السبت، 8 فبراير 2014

ورسمًا

- ازيك يا حموكشة، بتعمل إيه؟
- برررسم
- أها، بترسم إيه يا حبيبي؟
- أشكال بائسة جدًا!
- اللي هو ازاي يعني؟!
- مربع حزين ودايرة بتعيط ومثلث عنده إمساك!
- دي حاجات كدا زي اللي بيرسمها بيكاسو؟
- لأ، بيكاسو بيرسم أشكال بائسة، أنا برسم أشكال بائسة جدًا!
- أنت بتحب بيكاسو للدرجة دي؟
- لا أنا بحب الأشكال البائسة أصلا!

الاثنين، 27 يناير 2014

في ظل الرجل المُبجَّل

والله يا إخواني هذا ما رأيت بأم عيني، رأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. كنت أمام مبنى ديوان المحافظة، وكان هجير الشمس يحرق رؤوسنا، رغم أننا في الشتاء، صاح البعض مِنّا أنه النفير والنفخ في الصور، لكننا تماسكنا وتحاملنا وتناسينا ذنوبنا على أمل أن يصِل السيد المُبجّل ويلقي خطبته فنقع صرعى تحت قدميه وتخر له الشمس ساجدة وترحمنا، ويُغفر لنا ما تقدم من ذنب قبل أن نُعرض على الرب، ورأيت هناك، ولا أستطيع إغفال هذا المشهد رغم أني حاولت، لكن غرابته منعتني.. ربااه، رأيت كلبا لونه كاكي يُضاجع قطة سوداء حقيرة ورغم أن لا أحد لاحظ هذا المشهد إلا أنني كنت مرتعدا وكنت أنتظر أن يجري الكلب خلف القطة كعادته لكنه ظل يُضاجعها بطريقة غجرية، وللعجب كانت القطة مستمتعة وتريد المزيد بحركاتها الارتجاعية للأمام والخلف مثل البشر تمامًا.. لكني هربت بنظري منهما حتى لا يلحظني الكلب فيجري نحوي وينهشني. وفجأة صاح أحدهم من أعلى المبنى:
- هلمّوا يا قوم لقد أتى المُبجّل.. لقد أتى المُبارك
فصاح الجميع وهلّلوا: آمنّا بالمُبجَّل آمنا بالمبارك..
وارتجت ساحة الميدان من تحتي، بكت النساء رهبةً وأُغشى على بعضهنّ، وكانت إحداهن تَلد، فسمت وليدها المُبجل المبارك تيمُنًا، وغطتنا جميعًا غيمة أتت على هجير الشمس فكانت غوثًا، وعرفنا أن الغيمة ما هي إلا ظل المُبجل، ثم دخل علينا في عظمة وشموخ ساحة الميدان، وخر الجميع سُجّدا، ورتّلوا بتراتيل لم أسمع لها من قبل وقبلو التراب الذي يمشى عليه، وإحداهن كانت جائعة فأكلت التراب وحمدت المُبجّل على تلك الهبة المُباركة، ثم خاطبهم المُبجل قائلا، وكان الجميع ساجدين مُنكفئين على ظله: رعاياي المخلصين، من أجلكم أطفأت الشمس، من أجلكم غَفرت خطاياكم، من أجلكم ستعيشون في رغدٍ وهناء كما دعوتم دائمًا مُخلصين، ثم بدا الاشتهاء مشتعلًا على وجهه ولمعت عيناه بنورٍ مميّز وهو يرى مؤخراتهم الساجدة أمامه، وفي سلاسة شديدة أزال ملابسه ، وأخذ يُضاجع كل الساجدين، وبدلًا من أن يصيحوا ويصرخوا كانوا يشتهون ويريدون المزيد، بل أنهم ساعدوه بحركاتهم الارتجاعية للأمام والخلف..  حاول البعض أن يصرخ ويحتج لكن الكلب الكاكي كان يجري نحوه لينهشه ويعضه ثم يعود لمضاجعة القطة السوداء، وكانت القطة تتعجله لذلك بلعق التراب، لم أستطع أن أنتظر لإلا يلحظني المبجل فتشع عيناه ويُجبرني على السجود أو ينهشني الكلب الكاكي، فعدوت هاربًا، ظللت أعدو أعدو، ورغم ذلك لم أتمكن من الخروج من نطاق ظل المُبجَّل، فعرِفت أن لا مفر منه، وأنني باقٍ إلى الأبد في ظله، أو تحت رحمة الكلب الكاكي.

السبت، 25 يناير 2014

الآباءُ التِسعة


*تشيخوف*

في الخَرِيفِ
أَسْمَعُ صَوتَ أوْراقِ الشَّجَر
وهِي تتكَسَّرُ تَحْتَ قَدَمي
ومِنْ أجلِ التفاؤل
كُنت أجْرِي
لأصنعَ مِن صَوتِها
لَحنًا يُذكِّرُني بالرَبيع
* * *

*كافكا*

في العَصْفِ كُنَّا عَرايا
نَعدُوا هَرَبًا مِنْ ظِلالِنا
وَرَقُ شَجِرِ وَفَراشاتٍ
لا مَأْوى لَهُم
وَعِنْدَ حَافةِ التَّلِ تَوَقَّفنا جَميعًا
وَاسْتَشعَرتُ وَجيبَ قَلْبي المُتَسارِع
تَساقَطَت أَوراقُ الشَّجرْ
ثُم حَطَّتْ عَليهَا الفَراشات
وَبَقَيت وَحْدي
* * *

*خوان رولفو*

الأَرْضُ اليَبَاب دائمًا شاسِعة
الأَرْوَاحُ قَدْ سَكَنَتْ
تَعَارَفَتْ
تآنستْ وَسَطْ الأرضِ اليَباب
وبدأَ السّمرُ
وَمِنْ بَعِيدِ قليلاً
كَانتْ الأرْضُ شاسِعَة
ولا زَالتْ يَباب
* * *

*يحيى الطاهر*

لو رَأيتَ مَرَّة صُعلوكًا يَضْحَكْ
فَاعرِفْ أنَّك مَحظوظٌ
فَليسَ أَكْثر سَأمًا مِنْ ضَحِكِ السَّادَة
* * *

*بريكوفييڤ*

لَوْ أَنَّ السَماءَ فِي اللَّيل
أَكثر زُرْقَة
والشمسَ لا تُشرِقُ أبَدًا
حِينها سَوفَ تَخْرُج الصَّراصِير
عندَ الشّاطِيء الغَرْبِيّ
تُراقِبُ القَمَر
وسَوفَ يَأتِي السَّيدْ المُبَجّل
ليدُقَّ بِقَدَميهِ عَلَى الأَرْضِ
فَيَجْمَعُ حَوْلَهُ العُيون
ويُزعِجَ المَوتَى
ثُم يَبْدَأ فَصْلٌ جَدِيدْ
* * *

*جريج*

اجْتَمَعَتْ في سَاحَةِ الجَحِيمِ كُلَّ جُيوشِ الأَرضِ
مِنْ زَمَن جَلجَامِشْ حَتّى مَعرَكةِ تُور بواتِييه
العُيونُ تَساقَطَت مُتْعَبةً مِن كَثرَةِ العَدِّ
الأَنْفَاسُ أَكْثَرَ خُطورةً مِنْ نَصْلِ السّيوفِ
بَدَأَت الأقْدام تَدُّقُّ مُعلنةً عَنِ العَطشِ
ثُمَّ اسْتَيْقَظَ النَّقعُ مِنْ تَحْتِهِم ليُعْلِنَ عَنِ الضَّجَر
* * *

*موتسارت*

الآنَ حَانَ وَقتُ التّذكُّر
لَمْ يَعُدْ مِن قَلقٍ
التّذكرُ الآنَ
سيكونُ مُريحًا
* * *

*مو يان*

السَّماءُ مُنكَفِئةً عَلى السُّحُب
والسهول -بِطَرِيقةٍ كُومِيدية-
خَضْراء
جَلْجَلةُ ضحكاتٍ
تَبْحَثُ عَنْ أَفواه
واللَّيلُ لَمْ يَعُدْ صَالِحًا لِلنَومِ
لأَنَّ هُناكَ المَزيدُ مِنَ الحَكَايا
وجَمِيعُهُم فِي صُورةٍ وَاحِدَة
أَكْثَرُ بَسَاطَةٍ مِمَّا تَظُن
* * *

*ڤان جوخ*

فِي الهُوَّةِ بَينَ الوَاقِعِ والخَيال
هُنَاكَ مُسمًى آَخَر
لَمْ يُبتَكرْ بَعْد
لَكِنّي حَتمًا أُحِبُّه
حَتَّى أَنِّي لا زِلتُ
أَبْحثُ لَهُ عَنْ اسْمْ
* * *

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

المجتمع السليم، إريك فروم

My rating: 4 of 5 stars

البشر مجانين، نحن مجانين أيها (العاقل)!

نحن ما نخلق الأوهام ثم نصدقها. نصنع السلاح ثم نقتل به أنفسنا، إنك إن لم تصنع سلاحًا، فلا تغتر بمثاليتك، أنت فقط لم تجد الفرصة. وعندما تُوفِّيت السيدة الطيبة سألها رفيقها في القبر وهما في انتظار الحساب:
- وأنتِ لماذا فعلتِ الخير؟
ردت في أسى:
- لا أعرف! كأني لم أكن أفعله، كأن آخر داخلي هو من يريد، أنا كنت أريد أشياءًا أخرى!
ـــــــــــــ
الثوابت والبديهيات هي أسوأ ما يتم تداوله. والأسوأ من ذلك هو تداوله عبر سلطات أخرى غير سلطة التفكير.
الحياة مليئة بالمتناقضات، عبث هنا وخرافات هناك، هل هذا مُقدَّرٌ علينا؟ هل من الطبيعي أن تواكب أزهى عصور الإنسانية أبشع حروبها على مر تاريخها. هل نحن حقا نعيش أزهى عصور الإنسانية من الأساس؟!
بمجرد ما أن تفتحت طاقات العلم للإنسان وصار هو من يتحكم في الطبيعة، قرر أن يقتل ملايين البشر وينشرالحروب في شتّى البقاع كيفما استطاع، أمريكا راعية حقوق الإنسان تُلقي في مياه المحيط ملايين الأطنان من القمح لتحافظ على سعره مرتفعا، والملايين من البشر يموتون جوعا حول العالم!

بعد كل هذه المآسي، كيف يُمكننا أن ندَّعي تطور الإنسان، وهو ما أن يتمكن من رُقيِّه المادي حتى يطمس بواعث الإنسانية داخله ويرتفع تقديره للأشياء إلى حد التأليه؟!

أُفكّر أحياناً، هل كل ما حققه الإنسان بعد هذا العمر الطويل من الاكتشافات والخبرات والصدامات مع الطبيعة، هو مجرد صناعة سيارة حديثة لمجرد تسهيل الانتقال، أو أن التكنولوجيا والعلوم تنصبُّ في موبايل جلاكسي إس فور –مثلا- هل صناعة أقوى طائرة حربية مقياسًا يصلح للإنسانية؟
حتى إنّ ربْط ذلك بالإنسانية يبدو غريبا علينا! فنحن نتحدث عن التقدم والرفاهية والاقتصاد، كلها أرقام.. لقد تحولنا من كائنات نتعامل مع أشياء محسوسة إلى أشياء مجردة، الأرقام تحول المحسوس إلى مجرد!
ونسينا جوهرنا، نسينا سبب وجودنا الحتمي..

يا صديقي نحن جميعًا زائرون على هذا الكوكب، سقطنا بطريقة ما من السماء لنجد أنفسنا على الأرض (وهو كوكب من الأساس غريب علينا)، وبعد أيام سنرحل، لا نعرف إلى أين لكننا جميعا سنفترق، ألا يجعلنا هذا أشد تماسكا. لماذا لا نفكر بطريقة أكثر تعقُّلا...
بحق السماء ما الذي نفعله؟!!

إريك فروم يفصل بين الذكاء والعقل ويرى أن إنسان القرن العشرين يتقدم بصورة مذهلة في الذكاء، وهي القدرة على التحليل والاكتشاف، لكن عقليا أصبح مريضا والمجتمع ككل أصبح عليلا، فالعقل هو القدرة على معرفة بواطن الأمور، معرفة مايحدث خلف الظواهر، وهذا ما لا تتيحه التكنولوجيا التي تجعلنا نلهث وراء المادة. فنحن لا نعمل إلا للحصول على أجر مجزي لنتمكن من الحصول على الكثير من الأشياء، حينها سيمتليء عالمنا بالأشياء، وسنضمحل أمام أنفسنا وننفصل عنها، لذلك فإننا كثيرا ما نشعر بالقلق رغم أننا نمتلك كل ما نريد، لكننا لا نلمس ذواتنا... فليس غريب أن يكون عصر القلق –كما هو معروف عن عصرنا- هو نفسه عصر التملُك.

ما فعله إريك فروم هو نقض البديهيات، وفكرة أن كل هذا القائم لا مفر منه، وأن رغم كل مكتسبات الحياة الحديثة فلابد من بعض التضحيات، فلن نصل على أيَّةِ حالٍ إلى حالة الكمال.. لكن إريك فروم هو من أضاء فكرة انفصال الإنسان عن نفسه وعن واقعه وإنسانيته، فإن كان هذا هو الحال، فلابد إذن من مراجعة حساباتنا، فالخسارة أعظم مما نعتقد والكارثة أننا لا نشعر بها، لتلذذنا بحياتنا الآلية وبخضوعنا لقوانين الحياة الرأسمالية... لهذا فليس حقا أسوأ من البديهيات..

أعتقد أنه من الجيد منح هؤلاء الذين يحملون في رؤوسهم أفكار وأيديولوجيات معينة، يجب منحهم الفرصة للتعبير عن تلك الأيديولوجيات، وفي مواجهة الرأسمالية المستعرة يقترح فروم فكرة الإشتراكية الإنسانية، وهي تختلف اختلافا تاما عن تلك التي تم تطبيقها- بصورة خاطئة، كما يرى- في روسيا وبريطانيا. فهو ينتقد انتقادا لاذعا كل هؤلاء الذين تخلوا عن الفكرة الأم للاشتراكية والتي تم طرحها حتى من قبل ماركس وإنجلز، والتي كانت في الأساس تهدف إلى بناء إنسان متكامل في إنسانيته ليكون نواة لمجتمع سليم. وينتقد حتى ماركس الذي صب كل اهتمامه بالإشتراكية في الاقتصاد وحده وإهماله باقي جوانب الحياة، هذا إن أردنا تطبيق الاشتراكية كنظام عام في الدولة. فلن يقوم مجتمع سليم بالاقتصاد وحده أو السياسة وحدها أو الثقافة وحدها، وإنه لابد من تناغم بينهم جميعا وبين شتَّى فروع الحياة، وإلا أصاب المجتمع سقم لا يقل عما أصاب الرأسمالية، وينتهي من مقارنته بين الاشتراكية الحالية (خمسينيات القرن العشرين) والرأسمالية إلى أنهما رغم اختلافاتهم فهما يتفقان في الكثير من الأمور، مثل اهتمامهم الزائد برأس المال، وأن الآلة هي ما تدير الإنسان، أو بمعنى آخر؛ الإنسان يعمل من أجل الآلة. فبالتالي يتعزز انفصال الإنسان عن نفسه. فيتوصل في النهاية إلى تلاشي الفروق الجوهرية بينهما، حتى وإن اختلفا في الظاهر ..

أقول أنه بعد أن أضاء فروم تلك النقطة وأزاح بعض البديهيات فإنه يمنحنا بعض الأمل في أن بعض الشقاء الذي يُعانيه الإنسان قد يكون بسبب الأنظمة الوضعية القائمة، وقد تكون سعادته في نظام آخر يعطي لإنسانيته حقها. من يعرف أليس من الممكن أن تكون مشكلة الإنسان هي الأنظمة الوضعية؟ من هنا يمكننا التشبث ببعض الأمل والتغلب على أفكارنا القهرية المرتبطة بالقدر ووضع الإنسان الوجودي، فنحن لم نكتشف بعد هذا العالم الإنساني الذي يتحدث عنه فروم ويربطه برسالات الأنبياء والمبشرين والفلاسفة، فقط إن وجد الإنسان عقله وتخلّى عن سيطرة ذكاءه، حينها سنكتشف هذا العالم...

لا أُنكر أنّي استشعرت ببعض يوتوبية الفكرة، لكننا لا نملك إلا هذا الأمل الذي الذي يجعل الإنسانية هي الهدف الأعظم من الحياة بلا أي أقنعة، أو بمعنى آخر: لنُجرب شيئا جديدا لم تعهده البشرية من قبل، لماذا لا نعيد اكتشاف أنفسنا على حقيقتها؟!

أيضا أتعجب من مدى تعطش القاريء الغربي لفكرة إريك فروم ودعوته الجادة لأنسنة العمل والعلاقات بين الناس ودعوته لتأكيد علاقة الإنسان بذاته وإحساسه بوجوده، وهذا واضح من تقييمهم للكتاب وتعليقاتهم، وهذا رغم الفكرة المنطبعة في أذهننا عنهم أنهم من ينامون ويصحون في سعادة وأحلام ملائكية للرفاهية التي نغبطهم عليها ونحاول احتذاءهم في طريقهم إليها، وهذا ما يؤكد فكرة فروم عن الآلية وتحكمها في الإنسان وانفصاله عن طبيعته وذاته، ولأن الغرب قطع شوطا كبيرا في العملية الآلية فيمكننا أن نطمئن لآراء فروم التي تحمس له مواطنو دولته..

منحت الكتاب أربع نجمات لأن أفكار فروم لازالت في طور الميلاد وهناك الكثير من الأفكار لم يوفِّها حقّها، وأحيانا لم تكن بالإقناع الكافي، بالنسبة للترجمة فهي جيدة جدا، باستثناء تدخل المترجم السافر في إضافة عبارات خاصة بآراءه الشخصية، وأحيانا التنويه بكتاب ترجمه إلى العربية ذكره فروم، كل هذا في وسط أفكار الكاتب بدون استخدام للهوامش أو حتى التنويه بذلك!

لكن على كل حال، سعيد لانتهاء العام بهذا الكتاب، أستطيع أن أقول أنه قد يكون من أكثر الكتب تأثيرًا فيّ.

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

إنّهُم لا يَهتمون بِنا

تعاليْ ندهسُ بأقدامِنا عفنَ المدينةِ، نتجاوزُ الشحّاذَ الذي صار جسَدُه في لَونِ الخِرقة التي يرتديها، ينشُ ذبابًا عن ذقنِه الكثّة ثُمّ يأْكلُها معَ رغيفِ الخبزِ، وينظرُ إلينا في ازدراءٍ ونحنُ نهرب،
تعاليْ نتجاوز عن نساءٍ لم يرتدْن حمالاتِ الصدرِ فأعلنَّ سخطهِنَّ على العالمِ في مشيتِهنَّ القاسِية
تعالي نتجاوز رائحة الحي؛ رائحة الطعام يُطهى مع رائحة القمامة مع رائحةِ دخانٍ لأشياءٍ تحترق،
تعالى نهجُر كلَّ ذلك خلفَنا ونحنُ نمُرُّ على رجالِ الشرطةِ الحمقَى وهُم لا يَرونا، أو لا يَهتمّون بِنا،
تعالي نتْرُك دُخَان الحشيش الذي يتسرّب منْ فتحاتِ أبوابِ بيوتِ المساطيل،
تعالي نتجاوزهم جميعًا، حتى نصيرُ وحدَنا، أو حتى نجدُ بحراً أو جبلًا أو قمراً ينتظرُنا وحدَنا، ثُمّ نرقُص غير عابئين بكُلِّ ما يَحدُث، ولا تُخبريني أنّني مجنون، فأنتِ تضحَكين وأنتِ تقولينها!
افردي ذراعيكِ مِثلي وراقبي القمرَ معي ثم هزي قدّك، أطلِقي لنفسك العنان وابدأي معي في الصُّراخ، ألا تَشعرين بلذّة الجنون؟ دَعينا نشعُر بالتَّعبِ قليلاً ونتخلصُ مِن كلِّ المللْ، نرقُص ونهزّ أجسادَنا في نشوة، حتّى نشعُر فَجأة أنَّنا صِرنا طُيوراً تُحلّق،
حينها سنتباهى أَنّنا صِرنا مجانين، وسَنُكرر ذلك كُلّ ليلةٍ حينَ تهمسين في أُذني وأنتِ تشيرين للقمرِ مُبتسمة: "هيا بنا نرقص"!

موسيقى الأكتاف



استدعيتُ ربي، دائماً يأتيني، فهو محب لإجابة الأسئلة كثيراً خصوصاً وإن كانت ذات مغزى، هو أخبرني ذلك في يومٍ ما، وكانت الأمور تسير حقاً على ما يُرام، حتى صِرتُ شديد الإلحاف فتركني على سؤال ألقيته، كنت عبداً وقحاً، عذراً يا رب.. هذا جزء من الحوار الذي دار بيننا، بالطبع لن أذكره كله، فهناك أسرار يأتمنني عليها، أشياء خاصة بيني وبينه:

- ....

- لا يا رب ليس تدخلاً في مشيئتك، كنت فقط أقترح لو وضعت جوار ملائكة الأكتاف ملائكة للعزف، فالموسيقى شيء رائع حقاً يا رب، ونحن، عبيدك المخلصون، في أشد الحاجة إلى مثل تلك الأشياء، نحن أكثر مسكنة من أن يدون أحدهم أفعالنا السخيفة يا رب، كنت أفكر ليلة قبل أن أسلم جفوني للنوم؛ إن كان أحدهم حقاً يدون ما أفكر فيه الآن، وماذا سيكون عليه الحال لو كان ملاكاً يعزف سيمفونية ملائكية قبل أن أنام، بالطبع ستكون أعظم قيمة من تلك الخامسة التي أنجزها بيتهوفن، ناهيك يارب، جلالتك، عما ستتركه في نفوسنا من أثر، أخبرتك من قبل أن عمِّي كان يخيفنى من كتفي الأيسر، وقال لي ملء سبابته، احذر هذا الكتف اللعين، وكنت أهز رأسي طوعاً ورهبة، ولما كبرت وسمعت الموسيقى، وجدت أنه من الأفضل لو خلقت ملاكًا يعزف الفلوت على كتفي الأيمن وآخر لعزف الكمان على كتفي الأيسر، بهذا لا أشعر بالخوف يا رب...

- ....

- عذرًا للإطالة يا رب، هل تريد أن تسمع حكاية أخرى أنجزتها قبل يومين ورفضت أن أقصّها على أحد حتى تتطلع أنت عليها..

- ....

- ها هي يا رب:

"ما أكثر الوخزات هذه الأيام" قلتها غير عابيء بما يحدث على كتفي وأنا أستأنف السير بلا هدفٍ واضح على الطريق العاري من الناس، ولما تكرر الأمر بدا لي أنه ليس مجرد وخز متكرر على كتفى، وكان لي أن أتوقف عاجلا وأن أتحقق من الأمر بنفسي، الشمس حارقة والأفق يتراقص فوق السراب، والطيور تحلق بثقل، بياضها الناصع يزيد تأكيد احتراق العالم، ما هذا الوخز إذن؟ 
عليّ أن أعترف أن الأحلام ملّت عالمها المنغلق وها هي تقتحم الواقع بتبجح، وربما اختارت بيئتها تلك بعناية فائقة، فهل من أجواء أكثر ملائمة للأحلام من سراب قابع تحت أفق يتلوى احتراقا، وطيور بيضاء غامضة تحلق بلا هدف تحت أفران الشمس.
نسيت أن أخبرك يا رب لماذا كنت أسير بلا هدف واضح فى تلك الطريق؟ وما الذي أوصلني هناك؟ حسناً، فإنه ليس من إجابة تبرر هروبي ذلك، سوى أنه هروب، فقط هروب!
التفتُّ إلى كتفي الأيمن حيث مكان الوخز الشديد، تحسست مكانه، فوجدته خاويا، خاويا كالصحراء التى أسير فيها، وأدركت أن الوخز ما هو إلا نقصان شيء، شيء ما اعتدت عليه، فعرفت أن أحدهم، وكان رجلا طيبا يدون أعمالي الطيبة كما أخبرني عمي من قبل، قد ترك المكان وهاجر، فلا عمل لديه، فما الشيء الطيب الذي يمكننى حقا أن أفعله لأستحق ملاكا يدونه في أوراق مقدسة بحبر من الجنة، أنا تافه يارب، لذا فقد هاجر الرجل الطيب، ومن الواضح أن الآخر هاجر لما ملّ كل الأفعال السخيفة التي أفعلها، فما الذي يعنيه له أني سببت المرأة المتبجحة في سرِّي، وما الذي يعنيه له أني شاهدت فيلما إباحيا مللاً، وما الذي يعنيه له أني تركت صلاة العشاء لما شعرت أن لا جديد في الأمر وأنى كل مرة أفكر في نفس الأمور التافهة في الصلاة، كأن تلك التوافه أصبحت جزءًا من صلاتي يا رب، فتركت صلاة العشاء هربًا من تلك الأمور التافهة وتنزيهاً لجلالتك عنها، لا أكثر... ما الذي يعنيه لهما أن ... ربي.. هل ذهبت يا رب؟!
-
- ربي، هل تركتني!.. هل تعدني أن تحضر لي ملائكة للموسيقى بدلا من الملائكة التي رحلت؟ الوخز حقا يزيد يا رب.. ربي؟
-

مشاهد اعتيادية من أيام الحرب


- اقفل يا بني الشباك عايزين نعرف نحل!
(ضرب النار يستمر بالخارج، وصوت الرصاص يصير مكتوما بعد غلق النافذة)
- هو دا ضرب نار يا دكتور؟
الدكتور يفكر في عمق مطرقا:
- ياريت!
- خرطوش؟
يسير ببطئ عاقدا ذراعيه خلف ظهره، ويقول في هدوء:
- ياريت برضو!
- أمال إيه دا يا دكتور؟
- دي قنابل.. الموضوع كبر.

أمام مدخل المبنى:
- إيه الغيمة دي، هي هتمطر ولا إيه؟!
- لا دي مش غيمة، دا دخان!
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشاهد من أحداث هندسة الزقازيق / نوفمبر- ديسمبر 2013

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...