الجمعة، 9 مايو 2014

جوع

   يفتش في جيوبه عن أيّة عملة معدنية، رغم علمه بأنه لا يمتلك أي مليم، كأن جيوبه ستشفق على ريقه الذي يجري على قِدر الفول والبائع يعب منه إلى أرغفة العيش الأسمر في سرعة وآليه لا تبديان أيّة التفاته للحرب المستعرة داخل جوفه، لكنه يُخرج يديه ساحبًا معها قماش جيبه الأبيض، ساخطًا على الفقر وعلى محلات الكباب والدجاج المشوي المنتشرة في مواجهة عربة الفول، لأنها تتعالى على أحلامه التي لا تستطيع تمنّي أكثر من رغيف فول. يُكمل المشي، ولا يعرف أين يذهب.

   * معاك فلوس؟
   - مش معايا لأ
   * ههههههههههههههه

كان المشي يهوّن عليه إحساسه بانكماش معدته، يُخرسها وسط الزحام.

   * نفسك في إيه من الدنيا؟
   - مش عارف، بس أنا جعان.
   * ههههههههههههههه

يتقاطع ظله مع الحصى اللامع، مع ظلال السيارت المتوقفة، مع ظلال السابلة من تيار البشر. ينبت العرق من جبهته فيتجمع في نقاط غليظة ليتساقط منزلقًا.

   * انت بتنهج ليه؟
   - أنا تعبت من المشي
   * ههههههههههههههه

يمشي مدفوعًا بالجوع، يلتمس له نهاية من نهاية الطريق الذي لا يعرف أين سوف ينتهي.

   * انت رايح فين؟
   - مش عارف رجلي واخداني على فين!
   * ههههههههههههههه

يعبر الجسر الضيق المزدحم بالناس ملاصقًا للسور الحديدي، يصطدم كتفه بأكتافهم، تتخبط ساقه بأكياس الطعام التي يحملونها معهم، لكن لا أحد يلتفت إليه، هو وحده تمامًا، يلقي نظرة على النهر في إعياء، يلاحظ تموجاته الهادئة، ذكّرته بنقوش أقدام الكتاكيت على أرضٍ متربةٍ... "الكتكوت سوف يكبر ويصبح دجاجة. الدجاجة الآن تُشوى. والبحر سوف يهيج داخلي، ثم أموت جوعًا، بينما هم يلتهمون الدجاجة" تخيل الرجل البدين الذي مرّ من أمامه في هذه اللحظة يلتهم دجاجة مشوية في نهم، لا يتذكر كيف بدأ تخيله حتى يصل إلى هذا المشهد الأخير.

   * انت بتبص على إيه؟
   - مش عارف
   * ههههههههههههههه

ينزل من الجسر عبر درجاته الثلاث، ينتبه من خلال الواجهة الزجاجية لمحل الملابس إلى جيبه المقلوب، فيعدله غير آبه بنظرات الناس المشمئزة منه. يرمق الشحاذ المنطرح أرضًا بنظرة أخوة، ثم يكمل مسيره والجوع مثل طفل لحوح يتضور داخل معدته.

   * خليها تسكت!
   - خليها تسكت انت، مش قادر اقول لها.
   * ههههههههههههههه

يجد نفسه في مواجهة محطة القطار، فيقرر أن يسافر، مثل فكرة شاردة لمعت فجأة في ذهنه، يخطو نحو سلم المحطة بخطى إن تكن لا مبالية، إلا أنها لم تخل من قلق يضطرم في معدته الخاوية، فكان قلقه مسموعًا. يدخل بهو المحطة الواسع مترامي الجدران العالية، فشعر فجأة بالتيه، الكل يسير بخطىً واثقة تعرف أين تذهب إلا هو، تيار متدفق من البشر يتلاطم بسكونه الهزيل؛ منهم المسافر ومنهم العائد، وهو ليس بمسافر أو عائد، هو لا ينتمي إلى هنا.

   * انت جاي تعمل إيه هنا، أنت جعان!
   - أنا هسافر!
   * ههههههههههههههه

ينزل من أول سلم يواجهه، ثم يعطف على المدخل الأول الذي على يمينه. يمشي هكذا مُلتمسًا أقرب الطرق. يجلس الآن على مقعد داخل القطار بجوار النافذة. يريد أن ينام من التعب.

   * انت جاي تنام؟!
   - ......
   * انت رايح فين؟
   - مش قادر أتكلم.
   * ههههههههههههههه

يبدأ القطار في التحرك في اتجاه ظهره، من خلال النافذة ينسحب القضيب المعدني إلى الأمام ببطء، تهتز العربة صعودًا وهبوطًا، مسلمًا نفسه لهزاتها. ثم يندفع القطار بقوة محدثًا صوت اصطكاك عنيف، يضع رأسه بين ذراعيه على حافة النافذة، فيسمع صوت انكماش معدته بوضوح:

   - يلعن أبوكي.

تستمر في الشكوى مستجدية مثل مواء قطٍ جائع. يأتي أحد الباعة مندفعًا بجسده الهزيل يبيع ألعاب للأطفال، هاتفًا:

   - ابسط ابنك، ابسط بنتك، لاعِب حمادة وميادة

يرفع رأسه ساخطًا، فيراه مُدبرًا مستمرًا في المشي والنداء بطريقة آلية، الجميع يهتز صعودًا وهبوطًا، الملل يفتك بوجوههم المدهونة بالعرق الناظرة إلى اللاشيء.

   * ابسط بطنك
   - اخرس بقا!
   * ههههههههههههههه

يُلقي رأسه على ذراعيه، ويفكر:

   - هو القطر دا رايح فين؟!

يعود إلى التفكير بجدية رافعًا رأسه لينتبه إلى سؤاله فجأةً، سأل مُجاوره:

   - القطر دا رايح فين؟

كأن غرابة السؤال لم تثر انتباهه، قال في هدوء رتيب دون أن ينظر إليه:

   - محدش عارف، أدينا راكبين!

شعر أنه يسخر منه، فسخط عليه في نفسه:

   - ناقصاك انت كمان!

على أرضية العربة، اقتربت متسوّلة زاحفة، ساقها الأيمن مبتور، تقول في استعطاف بصوتها الجهور الباكي:

   - ربنا يمتعك بصحتك، ربنا يرزقك.

قال في نفسه:

   - ما تدعي لنفسها!

وقبل أن ينتبه لسخريته ويطلق سراح ضحكة عاجزة عن الخروج من جوفه الخاوي، دعا:

   - ربنا يرزقني، أنا جعان يا رب!

مرت من أمامه تزحف على أليتيها، باستخدام قطعتي ورق مقوى كمجدافين على أرضية العربة، لونها شاحب قديم مُهمَل مثل لون جدران القطار الصدئة، ولا فرق بين وجهها وملابسها المبقعة المهترئة. تكرر نفس استجداءاتها بنفس القوة والفجاعة لا يصيبها الكلل، والملل في وجوه الناس يكاد يمتزج بنظرات نفور من شكلها المُزري وعلّتها القاسية، لا أحد أعطاها شيء، ظلوا فقط ناظرين إلى اللاشيء، مصطنعين عدم الانتباه. بينما هي ظلّت تزحف مبتعدة تنتقل من عربة إلى أخرى، وصوتها يتباعد شيئًا فشيئًا، شعر الجميع براحة بعد أن ابتعدت عنهم ولم تكلفهم عاهتها، التي داعبت مشاعرهم، أي شيء- باستثناء النفور، حتى وإن ظلّت وجوههم على نفس حالها الممتقع في الملل.

   * ما تشتغل شحات!
   - يعني هم لاقيين اللي يديهوم
   * ههههههههههههههه

يتوقف القطار عند المحطة الأولى. يهبط بعض الناس مُحدثين جلبة، يظل الآخرون على مقاعدهم بلا مبالاة، يفكر في النزول معهم لكنه أصبح غير قادر على الحركة والراحة على المقعد تغريه، وقد هدأت بطنه بعض الشيء. يلمح وجه فتاة تدخل من أحد الأبواب، كانت جميلة، بديعة القسمات، ترتدي (بادي) أبيض تكاد أنوثتها تتفجر منه، شدت انتباهه- كما شدّت انتباه الجميع- ليصبح جوع بطنه على قائمة انتظار آلامه، تعقبها بنظراته المُستكشفة الجائعة وهي تمر بين زحام الواقفين عند الباب فتحتك بينهم، تمشي بين صفّيّ المقاعد وعلى وجهها ابتسامة هادئة تشي برضا عن جمالها المفرط.

   * ما تقوم تكلمها.
   - بس أنا جعان وكحيان.
   - ههههههههههههههه

كان ينظر إليها بطرف عينيه لإلا يثير حوله الانتباه سواء منها أو من غيرها، منحته تلك اللحظات بعض الترويح عن نفسه، مرت بجانبه لتصبح خلفه، فانتبه إلى نفسه:

   - وبعدين في الجوع؟
   * أي جوع بالظبط؟!
   - ملعون أبو الدنيا.
   * ههههههههههههههه

يُسقط رأسه بين ذراعيه في يأس، فتعود معدته للانكماش والتضوّر، يسمعها الآن بوضوح أكثر من أي وقتٍ مضى، حتى يمكن أن يسمعها من يجلس جواره. يطاوعه النوم.

   * تصبح على خير.
   - وانت من أهله.

                                        *******

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

بدرو بارامو. قراءة ثانية

My rating: 5 of 5 stars


أكتب إيه، أقول إيه.
أنا وقعت صريعًا في هوى بدرو بارامو
قراءتي الثانية، وفي يومٍ ما آخر سأعيد قراءتها، ربما بعد عام، ربما غدا، ربما الآن بعد انتهاء هذه المراجعة.. سأظل أقرأها، أتلوها بخشوع، متكومًا من الرهبة في فراشي، أو جالسًا على مقعدي في الشرفة والكلمات تنهال على رأسي مثل رذاذ ضباب فجر كثيف، كل المقطوعات الموسيقية تعزف جميعًا، في حالة نادرة من التوافق، مارتشيلو، جلوك، ألبينوني، وجريج، كأن نوتتهم "بدرو بارامو"
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أَعوذُ بالله مِن سَطوةِ العَقلِ ووَهم الفَهم.

لو أني يومًا تمكنت من ربط أحداث الرواية، من فكّ طلاسمها، سأتوقف فورًا عن الهيام بها، لا أريد لعقلي أن ينتصر، لا أريد حبس الموتى في عقلي، كنت يومًا أريد ذلك، أريد فهمها، لكن.. لكن بحق السماء، كيف نفهم قصة عن الموتى، أي شاعرية في ذلك، ماذا نعرف عن الموت كي نفهمه، لماذا نريد أن نملي شروطنا على الكاتب ليكتب شيئا مفهومًا عن أشياء لا نفهمها، أريد أن يُخلّد غموض الموت، تلك هي رومانسيته.
كلما زادت سهولة العمل الأدبي، كلما تشابهت تأويلاته، وتحدّثنا عن نفس الأشياء وصرنا نسخًا متعددة. قل أعوذ بالله من أن تجعلنا القراء نسخًا متشابهة، من أن تُسطّح الذوق وتجرّنا إلى حيث يريد الكاتب، لا إلى حيث نريد، وإلا لماذا نقرأ؟!
أنا هنا أتكلم عن فيض الشعور، عن الأشياء المُبهمة التي تأتيك من حيث لا تدري أنت ومن حيث لا يدري الكاتب، لكن من حيث تريد ربة الشعر، ومن حيث تريد روح الأدب، لهذا فالأعمال العظيمة تُخلّد.
قراءتي الأولى كانت في أيام شديدة الصعوبة وكنت أمر بمرحلة سيئة، ورغم سوداوية الرواية وحديثها عن الموت، إلا أني حينها وجدت الصُّحبة، وجدت من يؤازرني، وصرت أكتب نصوصًا مثل هذيان المحموم، لم أكن لأكتبها، ومن ثم الخروج من تلك الحالة أو مساعدتي على التغلب عليها، إلا بمساعدة بدرو بارامو.
من الرويات القليلة –إن لم تكن الوحيدة- التي تدفعني للكتابة بصدق، بلا تكلف، كأنها تستخرج من أعماق نفسي ما كنت أجهله.
لا أحب بدرو بارامو لأنها تجعلني أكتب، أحبها فقط لأني أحبها، والحب هو سبب حبي لها. لا تسأل نفسك لماذا تحب فتاتك، استمر في حبها، فالعقل حين يتدخل ويقوم ببحثه يُرهق الحب بمجادلاته.
يقول الشاعر الفرنسي جي جوفيت: "لماذا نحب تلك المرأة لا تلك؟ بسبب كذا وكذا؟ لزرقة عينيها أو لأن أنفها أقلّ طولًا؟ عندما نجزِّيء الإنسان نكون قد كففنا عن محبّته، وكذلك الشعر"، بدرو بارامو نوع من الشعر، والسحر.

انتهت المراجعة، لكن هناك دائمًا ما أود قوله، النهاية: بدرو بارامو.

خيال الواقع.. واقع الخيال

الحياة مليئة بالحكايات والقصص، لن ينتهي الأدب ولن تتوقف الكلمة لطالما هناك حياة، أو بالأحرى، لطالما استمرت الحياة، وأي محاولة للهروب من الواقع هو في الحقيقة ليس أكثر من إعادة تشكيله، لمواجهته بشروطنا نحن لا بشروطه هو. كل حركة، كل إيماءة، كل كلمة، يمكن إعادة تشكيلها جميعًا لتصبح قصة مختلفة، لمواجهة الواقع بها، فالهروب من الواقع يتشكل من الواقع.

في الواقع -واقع الحياة- تجد كل القصص من كل المدارس، قصص تنتمي للواقعية، للاجتماعية، للرومانتيكية، الحداثة وما بعدها، وحتى الواقعية السحرية؛ المدارس في الأصل خُلِقت لتواكب احتياجات العصر الذي نشأت فيه، أي أنها تأتي استجابة للواقع. وانتماء كاتب معين لمدرسة ما هي بمثابة عوينات يرى بها واقعه، أو يستخلص بها مشاهده بالطريقة التي يفضلها.

وموضوع أن كاتب ما -أو فنان- لديه خيال واسع وخصب (أي كاتب/ أي فنان)، هو في حقيقة الأمر ليس أكثر من قدرة على تحليل الواقع، وتفتيته لاستخلاص التفاصيل، ثم إعادة دمج هذه التفاصيل، وربطها بفتات تفاصيل أخرى، مع مراعاة التناسق الشعري في مزج هذه التفاصيل، لتكوين عمله النهائي، عملية أشبه بمزج الألوان لاستخلاص درجة معينة، ولا أحد يستطيع تخيل وجود لونٍ غير مكتشف! 

وكون أن عمل أدبي ما نبع من خيال الكاتب وتذوقته العامة، فهذا يعني أن هناك مقدمات وقاعدة ذهنية ساعدت على هذا التقبل، تلك القاعدة هي القاعدة المشتركة لدى الجميع.. الواقع.

ليس ثمّة شكٍّ أن بيئة الأحلام هي الأكثر خصوبة بالخيال، وهي بالطبع لدى الجميع، فالجميع يحلُم والجميع لديه الرغبة في التخلص من الواقع، والهروب منه، أو إعادة تشكيله ليتناسب مع رغباتهم، وهو ما انبنت عليه مدرسة التحليل النفسي عند فرويد وكارل يونج، وفي حين أن الأدباء والفنانون استطاعوا بملكاتهم فعل هذا في يقظتهم، فإن منطقة اللاوعي عند العامة تقوم بهذا الدور خلال نومهم، فهي حاجة ماسة لاستمرار الحياة. والأحلام، مع ثراء خيالها، كل تفاصيلها مُستقاة من مشاهد من الواقع، مع إعادة تشكيلها وتبديل أدوارها، وإعادة ترتيب أولويات الواقع، لخلق هذه المشاهد الفانتازية النهائية. كانت هناك دراسة لبحث أصول اللوحات التجريدية، التي هي –كما هو مُتداول- أكثر الأعمال مُعاداةً للواقع وشذوذًا عنه، وجدوا أن هذه اللوحات تتصل بصورة ما بمشاهد واقعية؛ ربما شقوق جدارٍ متصدع، زبد البحر، لحاء الشجر.. إلخ. وجدوا أيضًا تشابه الكثير منها مع بعض التكوينات الماكروسكوبية الدقيقة، حتى وإن لم يعِ هذا خيال الفنان، فهو إن ظن أنه خلق شيئًا جديدًا غير موجود، فهذا الشيء لابد وأن تكون له أصول من الواقع.

ربما الشيء الوحيد الذي يمكن تسميته بالخيال المطلق هو صورة الفردوس في الأديان السماوية، ودائمًا ما يُشار إليها بأنها ما خطرت على بال بشر، أي أنها لا تمت للواقع بصلة، الذي هو أقصى حدود خيالنا، فبالتالي لا يمكن تصورها، فالخيال لدينا لا يتعدى حدود الواقع.



بالطبع ليست المشكلة في حدِّ ذاتها في لفظة الخيال، وإنما في معناها المنطبع في أذهاننا وأنها شيء متعدِّ للواقع، مضاد له. الخيال هو إعادة ترتيب أولويات الواقع، وإعادة خلقه من معينه، وربما يكون مكملًا لنقصانه، لسعي الإنسان الدؤوب نحو الكمال في الآداب والفنون.

الاثنين، 7 أبريل 2014

حلم جدّي


- زوجتك جميلة، ليت لي زوجة مثلها!

- ماذا قلت؟

- رأيت زوجتك الآن

- أين ذهبت؟

- لا أعرف، لكنها مرّت من أمامي.

قال جدي، وكان عجوزًا هرمًا يتكلم بصعوبة من فمه الأهتم:

- اختر زوجة لم تنشأ في لزوجة قيظنا، ليتها لا تنتمي لجغرافيتنا، ليتها لا تنتمي لنا

- هل كنت مدرسًا يا جد؟

- سرت كثيرًا فيها، وأعرف ما لا يعرفه مدرسوكم

- وماذا عرفت؟

- لا تعش هنا، هاجر، سقطت أسناني هنا ولن أجدها أبدًا

- جدي!... نمت؟ هل أغطيك؟

قال الرجل:

- جدّك مات، غطِّه!

ندت صرخة عنيفة أتت من نهاية الشارع.

- هذا الشارع يعرف كل شيء، حتى قبل أن يحدث!

استيقظ أحدهم كان نائمًا مفزوعًا من الصراخ:

- بل قتلوه، رأيت ذلك في الحلم!

- ماذا رأيت؟

- كان جدك يبحث عن أسنانه، وجدها جميعا، ولما أصبح سعيدًا بها، راحو يقتلعونها من فمه، كان الدم ينهمر على عباءته، حتى التصقت بجسده... كانوا يقتلعونها وهم يقهقهون، وجدك يقبض بكلتا يديه على خصر أحدهم، محدقًا بنصف عينيه في أسنانه.

- ثم ماذا؟

- استيقظت على الصراخ!

- ماذا قال جدك؟

- قال هاجر

- لا، ماذا قال عن زوجتك؟

- جدي لم يقل، قال أحدهم أنه رأى زوجتي مرت من هنا

- هل تعرفه؟

- لا، لقد هرب حين رأى جدي

كان الصراخ يقترب منا، كانت إحداهنّ تقصدنا نحن بصراخها، قال لي:

- قل لها كفّي، جدك الآن يحلم

- هل تعرف فيما يحلم؟

- لا أحد يعرف فيما يحلم الموتى، لكن جدك سيحلم بأسنانه، هو بالتأكيد يريد مقابلة الربّ بها.

كان الصراخ يقترب، حتى أصبح ملاصقًا لأذني، لم أكن أستطيع سماع شيء والصراخ يملأ أذني، حركت شفتي لأقول:

- إذا سمحتي كفي عن الصراخ، جدي يحلم!

قالت وهي تقاوم نشيجها:

- قال لي يومًا أنه يريد أن يأكل فطيرة العسل من يدي، لكن أسنانه سقطت

- هل تعرفين جدي؟

همس أحدهم في أذني:

- ماذا أصابك، هذه زوجتك، زوجتك الجميلة، احتضنها قبل أن تهرب ثانيةً!

- ليست زوجتي، زوجتي هاجرت منذ زمن

هرب بعيدًا، ربما كان خائفًا، فقد كان يهمس مرتعشًا.

- ماذا قال جدّك؟

- قال هاجر

- ألم يذكر إلى أين!

- لا، لم يذكر، ربما في مكان أستطيع أن أحتفظ فيه بأسناني

قال أحدهم:

- زوجتك جميلة، هاجر لتراها

- لكني لا أعرف أين...

صاحت السيدة التي كانت تصرخ:

- بالله عليكم اسكتوا، لا يصح الحديث عن الهجرة، وجدنا طريحٌ من الموت.

همسْت ناحية رأس جدي:

- أهاجر إلى أين يا جدي، لماذا لم تذكر؟
كان جسده متصلبًا، فمه مفتوحًا، وداخله ينام لسانه، بينما عيناه جاحظتان تحدقان في السماء. كان شعره ناعمًا، لكنه قليل، قليل جدًا، لم يكن أبيضًا بل كان بنيًا، عباءته الفضفاضة الآن تبرز جسده النحيل.

- فيما تحلم يا جدي؟ - همست

كان الجميع قد ذهب وتركوني مع جدي، لكنها كانت تبكي عند نهاية الشارع، ربما كي لا تزعج جدي، ولما قد توغّل الليل شعرت بالنعاس، اقتربت منه، وكان دافئًا، استلقيت ونمت بجانبه:

- قد نلتقي في الحلم يا جدي! – قلت وأنا أنظر لنجمٍ يومض في السماء، يحدّق فيه جدّي.

الاعتراف

- لماذا انطفأ النور من وجهك يا ميجيل؟

- الذنوب.. ربما. هل هذا ما تود الإشارة إليه!

- تقسو عليّ بلا داعٍ..

- لماذا تقول ذلك يا ماريو، أنا أعرف أني أرتكب ذنوبًا كثيرة.

- هل ذهبت للاعتراف، هذا مريح، وربما خفف عنك الشعور بالخطيئة، أنا أيضًا أرتكب الخطايا أحيانا، حتى وإن كنت أكره ذلك، لكني حين أعترف يزول عني هذا الشعور بالوضاعة، وأشعر أني تطهرت، حتى أنه يمكنني أن أفعل المزيد من الخطايا بعدها (يقهقه) 

- لا زلت وضيعًا

- احكِ لي يا ميجيل، ماذا فعلت، أنت تعرف أن كل آباء القرية قد ماتوا، حتى القديس الوحيد، يبحث عن أحدهم ليعترف أمامه. اعترف لي، وقد أعترف لك لاحقًا.

- أنت تحرجني يا ماريو، وعلى حسب كلامك، أنت تستريح بعد الاعتراف، لكني أشعر بالخطيئة وأنا أعترف، إنها أكبر مني، أنا جبان يا ماريو، ربما هذه خطيئة أخرى!

- اعترف لي، وسوف أعترف لك بأكثر خطاياي دناءة.

- حسنًا يا ماريو، أنت ربحت.

- ماذا فعلت يا ميجيل!

- أحببت ابنة العم خيسوس...

- ثم ماذا يا ميجيل، هل هذا كل شيء؟!

- ذهبت إليها ذات ليلة، وطلبت منها أن تتزوجني وكنت أحبها يا ماريو، هل تعرف ذلك الحب الذي يجلب معه اليأس، وتفكر أحيانا في الموت، كل شيء اسودَّ في عينيّ، استجمعت شجاعتي وذهبت إليها حين كان العم خيسوس مسافرًا، لكنها رفضت، حينها انهار الحب يا ماريو أمام يأسي، فكرت في قتلها، لكن الحب استيقظ فجأة في صورة غير وديعة، الحب الآخر يا ماريو، وفجأة التهمتها مثل جائع، التهمتها بالكامل يا ماريو، كنت ضعيفًا واليأس يلتهمني من داخلي، كانت تصرخ، تستغيث بأبيها، تستغيث بالسماء، ثم صرخت باسم الرب، كنت ذليلًا يا ماريو، قد تظن أنني كنت قويًا، لكن صدقني، تلك كانت أكثر لحظاتي ضعفًا.. تركتها وهربت، أجر خلفي التعاسة يا ماريو، وغمرتني التعاسة حتى وجهي، وتركت لها الحزن. لهذا انطفأ النور من وجهي يا ماريو.

- استرح يا ميجيل، اعترافك كان ثقيلا.

- لن أسترح يا ماريو

- هل تود أن أعترف لك؟

- لا تعترف لي بشيء يا ماريو، لا أريد أن أسمع المزيد من الخطايا.

الأحد، 30 مارس 2014

نوميديا

(1)

أجلس على مقعد خالي داخل الميكروباص، في منتصفه بجوار النافذة الزجاجية،
أرى المقعد الذي أمامي بوضوح، لا أرى من المقعد الأول سوى مسنده، وفي المقدمة المسند الطويل لمقعد السائق يحجب المقود. أعقد ذراعيّ على المسند الذي أمامي، وأنتظر حتى يكتمل العدد، ليس هناك غيري وآخر جالسًا على المقعد الأول، ينتظر ساكنًا. أتسلّى
بالنظر إلى واجهات المحال، إلى الشوارع المتفرعة عن الطريق، أرى ذلك كثيرًا فأنا
أسافر منذ ست سنوات تقريبًا، لذلك فأنا أنظر إليها بلا سبب، وبلا هدف، حتى أني
بإطالة النظر إليها أشعر بالملل أكثر وبثقل الانتظار أكثر، لماذا أنظر إليها، إذن؟! بسبب الملل. لا أتذكّر كيف كان انطباعي الأول عنها. أنظر بنصف عينٍ، أعصابي مرتخية، الملل يغذي خلاياي ونبضات خافتة من قلبي تدق عليها في كل أجزاء جسمي، حتى قدمي داخل حذائي، قد أنعس إن لم يكتمل العدد سريعًا. كل شيءٍ أراه من نافذة الميكروباص يعكس ضوء الشمس، واجهات المحال الزجاجية، الحصى اللامع على الأرض، الأحذية الجلدية للمشاة، ظلال كثيرة مائلة ترسم جدران الأبنية بميل وقصرٍ واضحين، توحي بالزحام أكثر. يأتي راكب ثالث، لا يبدو عليه أنه من المنطقة، ينظر بارتباك إلى كل شيء، كأنه يستشعر ثقل زيارته علينا، لكننا كنا نشعر بالملل أكثر، هذا ما لا يعرفه، واضح أنها زيارته الأولى، أتساءل عمّا تتأثر به نفسه من تلك المشاهد التي أراها باستمرار في كل مرّة أسافر فيها، ماذا تُمثل له واجهة محل الحلويات التي يراها لأول مرة، فيما سيفكر لو أمعن النظر إلى أطباق الحلوى المعروضة بنسقٍ جديد عليه، فيما سيفكر وهو يسمع هتاف السائق بنبرة غريبة عليه -فلكل بلد نبرة مختلفة لسائقيه- ما الذي سيشعر به حين يجلس جوار رجل اعتاد السفر مثلي، كيف سيشعر بفارق الخبرة هذه، ربما يرتبك قليلا، وها هو يحاول الجلوس في هدوء كأنه لا يود إيذاء أحد، يعتدل في جلسته، يتنهد إيذانًا بانتهاء جلوسه، والرجل الذي بجواره لا يهتم، لا أعرف إن كان نائمًا أو ينظر إلى شيءٍ ما، كنّا ننتظر فقط.

يبدأ الزائر في النظر يساره من خلال النافذة- عبر الراكب الآخر، ويبدأ في
تكوين انطباعاته الأولى، أهتم أنا برصد هذه الانطباعات على جانب وجهه، لكنه-وجهه- لم يبد أي تأثرًا، أصابني الإحباط، كنت أود أن أتذكّر كيف كان انطباعي الأول،
لكنه ظل ينظر إلى واجهات المحال، المشاة، وربما الظلال.

(2)

أخبرني ابن عمّي أنه قادمٌ من الخارج بعد غد، وأنه لم يعد هناك ما يستحق العمل، أو بالأحرى لم يعد هناك عمل، كان صوته يصل إليّ سعيدًا مفعمًا بالأمل، سيأتي لرؤية زوجته الجميلة، والعيش في قريته التي ارتبط بها كثيرًا منذ طفولته أكثر من أي مكانٍ آخر، طلب منّي زيارته حين يصل، قالها وهو مازال سعيدًا برؤية زوجته والعيش في قريته، لم أكن أشعر بذلك- لم أجرب، فليس لدي زوجة، ولست سعيدا في بلدتي، لذلك فكنت أسمع صوته وأنا أتذكر ذلك، اعتذرت وأخبرته أنني لن أستطيع زيارته "سألقاك
يومًا ما، حين لا أكون حزينًا، فهذا أفضل" أغلقت الخط، وظللت ممسكًا بسماعة
الهاتف لبرهة حتى تعرّقت يدي، وتركتها.

(3)


ينطلق الميكروباص بعد أن اكتمل العدد.

*****
29 مارس 2014

السبت، 8 فبراير 2014

وداع الرفقة الطيبة

عُذرًا بورخيس؛ كان نفسي أتعرف عليك. وأنتِ يا آليس أرجوكِ احتفظي بابتسامتك المُشرِقة حتى ذلك الحين. تشيخوف أيها العزيز؛ لم يبقَ بيننا سوى لقاءٍ أخير، ستُفيدنا المُماطلة. عم نجيب؛ عوالمك الثرية تتطلب استعداد خاص، أظنه ليس الآن، في الحقيقة ليس الآن إطلاقًا. رولفو؛ ليس أقسى من انتظار قصة تعلم كم هي مدهشة، أرجوك ارحم شغفي من التذكار. شكسبير؛ لن يضر شموخ هاملت انتظاري، لكن صدقني أنا من يتعذب بالانتظار. داروين؛ أعلم أنني متطفل، لكن ألا ترى أننا لا نقرأ إلا تطفلا. سقراط؛ لأنهما محاكمتك فأظنك أنك من يدعوني للانتظار. وأنت سيد رمسيس يونان؛ كنت أود حقا لو اغترفت من كتابك اغترافات سوريالية وانطباعية على واقعية وتكعيبية، لكني سأتصبر بتغيير صورة بروفايلي بإحدى تلك اللوحات حتي يأذن الزمن الموعود باللقاء.
أيُها الرفاق أشعر بالخزي وأنا أدعوكم جميعا لانتظاري حتى ينتهى امتحان الجودة واللِّحام مرورا بتخطيط التسهيلات ثم قواعد البيانات، ليكون ما بيني وبينكم في النهاية مادة العوامل البشرية. لماذا لا تجتمعون معًا وتكتبوا قصة أُخرى عن تلك التعاسة حتى يحين اللقاء؟!

يناير 2014

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...