الجمعة، 16 مارس 2012

رقصة المطر




    من وسط سقف كقطعة من سماء تلك الليلة كانت تتدلى بللورة زجاجية كنجم هاوٍ بين الأرض والسماء تحوم حولها قطرات دقيقة من الضباب ينبعث منها ضوءا باهتا صنع دثارا أصفر على الأرض والسلم, وقف عند سدة المنزل وأخذ يراقب حبات المطر الغليظة وهى تسقط من السماء بميل شديد, يحب صوت المطر وتنتشيه رائحته. تأكد من إحكام حذائه, والكوفية تلف رقبته, يرتدى معطفا أسود من الجلد.
ثم نزل إلى الشارع, فانهال عليه وابل من حصى المطر البارد, كانت تتساقط على معطفه وتشد بعضها بعضا فتنزلق بنعومة إلى الأرض, قفزت بعض الحبات إلى وجهه, فسرت قشعريرة البرد فى جسده, انزلقت إحداها إلى فمه, وذابت فى رضابه ثم ابتلعها كأنه ارتوى...
كان يسير بحذر شديد, بخطًى بطيئة, رأسة مغروسة فى الكوفية, يداه نائمتان فى جيوبه, كتفاه منقبضان على رقبته. سمع المؤذن يقيم الصلاة, فأسرع خطاه, متحاشيا تجمعات الوحل والماء, وقف عند باب المسجد يخلع نعليه, التصقت بهما كومة كبيرة من الطين الناعم المختلط بعيدان القش. لايفصل بينه وبين السجادة الخضراء سوى تلك العتبة كأنها البرزخ..
 دخل مسرعا يلهث فتندفع من فمه زفرات ضبابية. لم يكن يوجد سوى صفين والثالث غير مكتمل, وقف فى الجانب الأيسر المواجه لباب المسجد, وعقد ذراعيه إلى بطنه وحاول الإنصات والتركيز فى الآيات التى يتلوها الإمام. كانت قد مرت فترة طويلة لم ينبس فيها ببنت شفة فعلق فى حلقه غشاء من البلغم, فحاول أن يخرجه بأن يدفعه من حلقة, ففعل "إحِمْ" مرة أو مرتين ثم فعلها بعده رجل آخر كان فى الجانب الأيمن من الصف الأول وردد ثالث كان فى الوسط فى الصف الثانى, بطريقة عفوية, ثم صمتوا...الشيخ يتلو إحدى الآيات.. لاحظ أنه مازالت بقايا الغشاء عالقة فى حلقة, ففعل إحم مرة أخرى وردد خلفه اثنان فى نفس الوقت تقريبا- كأنهما صداه, أحدهما بجواره والآخر يقف خلف الإمام, ثم صمتوا...الشيخ يتلو إحدى الآيات... كان أمامه شخص قصير ضامر العود, يرتدى سترة قطنية بالية داكنة اللون, وبنطال قديم من القماش البنىّ. شعر رأسه قصير من النوع الخشن الملتف, يستطيع رؤية ذقنه الكثّة وحواف نظارته السميكة, كان يرتجف باستمرار,  وأنفاسه المتلاحقه تشبه النشيج حتى كانت أحيانا تسحب معها بعض الكلمات والحروف بدون عمد, انتهى الإمام فحلّ ذراعيه وركع, وركع خلفه المصلين. طالت الركعة:
الضامر: سُبْحَـ..(نشيج)..عَظِـ..(نشيج)... سُبْـ....(نشيج)... ثم فجأة انطلقت من بين أليتيه -فى وجه الآخر- صوت يعرفه كل الناس, برائحة يعرفها كل الناس, قطع الصلاة وذهب مسرعا إلى الحمام. كانو ساجدين حينما سمعوا صوت الصنابير تعود إليها الحياة والمياه ترتطم ببلاط الحمام.
عاد مسرعا ووقف مكانه, ازداد نشيجه وزفيره وشهيقه, وقطرات المياه تسقط من رأسه على وجهه ومن وجهه على الأرض.
أما الآخر فقد انفرط من قلبه الخشوع, ومقلتاه تدور داخل محجريهما من الذهول وغرابة الموقف...
سلّم الشيخ يمينا ويسارا, وكذلك الناس فعلوا, ثم تحررت حناجرهم, وأخذ كلٌ يسلم على جاره ويدعوا له بالقبول.
وقف الضامر, وتوجّه يمينا ثم انحنى وسلم على الشيخ فى صمت, نظر إليه الشيخ وسلم عليه, ثم ذهب الضامر إلى أقصى يمين الصف الأول, وأخذ يسلم على كل من فيه, مازال عوده الضامر منحنى, وقطرات المياه ساكنة على جبهته متعلقة بشعر ذقنه الكثة تلمع فى وجه المصابيح  البيضاء كجُمانٍ منثورة على قطع البُرادة, ويسلم حتى انتهى من الصف الأول فى صمت, ثم كرر ذلك مع الصفين الباقيين, ينظرون إليه, كأنهم لايعرفونه..
ثم خرج الضامر من المسجد وجلس على عتبته يربط حذاءه, الناس خلفه تنتظر....
انتهى ثم وقف ومشى حتى منتصف الشارع, وتوقف كأن السكون قد أصابه, ثم خرج الناس يلقون نعالهم الثقيلة, وخرج الآخر يرتدى نعليه ثم سار عائدا, قطع الضامر سكونه ثم انطلق يقفز قفزات أرنبية, توقف الآخر ناظرا إليه وهو يعدو بعيدا حتى التف داخل عباءة الظلام المكفهر كمن يذوب فى مطر الليل...

السبت، 18 فبراير 2012

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد وكتاب أم القرى












ترددت كثيراً قبل تقييم هذا الكتاب فأحيانا أشعر أنه لايستحق أكثر من ثلاث نجمات وأحيانا أشعر أنه يستحق خمس نجمات ويضاف إلى المفضلة... بالضبط هكذا أسلوب الكواكبى؛ أسلوب ممتموج: كثيرا مايصل بروعة الأسلوب وجلال الموضوع إلى ذروته فتتمنى أن تستمر تلك المتعة إلى نهاية الكتاب وأحيانا مايستخدم أسلوب معقد مستطردا فى مالايجب الاستطراد فيه فتتمنى أن ينتهى هذا الكتاب قبل أن يقتلك الملل....أسلوبه رصين العبارات قوى المعنى, كثيرا ماتجد كلمات لم تعهد بها من قبل فيصل إليك المعنى ناقصا, لذلك مااستغنيت عن المعجم الوجيز أثناء قراءته. أعتقد أن قراءة كتاب مثل هذا قبل الثورة, تختلف تماما عن قراءته بعدها, كما تختلف المتعة بالطبع, لكن الكتاب لم يكن متاح إلا بعد الثورة !
لكنى أرى هذا الكتاب ينطبق تماما على الحالة السورية الآن؛ فهو تجسد للاستبداد بكل حزافيره, ولاغرو فى ذلك فالكواكبى سورى حلبىّ بامتياز, نشأ فى كنف الاستبداد العثمانى, وعلم مساويئه وشروره, فشق عليه وهو الناهل من نهر العلم يجيد العربية والتركية وشئ من الفارسية دارس للعلوم الطبيعية- أن يبخل عن قومه الأسراء بعلمه, فأنفق حياته فى سبيل معرفة أسباب تأخر الأمم, وقرأ فى ذلك الكثير وسافر إلى بلاد شتى وتأرجح رأيه مابين الفقر و الجهل و المرض كغيره ممن بحثوا... حتى استقر على رأيه الأخير بأن أصل أمراض الأمم هو الاســتــبــداد .
"لكن أبدا لاتقيم كتاب إلا بعد أن تنتهى من قراءته" فيستحق الكتاب خمس نجمات, فهو مجملا كتاب يستحق القراءة والتروى فى ثناياه حتى يتبين لنا الرشد من الضلال. فالاستبداد شبح رابض فى كل بيت شرقى من يتجاهله لايستحق الحرية, كما يقول الكواكبى: "الأمة التى لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية".




ماعجبنى:

عامة: بحث الكواكبى فى موضوع الاستبداد بحثا موفقا جامعا موضوعيا شاملا.
      ليس الاستبداد بالأمر المكتشف أو الاختراع الجديد, فيمكن لأى منا أن يكتب عنه ويستطرد فيه(ولما لا ونحب العرب غارقون فى بحور الاستبداد), لكن الأمر يختلف إن كان الكاتب مطالع جيد لأحوال الأمم وعلوم الإجتماع وطبائع الناس, فيعطى لك أبعادا جديدة للموضوع حتى تتكشف لك أشياء لم تكن فى فكرك, وهكذا تصبح ملم بطبائع الاستبداد وأشكال المستبدين والأسراء(الواقعون تحت أسر الاستبداد).
من أسباب مغالاة البعض فى أحكام الإسلام. أنهم يرون فيها بعض القسوة واللامدنية, مثال ذلك تحريم الربا, وقولهم أن ذلك يضيق حدود المعاملات ولايتسع لحجم الاقتصاد العالمى الحالى, لكن الكواكبى أخرج صورة مختلفة لهذا التحريم لنجد أنه يتانسب مع أقوى المدنيات متماشيا مع نماء الإقتصاد: فيقول الكواكبى "أن تحريم الربا إنما جاء لأنه كسب بدون مقابل مادى ففيه معنى الغصب, وبدون عمل لأن المرابى يكسب وهو نائم ففيه الألفة على البطالة, ومن تعرض لخسائر طبيعية كالتجارة والزراعة والأملاك ففيه النماء المطلق المؤدى لانحصار الثروات"
كذلك استدلاله على "ترك الصلاة بالتكاسل وفقد النشاط, وترك الصوم على عدم الصبر, وبالسكر على غلبة النفس العقل ونحو ذلك"

مآخذى على الكتاب:


-  فى صفحة 34 يقول فى آية: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)
إن التفسير الشائع للآية خطأ وهو: أن الله لا يأمر إنسان بفسق, فيبرر ذلك هو بأن :أمرنا –بكسر الميم أو تشديدها- جاءت بمعنى جعلنا المترفين أمراء. فهو يغير كلمة من القرآن !!!
-  أحيانا يستطرد ويعارض وينتقد فى أشياء ليست موجودة أصلا مثال ذلك ماجاء فى صفحة 37 أغلبها ليس موجود..
- غفل الكواكبى عن نوع خطير من المستبدين وهم من يمارسون سلطتهم الاستبدادية وقهر الشعب على ظن منهم أنهم على صواب, وربما يظنون أنها تصب فى مصلحة الرعية يساعدهم على ذلك الحاشية السوداء التى تحجم لهم الأمور على أهواءهم.
ذكر الكواكبى فى صفحة 126: "قد فضل الله الكناس على الحجام وصانع الخبز على ناظم الشعر لأن صنعتهما أنفع للجمهور" لا أعرف لو كان هذا التفضيل أقره الله عز وجل أم لا, لكنى لاأعتقد ذلك فالشعر والأدب هما من دروب الفكر الذى تستقيم بها حياة الناس الأدبية..
ذكر الكواكبى حديث للنبى (صلى الله عليه وسلم):"قد افتخر النبى(صلى الله عليه وسلم) بأنه ولد فى زمن كسرى أنو شروان عابد الكواكب فقال:"ولدت فى زمن كسرى", بحثت عن هذا الحديث على الإنترنت لكنى لم أجده سوى فى صفحة واحدة ذكرت أن الحديث ضعيف..

فى نهاية قراءتى اكتشفت سبب آخر لوهن شوكة الإسلام والمسلمين, ألا وهو: إغفال وتهاون البعض حقوقهم وواجباتهم, فأعتقد أن هذا أصل الداء..
اقتباسات من طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد :
- عجبنى تعريفه للاستبداد فيقول: ("لما كان تعريف علم السياسة بأنه هو "إدارة الشئون المشتركة بمقتضى الحكمة" يكون بالطبع أول مباحث السياسة وأهمها بحث (الاستبداد) أى "التصرف فى الشئون المشتركة بمقتضى الهوى") لكنه يستخدم تعريف أخر فى صفحة 130 فيقول: "هو الحكومة التى لايوجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصوبة بقانون نافذ الحكم".
- "الحرية أفضل من الحياة".
 - نظرية اجتماعية خطيرة: "إن الثورة تعين أهل البيت على إخفاء بعض رذائلهم عن أولادهم ومن حيث هى مدعاة غالبا للتمثل بالأقران مشوقة للتفوق والتميز, ومن حيث تقويتها العلاقة بالأمة والوطن خوف مذلة الاغتراب, ومن حيث إن أهلها يكونون منظورين دائما فيتحاشون المعائب والنقائص بعض التحاشى."
- "... حتى إذا ما اكفهرت سماء عقول بنيها قيض الله لها من جمعهم الكبير أفراداً كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها السعادة بشاقئهم والحياة بموتهم, حيث يكون الله جعل فى ذلك لذتهم ولمثل تلك الشهادة الشريفة خلقهم كما خلق رجال عهد الاستبداد فساقاً فجاراً مهالكهم الشهوات والمثالب. سبحان الذى يختار من يشاء لما يشاء وهو الخلاق العظيم ."
- "الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشر وأبى الظلم وأمى الإساءة وأخى الغدر وأختى المسكنة وعمى الضر وخالى الذل وابنى الفقر وبنتى البطالة وعشيرتى الجهالة ووطنى الخراب, أما دينى وشرفى وحياتى فالمال المال المال".
- هذا الاقتباس منطبق على حال البعض بعد الثورة: " وقد يظنُّ بعض الناس أنَّ للاستبداد حسناتٍ مفقودة في الإدارة الحرّة، فيقولون مثلاً: الاستبداد يليّن الطباع ويلطِّفها، والحقُّ أنَّ ذلك يحصل فيه عن فقد الشهامة لا عن فقد الشراسة. ويقولون: الاستبداد يُعلِّم الصغير الجاهل حسن الطاعة والانقياد للكبير الخبر، والحقُّ أنَّ هذا فيه عن خوف وجبانة لا عن اختيارٍ وإذعان. ويقولون: هو يربّي النفوس على الاعتدال والوقوف عند الحدود، والحقُّ أنْ ليس هناك غير انكماشٍ وتقهقر. ويقولون: الاستبداد يقلل الفسق والفجور، والحقُّ أنَّه عن فقر وعجر، لا عن عفّةٍ أو دين. ويقولون: هو يقلل التعديات والجرائم، والحقُّ أنَّه يمنع ظهورها ويخفيها، فيقلُّ تعديدها لا عدادها".

- " الأخلاق أثمار بذرها الوراثة، وتربتها التربية، وسُقياها العلم، والقائمون عليها هم رجال الحكومة، بناءً عليه؛ تفعل السياسة في أخلاق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر".
- "التعليم ملكة تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس".
- " ولو اهتديتم الى السبيل لعلمتم أن الهرب من الموت موت ن وطلب لموت حياة ، ولعرفتم أن الخوف من التعب تعب ، والأقدام على التعب راحة ، ولفطنتم الى أن الحرية هي شجرة الخلد وسقياها قطرات من الدم الأحمر المسفوح ، والأسارة هي شجرة الزقوم ، وسقياها انهر من الدم الأبيض أي الدموع ، ولو كبرت نفوسكم لتفاخرتم بنزيين صدوركم بورد الجروح لابوسامات الظالمين ".
- " نحن ألفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا . ألفنا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق ، ألفنا الأنقياد ولو الى المهالك . ألفنا أن نعتبر التصاغر أدبا ، والتذلل لطفا ، والتملق فصاحة ، واللكنة رزانة ، وترك الحقوق سماحة ، وقبول الأهانة تواضعا ، والرضا بالظلم طاعة ، ودعوى ألأستحقاق غرورا ، والبحث عن العموميات فضولا ، ومد النظر الى الغد أملا طويلا ، والأقدام تهورا ، والحمية حماقة ، والشهامة شراسة ، وحرية القول وقاحة ، وحرية الفكر كفرا ، وحب الوطن جنونا ".

- "الاستبداد لايقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدرج".
- "يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد".
- "الحرية التى تنفع الأمة هى التى تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها, وأما التى تحصل على إثر ثورة حمقاء فقلما تفيد شيئا, لأن الثورة غالبا تكتفى بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها, فلا تلبث أن تنبت وتعود أقوى مما كانت أولا".

وبخصوص كتاب أم القرى:
"ألفه الكواكبى على هيئة اجتماعات مكونة من كبار علماء الإسلام من مختلف البقاع الإسلامية؛ الجزيرة العربية, مصر, الشام, الهند, فارس, وتركيا ... إلخ
وطبعا هذه الاجتماعات من خيال الكواكبى وقد وضع فيها الأسس الواجب رعايتها لعقد مثل هذه الاجتماعات وخصصها لبحث فساد الأمم (أصل الداء-أسبابه-أعراضه-علاجه)
أعتقد أنها قد تكون مشروع دستور إسلامى صحيح البنية وقد تكون مشروع لحياة أى مسلم عاقل غيور على دينه..

الجمعة، 27 يناير 2012

عنوان الظل



عنوان الظل

     عندما جلسنا فى الشرفة نحتسى الشاى عند العاشرة صباحاً تقريباً, كانت سحابة رمادية حبست آشعة الشمس قد تزحزحت قليلاً, فتحررت آشعتها وهامت نحونا بغزارة فأشرقت الدنيا من جديد, وتراجع مستطيل الظل العريض, الذى يكسو الشارع, أمام اندفاع النور حتى اختفى تماماً إلا من ظلال قصيرة للأبنية المحيطة.
وعندما همّ بالتحدث إلىّ هرول صبى صغير خارج الورشة الموجودة أسفل الشرفة كأنه يحاول اللحاق بمستطيل الظل المنحسر وقد عقد ذراعيه خلف رأسه وأثنى ظهره واشتد صراخة, ثم خرج خلفه المعلم عنوان, كان ضخم الجثة, كث الشعر, غليظ الصوت, ملأ الزيت والشحم أفروله حتى تغير لونه تماماً. خرج من الورشة ممسكاً بسبيكة معدنية بحجم كف يده, دفعها فى وجه الصبى الباكى صائحاً فى وجهه بكلمات لم أتبينها, كان الصبى ينظر إليه فى خوف ويتراجع بظهره إلى الخلف, ماسحاً بكم قميصه المتسخ المتهدل دموعه, اقترب منه المعلم عنوان وذراعه نافذة إلى السماء كالسارية المائلة يحمل فى قمتها السبيكة المثبتة بخمس أصابع, وفى هذه اللحظة خرج الحاج عبده من الكشك, مرتديا جلباباً أبيضاً مقلماً بينما كانت رأسه الصلعاء, إلا من شعر فودِه الأبيض, تعكس بعض آشعة الشمس كالمرآة, وفى يده اليمنى جريدة دفعها صوب المعلم عنوان صائحاً فى وجهه بصوت ضعيف أخرجه بصعوبة:

- كف عن ضرب الولد حرام عليك...
- الولد كسر تلك القطعة, ثمنها خمسمائة جنيه.
- تقوم تموته ضرب!
- هل أكافئه؟!
- لا, لكن....

ثم لمح الحاج عبده شخصاً ما آت نحوه, وانهال المعلم عنوان بضرب الصبى الذى تكوم عند جدار المنزل المقابل وهوت السارية المائلة, وألقى الصبى بنفسه على الأرض مدافعاً عن نفسه بذراعيه المعقودتين خلف رأسه وأثارت قدماه العاريتان, المتسختان بالزيوت والشحوم, التراب, فارتفع التراب حتى وصل إلى سقف الشرفة فغطيت فنجان الشاى بالطبق الأبيض الصغير, وحجب عنّا المعلم عنوان جزء من جسد الصبى ولم أتمكن من رؤية رأسه لكنى سمعت صراخه بوضوح, وأخذ صراخه يشتد:

- الحقنى ياعم عبده..
واعترض الحاج عبده طريق الرجل باسماً:
- أستاذ عطا, كيف حالك ( وأمسك بيده اليمنى وهزها برفق إلى أعلى وأسفل).
نظر الرجل إليه بشبه ابتسامة:
- إزيك ياحاج عبده؟
- الحقنى ياعم عبده والنبى....
- نحمد الله, ماذا فعلت فى موضوعنا؟
- موضوع إيه ؟
- هيموتنى ياعم عبده....
- الموضوع اللى كلمتك عنه الأسبوع الماضى.
- آه, والله أنا كلمت رشدى بيه وهو قال "هيشوف".
فتهدلت ملامح وجهه:
- هيشوف إزاى يعنى, دى زينب هى اللى بتصرف على البيت..
- والله أنا عملت اللى اقدر عليه.
- آه طبعا, كتر خيرك, إنت عملت اللى عليك وزيادة.
- الحقونى...

وأخذ يده وهزها برفق لأعلى وأسفل, ثم رحل الرجل, وعاد الحاج عبده إلى الكشك مطرقا, ثم أختفى عن أعيننا, بينما كانت يدىّ المعلم عنوان تنهالان بالضرب على الصبى, لا ينفذ منها سوى الصراخ والتراب.
    ثم لمحت فتاة تسير فى أول الشارع ترتدى جونيللا سوداء قصيرة وفانلة بيضاء بينما كان شعرها البنى الكثيف يتدلى على صدرها النصف عارى, ورفعت حقيبتها البيضاء إلى وجهها القمحى اللامع وأسبلت جفنيها وحاولت الابتعاد عن التراب المعترض طريقها, بينما كان شابان غريبان, أحدهما طويل القامة نحيف, يرتدى قميص أسود وبنطال يكاد ينزلق من خصره حتى ظهرت ملابسه المنقطة, و الآخر بدينا له كرش ملحوظ, يرتدى قميص أحمر, وبنطال لايختلف عن الآخر, كانا يتبعانها يلقيان بين الحين والآخر نحوها بكلمات لم تلتقطها أذناى, وأحيانا يهمس أحدهما للآخر فيضحك هذا الآخر ويعود أحدهما ليلقى بكلمات أخرى. بدا عليها بعض الاشمئزاز.

    وعندما لمحها المعلم عنوان توقف عن ضرب الصبى, واعتدلت قامته, فرأيت جانب وجهه العريض وقد تحول لونه البنى إلى رمادى, وتسارعت أنفاسه, وأخذ يمسح جبهته المتعرقة بكم قميصة المشدود إلى معصمه. راقبها بنظراته, بينما ظل الصبى منكفئ على الأرض يبكى, يلملم دموعه الهاوية, محاولا سحب مخاطه السائل من أنفه, يتحسس جروحه المتفرقة فيتأوه ويزداد بكاءه, وكفّ التراب عن هياجه. وحين أتمت رأس المعلم عنوان مائة وثمانين درجة كاملة, سمعت تنهيدة صديقى, فانتبهت له وسألته:
                                                                          
- هل كنت تريد أن تقول شيئا ؟
- نعم, لماذا غبت عن العمل بالأمس ؟
فابتسمت له, وتناولت كوب الشاى الذى أصبح باردا ورفعت عنه الطبق الأبيض وأخذت رشفة, ثم عادت السحابة الرمادية تغيم على الجميع....

***

الخميس، 19 يناير 2012

مأساة كلب


دخلت قاعة المحاضرات وعدد الحاضرين لا يزيد عن العشرين طالبًا وطالبة في انتظار الدكتور الذي دائمًا ما يتأخر عن موعد المحاضرة، ظلت الطالبات داخل القاعة يتسلين بالأحاديث المتفرقة التي تتعلق بتوافه البنات، أما الطلاب فقد خرجوا إلى الطرقة منهم من يدخن ومنهم من يشرب الشاي أو القهوة ومنهم من يقضي بعض الملل ذهابًا وإيابًا في انتظار الدكتور الذي يجلس في مكتبه!

وبعد ساعة من موعد المحاضرة وصل الدكتور، ودخل ما تبقّى من الطلاب القاعة. دخل الدكتور مسرعًا كعادته يرتدي بزّة قصيرة تلف جسده الممتلئ وقامته القصيرة نسبيًّا، ثم دخل بعده بقليل المعيد الذي يحضر المحاضرات ليُلم بأطراف المادة، وجلس على يساري، في المقعد (البِنش) الثاني.

بدأ الدكتور بتشغيل جهاز الحاسوب (اللابتوب) الموصّل بالبروجيكتور، وأطفأ ما تبقى من الأنوار وأسدل ستائر النوافذ، حتى أصبحت القاعة مظلمة تمامًا، ثم بدأت محاضرة مملة كالعادة. كان جو التثاؤب هو الغالب على المحاضرة، والظروف مهيئة لمعانقة النوم الوثير.

وبعد قليل دخل صلاح- زميلنا- مسرعًا بعد طرقات الاستئذان السريعة، بدت لي نحافته جليّميلنا) القصيرة نسبيّاًئر مسرعاًة في هذا الظلام تحت خفوت ضوء البروجيكتور، أنهكت السجائر قواه حتى صار عوده المنحني كعود الكبريت المحترق، وتلاشى اللون الأبيض من ثغره الذي ابتسم لصديقه الجالس في الخلف، حتى صار أصفرا يتخلله خطوط رمادية، ثم جلس على يميني، وبدأ يُفرغ ما في جيوبه من أقلام وعلبة المناديل، ثم هيأ الكشكول. وبعدما أفرغ محتوياته اعتدل في جلسته ليظهر الاهتمام. كان يلهث، فكنت أستطيع أن أشم رائحة دخان السجائر المنبعثة من فمه.

وبعد ذلك بقليل سمعت صوت لطمة، فنظرت جهة صلاح ووجدته يضع كفه على جبهته وعيناه الضيقتان قد أصبحتا أكثر اتساعًا وشفتاه انفرجتا انفراجة ملحوظة، ثم قال وهو يميل برأسه ناحيتي:

- نسيت أأكل الكلب!

قال ذلك بصوت لم يسمعه غيري أنا والمعيد الجالس بجواري.

فاندهشت لما قال، وسألته: كلب ايه ؟!

فردّ عليّ بجزع: كلب صغير في بيتنا- في ديرب.

ثم سألت: هيحصله حاجة لو مكلش يعني؟!

لم يرد على سؤالي، وقال: "يانهار ابيض"، قالها وهو يمد ياء أبيض.

وهَمّ بالوقوف حتى أثنى ظهره، لكنه ما لبث وعدل عن ذلك. وظل على قلقه إلى آخر المحاضرة.

نظرت يساري فوجدت المعيد قد ضم كفه الأيسر إلى فمه ومال برأسه ناحية البِنش لئلا يراه الدكتور، وكان جسده يهتز بصورة ملحوظة من الضحك!

وانتهت المحاضرة بعد نصف ساعة، حمل الدكتور حاسوبه وخرج كما دخل، فقام صلاح مسرعًا إلى باب القاعة ثم اختفى.

تتبعته بنظراتي المتوجسة، بينما ظل المعيد غارقا في الضحك، حتى رفع رأسه والدموع تملأ عينيه، وآثار الضحك تكسو وجهه، وما لبث أن نظر ناحيتي، حتى عاد برأسه إلى كفه واستأنف الضحك!

وما إن انتبه لدخول الدكتورة حتى قام مثاقلا بضحكاته محاولا حبسها داخل صدره.

وانتبهنا إلى حديث الدكتورة المنزعجة دائما بصوتها الزاعق، فتلقي بقذائفها إلى من يتأخر عن موعد وصولها، قد تكون إحدى قذائفها الهينة أن تنقص بضع درجات من المسكين المتأخر، الذي غالبًا لا يملك سواها.

ومرت دقائق على هذا الحال حتى دق الباب، فالتفتت بنظرها الثاقب نحو الباب مستعدة لإلقاء قذيفتها التاليه، وقالت بحنق شديد:

- ادخل

وانفرج الباب انفراجة بسيطة وطلّ صلاح برأسه من خلفه قائلا:

- أدخل يادكتورة؟

- إيه اللي أخرك؟

- كنت بأكل الكلب

مرت هنيهه صامتة، كأن من سمع يحاول أن يضع الجملة في موضعها السليم، فاكتشف الجميع أن موضعها هو الضحك، ثم ارتجت القاعة ضحكًا.

نظرت الدكتورة إلى صلاح الذي اعتلت جبهته علامات الراحة بعد القلق، وكأنما هي الأخرى وضعت عبارته في موضعها السليم، فتغيرت ملامح وجهها العبوس حتى كاد يشبه وجه باسم، وأشارت بيدها ليدخل، فدخل مسرعًا وجلس بجواري، واندفعت من صدره الصعداء حتى ملأت صدره سكينة. بينما كنت أفكر: يالها من قصة.

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

الدم والمشمش


الدم والمشمش
 
       خرجت من بوابة الجامعة, وأنا أتفادى بكتابى العريض لفحات شمس يوليو الحارقة المسلطة على رأسى, وحبات العرق تنزلق على وجنتىّ, بينما قدماى كانت تحملانى إلى مسكنى هاربا من الصخب والحر القائظ ومن النفوس الصيفية.
مشيت قليلاً إلى اليمين خارج البوابة ثم وقفت على الرصيف تحت اللافتة "موقف السيرفيس" وأخذت أعد نفسى للانتظار, وانتَظرَت بجوارى سيدة قاتمة الملامح صامتة اللقطات كأنها مشهد صامت يتشبث بصمته فى هذا الهياج العشوائى من الحركة والاختلاط, يلفها جلباب أسود لايخلو من علامات البؤس, يتدلى من قبضتها كيس ضئيل به حبيبات معدودة, أحسبها مشمش.
التفتّ إلى وجهها الشاحب؛ كان يشبه قطعة من أرض سوداء تشققت بؤساً, وما أنفها إلا نتوء برز من هذه الأرض, وشفتاها تلقى بين الحين والآخر بتمتمات صامتة غير مفهومة.
وقفت بجوارها وقد انتبهْت إلى صمتى المغرق فى ملامحها وقد أصبحت جزءاً من عالمها الصامت, فرجعت قليلاً إلى الوراء فأعود إلى عالمى, واستأنفْت انتظارى للسيرفيس, والشمس مازالت متعامدة على الرؤوس تتسلل بأناملها الجلود لتلتقط حبات العرق من وجوهنا المشوية بلفحاتها.
كانت سيارات السيرفيس تخطف الطريق ذهاباً مكدسة بالركاب, فأبيت أن أستوقف أحدها, وآثرت انتظار واحد به مقعد فارغ على الأقل.
وبعد ذلك بقليل اقترب نحوى سيرفيس متباطئاً حتى توقف أمامى, وأصبحت هذه السيدة خلفه, لم يكن به ركاب فسألت السائق:
-"إلى الموقف..؟"
-"لا, سأتوقف هنا"
 فتأففت من هذا الوضع الشبه متكرر. أما السيدة فاكتفت بالتواء رقبتها ناحية سؤالى, وعندما سمعت جواب السائق عادت إلى عالما الصامت العميق.
حجب عنى السيرفيس بعضاً من آشعة الشمس, فجاء رحمة إلى أن يأتى السيرفيس المنتظر..
  وبينما أقف فى هذا الظل شارد الفكر, متعب, أرهقنى اليوم بمشاغله وحرارته, فجأة تحرك الظل من تحتى حاملاً سيرفيسه إلى يسارى ببطء ومازال يتحرك ولازلت شارد الذهن, لاأهتم بما حولى حتى استوقفنى شئ غريب.
 شئ أسود تلتهمه الأنياب المطاطية, وأخيلة أصابع تستغيث, ألقى بنظرى إلى يسارى وقد اختفت السيدة البائسة ذات الجلباب الأسود.
فَهِمْت بوجهى نحو السيارة أضرب بقبضتى جدارها صارخاً نحو السائق: "توقف..توقف..توقف..",
فيتوقف السائق مجزوعا, ويهرول الناس منقادين بحبال من الحيرة, مشدوهين بصرخاتى, واكتنف المكان فجأة لغط كثير.
التفّت النساء حول السيرفيس وقد جمعن أكفهن بوجوههن وتحدقت أعينهن نحو الجلباب المفروم بين الإطارات, ورجال يستنزلون قوتهم العضلية جاذبين الجلباب المتهالك, وجمع آخر من الشباب يحاولون رفع السيرفيس, يطلق أحدهم صيحات لإثارة حماستهم؛ فتتساقط قطرات العرق من جباههم فتختلط ببقع الدماء من تحت أقدامهم. والبعض الآخر يضرب بباطن كفيه مرددين: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
ظننت أنهم إنما يجذبون قلبى أو يجرون هلعى, حتى سقط من صدرى حين رأيتهم يمسكون بذراعيها المتراخيان....


  ثم رأيت وجهها الدامى مُمسِك بعيناها المتجحظتان خارج جبهتها المتجلفة, بينما كانت رأسها المكشوفة تتدلى من على ذراع أحدهم والدم يتدفق من بين أصابعه. وقد صنع تدفق الدم ستارا أحمر غطى كل وجهها إلا عيناها المتجحظتان وثغرها الفاغر, حتى بدت لى وكأنها تنظر إلى شئ لانستطيع رؤيته....
وجهها لايبوح بأى موت ولايبوح بأى حياة. وتوقفت شفتاها عن إلقاء التمتمات!
يحاولون إفاقتها من غيبوبتها, والنساء تغطين مناطق عورتها ويمسحن وجهها من الدماء, ثم حملها الرجال مسرعين إلى السيرفيس لينقلوها إلى المستشفى الجامعى المجاور..
وتنطلق السيارة, وينفض التجمهر, ولايبقى سواى – مذهول مما رأيت, فقد أصبحت مثل هذا التمثال الباسق المنتصب أمامى, لايستطيع الحركة, لكنه يبدو أفضل حالاً منى كثيراً, على الأقل هو مبتسم!
     ألقيت نظرة أخيرة على السيارة وهى تتلاشى فى قلب الطريق الملتوى, ويتلاشى معها الخط الأحمر السميك من تحت الإطارات, ثم رحلت أحمل خطاى المثقلة والشمس من خلفى تهوى إلى مضجعها لتروى مآسٍ أخرى بآوار أشعتها, ولايبق سوى آشعة الشفق تقلب حبيبات المشمش المتناثرة فيعكس عليها حمرة الدماء....
  تُرى, هل تجسد شظف العيش فى حبيبات المشمش, ونزلت قسوة القدر فى بقع الدماء ؟!
* * *
قصة شاهدها ناظرى, وأدماها قلبى, ودونها قلمى

القصة الفائزة بالمركز الثانى فى مسابقة جامعة الزقازيق للقصة القصيرة


** بها بعض التعديلات عن المُقَدمة للمسابقة

جلسة الأنس


  • ·        يـاجلســــة الأنـــس مالـــك         قد صـــرت لاتحــتوينا
    ·        أأصـــبح الضــيق نــعتـــك         أم أنـــنــــا قـــد نسينــا
    ·        أم أن الشجـون قــد زالـــت         وصارت الدنيا تلاهينا
    ·        أطرقت أغصـانـــك شوقــا         وصار الماء لايرويـها
    ·        تسألينى أين الصحابا, وهل         أملك لنفسى منهم دليلا
    ·        اســـــألى أيـــام الــسمـــــر         أو نسيم هواءنا العليــلَ
                             ****
    ·        أيها الشبــاب الكــامن فيــنا        قم من صمتك وانفخ فى المزامــيــــر
    ·        علّ النفــخ يثيــر التــرابـــا        أو تعود الأرواح لأجساد العصافيـــر
    ·        واشدو بنـغــم جنونك ألحانا        نتراقص بها على صفحات الأغاديـر
    ·        وارسم بهيام أناملــك دروبا        تتــلاقى فيــها البسمــات والتــعابــير
    ·        واطـــرق أبـواب الصحــابا        وذكـــرهـــم بالجــلســات الـــوثــيرة


السبت، 26 نوفمبر 2011

عــزازيـــل

عزازيلعزازيل by يوسف زيدان
My rating: 5 of 5 stars

ماذا أقول فى رواية خطفت عقلى خطفا, ثم سلمتنى عقلا آخر جديدا؟
ماذا أقول فى رواية يستنبط عقلى من كل كلمة منها فكرة غائبة عنى أو متوارية خلف ستار من اللاعلم؟
ماذا أقول فى رواية أخذت منى أياما وأعطتنى عمرا؟
.......
عزازيل, بهذا الاسم الشيطانى انتقى يوسف زيدان الاسم لروايته الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2009 .. بحق تستحق.
...
تدور أحداث الرواية فى القرن الخامس من ميلاد المسيح, فى ذلك الزمن الذى شهد صراعات كنسية كبرى تتعلق أغلبها بالعقيدة المسيحية نفسها والإختلاف حول طبيعة المسيح.
لكن الرواية ليست بهذا الإتجاه التاريخى البحت, فنفس هيبا الثكلى تغلب على أسلوب الرواية. ثكلى لما عاصر من أزمات عصفت بقلبه وحياته, منذ أن كان فى صعيد مصر عندما رأى أبيه الصياد يذبح أمام عينيه على أيدى مسيحيين متشددين, وأمه التى تزوجت من أحد القتلة, فهاجر هيبا هاربا من هذا الواقع الأليم إلى الأسكندرية التى حبك فيها القدر لقاء أوكتافيا التى عاش معها أيام لن ينساها هيبا. أيام العشق والخطيئة. لكن الأيام أسرعت وخطفت منه هذا الحلم سريعا وأعادته إلى كابوسه الحقيقى. لكنة خيانة الأيام ألبسته مزيدا من العذاب بعد ماعرف هيباتيا. ذلك الحلم الجديد الذى صار بعد حين كابوسا جديدا..
وتدور الأيام, تهب الأحلام وتلقى الكوابيس, وعزازيل صديقه أو هو ذنوبه وخطاياه..
ـــــــــــــ
محمد الشواف

View all my reviews

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...