الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

من يوقف سيل العناوين في رأسي

لم تعد توجد قصص في رأسي، هناك فقط عناوين، آخرها كان: "متى يتوقف اللورد الصغير عن الموت"، ورغم تطابق ظروف ظهور هذا العنوان مع آخر اسمه: "ملاطفة فتاة شاردة" إلا أنهما مختلفان تمامًا، ظروف القصتين مختلفتين، فالفتاة الجالسة قبالة شاطيء البحر وحدها، يتصادف وجودها مع رجل يوزع الملاطفات مجانًا على فتيات الشاطيء الوحيدات، هذه القصة كما هو واضح نشأت في عالم موازٍ، حيث لا تُعتبر الملاطفة إجرامًا. أما عن لوردنا الصغير فعمره لا يتعدى الحولين، لكنه كان من المفترض أن يجرب الموت كلعبة اعتاد أن يلعب بها، وأنا أردت أن يتوقف عن ذلك لأن الموت ليس لعبة، لكن من يهتم حقًا بلورد صغير يلعب بالموت.. لذلك فقد تركوه، ربما لأنه لورد في الأساس، وله صلاحيات.
عنوان آخر كان "لم أعد أهتم"، حاولت دفعه بعيدًا عني لأنه لا يحقق لي مقدارًا ولو ضئيلا من اللغة الحداثية التي حققها اللورد الصغير والفتاة الشاردة، لكن لم يكن لي أن أتجاهل العنوان الأكثر بروزًا من بين أقرانه، حيث كان له الفضل في وأد مشاريع قصصهم، فحين ظهر اللورد أول مرة، ظهر معه هذا العنوان. أما الفتاة الشاردة، فقد فكرت أن أرسل العنوان لشاعر يجيد استخدام العناوين، لأننا قبل كل شيء في حاجة لتكريم هؤلاء الذين يوزعون الملاطفات مجانًا، ناهيك عن مزايا الشرود، والتي أولها: صمت، حيث هذا شيئًا لم أعد أجيد استخدامه ورأيت أني في حاجة ماسّة لممارسته بشكل أكثر توازنًا، كانت الفتاة محظوظة لأنها في حضرة البحر، لكن من يحضر لي بحرًا في غرفتي. قليلون جدًا من يملكون بحرًا في غرفهم، أقول قليلون جدًا لأنهم موجودون، وقد كنت واحدًا منهم. كانت الفتاة أيضًا تمتلك بحرًا في غرفتها.

ليس هذا فحسب فكما يقول المثل (العناوين حين تهب فإنها تجرف كل شيءٍ أمامها)، ففضلًا عن عناوين القصص هناك أيضًا عناوين المقالات، واحد من هذه العناوين كان "تسعة أشياء لها مفعول رصاصة ليس من بينها حلمة منتصبة"، أعرف جيدًا أني لا أذكر من هذه الأشياء سوى الحلمة المنتصبة، ربما لهذا السبب لم أشرع في كتابة المقال أبدًا حتى أجد هذه التسعة أشياء التي أستطيع أن أستثني منها حلمة منتصبة. وإلى ذلك الحين فالأجدى أن أتساءل: ما هو تأثير الحلمة المنتصبة؟ وإلى جانب هذا العنوان شديد الضبابية، هناك عنوان آخر أقل منه ضبابية لا يستخدم أسلوب الاستثناء في تكوينه، هو "القائمة الكاملة بالأشياء التي لا تُحتمل" بزغ هذا العنوان بالذات كردّ فعل مسالم حين كنت أنتظر وسيلة مواصلات في جو حار لا يُحتمل، ومن هنا جاءت هذه الصرخة الصامتة، كان لدي بالفعل شيئين جاهزين للبدء بهما: انتظار مُطوّل، وجو حار يتزامن مع انتظار مطوّل. بعد أن ركبت وبدأت نوافذ السيارة تدفع هواءً شديدًا، فكرت في باقي القائمة، لكن ذلك بدا مُصطنعًا خصوصًا وأن عناصر هذه القائمة لها صفة "الصرخة الصامتة" التي لا يناسبها هواء النافذة بعد الانتظار المُطوَّل. بالطبع لا حظت أني مهتم بشكلٍ لا إرادي بالقوائم، وكأن حملة دعائية تتحرك داخل عقلي لحثّي على قراءة مقالات لا يوجد منها سوى العناوين، حيث عليّ أن أكملها بنفسي دائما.

الخميس، 1 أكتوبر 2015

مفتّش جوجول ومكانة الأدب

My rating: 4 of 5 stars


طيب، الكتابة لا يشوبها شيء تقريبا، لكني فقط لم أعد متحمسًا لهذا
النوع من الأدب الذي يلعب على غريزة سخيفة في الإنسان؛ وهي فضول معرفة رد الفعل، قصة مثلا تدور حول فلان ضرب علان، بإمكان أديب يُقدّر استغلال الفرص أن يجعلها قصة مثيرة لأنه لو صادفني موقف مثل هذا في الشارع فالغالب أني سأتوقف ولو قليلا لمتابعة مجرياته لأن ذلك ممتع وليس فيه ملل إطلاقًا. إنه قانون تسويقي جيد؛ بِع للناس ما يحبون مشاهدته.
ومعظم الأعمال الأدبية القديمة، حتى ما تُعتبر قامات تعتمد على هذه التقنية، مؤخرًا فقط نضج الأدب، لأن الإنسان اكتشف العدم وطرق أكثر دهشة للامبالاة.
وربما هذا الشكل الغير ناضج من الأدب هو ما وراء الفكرة الشائعة عن أنه فن النميمة!

مشكلتي أيضًا مع هذا النوع من الأدب أنه يفترض نظام معين من الأخلاق والمثالية، يقيس عليه أشخاصه والحياة التي يعيشونها، ويحكم عليهم من منطلق هذا القالب المعين من الأخلاق.
لهذا أكره المثالية، لأنها تتطلب خطا واضحا من المقاييس تحكم به على كل شيء ومن ثم تولّد معها نظام من الحكم على كل من يخالفها، هذا هو الأدب من الأساطير الإغريقية حتى الروس، ربما لم ينضج الأدب بحق إلا بعد الحداثة، بعد نيتشة، بعد نيوتن، بعد الثورة الفرنسية، بعد كل الانقلابات التي أكدت على مدى حماقة أن تفترض مقياسًا تقيس عليه مُثلك، أيضًا لثورة يناير تأثير شبيه بذلك (لكنها عدمية فشل لا عدمية تحقيق، الثورات عمومًا تؤدي إلى انقلابٍ ما، هدم في اتجاه مُعيّن ). أعتقد أن العدمية هي ذروة نضج الإنسان.
ورأيي هذا ليس بعيدا عن الواقع، أرى بعض المحاولات التي تحاول أن تعيد إنتاج هذا النوع من الأدب متأثرين بهذا الشكل المثالي القديم، ربما لأن ذلك يعطيهم طمأنينة أنهم يتحكمون بالأمور طالما عرفوا سر المقاييس وسهولتها، وأنها تعطيهم نوع من الرياسة.
فتدخل مثلا على صفحة كاتب على جودريدز فتجد معظم إقتباساته من ذلك النوع الذي يقدم النصح باعتباره الحكيم الذي يملك مقاييس مُحكمة، على الجميع أن يتبعوها.
هذا عن بعض القصص، لكن هناك قصص متقدمة جدا من الصعب الحدس أنها كُتبت في بدايات القرن ال19.
بعض هذه القصص تعيد إليّ الصورة الزاهية لإغواء الحكايات.. إنها من ذلك النوع الذي تستشهد به على ما للأدب من قوة وتأثير.. أعتقد أن كلامي هذا موجه على الأخص لقصة واحدة دون غيرها.
أقولها صراحة؛ أجد نفسي عاجزا تماما على إيجاد معنى صريح للأدب، لكني لا أجد أفضل من القصص القوية ما تصلح بذاتها تعريفًا للأدب، أشير بكل حماس إلى تلك القصة وأعلنها؛ هذا هو الأدب بعينه.
من المهم أن يفطن الأدباء إلى حقيقة واحدة؛ إلى القيمة الشعرية للقصة، فبدونها تصبح القصة بلا قيمة، بلا روح، حتى وإن كنت مدفوعًا عن طريق صياغتها أو حبكتها أو لغتها، إلى مدحها بحماس، لكن كل ذلك لا يُغني عن أهمية القيمة الشعرية. هذا ما يجعلني لست متحمسًا ليوسف إدريس مثلًا، وأعتبر إبراهيم أصلان أديبًا من الطراز الرفيع.
قصة المعطف.. كثيرًا ما تساورني فكرة أن الأدب يصل إلى أعماقنا عن طريق الضعفاء، الشخصيات الهشة، المحطمة، التي يصورها الكاتب بصراحة عما نحن نتورع عن الاعتراف به، فما معنى الصدق لو لم يكشف ضعفًا وخواء،
ابحث عن الضعف في القصص العظيمة وستجد أنه عنصرا أساسيا في بنيتها الشعرية. (يحضرني الآن شاعرها الأبرز في تاريخ الأدب، خوان رولفو). إنك حين تغوص في قلب شخصية فلابد أن تصل إلى حقيقة ضعفها.
عموما الملاحظ عند جوجول أنه يعتمد على طريقة مزدوجة في حبكته، فهو في البداية يُقيم صرح القصة عن طريق الوصف المُسهب أحيانا لحياة عادية، بحيث يُكوّن عند القاريء خلفية واضحة بشكل متعمد على نحو ما، ثم فيما بعد يقوم بتفكيك هذا الشكل معتمدًا على ذاكرة القاريء، لصالح عنصر المفاجأة، لها تأثير درامي في البنية الراسخة للوصف الدقيق للهدوء والدعة والاستقرار.


صديق قديم جدًا

My rating: 4 of 5 stars


بسيطة لدرجة أنها غير قابلة للتأويل. أشعر أن مثل هذه الكتابة الأدبية تصلح لأن تكون سجلًّا لأمزجة الناس، الأمر الذي تعجز عنه كل الوسائل الحديثة وينفرد به الأدب دون غيره. من الجيد أن يكتشف الصانع سر فرادة صنعته ويتقنه. السرد من أهم وسائل أصلان التقنية للوصول لهذه الغاية، وقد صرت أعني مؤخرًا بطريقة السرد أكثر من غيرها من التقنيات (والحوار كذلك بطبيعة الحال)، ألفظ أي محاولة بائسة عاجزة عن توفير ذلك "الحد الأدنى" من السرد تحت أي مسمى ولو كانت إجتهادات حقيقية، عليها أن تظل في الظلام تبني نفسها حتى تستطيع أن تصل لذلك الحد الأدنى، حينئذ يمكنها أن تتشارك الأجواء بتلك الأرضية الصلبة.
لماذا أقول هذا الكلام؟
لأني قرأت هذه الرواية بعد عدة محاولات محبطة للتعرف على مثل تلك الاجتهادات والتي لم توفر ذلك الحد الأدني من السرد، ومع ذلك استطاعت - ليس فقط أن تتشارك الأجواء، بل أن تستحوذ عليها. علينا أن نركز على هؤلاء الذين يتقنون السرد، وعلى هؤلاء الذين لا يتقنونه أن يبقوا بعيداً قليلاً حتى يتأهّبوا كي لا يختلط الأدب بالمحاولات الصبيانية. لذلك فإني صرت أبحث عن هؤلاء الذين يتقنون السرد أكثر من أي وقت مضى لأن العالم يصير أكثر ظلامية بدونهم.

فيفالدي

My rating: 4 of 5 stars

يومُا ما سوف أفهم معنى الكونتربانط، والسلم الموسيقي، وأميّز النغمات الهارمونية،
وأقرأ النوتة الموسيقية، وأفرّق بين جميع أنواع المقطوعات الأوركسترالية، وأحدس كل الآلات التي أسمعها في أي كونشرتو أحبه، ثم أفهم الموسيقى عقلًا، حينئذٍ سأختار الفلوت أو الكمان لأتعلّم العزف، ثم.. ثم لن أجد أفضل من مقطوعات الصيف والربيع والخريف والشتاء لأحاكيها.
أحب فيفالدي لأني أحب أي أنثى تعزف مقطوعاته، أو أحب أي أنثى تعزف مقطوعات فيفالدي لأني أحبه: 


ما الذي يستطيع أن يؤثر على روح عازفة بهذا الشكل إلا إذا كان من حبٍّ أو سُكر، كتبها فيفالدي منذ ثلاثمائة عام، وأنا لست شيئًا في هذا الصرح الزمني.
فيفالدي أفضل من داعب أوتار الكمان، وحاكى أصوات الطبيعة، وأقنعنا بذلك كله.

كائن كونديرا الذي لا تُحتمل خفته

My rating: 3 of 5 stars

تروق لي المقارنة بين الواقعية السحرية لماركيز القائمة على تداعي الحدث، والواقعية السحرية لكونديرا القائمة على تداعي الكلمة بما تحمله من فلسفة.
لكني أحب الحكايات أكثر.


الثلاثاء، 29 سبتمبر 2015

إنقاذ موزارت


    كنت قد أوكلت سماعة الرأس خاصتي إلى شركة (كيب إن مايند) الخاصة بالعناية بسماعات الرأس، وهي شركة عريقة أُنشِئت تزامنًا مع اختراع الترانزستور، حين تقلّصت الأشياء إلى حجوم غير مرئيّة، فأصبح الناس يتسائلون- غالبًا بعد أن يعبروا عن دهشتهم مما وصلت إليه التكنولوجيا- "لكن ماذا لو فقدنا هذه الأشياء الصغيرة جدا؟". كان مقر الشركة يمتد ما بين ميداني التحرير وطلعت حرب، يمكنك أن تشاهد بوسترات عملاقة مكتوب عليها عبارات مثل: "الأصوات الخارجية صارت مزعجة؟ إذن فاشترِ سماعة رأس معتبرة، لكن هناك ما هو أهم قبل شراء سماعة الرأس، كيب إن مايند تمنحك هذا الشيء المهم". وكانت الفتاة الشهيرة الشقراء تشير باسمة إلى نقطة لامعة صغيرة في أذنها، كان اسمها الفتاة مايند. كان الجميع يعاني من قلق الضياع المحتمل لسماعة الرأس، فضلا عن فقدان أو تلف ملحقاتها الصغيرة، لذلك فكانت هذه الشركة تعمل جاهدة على تحذير عملائها الذين قد يواجهون المعضلة المربكة: الأصوات الخارجية المزعجة. اتصل بي أحد المسؤولين المهمين في الشركة وقال بنبرة رسمية "كيب إن مايند تمنحك الشيء المهم"، كان على جميع موظفي الشركة أن يرددوا شعار الشركة في بداية محادثاتهم مع العملاء. ثم بدأ المحادثة الخاصة بي مباشرة دون أن يتوقف ليفصل بين ما هو رسمي وحقيقي. قال:

- سيدي، عليك أن تنتبه؛ فالغلالة القماشية الرقيقة جدًا على وشك أن تسقط في أية لحظة، وأنا أنصحك أن تستبدلها فورًا.

قلت له:

- لكن هل في ذلك خطر على سماعتي؟

- بالطبع، فهذه الغلالة القماشية الرقيقة جدًا هي المسؤولة عن تنقية الصوت وفلترة ما هو غث عمَّا هو مهم.

ثم سألني بشكل شخصي:

- ماذا تسمع الآن سيدي؟

- موزارت.

- سيمفونيته الأربعين قد تسقط منها حركة كاملة، أتحدث عن الحركة البطيئة، فهذه تحتاج نقاوة تامة من الشوائب الخارجية، باختصار؛ فالغلالة القماشية الرقيقة جدًا هي ما تحفظ لك- وللجميع في الحقيقة- الحركة البطيئة للسيمفونية الأربعين لموزارت.

- هذا مدهش.

- لا يسعنا إلا أن نقدم الشيء المهم دائمًا سيدي.

- شكرًا لك.

    فكرت: أليس من الرائع أن غلالة قماشية رقيقة جدًا هي ما تحفظ للبشرية حركة كاملة من السيمفونية الأربعين لموزارت. شعرت بالمهابة أن في أذني الآن هذا الشيء العظيم يقوم بدوره الحضاري المهم. كان عليّ العروج إلى أحد مراكز كيب إن مايند الموزعة في كافة أنحاء وسط البلد.

أعطيت رقم الآي دي الخاص بي إلى الموظف المسؤول ودوّن بعض البيانات، مثل اسمي وعنواني الإلكتروني والتأكيد على قائمة اهتماماتي الموسيقية، لم يكن هناك ما يستحق التحديث في القائمة، كنت أفكر أن أضيف ستروماي، لكني توصّلت إلى أنه ربما يكون نزوة مسيرها إلى الزوال مثل كيتي بيري سابقا، التي كلفني إضافتها إلى قائمتي المفضلة تغيير زر مستوى الصوت. قال لي الموظف:

- آسف جدا.. لكن الغلالة القماشية الرقيقة جدًا غير متوفرة في الوقت الحالي.

- والعمل؟

- عليك أن تنتظر يومين على الأكثر.

- وخلال هذه المدة؟

ارتبك الموظف قليلًا، ثم قال:

- المشكلة أن عدد مستمعي السيمفونية الأربعين لموزارت أصبح قليلًا جدًّا.

ضايقني ردّه:

- لكني أدفع مقابل ذلك!

- بالطبع.

مرّت برهة أعاد فيها ترتيب أفكاره، ثم قال:

- هناك حلول

- أرجوك..

- المهرجان الشعبي لا يحتاج سوى زر مستوى الصوت وهو بالفعل يعمل لديك بكفاءة، أنصحك إن كنت من محبي هذا اللون الرائج أن تستمع إليه بدلا من موزارت.

في هذه اللحظة دخلت فتاة ووقفت بجواري تنتظر دورها رغم أن بإمكانها أن تنتظر على المقاعد الوثيرة الموزعة على جدران المتجر، كانت تلوك قطعة علكة بشكل مزعج وتحدق في البوسترات البراقة المعلقة أمامها وكانت الفتاة مايند على جميع هذه البوسترات. اكتفى الموظف بأن التفت إليها ولم يبد أنه انزعج من طريقتها غير المهذبة. كان ينتظر ردي على اقتراحه:

- ها، سيدي؟

كان صوت العلكة التي تُمضغ بين ضروسها وطرقعة الفقاعات يملآن أذنيّ، بشكلٍ يعجزني عن التفكير في أي شيءٍ آخر. التفتّ إليها وقلت:

- لو سمحتِ هذه ليست طريقة مهذبة.

توقفت ونظرت إليّ كأنها تنتبه لوجودي فجأة، قالت مستفسرة:

- نعم؟!

- صوت مضغ العلكة.. هذا شيء يفوق طاقتي الاستيعابية، فضلًا عن طاقة غلالتي القماشية الرقيقة جدًا.

نظرَتْ إلى الموظف الذي بدا أنه وُضع في موقف لم يُدرّب عليه، قال بسذاجة:

- حصل خير يا فندم.

توقعت أن ينبهها إلى دورها الذي كان عليها أن تنتظره وفقًا للرقم الذي تسلّمته عند المدخل، لكنه كان قد أسقط رسمياته كلها. قالت:

- هذه قلة ذوق.

طلب منها الموظف أن تستريح على أحد المقاعد إلى حين يأتي دورها. رجعتْ وقد انتبهتُ إلى سماعتها المتدلية من بين أصابعها، استنتجت أن فيها تلف ما، وبالتأكيد فقد اتصل بها أحد المسؤولين المهمين في الشركة وأخبرها بهذا التلف بعد أن أسمعها شعار الشركة: "كيب إن مايند تمنحك الشيء المهم". قال الموظف:

- ماذا عن المهرجانات الشعبي يافندم.

قلت:

- لا بأس، سأجرب.

- وهناك اقتراحات تقدمها الشركة.

ثم تصفح أمامي كتالوج به عدد من فناني هذا اللون. كانوا يشبهون في وضعياتهم الخليعة وضعيات فنّاني الراب الأمريكي. قال بشكل شخصي:

- هذا اللون سيعجبك، أنا أراهن على ذلك، فالصخب مهم هذه الأيام. الصخب فحسب ولا شيء غيره.

ثم أضاف مبتسمًا:

- أتحدث عن الصخب الذي تُحدثه الموسيقى طبعًا.

فهمت تلميحه.

- هناك مثلًا "أزأز كابوريا"، ستملأ أذنيك بالإزعاج المفيد، إنها لا شيء تقريبًا..

أعترف أني أُعجبت بعبارة الإزعاج المفيد هذه، وكأني أكتشف أني ظلمت الإزعاج كثيرًا معي.

- وماذا أيضًا؟

- "مفيش صاحب يتصاحب"... ليست مزعجة بقدر الخلط بين المغزى البائس للصداقة وبين اللحن الراقص للأغنية. هذا اللون يقدم رقصًا من هذا النوع: رقص على مآسٍ.

هذا مدهش أيضًا.

أضاف:

- هذان هما الفرعان الرئيسان للأغنية الشعبية.

- حسنًا، أحب أن أجرب.

أخذ كارت الذاكرة، وملأه بهذين اللونين؛ الإزعاج المفيد، والرقص على المآسي. ثم قال، وهو ينتظر إنتهاء عملية النقل:

- إن كنت من محبي الأغاني الأجنبية، فقد أرشح لك أغنية جديدة لريانا.

- ما إسمها؟

- Bitch better have my money، هذه الأغنية ترقص على عملية خطف لسيدة جميلة. قاموا بتعريتها في الكليب بالمناسبة.

ثم أخذ يضحك بذكورية منتشية.

- أها، ضعها أيضًا.

وكان باديًا على وجهه أنه مُتشبّع بالرضا، كان من هذا النوع من الناس الذين ينتشون بتقديم اقتراحات يظنون أنها سوف تغير مسار حياة الآخرين.

انتهت عملية النقل بنجاح. قدم لي الكارت ثم قمت بتثبيته في هاتفي وأنا أسترق نظرة إلى فتاة العلكة. كانت عاقدة ذراعيها أسفل نهديها وهي تلوك بعصبية، كان أحمر الشفاة على شفتيها منسجمًا تمامًا مع لون بشرتها الصافي المائل للسُمرة.

- متى يمكنني تغير الغلالة القماشية الرقيقة جدًا؟

- حال توافرها سوف نقوم بإعلامك مباشرة.

شكرته ثم خرجت من المتجر وأنا أفكر في الفتاة صاحبة العلكة، كانت جميلة.

في البيت التقطت سماعتي، ثبتّها في أذني، وشغلت المجموعة الجديدة التي وضعها الموظف في كارت الذاكرة. أستطيع أن أفهم موزارت لكن هؤلاء يقولون كلامًا غير مفهومًا، لكن سمته الرئيسة - بجانب الإزعاج المفيد طبعًا- أن لغتهم وقحة ورذيلة، لهذا فقد أطلقت لخيالي العنان للوقاحة والرذالة بأن تخيلتني مع فتاة العلكة نرقص ونتعرّى. موزارت كان راهبًا لكن هؤلاء يبولون على الرهبنة.

في اليوم التالي، اتصل بي مسؤول من شركة كيب إن مايند، وأخبرني بعد أن سمّعني شعار الشركة، أن الغلالة القماشية الرقيقة جدًا أصبحت متوفرة في فروع الشركة، وقدم اعتذارًا عن التأخير، وأن ذلك ليس من سياسة الشركة أن تترك عملاءها للإزعاج الدائر حولهم. شكرته، ثم أعدت السماعة إلى أذني وأنا أستمع لمهرجان اسمه في الغالب "يابن الإيه". في واحد من هذه المهرجانات، أعجبني أحدهم يصارح فتاة بأن تمنحه قبلة، قالها بشكل عفوي جريء. أعترف أني- بعد أن سمعت كل سيمفونيات موزارت وبيتهوفن وكونشرتوهات جريج وتشايكوفسكي، سأظل عاجزًا عن مطالبة إحداهن بقبلة بمثل هذه الجرأة. في ظهيرة اليوم التالي ذهبت إلى أحد فروع كيب إن مايند لاستلام الغلالة القماشية الرقيقة جدًا. حين سألني الموظف عن تحديث قائمتي المفضلة، أضفت المهرجانات الشعبي، ولأني لا أعرف أسماء مطربيها بشكل دقيق فقد تولى عني تسميتهم. كانت الغلالة محفوظة في علبة أنيقة لونها أحمر فاقع مكتوب عليها بخط أحمر فاتح أنيق وبسيط في الوقت ذاته عبارة: "الشيء المهم". وكان اللوجو عبارة عن خط انسيابي بارز على غطاء العلبة يمثل الفتاة مايند. قام الموظف بفتح العلبة، وكنت مهتمًّا بمتابعة العملية التي سوف تحفظ للبشرية الحركة الثانية من سيمفونية موزارت رقم 40. فتح قماشة بيضاء من الحرير، كان في قلبها الغلالة، وكانت بدورها مغطاة بطبقة زجاجية بنفس أبعادها، التقط الموظف ملقاط ذهبي والتقط به الطبقة الزجاجية، ووضعها بحذر على غطاء العلبة. ثم تناول سماعتي وثبت بداخلها الغلالة القماشية الرقيقة جدًا، وكان طولها لا يتعدى خمسة ملليمترات. بعد أن انتهى من تثبيتها بحذر شديد، تنفس الصعداء وهو يناولني إياها مبتسمًا:

- مبروك يا فندم.

- متشكر.

فعلا موزارت يستحق ذلك وأكثر.. وأنا أستدير لمغادرة المكان لمحت الفتاة صاحبة العلكة جالسة على أحد المقاعد تنتظر دورها. كان واضحًا من نظرة عينيها المثبّتتين ناحية الحائط أمامها وحركة كاحلها المهتز صعودًا وهبوطًا بسرعة وتوتر أنها رأتني. لم أنس بالطبع أن أختلس نظرة على نهديها المستقرين أعلى ذراعيها المعقودين تحتهما. لو أني مطرب شعبي لتغنيت بجمال استدارتهما.

وأنا أقترب من بوابة الخروج داهمتني حالة مفاجئة من الشجاعة أن أذهب لأتعرف عليها بعد أن أقدم اعتذارًا مناسبًا. لملمت سمّاعتي في جيبي وتوجهت إليها، ثم جاء صوت الإذاعة يعلن الرقم التالي في قائمة الانتظار، فقامت من فورها متوجهة إلى الموظف وهي تتجاهل وجودي باحتقار، ووجدت نفسي وحيدًا في مواجهة الفتاة مايند.

خرجت من المكان المكيّف الهادئ وأنا أثبت طرفيّ السماعة في أذنيّ، لأجرب الغلالة القماشية الرقيقة جدًا مع الحركة الثانية لسيمفونية موزارت الأربعين وأنا أشعر بفشل حياتي ممتد.

الأحد، 30 أغسطس 2015

كونشرتو



اشرب كثيرًا وفكر بقليل من الوعي أو بكثير من الثمالة في العالم من حولك، ربما المشكلة أنه لديك وعي، تخلص منه إذن، بأن تشرب أكثر حتى تفقد الصلة، ستصير أسرع المشاة من حولك والجميع يتحرك ببطء مثل مشهد سينمائي بطيء. هكذا إذن ابدأ مسيرتك لأن أحدًا لن يلحق بك، طاقتك عالية وتفكر في الرقص على موسيقى تكنو، لكن من أين تحصل عليها الآن وسريعًا، سماعات تليفونك، نعم بالضبط، تقوم بتثبيتها أعلى طبلة الأذن. يبدأ الدق عاليًا، تدرك فجأة أن الجميع من حولك يرقص على موسيقاك، كلهم يرقصون، وأنت لم تبدأ بعد، تخلع السماعات من أذنيك فيتوقفون عن الرقص، ويعودوا لحركتهم البطيئة، تغير الأغنية، تعيد السماعات إلى أذنيك، فيرقصون. هذه إذن شفرتهم، قمت بحلّها، بطيء- تكنو- رقص، لكن أليست هذه حركات الكونشرتو! نعم بالضبط؛ أليجرو، أدانتي، أداجيو، أو شيء من هذا القبيل.. أنت إذن جزء من الكونشرتو الكبير، يظهر فجأة مايسترو بدون عصا، لكن بذلته غاية في الأناقة، ذلك يدفعك لأن ترقص أكثر لأنك جزء من الكونشرتو. ألازالت السماعات في أذنيك؟ بالطبع.. لأنهم لم يتوقّفوا عن الرقص بعد.
أنت أيضًا ترتدي بذلة أنيقة، تكتشف ذلك من صورتك المنعكسة على مرآة محل الملابس. المايسترو يغيب، لكن ما فائدة المايسترو؟ إنه السؤال الذي ظل محبوسًا طويلًا داخل وعيك، والآن وأنت في لاوعيك تسخط عليه، تشعر أنك تفضله، ليس بإمكانه أن يوقف الرقص مثلك. أنت مايسترو، حتى وإن كنت ساخط على المهنة، لكنها شرف، تنكر أنها شرف؟!
ما الذي سوف تفعله الآن كي تكون مايسترو حقيقي؟ تشرب أكثر لتبقا داخل لاوعيك، لأنك لست شجاعًا بما يكفي لتواجه حقيقة المايسترو خارج حلقة اللاوعي.
ابدأ إذن بتنظيم الكونشرتو من خلال السماعات، لديك الآن حل الشفرة؛ بطيء- تكنو- رقص.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...