعاجم، لكني فشلت، وصار اليوم الذي استيقظت فيه وفقدت فيه الكلمات، يومًا أسودًا في ذاكرتي، كأنه اقتُطِع من حسابات الفلك، ومن عمري، وكلما تذكرته شعرت بخيبة أمل كبيرة، ورغبت بالهرب من التفكير فيه، كأنه دينًا عليّ، متمنيًا أن أنساه إلى الأبد، لكنه كان يظهر في وجهي في المرآة وفي مقدمات الكتب، والمكتبات، ورسائلي إلى أصدقائي، وفنجان القهوة، ومع كلِّ صباح، وأصبح شبحًا يطاردنني، وفكرت أن أزور طبيبًا نفسيًا، لكني خشيت أن أقع في مصيدة المرض النفسي.
مرت عدة أشهر توقفت فيها عن القراءة نهائيا وعن معظم أنشطتي الفكرية، وصرت أعمل لساعات إضافية، أصبحت أشاهد يوتيوب أكثر من أي وقت مضى، ابتعدت عن أصدقائي القدامى، ودفنت نفسي في وحدة طويلة. ولم أعد أشعر بحاجة إلى التعبير وصارت أيامي كلها متشابهة، فارغة، وقابلة للنسيان بسهولة.

الاثنين، 7 يناير 2019

مأوى

أخرج من العمل بعد الحادية عشرة.
درجة الحرارة حوالي ٦ مئوية، أو درجة استحالة المشي ليلا في الشتاء.
يكتشف زميلي أن سيارته محجوزة بين سيارات الجراج، فيتركها.
نهرول إلى أول الطريق، يلحق هو بميكروباص
وأنتظر في الاتجاه المعاكس.
أتجمد ولا أشعر بوجهي.
‏أجري كي أقرّب المسافات.
أشتري شيكولاتة من السوبر ماركت الدافئ.
أنتظر قليلا، يشك فيّ صاحب السوبر ماركت فأدفع ثمن الشيكولاتة.
أخرج إلى الطريق، أشعر ببعض الدفء تحت شجرة.
آكل الشيكولاتة. يتخطاني السائقون بلا مبالاة ولا شفقة.
توقفت سيارة صغيرة، رميت ورقة الشيكولاتة.
أركب في المقدمة محاولا إخفاء شعوري الغامر بالدفء.
أدفع للسائق مبلغا أقل من أجرته لأن محطتي على مسافة أقصر. 
لا أشعر نحوه بالامتنان. 
أحاول أنا آخذ حقي من الدفء.
أدخل الشقة.
أجري في كل مكان في عجالة كأنني متأخر عن شيء هام.
أرتدي ملابسي المنزلية وأندسّ تحت أغطيتي.
وأرتجف بلا توقف.
———
[12:35 AM]  ‏

حرفيًا لا أستطيع أن أتوقف
[02:16 AM] ‏

توقف الارتجاف عند الواحدة والنصف.
واستيقظت كأنه يبدأ من جديد.
وكنت جائعا بشدة

٧ يناير ٢٠١٩

السبت، 1 ديسمبر 2018

العدّاء

كنت عداءً في المدرسة، في أحد السباقات تذكرت أن جدتي كانت تحكي لي أنها كانت أيضًا عداءة رغم أنها لم تدخل المدرسة، وقالت أن العائلة كلهم في الأصل عداؤون، ولم أكن أفهم كيف يمكن أن يكون المرء عدّاءً من دون أن يدخل المدرسة. السباق كان حاميًا وكنت أريد أن أنسحب لكني اكتشفت أني فقد السيطرة على حركة ساقيّ، فأكملت السباق. في نهايته أصبت بكسر في ساقي، وكان ترتيبي قبل الأخير، كانت جدتي قد ماتت. أتذكر كل ذلك الآن وأنا جالس على كرسيي المتحرك، ولم أحكِ لأبنائي عن جدتهم أو هوايتها وهوايتي القديمة، لكني أفكر أن أحك لحفيدي الآن وهو قادم ليدفع بي الكرسي المتحرك إلى غرفة النوم.


أبريل- يونيو ٢٠١٧

الاثنين، 26 نوفمبر 2018

٢٠١٨

"أهلا بك في المجتمع"
رحّب صلاح، ذو الخمس وثلاثين ربيعًا، بوليده الجديد وهو يحمله بين ذراعيه.
صلاح كاتب هاوٍ له عمود في إحدى الصحف يتكلم فيه عن بعض المواضيع الاجتماعية، له مقالة أحدثت ضجيجا في أوساط الصحافة وفي دوائر المثقفين وخلّفت نقاشات طويلة، كان موضوعه قوانين المجتمع والعودة إلى الطبيعة.


وهي باختصار تفترض أن دفع المجتمع المعاصر للأفراد للتقيد بقوانينه وأعرافه التي ينفرد بها الإنسان الحديث تخلق مزيدا من القوانين التي تعمل على الحفاظ على هذا النسق "العقيم"- كما افترض. يستشهد ببعض الظواهر الطبيعية التي يرى أنها مثالا واضحا لا يقبل الشك على أن مثل هذه القوانين هي ما أنحت الإنسان عن أمه الطبيعة، لأن قوانين الطبيعة والمجتمع لا يتماسان عند أي نقطة. مثلا عندما تُسكت طفلا صغيرا عن اللعب بغطاء حلة، كيف يمكنك أن توفق بينها وبين سقوط شجرة بعد إعصار شديد. بالطبع غطاء الحلة ليس طبيعيا ولكن النداء الذي دفع الطفل نحو هذا الفعل هو الإعصار. وكانت رسالته: "اترك الطفل يلعب بغطاء الحلة". كان يرى أن الطبيعة بإمكانها إصلاح ما أفسده المجتمع، يرى أن عصر الاكتئاب ما هو إلا تراكم سنوات طويلة من قوانين المجتمع، قوانين افعل ولا تفعل- قوانين التكيف. كان يكره التاريخ ويؤمن بالإنسان الكوني.
وأنت تقرأ كتاباته لابد أنك ستشعر أنه يكتب أثناء اصطياده لفريسة الغداء أو- في بعض المقاطع على وجه الخصوص – وهو يضاجع زوجته في العراء. وهي أفكار تطرق لها على حياء، ربما لأنه لا يملك شجاعة تنفيذها أو أنه يخشى أنصار المجتمع الذين فتحوا عليه النار في إحدى الجرائد القومية بسبب مقالة كشف فيها عن حلول لتوفير المياه المهددة بالنقص، كان من ضمن هذه الحلول "العودة إلى الطبيعة"، اتهموه فيها بالانطوائية وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع- الأمر الذي لا ينكره. يقول بعض المتحررين (مجموعة ليس لديهم انتماء إلى فصيل دون آخر ولكن يشغلهم حرية الفكر قبل أي شيء) أن الحكومة تناصر المدرسة المجتمعية لأنها تساعدها على فرض مزيد من القوانين ومن ثم مزيدا من السيطرة على المجتمع، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى فرض مزيد من الضرائب ورفع الدعم، مما يشكل تهديدًا مباشرا للطبقة المتوسطة والتي ينتمي إليها صلاح. 
أنجب صلاح ابنه- فريد- في ظروف عادية جدا تناقض أفكاره الثورية، فقد تعرف على زوجته في إحدى الندوات عن طريق صديق يشجع تزاوج المثقفين، وتزوجا بعد أربعة أشهر. وهذا ما شجع أحد معارضيه أن يكتب فيه مقالا بعد أن استقبل ابنه فريد، عنوانه: "ماذا عن غطاء الحلة الآن يا أستاذ صلاح؟".


كان يشعر بالقلق لأن غريزة الأبوة ربما ستدفعه إلى التخلي عن بعض مبادئه لأنه يريد أن يعيش ابنه حياة طبيعية- بمفاهيم المجتمع. وبدأ يشعر أنه ربما يحتاج إلى مراجعة أفكاره، أو بلورة مبدأ عن النظرية والتطبيق وأنه حامل لواء النظرية وأن تطبيق نظرياته يحتاج دفع سياسي.
بالطبع كان للتقلبات الاقتصادية أثرها البالغ في صياغة هذا المبدأ، أو بمعنى آخر تأجيل صياغته، فمثل هذه الصياغة تحتاج رفاهية لا تتناسب مع ارتفاع أسعار حفاضات الأطفال، بإمكانك أن تشعر بهذا الألم الممض وهو يتنازل عن كل نظرياته في مقابل الرضوخ للزيادة الغير محكومة في أسعار الحفاضات. ذات مرة سمع سعرا جديدا، فقال بتلقائية مدهشة للبائع المتشبع بقوانين المجتمع:
أعجزني المجتمع- وكانت يده تغوص في جيبه ليقدم محفظته للبائع.
خرج ومعه عشرة صناديق من الحفاضات تحسبا لأي زيادة قادمة- الشيء المفروغ منه تقريبا. أصبحت لديه تقنيات مشابهة لمواجهة الغلاء مثل شراء الخضر والفاكهة من الحي الشعبي الفقير بالجملة بدلا من هايبر ماركت، وبعض الحيل النادرة الأخرى.
تطورت هذه الأفكار خصوصا مع ميلاد فريد. ولكن نزوة الطبيعة كانت تراوده وتضرب أوصاله المُروّضة بقوانين المجتمع بين الحين والآخر، لكن، وبعد أن أصبح فريد ابن عامين، ظهرت مسؤوليات نبهته إليه زوجته-يارا- والتي كانت تكتب الشعر الحر، لكنها توقفت عن الكتابة واكتفت بعاطفة الأمومة. كانا معا يفكران أن الزواج كان غلطة وها هما يدفعان الثمن. ذات ليلة وبعد أن مارسا الجنس بلا حرارة طلب منها أن تُسمعه بعض الشعر مما كانت تكتبه، لكنها نست الكثير، فقال "ارتجليه إذن"، أخذت تفكر وتسرح بخيالها في بعض الصور وتلت عليه بعضا مما أمدتها به قريحتها الشعرية، لكن ذلك كان أسخف شعر يمكن أن يسمعه ذواقا للشعر، لم يخبرها صلاح بذلك، لكنها بكت مع شعورها بالعجز وفقدان قدرتها على التعبير عن نفسها، لم يفهم صلاح هذا واعتذر عن أداءه الجنسي المحبِط. بكى فريد وقامت يارا تغني له أغنيةً من أغاني الأطفال. 
وصل ارتفاع الأسعار حدا فكر معه صلاح في ضرورة البحث عن عمل من المنزل بجانب الكتابة التي لم تعد تغطي حاجات أسرته، ليس فقط لسداد قيمة الفواتير المستحقة ولكن تشبثًا ببعض الأمان المادي، في ظل التقلبات الإقتصادية الغير مأمونة.
بعد بحث وجد صلاح وظيفة حرة للعمل مترجما لبعض المواقع العربية. كان أول مقال ترجمه بعنوان: "عشر أدوات تساعدك أن تصبح مصورا محترفًا بكاميرا الموبايل" لم يهتم للمحتوى الذي يترجمه، كان العائد لا بأس به، يساعد على نفقات البيت. جربت يارا شعور قساوة المجتمع وبدأت تقرأ بعضا من مقالات الأستاذ صلاح، والتي كانت ترفض مبادئه في بداية تعارفهما، الأمر الذي أتاح لهما فرصًا ذهبية للمناقشات والحوارات المتعمقة لم يكن لتُتاح لهما لو كانا يسيران على نفس الدرب، كانت معجبة على وجه التحديد بنظرته للجنس، وأخبرته أنها تحب هذا النوع من الجنس أيضا، بعدها قررا أن يتزوجا- مسلكهما الوحيد للتجريب في ظل المجتمع.
كانت الفكرة التي أرقتهما أشد أرق، هي على أي مبادئ يربيان فريد عليها؛ مبادئهما أم مبادئ المجتمع. عندما فكرا في الإنجاب كان لهما حلا تعويضيا عن الفشل في الجنس ومبادئهما التي اكتشفا أن لا قيمة حقيقية لها على أرض الواقع، فأصبح فريد هو التطبيق الذي فشل صلاح في إجراءه على نفسه.
تحسنت الحالة المادية لصلاح وأسرته وتوفر الأمان المطلوب أمام التحديات الاقتصادية الجديدة، أصبح أقل تخوفا من زيادات قادمة في الأسعار وضمن لنفسه مكانا مرموقا في الطبقة المتوسطة، يتابع كرة القدم في وقت فراغه. يتذكر مؤلفاته في شيء من الاغتراب وانقسام الشخصية. أصبحت زوجته أكثر منه برودا لكنها تتمتع بصحة جيدة، وأنجبا ليلى.
ذات مرة لعب فريد بصحن طعام وأحدث ضجيجا، فقام وانتشله منه بعنف، وكان يترجم مقالا جديدا، حينها بكى فريد كثيرا... كثيرا مثل الإعصار.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...