السبت، 21 سبتمبر 2013

نبي اللغة أبو العلاء المعري فى اللزوميات

My rating: 4 of 5 stars

مِثلُ ابن مالك الذى كتب قواعد النحو والصرف شعراً، فقد كتب المعرى فلسفته شعراً أيضاً.. يختلف عن غيره من الشعراء، الذين هم بطبيعتهم فلاسفة، أنه لا يهتم سوى بالجانب الفلسفى، لا يهتم بالبيان ولا بجماليات القصيدة، لولا القافية لصارت كلماته نثرا جامدا، وهذا أثقل قصائده، لكن ما يغفر له هذا الجمود ذلك القدر من التنوير والفلسفة الرفيعة، وأى تنوير!: المعرى صاحب أصلد عقلية نقدية قرأت عنه، وبالمناسبة فهذا الرجل كثيرا ما اقترن فى ذهنى بالفيلسوف الإغريقى ديوجين، تشابها كثيرا فى أنفتهم وإباءهم ونظرتهم للحياة والموت..
شعاره فى الحياة: لا شيء يعلو فوق العقل! انتقد كثيرا سلطة رجال الدين، لا يعجبه نظام الفقهاء الأربعة، حتى الأحاديث النبوية فهى تابعة عنده لنظام النقد، فما لا يتوافق مع العقل يكون عنده حديث مرفوض، لأن فى رأيه أن الأحاديث تعرضت كثيرا للتحريف والتزييف، وأنه لا سبيل إلا العقل للوصول إلى الحقائق الإلهية.
ينتقد النظام الوراثى للدين وأنه نظام يحجر على قيمة العقل، رافضا أن يكون الدين مجرد تقليد وعادات متوارثة:

عاشوا، كما عاشَ آباءٌ لهم سَلَفوا * وأورثُوا الدّينَ تقليداً، كما وَجَدُوا
فما يُراعونَ ما قالوا، وما سمعوا * ولا يُبالونَ، من غيٍّ، لمن سجدوا
والعُدْمُ أروحُ ممّا فيه عالَمُهمْ * وهو التكلّفُ، إن هبّوا، وإن هجدوا

في كلّ أمرِكَ تقليدٌ رضيتَ به * حتى مقالُكَ ربّي واحدٌ أحدُ
وقد أمَرنا بفكْرٍ في بدائعِهِ * وإن تفكّرَ فيهِ مَعشَرٌ لحدوا
وأهلُ كلّ جدالٍ يُمسِكونَ به * إذا رأوا نورَ حقٍّ ظاهرٍ جحدوا
ثم فى معرض حديثه عن الأديان مجتمعة:

مـا أسْـلم المسـلمونَ شــرَّهُمُ * ولا النصارى لـدينهم نصــروا
ولا يهـــودٌ لتـــوبةٍ هــادوا * وكــلُّهم لي بـذاك أشــهادُ
ثم هنا يشير إلى سلطة العقل فى الحكم والنقد على الأحاديث:

جاءت أحاديثُ إن صحتْ فإن لها شأناً ولكنّ فيها ضعف إسنادِ
فشاور العقل واترك غيره هدرا فالعقلُ خيرُ مشيٍر ضمّه النادي
وعن نقل الأحاديث:

العَدلُ صَعبٌ، وكلّما عدَلَ الـ * ـإنسانُ عن عَدْله، امترى ثِقَلَهْ
تُصغي إلى ناقِلِ الحَديثِ، وهل * تَصدُقُ، فيما تُحدِّثُ، النَّقَلَهْ؟
وعن ضعف الأسانيد:

لقد أتَوْا بحَديثٍ لا يُثَبّتُهُ * عقل، فقلنا: عن أيّ النّاس تحكُونَهْ؟
فأخبَرُوا بأسانيدٍ لهم كُذُبٍ * لم تَخلُ من كَرّ شَيخٍ لا يزَكّونَه
وتلك الحكمة التى نحن فى أمس الحاجة إليها فى مثل هذا العصر الظلامى العابس العابث:

نَبذْتمُ الأديانَ منْ خَلفِكم * وليسَ في الحكمةِ أن تُنبَذا
لا قاضيَ المِصرِ أطعتُم، ولا * الحَبرَ، ولا القَسُّ، ولا الموبَذا
إن عُرضَتْ مِلّتُكمْ، بينهم * قال جميعُ القومِ: لا حبّذا
وتلك الأبيات بمناسبة امتعاض زميل لى ورفيقى حين كنت أناقشه فى بعض أمرٍ وواجهته: كلنا فينا شيء من الكفر، فامتعض لدرجة الصمت، وصمت لدرجة التقيوء.. يقول المعرى الحكيم:

يُسمّي غويٌّ من يُخالفُ كافراً * له الويلُ، أيُّ الناسِ خالٍ من الكُفْر؟
حَصلنا على التمويهِ، وارتابَ بعضُنا * ببَعض، فعندَ العَينِ رَيبٌ من الشُّفر
وليسَ الذي قالَ اليهوديّ ثابتاً * سوى أنّهُ بالخَطّ أُثبِتَ في السِّفر
غفَرْنا وما أغنى اغتفاراً، وإنّما * عَنيتُ انتكاسَ البُرْءِ لا كرَمَ الغَفْر
إذا خَشِيَتْ أُمٌّ، على ابنٍ، منيّةً * فيا أُمّ دَفرٍ قد أمِنْتِ على دَفْر
وهنا يعرض المعرى فلسفته حول عبث الحياة:

عصر شتاء، وعصر قيظ، وعيد فطر، وعيد نحر
ويوم نعمى، ويوم بؤس، ونحن في خدعة وسحر
كأننا، والزمان يمضي، ركب سفين بلج بحر
فلسفة عبثية أخرى:

إذا فَزِعنا، فإنّ الأمنَ غايَتُنا * وإنْ أمِنّا، فَما نَخلو من الفَزعِ
وشيمَةُ الإنسِ مَمزُوجٌ بها مَلَلٌ * فَما نَدُومُ على صبرٍ ولا جَزَع
وعن حقوق المرأة:

تزوج، بعد واحدة، ثلاثا * وقال لعرسه يكفيك ربعي
فيرضيها، إذا قنعت بقوت * ويرجمها، إذا مالت لتبع
ومن جمع اثنتين، فما توخى * سبيل الحق في خمس وربع
ظلمت، وكلنا جان ظلوم * وطبعك في الخيانة مثل طبعي
وهنا ينتقد نظام الأئمة، وأنه سبب الكثير من حالة الدوار المجتمعى:

أجازَ الشّافعيُّ فَعالَ شيءٍ * وقالَ أبو حَنيفَةَ لا يَجوزُ
فضَلّ الشِّيبُ والشّبّانُ منّا * وما اهتَدتِ الفَتاةُ ولا العَجوزُ
لقد نزَلَ الفَقيهُ بدارِ قَومٍ * فكانَ لأمرِهِ فيهِمْ نجوزُ
ولم آمَنْ على الفقَهاءِ حَبساً * إذا ما قيلَ للأمَناءِ جوزُوا
وهنا يتحدث المعرى عن علاقة العقل بالدين، ورأيه أنه قلّما اجتمعا:

إنْ هَلّلَتْ أفواهُكُمْ، فقلوبُكُمْ * ونفوسُكمْ، دونَ الحقوقِ، مُهلَّلَهْ
هفَت الحَنيفةُ، والنّصارى ما اهتدتْ * ويهودُ حارت، والمَجوسُ مُضلَّلَه
اثنانِ أهلُ الأرضِ، ذو عَقلٍ بلا * دِينٍ، وآخرُ دَيّنٌ لا عَقلَ لَه
وهنا المعرى يُعرى من يستخدم الدين ليبيح لنفسه القتل بغير حق:

أتَوْكُم بإقبالهمْ والحُسامِ * فشَدّ بهِ زاعِمٌ ما زَعَم
تَلَوْا باطِلاً، وجلَوْا صارِماً * وقالوا: صدَقنا! فقلتم: نعَم!
أفيقُوا، فإنّ أحاديثَهم * ضِعافُ القَواعِدِ والمُدّعَم
زَخارِفُ ما ثَبَتَتْ في العُقو * لِ، عمّى عليكمْ بهنّ المُعَم
لكن حتى لا تختلط علينا الأمور، فها هو الرجل يعلن أنه موحد:

أمّا المُجاورُ، فارْعَهُ وتوقَّه * واستعفِ ربّكَ من جوارِ المُلْحِدِ
ليسَ الذي جَحَدَ المليكَ، وقد بدتْ * آياتُه، بأخٍ لمنْ لم يَجْحَد
وأرى التوحُّدَ، في حياتكَ، نِعمةً * فإنِ استَطَعتَ بُلوغَه، فتوحّد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الرجل هو بحق نبى اللغة، فعلى الرغم من خلو قصائده من الشعرية والبيان ما أفقد أبياته لذة الشعر المعهودة، إلا إن فلسفته جديرة بالاحترام، لقد أقر بسلطة العقل مرسخا قواعد نقدية هامة، لقد كان من أوائل من تحدثوا صراحة عن نقد الأديان، سبق ديكارت وكانط وغيرهم ممن أحدثوا بأفكارهم طفرات فكرية وعقلية فى تاريخ أممهم..
ثم يظل هذا السؤال المُلِحّ يطرح نافسه دائماً: لماذا، ونحن العرب ظهرت لدينا أعلام فكر فى كل عصر بدءا من عصور الإسلام الأولى على يد فلاسفة من أمثال المعرى وابن رشد وابن خلدون وابن سينا وغيرهم، حتى العصر الحديث كان لدينا مفكرين أمثال رفاعة الطهطاوى، الكواكبى، ومحمد عبده، فرج فودة.. لماذا ونحن لدينا كل هؤلاء يكونون دائما بلا تأثير يُذكر، فى حين أن حضارة وتقدم الغرب مرهون دائما بمفكريه، هم من يؤثرون ويصوغون مستقبلهم.. وكأن العرب لن يتغيروا بفكرٍ أو بعقل؟؟!

الحرافيش

My rating: 5 of 5 stars



تلك الترنيمة الأعجمية التى لم يفهمها عاشور الناجى ولا حفيده الصنو عاشور ربيع الناجى، تلك الترنيمة التى تسربلت دائما بدكنة الليل وتغزلت بالنجوم وبالنسيم وبالحرية، كانت هى الملاذ الآمن لكل آل الناجى، الخيّر منهم والشرير.. تلك الترنيمة التى جمعتهم على قلب واحد وحلم واحد، اختلفوا كثيرا، لكنهم ما اتفقوا إلا بأحلامهم وأمانيهم المُعذبة بأناشيد الحرافيش الغامضة..
ليس أشق من أن أكتب مراجعة لعمل كهذا، لذا فالحظ ليس غيره هو ما ألوذ به..
ـــــــــــــــــ
ملحمة الحرافيش هى العمل الثانى الذى أقرأه لنجيب محفوظ بعد قشتمر.. لنُسلّم إذا بعبقريته، ونمضى قُدُماً فى أغوارها:

هل تعرف معنى الأسطورة؟ إنها شيء غير ملموس، شيء ينضح بالمثالية، إنها الرمز الذى لا يمكن أن نراه لكن نستشعر آثاره... لا أعرف- حين كنت فى الفصول الأولى من الملحمة- كيف مر أمامى هذا الرجل البسيط سائق الكارو عاشور الناجى دون أن ألمح فيه أى معنى للأسطورة والرمز، والآن بعد نهاية الملحمة، ليس لدى الشك فى أسطوريته، لقد حطم نجيب محفوظ قواعد الأسطورة، فآل الناجى لم يعاشروا هذا الرجل، لم يعرفوه كما عرفته أنا ولمست وجوده، ومع ذلك ليس لدى شك- كما ليس لديهم- فى أسطوريته.. هو أسطورة من الواقعية، أسطورة العدل والإباء، أسطورة العزة والكرامة..
فى بداية الملحمة استشعرت بعض الملل، وأصابتنى الريبة من كونها عمل عظيم كما يدعون، وهذا بالضبط ما حدث مع بداية قشتمر، لكن بتوغلى داخل الأحداث والشخصيات، تلاشى الملل تماما، شخصيات تعج بالحركة، ليس هناك شيء متوقَّع، عنصر المفاجأة ينتصر دائما.. وبهذا حطم نجيب محفوظ فكرة كانت متلازمة معى: أنه لا علاقة بين المتعة ورقى العمل الأدبى، بل إن أكثر الأعمال الأدبية رقيّا غالبا ما تكون شديدة الملل، اقرأ مثلا: ناس من دبلن لجيمس جويس، أعمال إبراهيم أصلان (عميد الملل العربى بلا منازع) بعض أعمال يحيى الطاهر عبد الله (العظيم) ... ملل ملل ملل.. لم أتذمر ولم أشكُ، أحترم كل هذه الأعمال وتقييمى لا يعتمد إلا على القيمة الأدبية والفنية، وترسخت لدى فكرة أنه لا رقى بلا ملل!
لكن حين جاء هذا النجيب العظيم بهذا العمل تلاشت الفكرة تماما.. ثم أنه بعد تفكرى قليلا فى الأمر، قلت: أليس الإنسان حين ينضم حديثا لجماعة من الناس أو ينتقل للعيش معهم يشعر بالضيق والملل فى البداية ثم يتلاشى هذا الشعور بمعاشرتهم ومعرفتهم! هكذا يكون الواقع تماماً!.. إذا فهو قانون المعاشرة، فعالم نجيب محفوظ لا تفته فائته، فأبسط التفاصيل يهتم بها.
ـــــــــــــــــ
قراءة هذا العمل أعادت لدى كل حساباتى بخصوص اللغة، لدرجة أنى تقريبا فقدت أسلوبى الذى كنت أكتب به على الرغم أنه لا بأس به، حتى هذه المراجعة أكتبها بصعوبة شديدة كأنها المرة الأولى التى أكتب فيها!
ففى هذه اللغة اكتشفت متعة من نوع آخر؛ متعة الوصف، فهو يصف كل موقف بدقة متناهية تجعل منها ألذ اللحظات التى يمكنك معايشتها، لغة تناسب جموح الخيال وطموحه.. بها يصبح الخيال ثملاً بروح الكمال..
ـــــــــــــــــ
الرمز الدينى
بعد الهجوم الذى شُنَّ على رواية أولاد حارتنا، أراد نجيب محفوظ أن يخفف حدة الرمز الدينى فى روايته الجديدة فكانت ملحمة الحرافيش:
الرواية فيها رمز دينى واضح، وهذا رأيى: فأول خلق الحارة كان عاشور الناجى، رمز العدل والكمال، وخاتم الفتوات هو عاشور ربيع الناجى، ثم انظر: أم عاشور ربيع الناجى اسمها حليمة، توفى أبيه فى السادسة، وكان عاشور راعى غنم.
ابتسم.. لقد فعلها مرة أخرى :D

وهناك رأى آخر، ليس رأيى، بأن الإسقاطات تخص الشيعة: فقد تكون الملحمة انعكاساً لنظام الأئمة، فعدد الأئمة مساوٍ لعدد أجيال الملحمة وأن عاشور ربيع الناجى هو المهدى المنتظر، ويدعم هذا الرأى الأشعار الفارسية الموجودة فى الملحمة..
لكنى لست مقتنع بهذا الرأى خصوصا وأن الحديث عن علاقة شجرة الناجى بأئمة الاثنى عشرية غير دقيق، كما أنى أستبعد أن يخصص نجيب محفوظ هذه الرائعة فى الرمز للشيعة!
هذا الرابط فيه هذا الرأى ودراسة لا بأس بها عن ملحمة الحرافيش:
ـــــــــــــــــ
لكن وسط هذا الإجلال وتلك الفخامة، فإنى أؤكد على شيء هام، هذه الملحمة هى رواية إنسانية أكثر منها إجتماعية، فاضمحلال عنصرى الزمان والمكان أفقدا الرواية حسها الإجتماعى، وأرى أن خيرى شلبى فى ثلاثيته تفوق على نجيب محفوظ بخصوص هذا الجانب الاجتماعى ووصف الحارة، لكن لا أحد يضاهى إنسانية نجيب محفوظ، ونوبل لا تُمنح إلا لكتاب الإنسانية..
ـــــــــــــــــ
أليس من الرائع أن يكون لدينا أديب عظيم حائزا على نوبل، نقرأ له أعماله من دون أن نضطر للبحث عن ترجمات لها :)

الحضارة المصرية: صراع الأسطورة والتاريخ

My rating: 4 of 5 stars

كتاب قديم عفا عليه الزمن، بال عليه بلونه الأصفر المُحرّق، كتيب من القطع الصغير... ما الذى يشدنى إليه، وأىُّ أربع نجوم تلك التى يستحقها ؟
لطالما بحثت عن هوية، لطالما أفقدتنى الشكوك سكون وخمول عقل الإيمان المرييييح (أى نوع من الإيمان)، لطالما اعتقدت أن خلف معابدنا وأسوار قلاعنا حل معضلة الهوية ومفتاح الحياة فى يد حورس هو من تنفتح به أقفال الشك، إلى الهوية التى أبحث عنها..

جاء هذا الكتاب ليوقظ كل شيء ظننته نائم، يقظة ليست إلى الحقيقة المريحة، وإنما إلى مزيد من الحقائق، أظنها ستزيد من الشكوك والبحث ..
....
هذا الكتاب يثبت (وإن كنت أعرف مسبقا) أفضلية الحضارة المصرية على حضارة الإغريق، وأن كل ما نعمت به تلك الحضارة من علوم وفلسفة وفن أصلها مصرىّ بشهادة فلاسفة اليونان أنفسهم، يدحض أقاويل الغرب فى سيادة العرق الآرى، تلك الأقاويل التى مهدت هيمنة الرجل الأبيض خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تلك الهيمنة التى فرضها على الشعوب التى استعمرها وصدقوها، وتدنوا بأنفسهم، لأن الأبيض له التاريخ له المجد، نسله يمتد إلى ربة الشعر وآلهة أثينا الأسطورية... لذلك فقد رضوا بالمهانة لأنهم افتقدوا هويتهم... أرأيتم إن الأمر كله يعود إلى الهوية، إلى التاريخ !
الاحتلال الحقيقى فى افتقاد الهوية، لذلك فإن درس التاريخ على النحو الصحيح هو الطريق الوحيد لاستعادة الهوية..
الكتاب لا يدعو للرجعية، لأنه لا يدعو لامتثال التاريخ مرة أخرى بل إنه فقط –وأكرر- يحاول استعادة الهوية.
ومن يقرأ ما فعله اليهود بالتاريخ، سيعرف كيف باستعادة هويتهم بنوا مجدا حديثا، (حديثا) لا رجعيا..
تعانى الحضارة المصرية بالذات من افتقاد دينامكية فى عقولنا، دائما نتصورها أنها مجرد حجارة وصور ورموز، (بالإضافة للبعد الدينى المتحيز دائما ضد الحضارة) على عكس ما تنعم به الحضارة الإغريقية من ديناميكية داخل عقول العالم كله وليس الأثينيين فقط! وهذا فى اعتقادى بسبب موقف الفن منه ( الفن التشكيلى، السينما، الأدب) الأمر الذى لم تحظ به حضارتنا...
ـــ
على الرغم أن الكتاب يُعتبر مقدمة تمهيدية لكتاب سوف يتم ترجمته (سوف منسبة إلى تاريخ الكتاب 1996)؛ الكتاب المترجم هو "أثينا أفريقيا سوداء" لمارتن برنال، يثبت بالأدلة والشواهد أن أصل المعارف الإغريقية هو من الحضارة المصرية، إلا أن المنهج النقدى الذى اتبعه شوقى جلال فى بحثه وفّى الكتاب حقه، أتاح له مناقشة قضايا وطنية بطبيعة الحال ليس مُطالب بها برنال، مثل علاقة التاريخ بالهوية، وموقف اليهود من التاريخ تلك العلاقة التى تلقى دائما بصراعات تتطلب مواجهات حتمية...


الثور | مو يان

My rating: 5 of 5 stars

هل تستحق الخمس نجوم؟ - هى بين الأربعة والخمسة, لكن تجنباً لتأنيب الضمير, ودفعاً لتهمة الافتراء, كانت الخمس نجوم مناسبة جداً..
الرواية ممتعة, مرهفة, اجتمع فيها كل شيء جميل؛ البساطة فى التعبير, وضوح الشخصيات, والأهم ؛ الترجمة الرائعة, هى الخيط الرفيع بين الفصحى والعامية, سلاستها تخليك تمشى فى الرواية من غير ما تحس باللغة وبالكلمات, وحين لا تكون اللغة عائقاً, تصبح الأحداث هى اللغة ..

القصة كلها بتدور حول إنقاذ ثور من النفوق بسبب عملية إخصاء, مشاعر القرويين (ماليان, دو, والصبى روهان بطل القصة) مضطربة بين الخوف من بطش حكومة الحزب الشيوعى (الثيران هى عصب حياة الطبقات تحت المتوسطة والفقيرة من الفلاحين!) وبين الخوف على الثور نفسه والإشفاق عليه مما ألم بيه, حتى تمنى العم دو بعد أن نفق الثور فى نهاية الرواية أن يموت بدلاً منه, وساد صمت الموت, اللى أعتقد إن مويان أفسد دراميتها بالنهاية الغير مرغوبة (تسمم ثلاثمائة من العمال والموظفين بسبب أكل لحم الثور المُسمم) لكن أعتقد إن مويان كان هدفه هو إبراز واقع الحياة السياسية الملتهبة فى حكم الحزب الشيوعى.
أعتقد إنه من الجور اتهام مويان إنه مماليء للنظام, الرواية مليئة بالنقد اللاذع للحزب الحاكم: مثلاً, يوهان متعجباً من حال البلد قبل قيادة جيش التحرير: "أمعقول ياعم دو؟ أو تظن أن تسرح بى أنا وتخدعنى ؟ أمعقول كان العهد البائد مليئاً بهذا الخير كله ؟"
وغيرها من الإسقاطات التى تدين نظام الحكم..
ــــــــ
رواية جميلة, تشجع على قراءة مويان, والأدب الأسيوى عامة (يابانى وصينى) بعد صدمتى القديمة مع رواية البشارة.


بدرو بارامو

My rating: 4 of 5 stars

بَعْضُ الزّهوِ الشَّخْصِىّ: أول صلة بينى وبين الواقعية السحرية كانت كتابة مش قراية !
لأنى صعب أضيع وقت السكاشن أو المحاضرات من غير ما ارسم أو اكتب عبثاً أو أتصفح النت، فلاقيت نفسى عمال اكتب فى قصة ف سكشن ممل، عجبتنى الحكاية اللى ألفتها، ولما خلصتها بعتها لمجلة أخبار الأدب، عجبتهم ونشروها بعدها بأسبوع، ولما قرأها البعض قالولى انها بتفكرهم بماركيز والواقعية السحرية، ومكنتش عارف يعنى إيه واقعية سحرية، لكن اتضح بعد ما أعدت قراءتها إنها كانت حاجة زى كدا، ومن يومها وانا نفسى أقرا واقعية سحرية من الأدب اللاتينى :)
واهو جه اليوم اللى قريت فيه أول الأعمال فى الواقعية السحرية، على الرغم إنى كنت مرتبها مع ماركيز، لكن قصور الثقافة عملتهالى مفاجأة :D

*ندخل فى الريفيو*

-دائما النجوم الأربعة تعبر عن الشك والتيه، وارتباك فى التقييم
-أعرف هذا الشعور الذى أصاب ماركيز ليلة قرأ هذه الرواية مرتين، هذا الشعور اسمه "مش فاهم. مش عارف. الرواية جميلة ومليانة سحر (آند تاتش ماى سول) لكن فيه حاجة، هى لازم تتقرى مرة تانية عشان افهمها كويس"

الرواية دى اتكتبت مش للناس اللى واخدة القراية هواية عابرة، أو للناس اللى عايزة (تبلبع) أى أحداث سهلة شيقة، لكن اتعملت لهؤلاء اللى القراية عندهم مهنة، أو قل: صنعة. لأنها فعلا محتاجة مجهود، ومحتاجة رغبة للواقعية السحرية.

لكن خلينى اقول إننا فى عصر أصبح فيه عامل السهولة ليس له أى اعتبار مباشر فى أى نص، ودا هتلاقيه واضح جدا فى نصوص الشعر الحر، اللى بتبقا مليانة غموض معجون فى سحر، ومع ذلك بتعجبنا النصوص دى وبتبهرنا ونديها تقييم عالى، ليييه؟ لأن ببساطة، السحر لو اتفهم ميبقاش سحر، وسر السحر مش موجود غير مع الساحر.. لكن مع كل نص من النصوص دى (الواقعية السحرية اقصد) هتلاقى فيه شعور رائع بتحسه، فيض من الأشياء الغير مفهومة، خدها منى؛ الفهم مش هو الشعور.. مفيش أى صلة بينهم!

ومع ذلك، فرواية زى دى (لازم تتقرى مرة كمان) وأعتقد إن خوان رولفو كتبها وحط فيها تعويذة إنها متتفهمش من أول مرة!

- ومع القراءة التانية أنصح بكتابة أسماء كل الشخصيات فى ورقة خارجية مع تعريف بسيط لها، لأن أكبر مشكلة فى الرواية دى كثرة وتشابك الشخصيات.

- كمان من الحاجات اللى عجبتنى فيها إن رولفو أعطى طابع مختلف للموت، مسحة رومانسية ممكن، مش عارف ليه الموت مظلوم معانا، بس (رغم سوداوية الوصف) إلا إنها سوداوية بطعم رومانسى. المجد للموت:D

-دايما فى النوع دا من الروايات (الغير واقعية) بلاقى متعتى فى الحوارات، يعنى ممكن اجرى فى النص لحد ماوصل لحوار واقعد (أتململ) فيه، لحد ماأتشرب السحر اللى جواه.
ــــــــــــــــــــــ
Rulfo says:
"أحبها لأجلك لكننى أكرهها لكل شيء آخر، حتى لولادتى فيها"

"ثمة هواء وشمس، ثمة سحاب. هناك فى الأعلى سماء زرقاء وخلفها ربما أغنيات، ربما أصوات أفضل.. باختصار ثمة أمل. ثمة أمل من أجلنا، لمواجهة حزننا."

"دعك من الخوف الآن. لا أحد يستطيع أن يخيفك. فكر فى أشياء لطيفة لأننا سوف نُدفن لفترة طويلة."

"لا أعرف يا خوان برثيادو. فمنذ سنوات كثيرة لم أرفع وجهى، لقد نسيت السماء. ولو أننى فعلت هذا، فماذا سأكسب؟ فالسماء مرتفعة جداً، ونظرى ضعيف، لقد كنت أعيش مسرورة بمعرفة أين تكون الأرض. فضلاً عن ذلك، فقد فقدت كل اهتمامى منذ أن أكد لى الأب رينتيريا أننى لن أعرف الجنة أبداً. ولا حتى سأراها من بعيد.."

And I say:
"بوركت يا رولفو. رسالتك وصلت بصدق"

مقامات بديع الزمان الهمذاني

My rating: 4 of 5 stars

الحكمة:

المقامات أكدت لى فكرة أن حكمة وعقل الإنسان لا تتغير عبر العصور, وإنما الذى يتغير هى الماديات وظاهر الأشياء.
لسان حالى وأنا أقرأ... I feel like :D
أُعجبت كثيرا بحكمة هؤلاء الذين قص علينا عيسى بن هشام من أنباءهم ونوادرهم, فبجانب تلك المتعة الجمة, لاتخلو المقامات من الدروس والعبر, التى لاشك, استفدت منها كثيرا. كما أبهرتنى تلك المقامة الأخيرة (المقامة البشرية), التى كادت تكون من ملاحم العرب لولا قصرها...

ـــــــ
الأسلوب:

ليس فى الكتاب صعوبة تتوهمها, أو مشقة تتجشمها, بل على النقيض, وعلى عكس ما ظننتنى ملاقيه, سهل اللفظ مرسلها, رقيق العبارة مجزلها. فقراءة واحدة لكل مقامة (حتى بدون الشرح أحياناً) تكفى لأن تفهم النص وتستمتع به أيضاً لطرافته ونوادره, فعلى رغم غرابة بعض الألفاظ إلا أنه يمكنك أن تفهمها بحدسك وتعرف الموضوع العام بسهولة, وفى قراءة ثانية يمكنك أن تفهم هذه الألفاظ وما تواريه بقراءة الشرح, لكن هذا لا يعنى السهولة المفرطة التى تخلو منها الكتب التراثية بطبيعتها, فبعض المقامات الأخرى فيها من الغموض ما يجعلك تجهل مايدور فيها كأنك لا تقرأها, هذا بجانب فرط استخدام الهمذانى للكنايات والاستعارات التى تجلَت بشدة فى (المقامة الرُّصافيَّة) التى يستحيل فهمها بدون الشرح..
ـــــــ

اللغة:

لغة الهمذانى هى من آيات البديع, ولا سيما فى الوصف الدقيق الذى يجعلك تعيش البيئة زمانياً ومكانياً, وهو كنز لغوى ضخم لمن يبحث عنها.. وعلى رغم الهوة السحيقة بين لغة عصرنا الحاضر ولغة الهمذانى, إلا أننى أزعم أن لغة عصرنا (لغة الأدب أقصد) تتميز عن لغة الهمذانى بعدم اكتفاءها بالوصف المادى وتجاوزها ذلك إلى الوصف النفسى المعقد, وهذا أشدّ ماتفتقر إليه مقامات الهمذانى.
من عيوب مقاماته أيضاً, أن الكثير منها لامبرر له إلا الاستعراض اللغوى والبيانى البحت, وتكرر هذا فى أكثر من مقامة, وتكاد تخلو من موضوع ذى مغزى.. وكثير من المقامات تدور حول نفس القصة: شحاذ يحصل على المال من الناس بحيله فى إيهام الناس بحسن حديثه واستعراض بلاغته, هو أبو الفتح الإسكندرى.
ــــــــ

الشرح:

الكتاب حجمه 330 صفحة بالشرح, وبدونه يكاد يصل لل 100 صفحة, فالشرح أكثر من المقامات, وكثيراً ماتجد صفحات تخلو من المقامات لإفساح المجال للشرح المسهب, وهذا فى رأيى, وإن ساهم فى توضيح كثير من الأمور المبهمة, إلا أنه يثقل كاهل القاريء بمعلومات لم أقرأ الكتاب لأجلها, كأن يتوسع فى الترجمة لكثير من الشعراء؛ نسبهم وحياتهم وأشعارهم, لمجرد ذكر أسماءهم بصورة عابرة فى المقامة, وكذلك أيضا مع بعض الأحداث, كحرب البسوس, التى خصص لها المحقق مايقرب من أربع صفحات خلت منها ذكر المقامة, ورغم هذا فإن كلامه عن الحرب كان أكثر غموضا من مقامات الهمذانى نفسها, فكانت تحتاج لشرح هى الأخرى, لاستعماله اللغة التراثية العتيقة !

كما أن المحقق اقتصّ من بعض المقامات بعض الأجزاء بحجة أنها يندى لها وجه الأدب, فكان ابتساراً لمجرى القصّ ولمعرفة الأحداث وما انتهت إليه المقامة, وهذا فى رأيى خيانة للتراث وللهمذانى, ومؤكد أن المحقق لم يستوعب هزة الحداثة ولم يواكب عصر الأدب المستبيح الذى لا يندى له وجه, كما أنه لم يبدِ هذا التحفظ فى بعض المقامات التى كانت تتغنى بالخمر والغوانى, وتمتدحهما, بل أنه لم يتحرج من عرض أشهر أشعار العرب فيهما... تناقض غير مفهوم !
ـــ

لكن تظل مقامات الهمذانى لها من الحضور ما تمّحى تحتها عثرات ووقعات لا تنال من عبقرية وبلاغة الهمذانى ...
ـــــــــــــ




الحضاره الإسلاميه .. إبداع الماضي وآفاق المستقبل

My rating: 3 of 5 stars

بسم الله الرحمن الرحيم

"لا تنشأ الحضارات من فراغ, وإنما تستمد وجودها من وحى سماوى احتفظ بنقائه, أو من وحى سماوى لم يحتفظ بنقائه وأصابه التحريف"
كانت تكفى هذه الجملة التى ابتدأ بها المؤلف مقدمته لإلقاء الكتاب جانباً وعدم الخوض فيه واعتبار ما سيأتى بعده سيكون على نفس الشاكلة التى اعتبرها الكاتب بالجدارة التى يستحق ذكرها فى صدر مؤلفه... فاعتباره أن كل الحضارات نشأت عن وحى سماوى لهو أمر لا يصدقه فكرٌ متزن, فلا يخفى أن الوحى السماوى الوحيد الذى احتفظ بنقاءه هو الوحى الإسلامى وبالتالى فالحضارة الإسلامية هى المقصودة, والوحى السماوى الذى أصابه التحريف متمثل فى النصرانية واليهودية, وبتمعن النظر يتضح أن الديانتين لم تقيما حضارة بالمفهوم المعروف, فتنحصر الحضارة التى قامت على أساس وحى سماوى فى الحضارة الإسلامية وحدها!
فكيف إذاً غفل الحضارات الوثنية القديمة واللادينية الحديثة ؟!
على العموم فقد تغافلْتُ عبارته سلاماً لإفساح المجال لأفكار أخرى تحتاج صبر وتحمل...
ــــــــــــ
الكتاب ينفتح على شقين:
الأول فكرى: يطرح فيه الكاتب مفهومه عن الحضارة الإسلامية وما قدمته للبشرية من خدمات جليلة يجب الاعتراف بفضلها فيما وصلت إليه الحضارة الحديثة, كما يقدم المشهد القائم آنذاك من نظم سياسية ودينية وثقافية, وهذا الشق ينحصر فى الفصول الأولى من الكتاب. وفيه يعرض الكاتب أفكاره الخاصة التى تتسم بالتواضع الشديد, وأفكار غيره من المفكرين.
الشق الثانى تاريخى: وفيه يقدم الكاتب المشهد التاريخى للحضارة الإسلامية متوقفاً طويلاً عند الأعلام العلمية والأدبية التى ساهمت فى سير قاطرة الحضارة البشرية, وهذا الشق ينحصر فى الفصول الأخيرة من الكتاب..
تحليل:
بعد قراءة متعمقة فى التاريخ الإسلامى الذى أعكف عليه حالياً من خلال كتاب حضارة العرب وهذا الكتاب الذى بين يدى, تنبسط أمامى صورة التاريخ واضحة فأستطيع, وأىّ قاريء للتاريخ يستطيع, أن ينظر للواقع الحالى من نظرة تاريخية بحتة, فما الواقع إلا مشهد من فيلم طويل اسمه التاريخ تستطيع أن تتعرف عليه وتحكم عليه من خلال قراءتك لحال الأمم السابقة.
وهذا ما أشعر به وأنا أقرأ كيف كان حال الحكام الأوائل الذين أُنشِئت على أيديهم هذه الحضارة, فيُطرح سؤال لا مفر منه, كيف حال الحكام الحاليين بالنسبة إليهم ؟
وهؤلاء الشيوخ الذين يتحكمون فى حياتنا الآن لماذا لايصلهم درس التاريخ ؟
المزيد من الأسئلة تخرج من كتب التاريخ, ودائما أنت فى مواجهة الأصولية, دائما هناك فريق يعتقد أنه ينطق بالصواب غير مستعد للنقاش والمجادلة.. هذا إن نفذت من مصفاة التكفير أصلاً !
....
من أسباب تخلفنا أننا نفتقد الروح النقدية القوية, نأتى على العقل أحيانا لأننا غير قادرين على الاعتراف بالجهل, ومن ثم عدم قدرتنا على مداواته..
امتدت تلك الروح للأسف إلى نفس الكاتب الذى افتقد موضوعية نحن فى أشد الحاجة إليها, بدا تفكيره شديد التواضع, بسيط لدرجة السطحية, على الرغم من أن معظم ما جاء فى الكتاب مقتبس من مؤلفات لكتَّاب آخرين, لكن يمكن الوقوف على هذا الفكر المتواضع من النقاط التالية:
يذكر الكاتب فى الفصل الثانى أن القرآن يلفت نظر أتباعه إلى أهم الحرف والمهن التى يجب عليهم أن يمتهنوها, مثل الزراعة, وصناعة الخبز, والرعى, وحلب اللبن من الماشية, والتجارة.. إلخ. ويُقرّ الكاتب أن القرآن بهذا يوضح معالم الحضارة من خلال توضيح المهن التى تقوم عليها الحضارة...
لكنى كمسلم متدين, أرى فى هذا تحقير لقيمة العقل, وتمويه لهدف الآيات التى ذكرت هذه المهن فآيات الله نفسها كرَّمت عقل الإنسان وجعلته حرّاً غير فارضة عليه مهنة ما أو حتى لتدله على مهنة أو حرفة بعينها..
كما ذكر فى الفصل السابع أيضاً أن القرآن أشار إلى أصول الطب الثلاثة؛ حفظ الصحة, والحمية من المؤذى, واستفراغ المواد الفاسدة, من خلال آيات حلق الرأس فى أيام الحج, أما كيف استنتجها الكاتب بتلك الطريقة, فتلك هى السطحية وافتقاد الموضوعية التى أتحدث عنها .
فى بداية الفصل الثالث: يعتبر أنه لا شروط سياسية مقيدة فى الحكم وأن النية السليمة هى التى تحكم! وأنا أرى أن ترك الحبل على الغارب للنوايا هو سبب تخلفنا.
كما أنى أواجه مشكلة مع بعض الكتاب الإسلاميين الذين يريدون أن يقتنصوا أو يختلقوا مباديء عظيمة من السنة وحتى القرآن فى مواقف لا يبدو فيها هذا الهدف إطلاقا, ولا محرك لنواياهم سوى التقديس (الذى لا أكنه لغير الله وكتابه), مثلا فى الفصل الثالث يستخرج الكاتب من (اجتماع السقيفة) تسع حقائق تحدد له أسلوب اختيار الحاكم, فيها من التفخيم ما لا يُتخيل فى مقام كهذا, كأنه يريد أن يصيد السمك من الهواء !
ويُقرُّ الكاتب أن الخلافة واجبة بالشرع وبالعقل على رغم تأكيده أن الرسول لم يذكرها, وكذلك القرآن...
ـــــــ
ثم فى تلك النغمة التى يتغنون بها أنه لا تقدم إلا بالعودة للوراء, وأنا لا أعرف كيف يكون تقدماً بالرجوع للخلف, والسابقون لم يتقدموا إلا بالأخلاق الإسلامية والأخذ مما انتهت إليه الحضارات الأخرى, وأنا لا أرى داعياً فى الرجوع للخلف لأخذ الأخلاق, لأنها بالفعل موجودة فينا تحتاج لعمل ما لاستعادته, وأنا أدعو مجدداً لاحترام العقل ومنحه مكانته, فالزَّن المستمر أنه لن تُعرف الأخلاق إلا بالعودة للماضى لهو موقف ضد العقل, المهضوم حقه فى هذا الزمن.. فلنلغى كلمة العودة من قاموس حضارتنا ونستبدلها بالاقتداء ثم أعطوا العقل فرصته, دعوه يتحرر من أوهامكم..
ما سبق كان تعليقى على أسلوب الكاتب الذى أعزو إليه عدم ذياع صيته واقتصار وجوده على الإنترنت على خبر وفاته !
ـــــــــــــــ
ثم نأتى لبطل القصة, الذى يفرض نفسه أيّا كان المتحدث باسمه؛ الحضارة الإسلامية:
لن أُكثر من الحديث لكنى سأترك التاريخ يتحدث بنفسه من خلال شهادات مؤرخين ومعاصرى الحضارة الإسلامية:
فى ظل ما نشهده الآن من احتقان طائفى لا يسعنا إلا أن نلجأ لتلك الصفحات الناصعة التى تشهد بتفرد الحضارة الإسلامية فى معاملتها لغير المسلمين, ونُذكّر دوماً بما بما يُفرضه الدين: أوصى الرسول (ص) بأهل الذمة فقال: (لَهُم مَا لَنَا وَعَلَيهِم مَا عَلينا, ومَن أَذَى ذِمياً كُنتُ خَصمه يَومَ القِيامَةِ)
وتكفى تلك الآيات: (لا إكراه فى الدين) و (أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)
- يُذكر أنه إبان الفتح الإسلامى كان المسلمون والمسيحيون يصلون معا فى وقت واحد فى كثير من الكنائس.
- كانت الوظائف تُعطى للمستحق الكفء؛ بغضِّ النظر عن عقيدته ومذهبه, وكان من أشهر شعراء البلاط الأموى الأخطل الذى كان يُجارى جرير والفرزدق, وكان نصرانيّاً, بل أنه وصل فى العهد العباسى فى بغداد أن وصلت عائلة كاملة نصرانية (آل بختيشوع) إلى أعلى مراتب العلم لمدة ثلاث قرون وكانوا من حظوة البلاط العباسى.
كان المسيحيون هم أول من أخذوا على عاتقهم مهمة الترجمة فى بداية الحضارة الإسلامية, فقد كانت السريانية هى اللغة الوسيط بين اللغتين اللاتينية والعربية وقد كانوا يتقونها بحكم دراستهم للإنجيل واللاهوت الذى كان بالسريانية , وكان معلم خالد بن يزيد بن معاوية راهباً رومياً, والمعروف أن خالد هو من أشعل حركة الترجمة فى عصر صدر الإسلام بالإضافة لاهتمامه بالعلوم الأخرى ولا سيما الكيمياء. وكذلك قسطا بن لوقا البعلبكى البغدادى العالم الحذق والمترجم الماهر.
ثم فى موضوع الجزية هذا, تلك الكلمة الأسطورية التى يتّخذها بعض الحمقى سلاحا لمحاربة الإسلام مستغلين جهل الناس بعظمة هذا الفرض: لما فتح عمرو بن العاص مصر فرض على أهلها جزية سنوية تقدر بثمن بضع بيضات فما وسعهم إلا أن يرحبوا بالفاتحين الجدد لتخليصهم من ظلم الرومان, كما أن عمر بن الخطاب لما وجد ذميا يسأل الناس الصدقة, أسقط عنه الجزية وفرض له من بيت المال ما يكفيه.
.....
من أطرف الأوقاف الإسلامية:
- مؤسسات لتزويج الشباب والفتيات العُزاب ممن تضيق أيديهم أو أيدى أولياؤهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور.
- مؤسسة لإمداد الأمهات بالحليب والسكر, وقد كان من مبرّات صلاح الدين الأيوبى أنه جعل فى أحد أبواب القلعة فى دمشق ميزاباً يسيل منه الحليب, وميزاباً يسيل منه الماء المذاب فى السكر؛ تأتى إليه الأمهات يومين كل أسبوع؛ ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه.
- من المؤسسات الطريفة أيضاً وقف الزبادى للأولاد الذين يكسرون الزبادى, فيأتون إلى هذه المؤسسة؛ ليأخذوا زبادى جديدة بدلاً من المكسورة... ومن المؤسسات التى أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة, أو لإطعامها, أو لرعيها حين عجزها.
ومثل هذه المواقف والحكايات موجودة بكثرة فى كتب مثل (من روائع حضارتنا) لمصطفى السباعى.
أختتم هذه المراجعة بشهادة كاتب مسيحى متعصب (ألفارو) فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) يدلنا ما ذكره على مدى انتشار الثقافة الإسلامية واللغة العربية والعلوم التى جاء بها العرب فى الأندلس؛ فكتب يقول:

(إن إخوانى المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم, لا لتنفيذها, بل لتعلم أسلوب عربى بليغ, واأسفاه إننى لا أجد اليوم علمانياً يُقبل على قراءة الكتب الدينية أو الإنجيل, بل إن الشباب المسيحى الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة إلا العربية؛ ذلك أنهم يقبلون على كتب العرب فى نهم وشغف, ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة, فى الوقت الذى يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها) .

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...