الخميس، 10 يوليو 2014

سراج الرعاة

My rating: 3 of 5 stars

في البداية وجدت الكتاب فرصة لطيفة للتعرف على كُتاب لم أسمع عنهم من قبل، كان الكاتب الأول هو الإيطالي ألبرتو مورافيا، وبشعلة الحماسة الأولى بحثت عنه على الإنترنت، موضوع كتاباته، كتبه المترجمه، موجز بسيط عنه، ثم قرأت الحوار، فيصير الأمر كأن تقرأ حوارًا لكاتب تعرفه، لكن ليس كل الكُتاب معروفين أو لديهم نفس هذا التواجد على الإنترنت، لذلك فقد توقفت عن البحث بعد بعض الكتاب المتصدرين الكتاب. والمشكلة هي اعتماد المُحاور -خالد النجار- في الأساس على الكُتّاب الذين لهم خلفية ثقافية فرنسية، التي هي خلفيته أيضًا، فكل الكتاب المذكورين لهم صله بطريقة ما أو بأخرى بالثقافة الفرنسية، فالمفروض أن تسقط عنهم صفة (العالمية)
الاعتماد الثاني على الشعراء، والواضح أن هذا هو المجال الشاغل للمُحاور من أسئلته، وأغلب الأسئلة المُوجهة للشعراء من تلك النوعية العائمة الغير واقعية والإجابات بالتالي تكون انعكاس لها، عموما أنا أكره نثريات الشعراء حين تتخذ صبغة شاعرية، وهذا ما كانت عليه الكثير من الحوارات مع الشعراء، لكن هناك تنوع طفيف، مع بعض الروائيين، مترجم وحيد، مفكر بحجم إدوارد سعيد (الوحيد الذي تعرفت عليه من بين كل الكُتاب) لكني وجدت في بعض الحوارات (وخصوصًا بعض الأسئلة) قيمة كبيرة، تجعلني لا أندم على قراءة الكتاب. لكني مُعجب بثقافة خالد النجار ولغته، في بعض أسئلته يطرح قضايا مهمة، أتذكر حديثه عن اللغة كونها عائقًا مقدسًا في الأدبيات العربية.
تلك القصة الأسطورية التي ذكرها الكاتب التركي كمال يشار عن لقمان الحكيم تبدو لي مدهشة لأبعد الحدود، لخصها في بضعة أسطر، فكرت أن الكتاب يستحق أربع نجمات بسببها.

الثلاثاء، 10 يونيو 2014

نيڤادا الحارقة


"ذُق من يدي. بالله عليك".

جئت نيڤادا لأنها حارقة لدرجة أنهم يدعونها جهنّم الأرض، وأمي هنا- في جهنّم. الحكايات والأساطير تكوّنت عند أمي ثمّ أقنعتني أنها حقيقةٌ مُطلقة.

"ذُق من يدي. بالله عليك" هذا آخر ما قالته لي أمي، أرادت أن تُطعمني آخر لقمة من يدها، كأنها تخشى أن تموت قبل أن تتأكد أني أكلت، ولأني أعرفها جيّدًا أكثر من أي شخص آخر- لأني لم أرَ في حياتي شخصًا آخر في الحقيقة- فقد أكلت، وأرادت أن تقول كلمةً ما قبل أن تموت، رأيت روحها تخرج من فمها وأنا أمضغ، كان الطعام لذيذًا، أردت أن أسألها عن اسم هذه الأكلة، لكنها لم تستطع أن تنطق، وظلت روحها تخرج، كانت تعاني بشدة كأنها تتعذب، سقطت ونامت على ظهرها من الآلم، أرادت أمي أن تُنشئ أسطورتها الأخيرة، قالت بصوت متحشرج:

- أنا ذاهبةً إلى الجحيم، أرى ذلك أمامي.

ثم ماتت أمي، ومتّ أنا... لقد وضعت أمي السم في الطعام، لأنها أحبتني لدرجة أنها قتلتني معها.

بعد أيام- وقد عرفت ذلك من روحي التي ظلت مختبئة في أحد أركان البيت- اقتحم مجموعة من المسلحين المنزل، كانوا يُهاجمون المدن والقرى، يأخذون كل شيء، كل ما تصل إليه أيديهم أخذوه، والنساء اغتصبوها، ويقتلون من يعترض أو من يحلُ لهم قتله، ولما وجدوا المنزل غير مسكون، لم يستطيعوا أن يقتلوا أحدًا، كان كبيرهم يتقدّمهم جميعًا؛ كان من السهل أن أتبين من ملامحه أنه قائدهم فضلًا عن صوته الجهوري الصارم، فهو يستطيع أن يوجههم بصوته وحده، قال في كلمة قاطعة:

- كل شيء.

تساءلت عمّا تعني "كل شيء" هذه، حتى اقترب مني أحد الجنود، وتناول شيئًا بجواري وكان الطعام الذي وضعت أمي فيه السم. لم يرني، فأنا مجرّد روح سوف تُحاسب قبل أن أُلقى في جهنّم مع أمي، هذا ما أخبرني به ذلك الكائن المروّع الذي جائني قبل يومين، ما أن سألني:

- ماذا تريد قبل أن تُحاسب؟

لم أفكر، حاولت فحسب أن أهرب منه بأي طريقة، قلت:

- أريد أن أبقى هنا لأودع البيت، لأني لا أعرف غيره.

أعلمني هذا الشبح أن أمي تُحاسب الآن، ولأن شكله مرعب ووجهه يستطيع أن يقذف في قلب كبير العصابة هذا الرعب حتى الموت، فإني قلت:

- أرجوك دعني هنا، لا أعرف مكانًا آخر، وأمي سوف تعود، فقط أخبر كبيركم أني وحيد بدونها.

أمهلني الشبح يومين فقط لا غير، ثم ذهب.. "ذهب إلى أين؟" فكّرت، ثم قلت في نفسي: ربما عند أمي، فبكيت لأنها معهم. أمي المسكينة، هربت من العصابة ليودِعوها في جهنّم.

بعد أن تناول هذا الرجل من الطعام المسموم، مات بفوره واكتشف هذا أحدهم، فأذاع الخبر بينهم في ذعر، وعم الغضب، واعتقدوا أن أصحاب البيت قتلوه، فتوعّد كبيرهم رافعًا صوته الجهوري حتى يسمعه أصحاب البيت:

- إن لم تخرجوا إلينا فسوف نحرق البيت

كنت أرتعد خوفًا، وكنت أراهم جميعًا وهم يتأهبون لفعل أي شيء، فكرت في البيت الذي لم أر غيره، وأمي التي تُحاسب عند هذا الشبح المخيف.. وددت لو أموت، لكني ميّت، فعرفت أن روحي مُعذّبة. ولما لم يخرج إليهم أحد أحرقوا البيت وكانوا قد خرجوا جميعًا. كنت أرى النيران، والنيران بدورها لم ترني لذا لم أحترق، وظلّت روحي نقية كما كانت. كان أثاث المنزل يتموّج من خلف ألسنة اللهب، فكان عليّ الرحيل إلى أمي، "أين الطريق إليها؟"... الأرواح تعرف، لذا فقد ذهبت.

وهناك حيث لا شيء متوقّع الحدوث، صرخت لعلّ أمي تسمعني، لم يسمعني أحد فقد كانت معي أرواح كثيرة تصرخ، أرواح لا حصر لها، وقد ظننت أنها تصرخ منذ بدأت الخليقة، وسوف يستمرون في الصراخ إلى الأبد، تتبعني أحد الأرواح، وكان الرجل الذي أكل من الطعام المسموم، حدجني بنظرة متوعّدة، ثم تابع حركته للأمام يشق صفوف الأرواح، وكانوا جميعًا يصرخون: أمي.. أمي، بينما كان هذا الرجل وحده يبحث عن أمي أنا، أراد أن يقتلها كما قتله السم.. ثم جاء الشبح وحملني بإصبع من يده، وقال تعال معي، فذهبت. وفي الطريق نمت أو هم قد أناموني، أو فقدت وعيي، لا أعرف بالضبط، وهنا في نيڤادا وجدت نفسي وحدي تمامًا، أطرافي تنصهر من الحرارة، بعد ساعات قليلة سوف أتفحّم. هنا يوجد أربع شموس لا يأتي عليها ليل، حيث لا مفر منها أبدًا. وجدت بئر، لم أفكر، وألقيت نفسي فيه، اختفت الشموس كلها وحلّ الظلام، وهناك في القاع وجدت شعرًا محترقًا، عرفت أنه جسد أمي، ثم سمعت بكاءً؛ كانت روحها منزوية بعيدًا، ذهبت إليها، ولأننا روحان، فقد سكنت داخلها مثل الجنين:

- أمي.. لماذا نحترق؟

لم ترد، وكانت تتألم لأن جسدها يحترق أمامها، ربما لم تسمعني، فخرجت من داخلها وذهبت لأطفئ الجسد المشتعل، كان محترقًا تمامًا، وكانت الجمرات تتطاير منه، حتى أنني بالكاد تعرّفت عليه، رميته بعيدًا ثم عدت إلى أمي، وكانت لا تزال تبكي. وهناك رأيت أحد الأرواح قادم نحونا، عرفت أنه الرجل الذي أكل من الطعام المسموم، حدجني بنفس النظرة، ثم نظر إلى أمي، أراد أن يقتلها، لكنها كانت تبكي بحرقة، فذهب وخرج إلى الصحراء. قلت لأمي:

- هل تسمعينني يا أمي؟

صمتت قليلًا لتسترح من البكاء، قلت لها:

- هل هناك جنة يا أمي، وهل سننتظر كثيرًا حتى نعود لمنزلنا؟

لم تتكلم، ثم رأيت جسد الرجل المسموم يهوى من فتحة البئر وهو يحترق. كانت أمي تتكلم دائمًا عن الجنة وكانت هذه إحدى أساطيرها، لأنها كانت تعرف أن هناك من يتربّص بنا، وعندما علمت أنهم قد جاءوا إلى القرية قتلت نفسها وقتلتني.

- تذكرين الأكلة التي أطعمتني منها يا أمي؟.. كانت لذيذة حقًا!

أمي صامتة تمامًا، ويبدو أنها لم تتعرف عليّ، كُنَّا في انتظار الشبح ليأخذنا لنتعذب ثانيةً.


ـــــــــــــــــــــ

كتبت هذه القصة لمدة نصف ساعة متواصلة، لم يكن لدي أي علم بما ستصل إليه الأمور، وكيف ستنتهي، بدأتها كتتمة لسلسلة عن المدن التخيّلية بعد "قريبًا من مانهاتن".


الجمعة، 6 يونيو 2014

قريبًا من مانهاتن



(1)

هذا الصباح تذكّرت اسم مدينة أمريكية بلا أي سبب يدعو لذلك، لا أعرف عنها أي شيء سوى اسمها فقط الذي هو مانهاتن وأنها موجودة في أمريكا، لا أعرف أية تفاصيل أخرى، ربما أنت الآن تسترجع تفاصيلها في مخيّلتك؛ مبانيها، أُناسها، قوانينها التي تحكمهم، ورغم ذلك لا أعرف ما هي هذه التفاصيل، ومع ذلك فلأنها مدينة موجودة بالفعل واسمها يرتبط بذاكرتي بطريقة ما- ربما بسبب النغمة اللطيفة المُصاحبة لمخارج حروفها من الفم، وطريقة مدِّ الحروف في المنتصف والسكون الرقيق المُفاجيء لحرف النون في نهايتها واتصاله بحرف التاء- الثنائي النغمي المعروف بـ "تن" - فلابد أني سمعت اسمها في يومٍ ما فأُعجِب بها عقلي الباطن ليحتفظ لي بها في هذا الصباح، ومع هذا الغموض فإن لدي عنها انطباعات تخيُّلية تستطيع أن تُعوّض جهلي بها، بالتأكيد هذه المدينة الأمريكية متأثّرة بالحداثة في معمارها لذلك فسماءها تضيق بناطحات السحاب ذات الواجهات الزجاجية التي تعكس بعضها البعض، ولابد أيضًا أن يكون بها ملاهٍ ليلية سوف أتبيّنها من طريقة الإضاءة الصاخبة من الخارج، لن أدخلها فأنا لا أجيد الرقص، لا أحب الشرب، سأكتفي فقط بالفرجة على الإضاءة المبهرجة من الخارج ليلًا.. ولأني أعرف أن الإقتصاد الأمريكي في حالة جيدة، وإن كنت أسمع عن بعض العثرات، فلابد أن يتمتع الناس في مانهاتن بدخل جيد يسمح لهم بالإنفاق على أسباب رفاهيتهم وسعادتهم، لن يكون هناك زحامًا، وكيف يكون هناك زحامًا وقد أنفقوا أموالا طائلة على منشآتهم وناطحاتهم كي يستمتع الناس بالفرجة! قد أسير في إحدى شوارع مانهاتن فيغطيني ظل إحدى ناطحات السحاب، وأنا أقترب من مدخل الناطحة، لا أشعر بحركتي نحوها فجدرانها الممتدة طولا وعرضًا تغطّي الأفق فلا أشعر بتغيّر أبعادها كلّما اقتربت، أتهيب الاقتراب منها كأنها ستسقط عليّ، أو أنّ طائرة سوف تخترق جدرانها العالية، وأنا لا أعرف ما يحدث هناك فوق السحاب. ربما سأقابل عند المدخل رجلًا أربعًا، لن يكون مُنتصب القامة، بل منحنيًا على الأرض يبحث عن شيئٍ ما، مؤخرته تتصدر المشهد فقبعته الصفراء تُغطي رأسه مثل قلنسوةٍ، يتحرك ببطء مثل دجاجة تنقر الأرض كأنه يبحث عن شيءٍ صغير جدًا، ربما لأني غريب عن مانهاتن، فليس من حرجٍ أن أسأله:

- لو سمحت، هل هنا مكتب رعاية الفنون والآداب بمانهاتن؟

ينتصب الرجل فجأة، ينظر إليّ، وعلى وجهه علامات إعياء من طول الإنحناء، وجهه متورد من طول ارتكاز الدم فيه، قطب جبينه في غضب بعدما تبيّن ملامحي جيدًا، وقال في اقتضاب:

- اذهب إليهم، ينتظرون أحدهم، ربما أنت.

- عما تبحث، هل يمكنني أن أساعدك؟

كأني اخترقت إحدى خصوصياته المقدسة، وقد أحسست بذلك من نظرة الشك التي غيّمت على عينيه فجأة، وصمته الطويل الذي يسبرني، كأنه يودّ أن يقول: "كيف تجرّأت؟"، قلت لأوقف هذا السبر أن يتوغل أكثر فيصل إلى أحشائي:

- هل جميعهم هناك؟

قلتها وأنا أشعر بنظراته تجوس داخل معدتي، قال بصوتٍ معدني قاطعًا:

- اذهب الآن، لا أكثر..

ولّيت له ظهري طائعًا لأمره، ثمّ سِرت وأنا أشعر أنّ نظراته تخترق ظهري.. كانت عيناي مثبتتان على مدخل المبنى، لو رأيت أحدهم لصرخت: أنقذني، هذا الرجل يقتل عن طريق النّظرات التي تجوس داخل المعدة.. لم أجد أحدهم، واستمريت في المشي، لو تعثّرت قدماي في حصاة صغيرة لسقطت أرضًا من الخوف.
وما أن وصلت المدخل، حتى جعلت الجدار يجذبني إليه فتواريت خلفه وأطلقت أنفاسي المحبوسة، ثم أخذت أسترق نظرة من خلال عيني اليسرى، لم يكن هناك، اختفى تمامًا، شعرت بالخوف أكثر، حتى ربت أحدهم على كتفي، فما شعرت إلا ورأسي تلتفت إليه بلا شعور مني محتقن الوجه، ألفظ أنفاسي مثل الهارب، فوجدت ابتسامة تبدد الوحشة، وحشة مانهاتن الغريبة، ثم قال لي بلكنة محليّة هادئة:

- تأخرت كثيرًا، الجميع ينتظرك لمناقشة الرواية.

التقطت أنفاسي وأنا أقول له:

- آسف، أين الطريق إلى القاعة؟

فوصف لي الطريق الذي كان على الجانب الأيسر من المدخل الأول للطابق الثاني. شكرته ثم مضيت ومضى، أخذت أستعد للمناقشة باسترجاع أحداث الرواية وما استوقفني منها. شعرت بالآمان.
وقفت عند مدخل القاعة، كانوا جالسين: سيدة خمسينية تتوسط مجموعة من الشباب تتراوح أعمارهم ما بين العشرين والسادسة والعشرين، أشارت إليّ بذراعها الطويل الذي انتصب مرفوعًا فوق هاماتهم وهي تلوّح مبتسمة لتلفت انتباهي، ابتسامتها هي وحدها الباقية من جسدها المحجوب وسط الدائرة. سوف أذهب حتمًا، وربما تتغير ابتسامتها التي تقابل بها الغرباء بعد أن تلتمس فيّ القلق والخوف، سوف لن أحكي عما حدث، ابتسامتها تكفي لتبديد الوحشة، فلأحتفظ بها. أومأت، ثم ذهبت إليهم، ابتسموا جميعًا، وسألتني عن سبب تأخري، كدت أحكي لهم ما حدث مندفعًا بنبرة التعاطف التي أبدوها وكنت أودّ حقًّا أن أعرف منهم قصة هذا الرجل، ربما وجوده طبيعيًّا في مانهاتن، لكنني عزوت سبب تأخري إلى أن هذه هي زيارتي الأولى لمانهاتن، فضّلت أن أتناسى حتى لا أفسد الأجواء.. جلست على المقعد وبدأ الجميع في فتح الرواية، وفتحت كتابي الخاص.

قالت السيدة أوزيلا مُلاطفةً، كأنها تصحح خطأً ارتكبته:

- سوف نناقش رواية أخرى!

رفعت رأسي مستفهمًا، ففهمت مغزى نظرتي، وقالت:

- أنت جديد على الدائرة، نحن نتفق على رواية، لكننا نناقش رواية أخرى!

لم أعقِّب، تملّكتني دهشة عقدَت لساني، وخاب أملي في مناقشة الرواية المُتفق عليها التي اجتهدت في قراءتها، لذلك فقد لُذت بالصمت بينما هم راحوا يتصفحون الرواية الجديدة، قالت أوزيللا:

- الرواية اسمها "الرجل الذي يقتل بالنظر"

توقفت عند اسم الرواية، بينما هم تابعوا...

(2)


الطريق ممتد حتى يضيق في الأفق مثل عنق قارورة، وعلى جانبيه اصطف عددٌ لا نهائي من الأشجار الوارفة، باسقة في شموخٍ كأنها تحمل الطريق، وهناك، حيث تبدو السماء جزء من مانهاتن وحدها- لا امتداد لسماوات باقي البلدان- كنت أنتظر ظهور نسر أمريكي...

- أنت لا تعرف مانهاتن، عُد من حيث أتيت!

- هل تعرفينها أنتِ؟

- أنا التي صنعت مانهاتن ثم زرعتها داخلك!

الأصوات في مانهاتن كثيرة، لا أحد يستطيع أن يحدس كم عدد الأصوات هنا، هذا بخلاف الأصوات التي تأتي من داخلي كأنها من الخارج، كنت أظن أن السبب في ذلك هو خرف في ساعتي البيولوجية، لكن الأصوات -بشهادة الجميع- إحدى الأساطير المكونة لمانهاتن. توقفت عندى مقهى، كان وحيدًا وسط أرض وسماء مانهاتن، هناك ألفة بينه وبين الطبيعة، رغم المدخنة التي صارت بدورها جزءًا من طبيعة مانهاتن.. داخل الحانة رأيت عجوزًا منكبًّا على الطاولة يتجرّع الخمر في حالٍ يُرثى لها، ما إن لمحني حتى أسرع بإعداد مقعد وقال والخمر يسقط من فمه، غير واعٍ لحاله:

- تفضل سيدي، الجميع ينتظر وصولك؟

- هل تعرفني؟

- أرجوك، لا تظن بي المجون، أنا حقًا أشرب الخمر كثيرًا لكن هذه هي الطقوس؟

- طقوس من؟

- طقوس إله مانهاتن، دونيسيوس!

يعود أحد الأصوات مرّة أخرى ليقرع في أذني، لكنه صوت ألة - لا بشر، عرفت أنها الكلارينيت، أشهر آلات مانهاتن.. سألت الرجل:

- هل هنا من يعزف؟

- نعم، ابنتي في الخارج تعزف، متيّمة بالموسيقى.

- هل يمكنني رؤيتها؟

- بالتأكيد، فلربما استطعت أن تكسر عزلتها المفروضة عليها.

- من فرضها عليها؟

- تدعي أنها من فعلت ذلك، لكني أعرف أن الآلة هي من سجنتها.

خرجْت وعاد الرجل يعب الخمر إلى فمه، ويغني على ألحان الكلارينيت.

أول ما وقع بصري كان على بطنها المنتفخ، ظننت أنها تحمل طفلًا داخل رحمها، لكني عرفت فيما بعد أن بطنها انتفخت من طول الحاجة إلى الهواء للنفخ في الكلارينيت، حتى أنها تستطيع أن تخزّن هواء يكفي للنفخ لحوالي خمس دقائق متواصلة. لكنها مع ذلك كانت أجمل من رأيت، والأجمل وجهها حين تعزف، فهي تبكي حين تكون الألحان حزينة، وتكتفي بالابتسام حين تكون مُبهجة، والجمال هنا يكمن في صدق مشاعرها. كانت تعزف وهي تحرك رأسها مع الألحان مثل ورقة تحملها الريح أو الموج، عيناها مغمضتان، وما أن اقتربت منها حتى فتحتهما وتوقفت عن العزف، ثم تفحصتني كغريب يتهجّم على عزلتها، خرج العجوز من الحانة وهو يصرخ:

- بالله عليكِ يا سارا أكملي العزف

نظرتُ إليها مشفقًا، وتبادلنا النظرات لثوانٍ ثمّ وضعت مبسم الكلارينيت بين شفتيها ثم أكملت العزف، ووجهها خالٍ من التعبيرات.

- بحق دونيسيوس أخبريني، هل أنتِ من تصدرين أصوات مانهاتن الغريبة؟

لم ترد واستمرّت في العزف، اعتقدت أن عزلتها عصيّة على الكسْر، وأنها سوف تعزف إلى الأبد، ربما من أجل مانهاتن أو من أجل دونيسيوس- إله الرغبة.
عدت إلى الحانة ولم أجد العجوز، كنت أريد أن أطلب وجبة، فقد كنت جائعًا، ارتميت على المقعد كالقتيل، أنهكني السفر أخيرًا، وامتلأت رأسي بكل ما هو جديد عليّ بأقسى ما أحتمل، يتوقف العزف فأرفع رأسي لأسمع خطىً قادمة نحو الحانة وهناك في الأفق صفير سرب من النسور الأمريكية، دخلت سارا، ولم أستطع أن أتغاضى عن بطنها المنتفخ وأنا أرفع رأسي لأنظر إلى وجهها، قدمت لي الكلارينيت وقالت:

- خذ هذه وأخبرني لماذا أتيت؟

لم أعرف بما أرد، لكني أخبرتها:

- أنا أكتب القصص، حياتي تتمحور حول كتابة قصتين عن كل مدينة؛ إحداهما زائفة والأخرى حقيقية!

- لا شيء حقيقيّ هنا، عُد واكتب مانهاتن من جديد!

**************


* ذكرت أني عرفت فيما بعد سر انتفاخ بطن سارا، فالقصص المحكية عن مانهاتن بعد هذه القصة لا حدود لها.

يونيو 2014

الجمعة، 9 مايو 2014

جوع

   يفتش في جيوبه عن أيّة عملة معدنية، رغم علمه بأنه لا يمتلك أي مليم، كأن جيوبه ستشفق على ريقه الذي يجري على قِدر الفول والبائع يعب منه إلى أرغفة العيش الأسمر في سرعة وآليه لا تبديان أيّة التفاته للحرب المستعرة داخل جوفه، لكنه يُخرج يديه ساحبًا معها قماش جيبه الأبيض، ساخطًا على الفقر وعلى محلات الكباب والدجاج المشوي المنتشرة في مواجهة عربة الفول، لأنها تتعالى على أحلامه التي لا تستطيع تمنّي أكثر من رغيف فول. يُكمل المشي، ولا يعرف أين يذهب.

   * معاك فلوس؟
   - مش معايا لأ
   * ههههههههههههههه

كان المشي يهوّن عليه إحساسه بانكماش معدته، يُخرسها وسط الزحام.

   * نفسك في إيه من الدنيا؟
   - مش عارف، بس أنا جعان.
   * ههههههههههههههه

يتقاطع ظله مع الحصى اللامع، مع ظلال السيارت المتوقفة، مع ظلال السابلة من تيار البشر. ينبت العرق من جبهته فيتجمع في نقاط غليظة ليتساقط منزلقًا.

   * انت بتنهج ليه؟
   - أنا تعبت من المشي
   * ههههههههههههههه

يمشي مدفوعًا بالجوع، يلتمس له نهاية من نهاية الطريق الذي لا يعرف أين سوف ينتهي.

   * انت رايح فين؟
   - مش عارف رجلي واخداني على فين!
   * ههههههههههههههه

يعبر الجسر الضيق المزدحم بالناس ملاصقًا للسور الحديدي، يصطدم كتفه بأكتافهم، تتخبط ساقه بأكياس الطعام التي يحملونها معهم، لكن لا أحد يلتفت إليه، هو وحده تمامًا، يلقي نظرة على النهر في إعياء، يلاحظ تموجاته الهادئة، ذكّرته بنقوش أقدام الكتاكيت على أرضٍ متربةٍ... "الكتكوت سوف يكبر ويصبح دجاجة. الدجاجة الآن تُشوى. والبحر سوف يهيج داخلي، ثم أموت جوعًا، بينما هم يلتهمون الدجاجة" تخيل الرجل البدين الذي مرّ من أمامه في هذه اللحظة يلتهم دجاجة مشوية في نهم، لا يتذكر كيف بدأ تخيله حتى يصل إلى هذا المشهد الأخير.

   * انت بتبص على إيه؟
   - مش عارف
   * ههههههههههههههه

ينزل من الجسر عبر درجاته الثلاث، ينتبه من خلال الواجهة الزجاجية لمحل الملابس إلى جيبه المقلوب، فيعدله غير آبه بنظرات الناس المشمئزة منه. يرمق الشحاذ المنطرح أرضًا بنظرة أخوة، ثم يكمل مسيره والجوع مثل طفل لحوح يتضور داخل معدته.

   * خليها تسكت!
   - خليها تسكت انت، مش قادر اقول لها.
   * ههههههههههههههه

يجد نفسه في مواجهة محطة القطار، فيقرر أن يسافر، مثل فكرة شاردة لمعت فجأة في ذهنه، يخطو نحو سلم المحطة بخطى إن تكن لا مبالية، إلا أنها لم تخل من قلق يضطرم في معدته الخاوية، فكان قلقه مسموعًا. يدخل بهو المحطة الواسع مترامي الجدران العالية، فشعر فجأة بالتيه، الكل يسير بخطىً واثقة تعرف أين تذهب إلا هو، تيار متدفق من البشر يتلاطم بسكونه الهزيل؛ منهم المسافر ومنهم العائد، وهو ليس بمسافر أو عائد، هو لا ينتمي إلى هنا.

   * انت جاي تعمل إيه هنا، أنت جعان!
   - أنا هسافر!
   * ههههههههههههههه

ينزل من أول سلم يواجهه، ثم يعطف على المدخل الأول الذي على يمينه. يمشي هكذا مُلتمسًا أقرب الطرق. يجلس الآن على مقعد داخل القطار بجوار النافذة. يريد أن ينام من التعب.

   * انت جاي تنام؟!
   - ......
   * انت رايح فين؟
   - مش قادر أتكلم.
   * ههههههههههههههه

يبدأ القطار في التحرك في اتجاه ظهره، من خلال النافذة ينسحب القضيب المعدني إلى الأمام ببطء، تهتز العربة صعودًا وهبوطًا، مسلمًا نفسه لهزاتها. ثم يندفع القطار بقوة محدثًا صوت اصطكاك عنيف، يضع رأسه بين ذراعيه على حافة النافذة، فيسمع صوت انكماش معدته بوضوح:

   - يلعن أبوكي.

تستمر في الشكوى مستجدية مثل مواء قطٍ جائع. يأتي أحد الباعة مندفعًا بجسده الهزيل يبيع ألعاب للأطفال، هاتفًا:

   - ابسط ابنك، ابسط بنتك، لاعِب حمادة وميادة

يرفع رأسه ساخطًا، فيراه مُدبرًا مستمرًا في المشي والنداء بطريقة آلية، الجميع يهتز صعودًا وهبوطًا، الملل يفتك بوجوههم المدهونة بالعرق الناظرة إلى اللاشيء.

   * ابسط بطنك
   - اخرس بقا!
   * ههههههههههههههه

يُلقي رأسه على ذراعيه، ويفكر:

   - هو القطر دا رايح فين؟!

يعود إلى التفكير بجدية رافعًا رأسه لينتبه إلى سؤاله فجأةً، سأل مُجاوره:

   - القطر دا رايح فين؟

كأن غرابة السؤال لم تثر انتباهه، قال في هدوء رتيب دون أن ينظر إليه:

   - محدش عارف، أدينا راكبين!

شعر أنه يسخر منه، فسخط عليه في نفسه:

   - ناقصاك انت كمان!

على أرضية العربة، اقتربت متسوّلة زاحفة، ساقها الأيمن مبتور، تقول في استعطاف بصوتها الجهور الباكي:

   - ربنا يمتعك بصحتك، ربنا يرزقك.

قال في نفسه:

   - ما تدعي لنفسها!

وقبل أن ينتبه لسخريته ويطلق سراح ضحكة عاجزة عن الخروج من جوفه الخاوي، دعا:

   - ربنا يرزقني، أنا جعان يا رب!

مرت من أمامه تزحف على أليتيها، باستخدام قطعتي ورق مقوى كمجدافين على أرضية العربة، لونها شاحب قديم مُهمَل مثل لون جدران القطار الصدئة، ولا فرق بين وجهها وملابسها المبقعة المهترئة. تكرر نفس استجداءاتها بنفس القوة والفجاعة لا يصيبها الكلل، والملل في وجوه الناس يكاد يمتزج بنظرات نفور من شكلها المُزري وعلّتها القاسية، لا أحد أعطاها شيء، ظلوا فقط ناظرين إلى اللاشيء، مصطنعين عدم الانتباه. بينما هي ظلّت تزحف مبتعدة تنتقل من عربة إلى أخرى، وصوتها يتباعد شيئًا فشيئًا، شعر الجميع براحة بعد أن ابتعدت عنهم ولم تكلفهم عاهتها، التي داعبت مشاعرهم، أي شيء- باستثناء النفور، حتى وإن ظلّت وجوههم على نفس حالها الممتقع في الملل.

   * ما تشتغل شحات!
   - يعني هم لاقيين اللي يديهوم
   * ههههههههههههههه

يتوقف القطار عند المحطة الأولى. يهبط بعض الناس مُحدثين جلبة، يظل الآخرون على مقاعدهم بلا مبالاة، يفكر في النزول معهم لكنه أصبح غير قادر على الحركة والراحة على المقعد تغريه، وقد هدأت بطنه بعض الشيء. يلمح وجه فتاة تدخل من أحد الأبواب، كانت جميلة، بديعة القسمات، ترتدي (بادي) أبيض تكاد أنوثتها تتفجر منه، شدت انتباهه- كما شدّت انتباه الجميع- ليصبح جوع بطنه على قائمة انتظار آلامه، تعقبها بنظراته المُستكشفة الجائعة وهي تمر بين زحام الواقفين عند الباب فتحتك بينهم، تمشي بين صفّيّ المقاعد وعلى وجهها ابتسامة هادئة تشي برضا عن جمالها المفرط.

   * ما تقوم تكلمها.
   - بس أنا جعان وكحيان.
   - ههههههههههههههه

كان ينظر إليها بطرف عينيه لإلا يثير حوله الانتباه سواء منها أو من غيرها، منحته تلك اللحظات بعض الترويح عن نفسه، مرت بجانبه لتصبح خلفه، فانتبه إلى نفسه:

   - وبعدين في الجوع؟
   * أي جوع بالظبط؟!
   - ملعون أبو الدنيا.
   * ههههههههههههههه

يُسقط رأسه بين ذراعيه في يأس، فتعود معدته للانكماش والتضوّر، يسمعها الآن بوضوح أكثر من أي وقتٍ مضى، حتى يمكن أن يسمعها من يجلس جواره. يطاوعه النوم.

   * تصبح على خير.
   - وانت من أهله.

                                        *******

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

بدرو بارامو. قراءة ثانية

My rating: 5 of 5 stars


أكتب إيه، أقول إيه.
أنا وقعت صريعًا في هوى بدرو بارامو
قراءتي الثانية، وفي يومٍ ما آخر سأعيد قراءتها، ربما بعد عام، ربما غدا، ربما الآن بعد انتهاء هذه المراجعة.. سأظل أقرأها، أتلوها بخشوع، متكومًا من الرهبة في فراشي، أو جالسًا على مقعدي في الشرفة والكلمات تنهال على رأسي مثل رذاذ ضباب فجر كثيف، كل المقطوعات الموسيقية تعزف جميعًا، في حالة نادرة من التوافق، مارتشيلو، جلوك، ألبينوني، وجريج، كأن نوتتهم "بدرو بارامو"
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أَعوذُ بالله مِن سَطوةِ العَقلِ ووَهم الفَهم.

لو أني يومًا تمكنت من ربط أحداث الرواية، من فكّ طلاسمها، سأتوقف فورًا عن الهيام بها، لا أريد لعقلي أن ينتصر، لا أريد حبس الموتى في عقلي، كنت يومًا أريد ذلك، أريد فهمها، لكن.. لكن بحق السماء، كيف نفهم قصة عن الموتى، أي شاعرية في ذلك، ماذا نعرف عن الموت كي نفهمه، لماذا نريد أن نملي شروطنا على الكاتب ليكتب شيئا مفهومًا عن أشياء لا نفهمها، أريد أن يُخلّد غموض الموت، تلك هي رومانسيته.
كلما زادت سهولة العمل الأدبي، كلما تشابهت تأويلاته، وتحدّثنا عن نفس الأشياء وصرنا نسخًا متعددة. قل أعوذ بالله من أن تجعلنا القراء نسخًا متشابهة، من أن تُسطّح الذوق وتجرّنا إلى حيث يريد الكاتب، لا إلى حيث نريد، وإلا لماذا نقرأ؟!
أنا هنا أتكلم عن فيض الشعور، عن الأشياء المُبهمة التي تأتيك من حيث لا تدري أنت ومن حيث لا يدري الكاتب، لكن من حيث تريد ربة الشعر، ومن حيث تريد روح الأدب، لهذا فالأعمال العظيمة تُخلّد.
قراءتي الأولى كانت في أيام شديدة الصعوبة وكنت أمر بمرحلة سيئة، ورغم سوداوية الرواية وحديثها عن الموت، إلا أني حينها وجدت الصُّحبة، وجدت من يؤازرني، وصرت أكتب نصوصًا مثل هذيان المحموم، لم أكن لأكتبها، ومن ثم الخروج من تلك الحالة أو مساعدتي على التغلب عليها، إلا بمساعدة بدرو بارامو.
من الرويات القليلة –إن لم تكن الوحيدة- التي تدفعني للكتابة بصدق، بلا تكلف، كأنها تستخرج من أعماق نفسي ما كنت أجهله.
لا أحب بدرو بارامو لأنها تجعلني أكتب، أحبها فقط لأني أحبها، والحب هو سبب حبي لها. لا تسأل نفسك لماذا تحب فتاتك، استمر في حبها، فالعقل حين يتدخل ويقوم ببحثه يُرهق الحب بمجادلاته.
يقول الشاعر الفرنسي جي جوفيت: "لماذا نحب تلك المرأة لا تلك؟ بسبب كذا وكذا؟ لزرقة عينيها أو لأن أنفها أقلّ طولًا؟ عندما نجزِّيء الإنسان نكون قد كففنا عن محبّته، وكذلك الشعر"، بدرو بارامو نوع من الشعر، والسحر.

انتهت المراجعة، لكن هناك دائمًا ما أود قوله، النهاية: بدرو بارامو.

خيال الواقع.. واقع الخيال

الحياة مليئة بالحكايات والقصص، لن ينتهي الأدب ولن تتوقف الكلمة لطالما هناك حياة، أو بالأحرى، لطالما استمرت الحياة، وأي محاولة للهروب من الواقع هو في الحقيقة ليس أكثر من إعادة تشكيله، لمواجهته بشروطنا نحن لا بشروطه هو. كل حركة، كل إيماءة، كل كلمة، يمكن إعادة تشكيلها جميعًا لتصبح قصة مختلفة، لمواجهة الواقع بها، فالهروب من الواقع يتشكل من الواقع.

في الواقع -واقع الحياة- تجد كل القصص من كل المدارس، قصص تنتمي للواقعية، للاجتماعية، للرومانتيكية، الحداثة وما بعدها، وحتى الواقعية السحرية؛ المدارس في الأصل خُلِقت لتواكب احتياجات العصر الذي نشأت فيه، أي أنها تأتي استجابة للواقع. وانتماء كاتب معين لمدرسة ما هي بمثابة عوينات يرى بها واقعه، أو يستخلص بها مشاهده بالطريقة التي يفضلها.

وموضوع أن كاتب ما -أو فنان- لديه خيال واسع وخصب (أي كاتب/ أي فنان)، هو في حقيقة الأمر ليس أكثر من قدرة على تحليل الواقع، وتفتيته لاستخلاص التفاصيل، ثم إعادة دمج هذه التفاصيل، وربطها بفتات تفاصيل أخرى، مع مراعاة التناسق الشعري في مزج هذه التفاصيل، لتكوين عمله النهائي، عملية أشبه بمزج الألوان لاستخلاص درجة معينة، ولا أحد يستطيع تخيل وجود لونٍ غير مكتشف! 

وكون أن عمل أدبي ما نبع من خيال الكاتب وتذوقته العامة، فهذا يعني أن هناك مقدمات وقاعدة ذهنية ساعدت على هذا التقبل، تلك القاعدة هي القاعدة المشتركة لدى الجميع.. الواقع.

ليس ثمّة شكٍّ أن بيئة الأحلام هي الأكثر خصوبة بالخيال، وهي بالطبع لدى الجميع، فالجميع يحلُم والجميع لديه الرغبة في التخلص من الواقع، والهروب منه، أو إعادة تشكيله ليتناسب مع رغباتهم، وهو ما انبنت عليه مدرسة التحليل النفسي عند فرويد وكارل يونج، وفي حين أن الأدباء والفنانون استطاعوا بملكاتهم فعل هذا في يقظتهم، فإن منطقة اللاوعي عند العامة تقوم بهذا الدور خلال نومهم، فهي حاجة ماسة لاستمرار الحياة. والأحلام، مع ثراء خيالها، كل تفاصيلها مُستقاة من مشاهد من الواقع، مع إعادة تشكيلها وتبديل أدوارها، وإعادة ترتيب أولويات الواقع، لخلق هذه المشاهد الفانتازية النهائية. كانت هناك دراسة لبحث أصول اللوحات التجريدية، التي هي –كما هو مُتداول- أكثر الأعمال مُعاداةً للواقع وشذوذًا عنه، وجدوا أن هذه اللوحات تتصل بصورة ما بمشاهد واقعية؛ ربما شقوق جدارٍ متصدع، زبد البحر، لحاء الشجر.. إلخ. وجدوا أيضًا تشابه الكثير منها مع بعض التكوينات الماكروسكوبية الدقيقة، حتى وإن لم يعِ هذا خيال الفنان، فهو إن ظن أنه خلق شيئًا جديدًا غير موجود، فهذا الشيء لابد وأن تكون له أصول من الواقع.

ربما الشيء الوحيد الذي يمكن تسميته بالخيال المطلق هو صورة الفردوس في الأديان السماوية، ودائمًا ما يُشار إليها بأنها ما خطرت على بال بشر، أي أنها لا تمت للواقع بصلة، الذي هو أقصى حدود خيالنا، فبالتالي لا يمكن تصورها، فالخيال لدينا لا يتعدى حدود الواقع.



بالطبع ليست المشكلة في حدِّ ذاتها في لفظة الخيال، وإنما في معناها المنطبع في أذهاننا وأنها شيء متعدِّ للواقع، مضاد له. الخيال هو إعادة ترتيب أولويات الواقع، وإعادة خلقه من معينه، وربما يكون مكملًا لنقصانه، لسعي الإنسان الدؤوب نحو الكمال في الآداب والفنون.

الاثنين، 7 أبريل 2014

حلم جدّي


- زوجتك جميلة، ليت لي زوجة مثلها!

- ماذا قلت؟

- رأيت زوجتك الآن

- أين ذهبت؟

- لا أعرف، لكنها مرّت من أمامي.

قال جدي، وكان عجوزًا هرمًا يتكلم بصعوبة من فمه الأهتم:

- اختر زوجة لم تنشأ في لزوجة قيظنا، ليتها لا تنتمي لجغرافيتنا، ليتها لا تنتمي لنا

- هل كنت مدرسًا يا جد؟

- سرت كثيرًا فيها، وأعرف ما لا يعرفه مدرسوكم

- وماذا عرفت؟

- لا تعش هنا، هاجر، سقطت أسناني هنا ولن أجدها أبدًا

- جدي!... نمت؟ هل أغطيك؟

قال الرجل:

- جدّك مات، غطِّه!

ندت صرخة عنيفة أتت من نهاية الشارع.

- هذا الشارع يعرف كل شيء، حتى قبل أن يحدث!

استيقظ أحدهم كان نائمًا مفزوعًا من الصراخ:

- بل قتلوه، رأيت ذلك في الحلم!

- ماذا رأيت؟

- كان جدك يبحث عن أسنانه، وجدها جميعا، ولما أصبح سعيدًا بها، راحو يقتلعونها من فمه، كان الدم ينهمر على عباءته، حتى التصقت بجسده... كانوا يقتلعونها وهم يقهقهون، وجدك يقبض بكلتا يديه على خصر أحدهم، محدقًا بنصف عينيه في أسنانه.

- ثم ماذا؟

- استيقظت على الصراخ!

- ماذا قال جدك؟

- قال هاجر

- لا، ماذا قال عن زوجتك؟

- جدي لم يقل، قال أحدهم أنه رأى زوجتي مرت من هنا

- هل تعرفه؟

- لا، لقد هرب حين رأى جدي

كان الصراخ يقترب منا، كانت إحداهنّ تقصدنا نحن بصراخها، قال لي:

- قل لها كفّي، جدك الآن يحلم

- هل تعرف فيما يحلم؟

- لا أحد يعرف فيما يحلم الموتى، لكن جدك سيحلم بأسنانه، هو بالتأكيد يريد مقابلة الربّ بها.

كان الصراخ يقترب، حتى أصبح ملاصقًا لأذني، لم أكن أستطيع سماع شيء والصراخ يملأ أذني، حركت شفتي لأقول:

- إذا سمحتي كفي عن الصراخ، جدي يحلم!

قالت وهي تقاوم نشيجها:

- قال لي يومًا أنه يريد أن يأكل فطيرة العسل من يدي، لكن أسنانه سقطت

- هل تعرفين جدي؟

همس أحدهم في أذني:

- ماذا أصابك، هذه زوجتك، زوجتك الجميلة، احتضنها قبل أن تهرب ثانيةً!

- ليست زوجتي، زوجتي هاجرت منذ زمن

هرب بعيدًا، ربما كان خائفًا، فقد كان يهمس مرتعشًا.

- ماذا قال جدّك؟

- قال هاجر

- ألم يذكر إلى أين!

- لا، لم يذكر، ربما في مكان أستطيع أن أحتفظ فيه بأسناني

قال أحدهم:

- زوجتك جميلة، هاجر لتراها

- لكني لا أعرف أين...

صاحت السيدة التي كانت تصرخ:

- بالله عليكم اسكتوا، لا يصح الحديث عن الهجرة، وجدنا طريحٌ من الموت.

همسْت ناحية رأس جدي:

- أهاجر إلى أين يا جدي، لماذا لم تذكر؟
كان جسده متصلبًا، فمه مفتوحًا، وداخله ينام لسانه، بينما عيناه جاحظتان تحدقان في السماء. كان شعره ناعمًا، لكنه قليل، قليل جدًا، لم يكن أبيضًا بل كان بنيًا، عباءته الفضفاضة الآن تبرز جسده النحيل.

- فيما تحلم يا جدي؟ - همست

كان الجميع قد ذهب وتركوني مع جدي، لكنها كانت تبكي عند نهاية الشارع، ربما كي لا تزعج جدي، ولما قد توغّل الليل شعرت بالنعاس، اقتربت منه، وكان دافئًا، استلقيت ونمت بجانبه:

- قد نلتقي في الحلم يا جدي! – قلت وأنا أنظر لنجمٍ يومض في السماء، يحدّق فيه جدّي.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...