الجمعة، 27 يناير 2012

عنوان الظل



عنوان الظل

     عندما جلسنا فى الشرفة نحتسى الشاى عند العاشرة صباحاً تقريباً, كانت سحابة رمادية حبست آشعة الشمس قد تزحزحت قليلاً, فتحررت آشعتها وهامت نحونا بغزارة فأشرقت الدنيا من جديد, وتراجع مستطيل الظل العريض, الذى يكسو الشارع, أمام اندفاع النور حتى اختفى تماماً إلا من ظلال قصيرة للأبنية المحيطة.
وعندما همّ بالتحدث إلىّ هرول صبى صغير خارج الورشة الموجودة أسفل الشرفة كأنه يحاول اللحاق بمستطيل الظل المنحسر وقد عقد ذراعيه خلف رأسه وأثنى ظهره واشتد صراخة, ثم خرج خلفه المعلم عنوان, كان ضخم الجثة, كث الشعر, غليظ الصوت, ملأ الزيت والشحم أفروله حتى تغير لونه تماماً. خرج من الورشة ممسكاً بسبيكة معدنية بحجم كف يده, دفعها فى وجه الصبى الباكى صائحاً فى وجهه بكلمات لم أتبينها, كان الصبى ينظر إليه فى خوف ويتراجع بظهره إلى الخلف, ماسحاً بكم قميصه المتسخ المتهدل دموعه, اقترب منه المعلم عنوان وذراعه نافذة إلى السماء كالسارية المائلة يحمل فى قمتها السبيكة المثبتة بخمس أصابع, وفى هذه اللحظة خرج الحاج عبده من الكشك, مرتديا جلباباً أبيضاً مقلماً بينما كانت رأسه الصلعاء, إلا من شعر فودِه الأبيض, تعكس بعض آشعة الشمس كالمرآة, وفى يده اليمنى جريدة دفعها صوب المعلم عنوان صائحاً فى وجهه بصوت ضعيف أخرجه بصعوبة:

- كف عن ضرب الولد حرام عليك...
- الولد كسر تلك القطعة, ثمنها خمسمائة جنيه.
- تقوم تموته ضرب!
- هل أكافئه؟!
- لا, لكن....

ثم لمح الحاج عبده شخصاً ما آت نحوه, وانهال المعلم عنوان بضرب الصبى الذى تكوم عند جدار المنزل المقابل وهوت السارية المائلة, وألقى الصبى بنفسه على الأرض مدافعاً عن نفسه بذراعيه المعقودتين خلف رأسه وأثارت قدماه العاريتان, المتسختان بالزيوت والشحوم, التراب, فارتفع التراب حتى وصل إلى سقف الشرفة فغطيت فنجان الشاى بالطبق الأبيض الصغير, وحجب عنّا المعلم عنوان جزء من جسد الصبى ولم أتمكن من رؤية رأسه لكنى سمعت صراخه بوضوح, وأخذ صراخه يشتد:

- الحقنى ياعم عبده..
واعترض الحاج عبده طريق الرجل باسماً:
- أستاذ عطا, كيف حالك ( وأمسك بيده اليمنى وهزها برفق إلى أعلى وأسفل).
نظر الرجل إليه بشبه ابتسامة:
- إزيك ياحاج عبده؟
- الحقنى ياعم عبده والنبى....
- نحمد الله, ماذا فعلت فى موضوعنا؟
- موضوع إيه ؟
- هيموتنى ياعم عبده....
- الموضوع اللى كلمتك عنه الأسبوع الماضى.
- آه, والله أنا كلمت رشدى بيه وهو قال "هيشوف".
فتهدلت ملامح وجهه:
- هيشوف إزاى يعنى, دى زينب هى اللى بتصرف على البيت..
- والله أنا عملت اللى اقدر عليه.
- آه طبعا, كتر خيرك, إنت عملت اللى عليك وزيادة.
- الحقونى...

وأخذ يده وهزها برفق لأعلى وأسفل, ثم رحل الرجل, وعاد الحاج عبده إلى الكشك مطرقا, ثم أختفى عن أعيننا, بينما كانت يدىّ المعلم عنوان تنهالان بالضرب على الصبى, لا ينفذ منها سوى الصراخ والتراب.
    ثم لمحت فتاة تسير فى أول الشارع ترتدى جونيللا سوداء قصيرة وفانلة بيضاء بينما كان شعرها البنى الكثيف يتدلى على صدرها النصف عارى, ورفعت حقيبتها البيضاء إلى وجهها القمحى اللامع وأسبلت جفنيها وحاولت الابتعاد عن التراب المعترض طريقها, بينما كان شابان غريبان, أحدهما طويل القامة نحيف, يرتدى قميص أسود وبنطال يكاد ينزلق من خصره حتى ظهرت ملابسه المنقطة, و الآخر بدينا له كرش ملحوظ, يرتدى قميص أحمر, وبنطال لايختلف عن الآخر, كانا يتبعانها يلقيان بين الحين والآخر نحوها بكلمات لم تلتقطها أذناى, وأحيانا يهمس أحدهما للآخر فيضحك هذا الآخر ويعود أحدهما ليلقى بكلمات أخرى. بدا عليها بعض الاشمئزاز.

    وعندما لمحها المعلم عنوان توقف عن ضرب الصبى, واعتدلت قامته, فرأيت جانب وجهه العريض وقد تحول لونه البنى إلى رمادى, وتسارعت أنفاسه, وأخذ يمسح جبهته المتعرقة بكم قميصة المشدود إلى معصمه. راقبها بنظراته, بينما ظل الصبى منكفئ على الأرض يبكى, يلملم دموعه الهاوية, محاولا سحب مخاطه السائل من أنفه, يتحسس جروحه المتفرقة فيتأوه ويزداد بكاءه, وكفّ التراب عن هياجه. وحين أتمت رأس المعلم عنوان مائة وثمانين درجة كاملة, سمعت تنهيدة صديقى, فانتبهت له وسألته:
                                                                          
- هل كنت تريد أن تقول شيئا ؟
- نعم, لماذا غبت عن العمل بالأمس ؟
فابتسمت له, وتناولت كوب الشاى الذى أصبح باردا ورفعت عنه الطبق الأبيض وأخذت رشفة, ثم عادت السحابة الرمادية تغيم على الجميع....

***

الخميس، 19 يناير 2012

مأساة كلب


دخلت قاعة المحاضرات وعدد الحاضرين لا يزيد عن العشرين طالبًا وطالبة في انتظار الدكتور الذي دائمًا ما يتأخر عن موعد المحاضرة، ظلت الطالبات داخل القاعة يتسلين بالأحاديث المتفرقة التي تتعلق بتوافه البنات، أما الطلاب فقد خرجوا إلى الطرقة منهم من يدخن ومنهم من يشرب الشاي أو القهوة ومنهم من يقضي بعض الملل ذهابًا وإيابًا في انتظار الدكتور الذي يجلس في مكتبه!

وبعد ساعة من موعد المحاضرة وصل الدكتور، ودخل ما تبقّى من الطلاب القاعة. دخل الدكتور مسرعًا كعادته يرتدي بزّة قصيرة تلف جسده الممتلئ وقامته القصيرة نسبيًّا، ثم دخل بعده بقليل المعيد الذي يحضر المحاضرات ليُلم بأطراف المادة، وجلس على يساري، في المقعد (البِنش) الثاني.

بدأ الدكتور بتشغيل جهاز الحاسوب (اللابتوب) الموصّل بالبروجيكتور، وأطفأ ما تبقى من الأنوار وأسدل ستائر النوافذ، حتى أصبحت القاعة مظلمة تمامًا، ثم بدأت محاضرة مملة كالعادة. كان جو التثاؤب هو الغالب على المحاضرة، والظروف مهيئة لمعانقة النوم الوثير.

وبعد قليل دخل صلاح- زميلنا- مسرعًا بعد طرقات الاستئذان السريعة، بدت لي نحافته جليّميلنا) القصيرة نسبيّاًئر مسرعاًة في هذا الظلام تحت خفوت ضوء البروجيكتور، أنهكت السجائر قواه حتى صار عوده المنحني كعود الكبريت المحترق، وتلاشى اللون الأبيض من ثغره الذي ابتسم لصديقه الجالس في الخلف، حتى صار أصفرا يتخلله خطوط رمادية، ثم جلس على يميني، وبدأ يُفرغ ما في جيوبه من أقلام وعلبة المناديل، ثم هيأ الكشكول. وبعدما أفرغ محتوياته اعتدل في جلسته ليظهر الاهتمام. كان يلهث، فكنت أستطيع أن أشم رائحة دخان السجائر المنبعثة من فمه.

وبعد ذلك بقليل سمعت صوت لطمة، فنظرت جهة صلاح ووجدته يضع كفه على جبهته وعيناه الضيقتان قد أصبحتا أكثر اتساعًا وشفتاه انفرجتا انفراجة ملحوظة، ثم قال وهو يميل برأسه ناحيتي:

- نسيت أأكل الكلب!

قال ذلك بصوت لم يسمعه غيري أنا والمعيد الجالس بجواري.

فاندهشت لما قال، وسألته: كلب ايه ؟!

فردّ عليّ بجزع: كلب صغير في بيتنا- في ديرب.

ثم سألت: هيحصله حاجة لو مكلش يعني؟!

لم يرد على سؤالي، وقال: "يانهار ابيض"، قالها وهو يمد ياء أبيض.

وهَمّ بالوقوف حتى أثنى ظهره، لكنه ما لبث وعدل عن ذلك. وظل على قلقه إلى آخر المحاضرة.

نظرت يساري فوجدت المعيد قد ضم كفه الأيسر إلى فمه ومال برأسه ناحية البِنش لئلا يراه الدكتور، وكان جسده يهتز بصورة ملحوظة من الضحك!

وانتهت المحاضرة بعد نصف ساعة، حمل الدكتور حاسوبه وخرج كما دخل، فقام صلاح مسرعًا إلى باب القاعة ثم اختفى.

تتبعته بنظراتي المتوجسة، بينما ظل المعيد غارقا في الضحك، حتى رفع رأسه والدموع تملأ عينيه، وآثار الضحك تكسو وجهه، وما لبث أن نظر ناحيتي، حتى عاد برأسه إلى كفه واستأنف الضحك!

وما إن انتبه لدخول الدكتورة حتى قام مثاقلا بضحكاته محاولا حبسها داخل صدره.

وانتبهنا إلى حديث الدكتورة المنزعجة دائما بصوتها الزاعق، فتلقي بقذائفها إلى من يتأخر عن موعد وصولها، قد تكون إحدى قذائفها الهينة أن تنقص بضع درجات من المسكين المتأخر، الذي غالبًا لا يملك سواها.

ومرت دقائق على هذا الحال حتى دق الباب، فالتفتت بنظرها الثاقب نحو الباب مستعدة لإلقاء قذيفتها التاليه، وقالت بحنق شديد:

- ادخل

وانفرج الباب انفراجة بسيطة وطلّ صلاح برأسه من خلفه قائلا:

- أدخل يادكتورة؟

- إيه اللي أخرك؟

- كنت بأكل الكلب

مرت هنيهه صامتة، كأن من سمع يحاول أن يضع الجملة في موضعها السليم، فاكتشف الجميع أن موضعها هو الضحك، ثم ارتجت القاعة ضحكًا.

نظرت الدكتورة إلى صلاح الذي اعتلت جبهته علامات الراحة بعد القلق، وكأنما هي الأخرى وضعت عبارته في موضعها السليم، فتغيرت ملامح وجهها العبوس حتى كاد يشبه وجه باسم، وأشارت بيدها ليدخل، فدخل مسرعًا وجلس بجواري، واندفعت من صدره الصعداء حتى ملأت صدره سكينة. بينما كنت أفكر: يالها من قصة.

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

الدم والمشمش


الدم والمشمش
 
       خرجت من بوابة الجامعة, وأنا أتفادى بكتابى العريض لفحات شمس يوليو الحارقة المسلطة على رأسى, وحبات العرق تنزلق على وجنتىّ, بينما قدماى كانت تحملانى إلى مسكنى هاربا من الصخب والحر القائظ ومن النفوس الصيفية.
مشيت قليلاً إلى اليمين خارج البوابة ثم وقفت على الرصيف تحت اللافتة "موقف السيرفيس" وأخذت أعد نفسى للانتظار, وانتَظرَت بجوارى سيدة قاتمة الملامح صامتة اللقطات كأنها مشهد صامت يتشبث بصمته فى هذا الهياج العشوائى من الحركة والاختلاط, يلفها جلباب أسود لايخلو من علامات البؤس, يتدلى من قبضتها كيس ضئيل به حبيبات معدودة, أحسبها مشمش.
التفتّ إلى وجهها الشاحب؛ كان يشبه قطعة من أرض سوداء تشققت بؤساً, وما أنفها إلا نتوء برز من هذه الأرض, وشفتاها تلقى بين الحين والآخر بتمتمات صامتة غير مفهومة.
وقفت بجوارها وقد انتبهْت إلى صمتى المغرق فى ملامحها وقد أصبحت جزءاً من عالمها الصامت, فرجعت قليلاً إلى الوراء فأعود إلى عالمى, واستأنفْت انتظارى للسيرفيس, والشمس مازالت متعامدة على الرؤوس تتسلل بأناملها الجلود لتلتقط حبات العرق من وجوهنا المشوية بلفحاتها.
كانت سيارات السيرفيس تخطف الطريق ذهاباً مكدسة بالركاب, فأبيت أن أستوقف أحدها, وآثرت انتظار واحد به مقعد فارغ على الأقل.
وبعد ذلك بقليل اقترب نحوى سيرفيس متباطئاً حتى توقف أمامى, وأصبحت هذه السيدة خلفه, لم يكن به ركاب فسألت السائق:
-"إلى الموقف..؟"
-"لا, سأتوقف هنا"
 فتأففت من هذا الوضع الشبه متكرر. أما السيدة فاكتفت بالتواء رقبتها ناحية سؤالى, وعندما سمعت جواب السائق عادت إلى عالما الصامت العميق.
حجب عنى السيرفيس بعضاً من آشعة الشمس, فجاء رحمة إلى أن يأتى السيرفيس المنتظر..
  وبينما أقف فى هذا الظل شارد الفكر, متعب, أرهقنى اليوم بمشاغله وحرارته, فجأة تحرك الظل من تحتى حاملاً سيرفيسه إلى يسارى ببطء ومازال يتحرك ولازلت شارد الذهن, لاأهتم بما حولى حتى استوقفنى شئ غريب.
 شئ أسود تلتهمه الأنياب المطاطية, وأخيلة أصابع تستغيث, ألقى بنظرى إلى يسارى وقد اختفت السيدة البائسة ذات الجلباب الأسود.
فَهِمْت بوجهى نحو السيارة أضرب بقبضتى جدارها صارخاً نحو السائق: "توقف..توقف..توقف..",
فيتوقف السائق مجزوعا, ويهرول الناس منقادين بحبال من الحيرة, مشدوهين بصرخاتى, واكتنف المكان فجأة لغط كثير.
التفّت النساء حول السيرفيس وقد جمعن أكفهن بوجوههن وتحدقت أعينهن نحو الجلباب المفروم بين الإطارات, ورجال يستنزلون قوتهم العضلية جاذبين الجلباب المتهالك, وجمع آخر من الشباب يحاولون رفع السيرفيس, يطلق أحدهم صيحات لإثارة حماستهم؛ فتتساقط قطرات العرق من جباههم فتختلط ببقع الدماء من تحت أقدامهم. والبعض الآخر يضرب بباطن كفيه مرددين: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
ظننت أنهم إنما يجذبون قلبى أو يجرون هلعى, حتى سقط من صدرى حين رأيتهم يمسكون بذراعيها المتراخيان....


  ثم رأيت وجهها الدامى مُمسِك بعيناها المتجحظتان خارج جبهتها المتجلفة, بينما كانت رأسها المكشوفة تتدلى من على ذراع أحدهم والدم يتدفق من بين أصابعه. وقد صنع تدفق الدم ستارا أحمر غطى كل وجهها إلا عيناها المتجحظتان وثغرها الفاغر, حتى بدت لى وكأنها تنظر إلى شئ لانستطيع رؤيته....
وجهها لايبوح بأى موت ولايبوح بأى حياة. وتوقفت شفتاها عن إلقاء التمتمات!
يحاولون إفاقتها من غيبوبتها, والنساء تغطين مناطق عورتها ويمسحن وجهها من الدماء, ثم حملها الرجال مسرعين إلى السيرفيس لينقلوها إلى المستشفى الجامعى المجاور..
وتنطلق السيارة, وينفض التجمهر, ولايبقى سواى – مذهول مما رأيت, فقد أصبحت مثل هذا التمثال الباسق المنتصب أمامى, لايستطيع الحركة, لكنه يبدو أفضل حالاً منى كثيراً, على الأقل هو مبتسم!
     ألقيت نظرة أخيرة على السيارة وهى تتلاشى فى قلب الطريق الملتوى, ويتلاشى معها الخط الأحمر السميك من تحت الإطارات, ثم رحلت أحمل خطاى المثقلة والشمس من خلفى تهوى إلى مضجعها لتروى مآسٍ أخرى بآوار أشعتها, ولايبق سوى آشعة الشفق تقلب حبيبات المشمش المتناثرة فيعكس عليها حمرة الدماء....
  تُرى, هل تجسد شظف العيش فى حبيبات المشمش, ونزلت قسوة القدر فى بقع الدماء ؟!
* * *
قصة شاهدها ناظرى, وأدماها قلبى, ودونها قلمى

القصة الفائزة بالمركز الثانى فى مسابقة جامعة الزقازيق للقصة القصيرة


** بها بعض التعديلات عن المُقَدمة للمسابقة

جلسة الأنس


  • ·        يـاجلســــة الأنـــس مالـــك         قد صـــرت لاتحــتوينا
    ·        أأصـــبح الضــيق نــعتـــك         أم أنـــنــــا قـــد نسينــا
    ·        أم أن الشجـون قــد زالـــت         وصارت الدنيا تلاهينا
    ·        أطرقت أغصـانـــك شوقــا         وصار الماء لايرويـها
    ·        تسألينى أين الصحابا, وهل         أملك لنفسى منهم دليلا
    ·        اســـــألى أيـــام الــسمـــــر         أو نسيم هواءنا العليــلَ
                             ****
    ·        أيها الشبــاب الكــامن فيــنا        قم من صمتك وانفخ فى المزامــيــــر
    ·        علّ النفــخ يثيــر التــرابـــا        أو تعود الأرواح لأجساد العصافيـــر
    ·        واشدو بنـغــم جنونك ألحانا        نتراقص بها على صفحات الأغاديـر
    ·        وارسم بهيام أناملــك دروبا        تتــلاقى فيــها البسمــات والتــعابــير
    ·        واطـــرق أبـواب الصحــابا        وذكـــرهـــم بالجــلســات الـــوثــيرة


السبت، 26 نوفمبر 2011

عــزازيـــل

عزازيلعزازيل by يوسف زيدان
My rating: 5 of 5 stars

ماذا أقول فى رواية خطفت عقلى خطفا, ثم سلمتنى عقلا آخر جديدا؟
ماذا أقول فى رواية يستنبط عقلى من كل كلمة منها فكرة غائبة عنى أو متوارية خلف ستار من اللاعلم؟
ماذا أقول فى رواية أخذت منى أياما وأعطتنى عمرا؟
.......
عزازيل, بهذا الاسم الشيطانى انتقى يوسف زيدان الاسم لروايته الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2009 .. بحق تستحق.
...
تدور أحداث الرواية فى القرن الخامس من ميلاد المسيح, فى ذلك الزمن الذى شهد صراعات كنسية كبرى تتعلق أغلبها بالعقيدة المسيحية نفسها والإختلاف حول طبيعة المسيح.
لكن الرواية ليست بهذا الإتجاه التاريخى البحت, فنفس هيبا الثكلى تغلب على أسلوب الرواية. ثكلى لما عاصر من أزمات عصفت بقلبه وحياته, منذ أن كان فى صعيد مصر عندما رأى أبيه الصياد يذبح أمام عينيه على أيدى مسيحيين متشددين, وأمه التى تزوجت من أحد القتلة, فهاجر هيبا هاربا من هذا الواقع الأليم إلى الأسكندرية التى حبك فيها القدر لقاء أوكتافيا التى عاش معها أيام لن ينساها هيبا. أيام العشق والخطيئة. لكن الأيام أسرعت وخطفت منه هذا الحلم سريعا وأعادته إلى كابوسه الحقيقى. لكنة خيانة الأيام ألبسته مزيدا من العذاب بعد ماعرف هيباتيا. ذلك الحلم الجديد الذى صار بعد حين كابوسا جديدا..
وتدور الأيام, تهب الأحلام وتلقى الكوابيس, وعزازيل صديقه أو هو ذنوبه وخطاياه..
ـــــــــــــ
محمد الشواف

View all my reviews

قطار الأفكار


 قطار الأفكار

رَكِبتُ القطار
محطتى الأولى نهرُ أفكار
أخذت رشْفة
فهامت بى أطيافُ ألوان
كأمواجِ بحرٍ بلا شطآن
فأسنى إلى قطعٍ من السماء
أتعلق بسنا من الأنوار
لاتُشبه فى ألوانها ألوان
تتراقص روحى بِشَدْو كلمات
من لحن ملاك
وعبَث شيطان
فى أذنى طنات
لكنى إنسان فآثرت الإختيار
محطتى التالية عَبوس أفكار
لها وجوه رماديات
أشكال قَفْر كأنها محزِنات
تبدو من تحت دِثار
خيوط أدمع ساقطات
على وجوهٍ حمرٍ تائبات
لكنى إنسان فآثرت الإختيار
محطتى التالية مروج أفكار
شمسها ملكة
لها جوارٍ من الأزهار
وحورٍ عين
كأنها أنهار
وصفوف جندٍ
من خضر أشجار
لكنى إنسان فآثرت الإختيار
محطتى التالية منتصف آماد
فوجدت خلق عن اليمين
ووجدت خلق عن الشمال
فألقيت سلام عليكم أهل اليمين
وسلام عليكم أهل الشمال
وأغلقت أقفال الأفكار
ثم طويت سجادتى
 وألقيتها على كرسى الانتظار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــ


فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ

الجمعة، 25 نوفمبر 2011

داخل عقلى أتفلسف عن: الإيمــــان



داخل عقلى أتفلسف عن: الإيمــــان*





لكل متدين اعتقاده الرصين الذى لاتخلخل فى فقراته, فالمسلم له اعتقاده والنصرانى له اعتقاده, حتى الوثنى, وهنا نستبدل الاعتقاد بالإيمان إذا كانت فقراته شديدة الهوى.
                                       

والإيمان نوعان: إيمان قلب وإيمان عقل؛ إيمان القلب أو الهوى أو الخشوع: قوى مؤثر, وإيمان العقل: صحيح رصين الثوابت؛ وحيث أن لكل إنسان هواه فإن إيمان القلب قد يكتمل لأى متدين أيا كانت ديانته, فلا جدال على الهوى, ولا يُسأل هاوٍ عن هواه. أما إيمان العقل فهو فقط نتيجة منطقية للتفكير العقلانى, ولا يحتمل التفكير المنطقى أكثر من احتمال, إذ أن الحقيقة العقلية لها وجه واحد فقط. ونجد هنا المنهج العقلى الذى اتبعه الخليل إبراهيم لإقناع قومه ببابل (أرض الكلدانيين) بعقيدة التوحيد التى لم يجدوا مبرر لقبول سواها إلا لأنهم وجدوا أباءهم لها عابدون! وقصة هدم الأصنام معروفة. وكيف أنه اتبع منهجا عقليا لدعوة قومه لعبادة الله وحده, فقد آثر هذا المنهج بدلا من المنهج القلبى. وهو نفس المنهج الذى اتبعه مع قوم حاران عندما هاجر إلى أرض الكنعانيين (بيت المقدس والشام) فقد كان أهلها يعبدون الكواكب من دون الله, فعرض لهم أجرام الكون الواحد بعد الآخر ليثبت لهم أن ليس بأحق بالألوهية غير الله وحده خالق هذه الأجرام الآفلة :﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ(١) وعبر هذا التسلسل المنطقى؛ خلص قومه إلى النتيجة التى تقول إن ربه هو واحد أحد لاشريك له فى الملك خالق الشمس والقمر والأرض والسماوات وما بينهما؛ فيتحقق إيمان العقل الذى يأتى فى المرحلة قبل الأخيرة من الإيمان الخالص لله, إذ أن المرحلة الأخيرة هى قبول القلب لما خلص إليه العقل من نتائج منطقية ليجتمع إيمان العقل والقلب معا؛ أى أن إيمان القلب يأتى بعد إيمان العقل وليس العكس, ولكن حتى يسير العقل فى مسار للتفكير الصحيح؛ لابد أن يكون القلب على درجة مناسبة من اللين, إذ أن تحجره يكبت التفكير الذى يعارض هواه. الخلاصة أن الإيمان يمر بخمس مراحل:

   1.    لين القلب ليتحرر العقل
   2.    تحرر العقل وانطلاقه إلى مسار للتفكير
   3.    نتيجة التفكير
   4.    إيمان العقل
   5.    إيمان القلب
وفى هذه المرحلة الثالثة؛ نتيجة التفكير, قد يصل العقل لنتيجة منطقية وقد لايصل, وإذ نحن هنا نتحدث عن الإيمان فنأخذ الإحتمال الأول, لأن الإحتمال الثانى هو فى الحقيقة فى طور الشك.
... وعندما يجتمع إيمان العقل مع إيمان القلب, فإن الإيمان يصل إلى ذروته ويكون فى أنقى صوره وأصدقها...
أما عن إيمان القلب فكما قلنا مسبقا أنه مؤثر... وكما يكذب المنجمون ولو صدقوا ,فقد يُستجاب لتضرع وثنى, ويتعمق إيمانه القلبى بربه, وقد يهئ له هواه معجزات تعمق هذا الإيمان القلبى أكثر, فيُغيِّب العقل عن مساره المنطقى. أما عن تلك المعجزات-الوهمية- فهى ناتجة عن تغييب العقل وغلبة هوى القلب .....
وفى القرآن الكريم نجد دائما العبارة:﴿ أفلا تعقلون﴾ ,﴿أفلا تتفكرون﴾ أو ﴿أفلا يبصرون﴾... وفى سورة الزمر مثلا نجد ثلاث آيات تنتهى ب﴿أولو الأباب(٢)ذلك غير ضرب الأمثلة وعرض الأسئلة وكلها أساليب تخاطب العقل. ثم بعد عرض الأساليب المنطقية العقلية يأتى دور القلب, فيخاطب القرآن الكريم الكافرين الذين ﴿فى قلوبهم مرض﴾, ومن بعد ذلك يجمع بين الأسلوبين فى آية واحدة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(٣) وقد يسأل سائل هنا: كيف يكون التدبر محله القلب, أما فرقت بينهما بمفارق لاصلة بينها ؟
الجواب: أن معنى هذه الآية الكريمة أنه لا استجابة لتدبر العقل إذا غلب هوى القلب على مساره المنطقى, فأهواء القلب هى أقفال العقل والتدبر, وإذا استجاب القلب مهد الطريق للعقل, وهذا يعود بنا إلى سطور سابقة... لذلك أوجب إعمال العقل أولا وجعل التأمل مسارا للحقيقة, فالتأمل عبادة؛ فهى ذكر لله.
وعلى الجانب الآخر, قد نجد إيمان عقل بلا قلب, ومثال ذلك إيمان عقل, عم الرسول (صلى الله عليه وسلم)
فأبو طالب كان على يقين بصدق النبوة, كما ذهب للدفاع عن النبىَ - فى أحلك ظروف الرسالة- فى وجه سادة قريش, غير أنه لم يسلم!
هذه المفارقة الغريبة مفادها؛ أن عقله يعلم أما قلبه فيجهل! وأن قلبه مازال متشبثا بجذور أجداده الضاربة فى أعماق الكفر والجاهلية. ولكن الإيمان الحق لايكتمل إلا بهما معا.
لهذا وضع الإسلام الإيمان فى منزلة رفيعة لما تتميز به من نقاء ووعى معا.
ولو سيّرنا هذا المبدأ(مبدأ الإيمان) على شؤون حياتنا لوجدنا الكثير من التوافه(حتى ما نراها غير تافهة) التى تسيطر على هوانا؛ هى أصلا ضد العقل والمنطق, فنجثوا لها بهوانا الأعمى كأن العقل صار عبدا لهوى القلب!
ميز الله الإنسان عن سائر خلقه بالعقل, فلو توقفنا عن إعماله -مادامت فينا اليقظة- فسوف يتبع الإنسان شهواته كما الحيوانات.
فالإيمان لايأتى بإتباع رسالة وكفى, بل بالتأمل والتفكر أيضا, وهذا ماأنزل لأجله القرآن.
ولعل تلك الآية العجيبة حقا التى يقشعر لها العقل بالتأمل فى عظمتها:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾- لقمان 16
تعطى للعقل سلطة واسعة للاختيار(مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ), على الرغم أن الشرك بالله من أعظم الكبائر, إلا أن الله فى هذه الآية الكريمة أعطى للإنسان حرية العقيدة غير مجبر على عبادته بغير علم.

وقد جاء فى حديث قدسى عن العقل: (...ماخلقت خلقا أعجب إلى منك, وعزتى وجلالى لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا عبادة كتفكير)
وقال أيضا: (تفكر ساعة خير من عبادة سنة)
وقد مر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على قوم يتفكرون فى الله, فقال: (تفكروا فى الخلق ولاتتفكروا فى الخالق, إنكم لاتقدرون قدره).


**تـــم بــحــمــد الــلــــه**

*  *  *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) المقال يعبر فقط عن وجهة نظرى الفلسفية.
(١) الأنعام: الآيات ٧٧- ٧٨
(٢) الزمر: الآيات ٩- ١٨-٢١
(٣) محمد: ٢٤
بقلم: محمد أحمد الشواف
من مجموعة مقالات (داخل عقلى أتفلسف)
ـــــــ
كلية الهندسة
جامعة الزقازيق
٢٠١٢

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...