السبت، 1 ديسمبر 2018

العدّاء

كنت عداءً في المدرسة، في أحد السباقات تذكرت أن جدتي كانت تحكي لي أنها كانت أيضًا عداءة رغم أنها لم تدخل المدرسة، وقالت أن العائلة كلهم في الأصل عداؤون، ولم أكن أفهم كيف يمكن أن يكون المرء عدّاءً من دون أن يدخل المدرسة. السباق كان حاميًا وكنت أريد أن أنسحب لكني اكتشفت أني فقد السيطرة على حركة ساقيّ، فأكملت السباق. في نهايته أصبت بكسر في ساقي، وكان ترتيبي قبل الأخير، كانت جدتي قد ماتت. أتذكر كل ذلك الآن وأنا جالس على كرسيي المتحرك، ولم أحكِ لأبنائي عن جدتهم أو هوايتها وهوايتي القديمة، لكني أفكر أن أحك لحفيدي الآن وهو قادم ليدفع بي الكرسي المتحرك إلى غرفة النوم.


أبريل- يونيو ٢٠١٧

الاثنين، 26 نوفمبر 2018

٢٠١٨

"أهلا بك في المجتمع"
رحّب صلاح، ذو الخمس وثلاثين ربيعًا، بوليده الجديد وهو يحمله بين ذراعيه.
صلاح كاتب هاوٍ له عمود في إحدى الصحف يتكلم فيه عن بعض المواضيع الاجتماعية، له مقالة أحدثت ضجيجا في أوساط الصحافة وفي دوائر المثقفين وخلّفت نقاشات طويلة، كان موضوعه قوانين المجتمع والعودة إلى الطبيعة.


وهي باختصار تفترض أن دفع المجتمع المعاصر للأفراد للتقيد بقوانينه وأعرافه التي ينفرد بها الإنسان الحديث تخلق مزيدا من القوانين التي تعمل على الحفاظ على هذا النسق "العقيم"- كما افترض. يستشهد ببعض الظواهر الطبيعية التي يرى أنها مثالا واضحا لا يقبل الشك على أن مثل هذه القوانين هي ما أنحت الإنسان عن أمه الطبيعة، لأن قوانين الطبيعة والمجتمع لا يتماسان عند أي نقطة. مثلا عندما تُسكت طفلا صغيرا عن اللعب بغطاء حلة، كيف يمكنك أن توفق بينها وبين سقوط شجرة بعد إعصار شديد. بالطبع غطاء الحلة ليس طبيعيا ولكن النداء الذي دفع الطفل نحو هذا الفعل هو الإعصار. وكانت رسالته: "اترك الطفل يلعب بغطاء الحلة". كان يرى أن الطبيعة بإمكانها إصلاح ما أفسده المجتمع، يرى أن عصر الاكتئاب ما هو إلا تراكم سنوات طويلة من قوانين المجتمع، قوانين افعل ولا تفعل- قوانين التكيف. كان يكره التاريخ ويؤمن بالإنسان الكوني.
وأنت تقرأ كتاباته لابد أنك ستشعر أنه يكتب أثناء اصطياده لفريسة الغداء أو- في بعض المقاطع على وجه الخصوص – وهو يضاجع زوجته في العراء. وهي أفكار تطرق لها على حياء، ربما لأنه لا يملك شجاعة تنفيذها أو أنه يخشى أنصار المجتمع الذين فتحوا عليه النار في إحدى الجرائد القومية بسبب مقالة كشف فيها عن حلول لتوفير المياه المهددة بالنقص، كان من ضمن هذه الحلول "العودة إلى الطبيعة"، اتهموه فيها بالانطوائية وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع- الأمر الذي لا ينكره. يقول بعض المتحررين (مجموعة ليس لديهم انتماء إلى فصيل دون آخر ولكن يشغلهم حرية الفكر قبل أي شيء) أن الحكومة تناصر المدرسة المجتمعية لأنها تساعدها على فرض مزيد من القوانين ومن ثم مزيدا من السيطرة على المجتمع، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى فرض مزيد من الضرائب ورفع الدعم، مما يشكل تهديدًا مباشرا للطبقة المتوسطة والتي ينتمي إليها صلاح. 
أنجب صلاح ابنه- فريد- في ظروف عادية جدا تناقض أفكاره الثورية، فقد تعرف على زوجته في إحدى الندوات عن طريق صديق يشجع تزاوج المثقفين، وتزوجا بعد أربعة أشهر. وهذا ما شجع أحد معارضيه أن يكتب فيه مقالا بعد أن استقبل ابنه فريد، عنوانه: "ماذا عن غطاء الحلة الآن يا أستاذ صلاح؟".


كان يشعر بالقلق لأن غريزة الأبوة ربما ستدفعه إلى التخلي عن بعض مبادئه لأنه يريد أن يعيش ابنه حياة طبيعية- بمفاهيم المجتمع. وبدأ يشعر أنه ربما يحتاج إلى مراجعة أفكاره، أو بلورة مبدأ عن النظرية والتطبيق وأنه حامل لواء النظرية وأن تطبيق نظرياته يحتاج دفع سياسي.
بالطبع كان للتقلبات الاقتصادية أثرها البالغ في صياغة هذا المبدأ، أو بمعنى آخر تأجيل صياغته، فمثل هذه الصياغة تحتاج رفاهية لا تتناسب مع ارتفاع أسعار حفاضات الأطفال، بإمكانك أن تشعر بهذا الألم الممض وهو يتنازل عن كل نظرياته في مقابل الرضوخ للزيادة الغير محكومة في أسعار الحفاضات. ذات مرة سمع سعرا جديدا، فقال بتلقائية مدهشة للبائع المتشبع بقوانين المجتمع:
أعجزني المجتمع- وكانت يده تغوص في جيبه ليقدم محفظته للبائع.
خرج ومعه عشرة صناديق من الحفاضات تحسبا لأي زيادة قادمة- الشيء المفروغ منه تقريبا. أصبحت لديه تقنيات مشابهة لمواجهة الغلاء مثل شراء الخضر والفاكهة من الحي الشعبي الفقير بالجملة بدلا من هايبر ماركت، وبعض الحيل النادرة الأخرى.
تطورت هذه الأفكار خصوصا مع ميلاد فريد. ولكن نزوة الطبيعة كانت تراوده وتضرب أوصاله المُروّضة بقوانين المجتمع بين الحين والآخر، لكن، وبعد أن أصبح فريد ابن عامين، ظهرت مسؤوليات نبهته إليه زوجته-يارا- والتي كانت تكتب الشعر الحر، لكنها توقفت عن الكتابة واكتفت بعاطفة الأمومة. كانا معا يفكران أن الزواج كان غلطة وها هما يدفعان الثمن. ذات ليلة وبعد أن مارسا الجنس بلا حرارة طلب منها أن تُسمعه بعض الشعر مما كانت تكتبه، لكنها نست الكثير، فقال "ارتجليه إذن"، أخذت تفكر وتسرح بخيالها في بعض الصور وتلت عليه بعضا مما أمدتها به قريحتها الشعرية، لكن ذلك كان أسخف شعر يمكن أن يسمعه ذواقا للشعر، لم يخبرها صلاح بذلك، لكنها بكت مع شعورها بالعجز وفقدان قدرتها على التعبير عن نفسها، لم يفهم صلاح هذا واعتذر عن أداءه الجنسي المحبِط. بكى فريد وقامت يارا تغني له أغنيةً من أغاني الأطفال. 
وصل ارتفاع الأسعار حدا فكر معه صلاح في ضرورة البحث عن عمل من المنزل بجانب الكتابة التي لم تعد تغطي حاجات أسرته، ليس فقط لسداد قيمة الفواتير المستحقة ولكن تشبثًا ببعض الأمان المادي، في ظل التقلبات الإقتصادية الغير مأمونة.
بعد بحث وجد صلاح وظيفة حرة للعمل مترجما لبعض المواقع العربية. كان أول مقال ترجمه بعنوان: "عشر أدوات تساعدك أن تصبح مصورا محترفًا بكاميرا الموبايل" لم يهتم للمحتوى الذي يترجمه، كان العائد لا بأس به، يساعد على نفقات البيت. جربت يارا شعور قساوة المجتمع وبدأت تقرأ بعضا من مقالات الأستاذ صلاح، والتي كانت ترفض مبادئه في بداية تعارفهما، الأمر الذي أتاح لهما فرصًا ذهبية للمناقشات والحوارات المتعمقة لم يكن لتُتاح لهما لو كانا يسيران على نفس الدرب، كانت معجبة على وجه التحديد بنظرته للجنس، وأخبرته أنها تحب هذا النوع من الجنس أيضا، بعدها قررا أن يتزوجا- مسلكهما الوحيد للتجريب في ظل المجتمع.
كانت الفكرة التي أرقتهما أشد أرق، هي على أي مبادئ يربيان فريد عليها؛ مبادئهما أم مبادئ المجتمع. عندما فكرا في الإنجاب كان لهما حلا تعويضيا عن الفشل في الجنس ومبادئهما التي اكتشفا أن لا قيمة حقيقية لها على أرض الواقع، فأصبح فريد هو التطبيق الذي فشل صلاح في إجراءه على نفسه.
تحسنت الحالة المادية لصلاح وأسرته وتوفر الأمان المطلوب أمام التحديات الاقتصادية الجديدة، أصبح أقل تخوفا من زيادات قادمة في الأسعار وضمن لنفسه مكانا مرموقا في الطبقة المتوسطة، يتابع كرة القدم في وقت فراغه. يتذكر مؤلفاته في شيء من الاغتراب وانقسام الشخصية. أصبحت زوجته أكثر منه برودا لكنها تتمتع بصحة جيدة، وأنجبا ليلى.
ذات مرة لعب فريد بصحن طعام وأحدث ضجيجا، فقام وانتشله منه بعنف، وكان يترجم مقالا جديدا، حينها بكى فريد كثيرا... كثيرا مثل الإعصار.

الأحد، 8 أبريل 2018

عالم صغير


سمعت هتافًا وتصفيقًا، عرجت إلى الشارع المقابل بشكل غريزي، فخَفت الهتاف تدريجيًا، وتلاشى أثره، وصرت في وحدة تتعمق كلما خضت في الشارع أكثر، لم يجعلها القط البرتقالي المرقّط سوى أكثر تعمّقًا بلا مبالاته وبحثه الدائم عن طعام لنفسه. ظهر هتاف جديد، وتصفيق ، كان في وجهتي، لم يكن من مفر، سأضم نفسي إليه وأصفق وأهتف حتى أتلاشى وسط الجموع، لكن ظهر بحر وكان الهتاف صوت شباك صياد ترتطم بسطح الماء وكان التصفيق صوت الأسماك، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها صوت للسمك، رفض عقلي الإذعان بسهولة أن الهتاف الذي سمعته ليس لبشر مثلي يحتفلون، وضايقني شعور بالفشل، سألت الصياد لو كان هناك بشر، كان متخفيًا أسفل قبعته، وعندما استدار وجهه كان الصوت يخرج من تحت قبعته:
-         ربما.. لا أعرف
-         لكن الهتاف..
-         آه، الهتاف والتصفيق... لطالما بدأ شغفي بالبحث عنهم، لكن انتهى الأمر إلى أن أصبحت صيادًا.
وجذبَته جذبة من البحر، ضرب على قبعته يثبتها وأخذ يشد بحماس.. وكان التصفيق في ذروته، حتى اعتقدت أن هناك حفلا دائرًا لا يستطيع دخوله سوى الصياد والأسماك، وأزعجنى الصوت، فرجعت. وأنا في الطريق تذكرت القط، وتساءلت إن كان ذلك الشعور الذي خلقه هو شعور بالوحدة أكثر منه شعور بالأنس؛ نوعيّ الوحدة والأنس الذين يفصل بينها خيط دقيق. وكنت في حاجة إلى الأنس. عدت إلى الجانب الآخر الذي خرج منه الهتاف الأول، وأنا أنتظر صيادًا آخر، فوجدته الصياد الأول نفسه لا يزال يجذب شباكه، ودعاني أن أجذب معه فاعتبرتها دعوة، هرعت إليه أساعده متحمسًا، وكانت مئات السمكات تصفق، ضحك الصياد بصوت عالي. وكان القط البرتقالي يقف جواري بثبات وثقة يلعق ما حول فكه استعدادًا، وكأن الجميع كانوا سعداء.

الخلافة الإسلامية

My rating: 4 of 5 stars


من بين كل المحاولات التي ذهبت لتنقية صورة الإسلام مما هي عليه (في نظر المتحفظين عليه على الأقل) كشريعة حكم، وتقديمه كمحاولة روحية خالصة، سواء للارتقاء بأتباعه مما هم فيه من تأخر ورجعية خصوصا في الأفكار المتعلقة بالخلافة والسلفية أو ذب الأفكار المغايرة المتحررة عنه، من جميع هذه المحاولات، فهذه المحاولة هي أكثرهم جراءة، وأكثرهم تخطيا للمقدسات للوصول لما قد يحجبه الجمود، ما منحه قدرة عقلية ومنطقية لاستخلاص نتائج بإمكانها الوصل بين ما هو روحي وعقلي في محاولة نادرة وحقيقية للوصل بينهما.
لكن يظل هذا الوصل وهذا التقارب في حاجة ماسة من أتباعه لوضع بعض الصور المقدسة جانبا لمد اليد لهذه المحاولة العقلانية الجادة.
******
العقل الإسلامي يرعبه الشك حتى في صورته العامة، وهناك ربط باطني بين التشكيك في حوادث التاريخ (كأمر طبيعي أمام باحث مفكر) والتشكيك في شرائع الدين وأسسه الروحية، وهذا الربط هو سبب التعنت أمام كل محاولة تحاول تنقيح التاريخ من أدرانه باعتبار أن ذلك سيجر تشكيكا في المبادئ الروحية للدين.
المشكلة الأكبر أن الدين يشجع هذا الخمول كأن جزاء المؤمن بنظافة التاريخ أكبر من جزاء المتشكك. وأن الله لن يعاقب الجاهل الغير متشكك، لكنه سيحاسب المتشكك بالحقائق الجديدة التي يحملها. دائمًا ما أقول أن الله ليس غبيا، لكن أتباعه النمطيون يتعاملون معه على أنه ثري خليجي غبي يوزع العطايا على أكثر الخاملين الأتقياء منهم، ويضمهم تحت رحمته طاردا كل العابثين في مملكة الخمول المستقرة كالأبد.

السبت، 4 نوفمبر 2017

1984

My rating: 5 of 5 stars

العالم كان في حاجة ماسة إلى هذه الرواية (العالم الذي كنت أعيشه قبل قراءة الرواية)، ربما جاءت لتلبية هذه الحاجة الملحّة، فمن يقرأ هذه الرواية ولا يستحضر صورة على الأقل من صور القهر مُمثلة في هذا التصوير الكاريكاتوري البارع للقهر في الرواية، أو مقارنةً ما مصحوبة بوعي عميق نحو علاقتنا نحو حكوماتنا أو حتى ما هو أبعد.
هذه الحاجة الماسة والفراغ التوعوي الحسّي قام أورويل بسدهما بإتقان بحيث أن هذا التمثيل البارع للقهر والشمولية، ربما شمل معه كل أشكال القهر والخوف والاستعباد، بما لا يدع مجالا أن تنافسه فيه رواية أخرى على نفس المستوى، فما كان ينقص سكان أوشينيا غير رواية كهذه كي يتحرروا من خوفهم ويروا ما يعتمل في نفوسهم تحت وطأة هذا الخوف مُعبّرًا عنه بشجاعة ودقة، أو كما يقول أورويل بعد أن قرأ وينستون مقتطفات من الكتاب المُحرّم: "قال ما كان ليقوله هو، إذا ما تمكن من صياغة أفكاره المبعثرة في نسق ما. كان ثمرة عقل يشبه عقله، لكن أقوى بكثير، أكثر منهجية وأقل ابتلاءً بالخوف. فأفضل الكتب- كما يتصور- هي التي تخبرك بما تعرفه بالفعل".
كانت هذه الرواية من الروايات النادرة التي شعرت معها في كل فصل وكل صفحة منها أنها حقا رواية نادرة وعظيمة، وهذا شعور نادر حتى مع كثير من الروايات الكبيرة التي قرأتها، فمعظمها أنظر لها بعد أن اكتملت قراءتي لها، أنظر للصورة الكبيرة التي خلّفتها فأرى فيها خطوطا للعظمة. لكن أن أشعر بهذا وأنا أقرأ بين السطور والصفحات والفصول، فهذا شيء نادر الحدوث.
هذه بلا شك أنجح قراءاتي لهذا العام.

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

إله وحيد

اعتقدت أنني أتحول إلى إله، والإلٰه له صلاحيات معروفة للجميع، فطلبت منها أن أمسّد شعرها، وخطأ الألهة المبتدئة أنها لا تدرك أن الصلاحيات لا تُطلب ولكن هناك رسل ورسالات، لكني كنت إلهًا وحيدًا، بلا رسلِ. رفضَت بأشدّ الطرق تبجّحًا على الآلهة، عرفت أنها لا تؤمن بي فجربت شعور أن يواجه الإله كافرًا، إنه شعور قاسي-أقول لكم- مهين لصلاحيات الآلهة، حتى جعلت ألعن ألوهيتي الضعيفة التي لا تستطيع أن تمسّد شعر أنثى. فخلعت ثياب الإله، وأقسمت أني أيضًا كافر به، وجربت شعور الكفر، فكرهتها.

الأربعاء، 7 سبتمبر 2016

مبارزة الملل

هناك جروب على فيسبوك تسأل فيه أي سؤال عن أي مواد أو خدمات استهلاكية، فتأتيك الردود فورًا حول هذا الاستفسار سواء عن أسعارها أو جودتها أو حتى وفرتها في السوق، ساحر أليس كذلك؟ لا مع ذلك، ليس تمامًا، ذات يوم أردت أن أعرف شيئا مهما بالنسبة لي فطرحت هذا السؤال "هو لو حد عايز يسافر-يعمل رحلة بس ميكونش فيه تعامل مع البشر خالص، إيه الخيارات الموجودة؟". انتظرت ساعة كاملة أو أكثر حتى حصلت على لايك واحدة، لايك وحيدة لدرجة أن الفضول دفعني لأعرف من الذي قام بعمل لايك على هذا المنشور، وأنا أقول "قام بعمل لايك" لأن اللايكات في فيسبوك غالبا ما تكون خالية من المعنى. كان اسمه فريد عبد اللطيف. كانت صفحته مشدد عليها الحراسة بداية من صورة بروفايله بجستن بيبر، إلى الصور التي لا تربط بينها أي علاقة مفهومة، مثل دبين يتبارزان على بقعة جليدية منبسطة، وصور لمشروب البيرة من زوايا مختلفة، وصورة للهرم معدلة بالفوتوشوب ليمر فوقه قطار كهربائي سريع. شعرت بالضجر لعجزي عن الربط بين هذه الأشياء فأغلقت صفحته، وحذفت منشوري في الجروب، ونسيت الموضوع الذي لم أفكر فيه إلا عندما قرأت جملة في كتاب تبدأ ب"وامّحت مجموعة البشر سريعًا".
وصلتني رسالة في الثانية من صباح هذا اليوم، وأنا في العادة أسهر، كانت الرسالة من فريد عبد اللطيف، وأول شيء لاحظته أنه غير صورة بروفايله إلى صورة الدبين، فشعرت أني أعرفه من مدة طويلة. كانت هذه رسالته: "مساء الخير، عندي طلبك"، فاستفسرت منه "أي طلب؟" لأنه رسميًا لم يقدم نفسه لي، ولأني أردت ألا أكون "الشخص الذي اهتم بشخصية الشخص الوحيد الذي عمل لايك"، قال:

  - المكان اللي عايز تروحه من غير تعامل مع البشر
  - فين دا؟ 
  - أنا شغال هناك
  - ؟؟؟!
فهم قصدي وقال:
  - حضرتك التواصل بينا بيكون فيسبوك بس.
  - يبقا حضرتك مفهمتش قصدي
  - طيب إيه طلب حضرتك؟
  - لا انسى الموضوع خلاص، أنا نسيته فعلًا وبتأقلم
  - زي ما تحب
  - «لايك»

ونسيت الموضوع فعلًا، ربما استغرقت في الكتاب أكثر مما يستحق لأسأل مثل هذه الأسئلة التي لا توجد إلا في الكتب. عدت للقراءة مجددًا، وبعد ساعة، شعرت برغبة مفاجئة في اقتحام فيسبوك للخروج من الملل، وهذه ضريبة مُعتادة أدفعها مقابل عدم اعترافي برتابة الكتاب الذي أقرأه؛ أن يُلازمني الملل، وقد يدفعني هذا الشعور لقراءة بعض الرسائل القديمة بيني وبين الأصدقاء، فذهبت إلى تطبيق ماسنجر، وقد لاحظت شيئًا استغربت أني لم ألاحظه من قبل، وهو أن كل الرسائل تنتهي إما بإيموجي ضاحك أو لايك، فشعرت بوحدة شديدة لأني لم أر رسالة واحدة مكتوبة، ولاحظت أيضًا اختفاء جلسة التراسل مع فريد عبد اللطيف، وتحققت من أنه قد حظرني بالفعل. إن كان هناك شعور يُقابل الملل فهو شعور أنه تم حظري من قِبل شخص لا أعرفه بلا مبرر، وكلاهما شعورين ليسا على قائمة حالاتى الشعورية المفضلة رغم ذلك. لم أعط للموضوع أكبر من حجمه، وقرأت الكتاب بملل يحجّمه تساؤل حول سبب حظري.
عندما وصلت لنهاية أحد فصول الكتاب، أعطيت تفسيرًا وحيدًا وهو أن يكون من طبيعة هذه الشركة المجهولة أن تحظر كل المتعاملين معها، بالطبع سيكون هذا الفعل مشينًا في العالم الطبيعي ومُهينًا لسمعة الشركة، لكن في العالم الذي أردته فهو أهم سمة قد تتسم بها مثل هذه الشركة. والحقيقة أني أعدت التفكير في الموضوع، ليس طمعًا في مثل هذا العالم المُغرق في لامعقوليته، وإنما فُضولًا، فقمت بالبحث عنه في حسابي البديل ووجدته، فتحت جلسة مراسلة، وفكرت بم أبدأ، لابد أن تبدأ رسالتي على نحو مثل: "لقيت حضرتك عاملي بلوك، مش فاهم ليه، عمومًا أنا عايز اعرف أكتر عن الشركة؟"، لكني مسحتها، وكتبت أخري: "أنا طارق إبراهيم اللي كلمتك من شويه، ممكن أعرف تفاصيل الرحلات اللي بتنظموها؟"، مسحتها أيضًا، وكتبت واحدة فكرت فيها طويلًا: "إيه الإجراءات المطلوبة وتكاليف الرحلة"، لكني مسحتها كذلك، كانت جميع هذه الرسائل تبدو منطقية وواقعية بما لا يتناسب مع طلبي، لابد أن يتم طلب غير واقعي بشكل لا منطقي. وكان هذا الاكتشاف هو نهاية الفكرة تمامًا، ورجعت لقراءة الكتاب لتبدأ مبارزة جديدة أقرأ من أجلها الكتب المملة.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...