الأربعاء، 30 أكتوبر 2013

حوار مع صديقي الملحد

My rating: 2 of 5 stars


ماذا أقول يا شيخ؟!

الإلحاد
باختصار وعلى طريقة السى شارب (لغة برمجة)
If (you == god)
{
(لو أنت مؤمن بوجود إله)
يبقا لازم تؤمن بأن الله بعث الرسل وأنزل عليهم كتب وتؤمن بالمعجزات... وفى النهاية أنت متدين، انتهى الأمر!.. ماذا تريد أنت من هذا الكتاب؟ هناك احتمالان؛ إما أنك تريد أن ترضى هذا الشغف البشرى فى سماع المجادلات التى لا تنتهى كصراع بين ديكىّ الحلبة، ففى الحقيقة كلا الطرفين يفعل كل ما بوسعه بطرقه المشروعة وغير المشروعة لإثبات وجهة نظره والانتصار لها، أما الاحتمال الثانى أنك انتبهت لجزء الكفر فى داخلك، وتريد أن تطمسه بأى طريقة كانت، وكل واحد منا داخله شيء من الكفر، لم يصل أحد إلى هذا الإيمان الكامل، قلة قليلة نقرأ عنهم فقط وصلوا إليه!
}
Else if( you!= god)
{
(إن لم تؤمن بوجود إله)
يبقا طبيعى كل مايمت لله بصله فهو هراء بالنسبة لك، سواء كتب سماوية أو معجزات أو رسل، فأى نوع من تلك المجادلات هى فى الحقيقة قائمة على حقيقة راسخة ألا وهى وجود إله متحكم بهذا الكون فلن يجدى إذن الحديث عن الإعجاز لشخص فى الأساس ينكر وجود الله، وبالتالى فهذا الكتاب ليس للملحد وليس للمؤمن (وكلاهما فى الحقيقة مؤمنان، كلٌّ بإلهه)، الكتاب للمتشكك المسكين، الذى جعل الكتاب ضمن أعلى الكتب تقييما على الجودريدز انتصاراً لجزء الإيمان داخله، رغم أن الكتاب مليء بالثغرات من السهل الدخول منها وتفنيد الأدلة ليس على أساس إلحادى لكن على أساس منطقى عقلى؛ دالاً على قصور أدلة مصطفى محمود لا أكثر، أو سوء استخدامه لها..
}

الإلحاد أيام مصطفى محمود كان فى زمن النفوس فيه تنتشى بذكر الخلافة وتثمل لذكر الأمجاد الغابرة، ومن الناحية الاجتماعية (إن أردنا دراسة إجتماعية للإلحاد) فيجب مناقشة الموضوع بطريقة مختلفة تماما خصوصا فى ظل وصول الإسلاميين إلى الحكم والإحباط الذى غزا النفوس ومن ثمّ مواجهة الواقع للخيال، وتلاشى الخيال اللذيذ تحت وطأة الواقع المرير، كل تلك الاعتبارات لابد أن تدخل فى الدراسة. أما الدراسات من نوع الحديث عن إثبات أنّ القرآن من عند الله أو الحديث عن الإعجاز أو نظرية التطور وعلاقتها بالأديان، فكل تلك الأمور مبنية كما أسلفت على سؤال واحد: هل أنت مؤمن بوجود إله؟! والإجابة على هذا السؤال لا يحتاج إلى كتب!

ــــــــ
فى النهاية: فإن الذى لا يؤمن بالله عن طريق كتابه فأى إيمان بعده؟! وأى كتاب أقدر على بث هذا الإيمان؟!
ــــــــــــــــــــ
ختاماً: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
END;

الجمعة، 25 أكتوبر 2013

قصتى مع مكتبة طلعت سلامة من البزوغ إلى التأزُّم



قصة وطن آيل للسقوط، ونداء الغوث المبحوح



القلق والحزن أحيانا يدفعان صاحبهم لأن يُعيد التفكير فى ثوابت ظنها دوما غير قابلة للتزحزح أو حتى الجدال، دفعنى هذا القلق لأعيد التفكير فى معنى الوطن..

هذا القلق الذى يدفعك للتساؤل ماذا سيحدث غدا؟ هل سيظل الحال كما تمنيت أن يظل عليه، أم أن الأمر قد انتهى وقد حزم الماضى الهاديء أمتعته للرحيل؟ لكنى فى الحقيقة لم أكن حتى لأفكر فى هذا الرحيل، فسُكر الأواصر بيننا كانت دائما أقوى من أى تفكير فى رحيل.

دفعنى هذا لأعرف أن الوطن لا يُقاس بالمساحات، ولا بعدد البحار ولا الأنهار، عرفت أن الوطن قد لا تتعدى مساحته مساحة منزل صغير، طالما أننى حين يضيق بى العالم ألوذ به فهو وطن، طالما أن البهجة أراها فيه فهو وطن، طالما أننى أكبر فيه يوما بعد يوم، لا بحساب الزمن بل بحساب الفكر، فهو وطن، وطالما أنه المكان الذى أشعر فيه بالحرية وأنا واقف أتأمل، فهو إذن الوطن..

وطنى يطل شمالا على بحار العلوم والأديان، وجنوبا على التاريخ والفنون، يحده شرقاً دفاف الأدب والفلسفة، وغربا أتجول لأكتشف أسراراً أخرى مجهولة تأبى التصنيف..

ذاك هو وطنى..

هل تذكر أنت أول كتاب قرأته؟

أنا أيضا لا أنسى هذا اليوم، يوم مررت على هذا المكان الذى لم أعرف أنه بعد حين سيصير وطن، لم أكن أنوى شراء كتاب لأننى لا أقرأ، لكن كان هناك شعور ما بضرورة التغيير، لابد أن أغير من رتابة هذا الحال، فكل شيء يتغير من حولى؛ فهناك ثورة، هناك مفاهيم تغيرت، عيون مُغمضة تفتحت، باختصار كان لابد لى أنا أيضا أن أتغير، ومع ذلك فإنى لم أدرك هذا وأنا أدخل لأول مرة (منذ عامين ونصف العام، بعد ثورة يناير) مكتبة عم طلعت.. مكتبة طلعت سلامة.

أعتبر نفسى محظوظاً لأننى اخترت حينها عن طريق الصدفة رواية لإرنست همينجواى، وكانت ضمن إصدارات مكتبة الأسرة العزيزة، ومن عشقى لهذه الرواية قرأتها مرتين، مرة فى بداية كل عام، وقد أقرأها فى كل عام مرة، فهى لها مذاق مختلف عن كل الكتب، أشعر بأنها شيء حي يكبرنى ويفهمنى.. هى أكثر من كتاب، هى من علمنى القراءة...

بعد أن أنهيت الرواية وجدت نفسى أريد أخرى، فذهبت إلى عم طلعت، وملامح وطن جديد تتشكل، واهتمام بأشياء أخرى أكثر سُموّاً توجد، واخترت كتابى الثانى وكانت رواية مترجمة أيضا، بعد قراءتها لم تعجبنى ومع ذلك فإنى قد أدركنى الحب، وتخطيت مرحلة التعارف، وصرت زائرا دائما لمكتبة عم طلعت، وصرت نهما على القراءة، ولم أعد كما كنت.. أنا الآن تغيّرت..

سقطت اهتماماتى القديمة، وأدركت أنه قد فاتنى الكثير، وقد كان على أن أعوض هذا، كانت أولويتى أن أبتعد عن الغث، ولا أولى اهتماما زائداً بالكتب الشعبية واسعة الانتشار، الأكثر مبيعا، وماشابه هذه المُسميات.. وكانت قبلتى هى الإبداع الإنسانى، من فلسفة وتاريخ وعلوم وأدب.. لذلك فإنى كنت أقرأ ما كان يحلو للبعض تسميته (غريباً) وكانت مكتبة الأسرة وهيئة الكتاب هى مصدرى الأول، وعم طلعت دائما وأبدا محتضنهما الوحيد فى المحافظة، وكلّنا- قراء المحافظة، نلجأ إلى هذا المكان للحصول على هذه الكتب، فقط يُمكنك أن تتخيّل كيف سيكون عليه الحال لو أن مكتبة عم طلعت غير موجودة، أو أن مطعما مثلا موجود بدلا من المكتبة، قد أكون حينها- حين قررت التغيير- اخترت المطعم لأتناول وجبة جديدة، وأشبع هذا التغيير وينتهى الأمر، لكنى حين قررت التغيير، كانت مكتبة عم طلعت موجودة وفى انتظارى..

مكتبة طلعت سلامة هى من معالم محافظة الشرقية سواء للقراء أو حتى لمن لا يقرأ، فمن يستطيع من أبناء المحافظة أن يمر صباحا ولا يجد عم طلعت يفك أربطة الجرائد ويرتبها كى يقرأها العابرون من موظفين وطلبة خرجوا لتوّهم من محطة القطار، من ذا الذى يقدر أن يرى هذا المكان فى يوم ما خواء، يرى اللاشيء، أن يكون مكان الكتب موقفا للسيارات -كما يخطط أعداؤه- تقف فيه السيارات لتبتلع الركاب داخلها وتنطلق ولا تخلف خلفها سوى الغبار، وقد كان هنا كتبا؛ هنا يحيا كل البشر فى كل الأزمنة وكل الأمكنة، هنا يغامر الإسكندر ويجول ديوجين بمصباحه، ويفكر أرسطو، هنا يهرب هيبا من الزمن والماضى إلى الشك، وأينشتاين يقيم قانونا آخر للجاذبية، ويُحاكم سقراط، هنا تشيخوف يعرف الإنسان كما لم نعرفه، وميلتون يبنى صرحاً ملحميا للخيال، هنا تبزغ الاشتراكية، وتنهار السوفيتية، هنا حكايا الحروب وآمانى السلام، هنا هنا.. عند عم طلعت، كل شيء هنا..

لا أريد أن أرى غبار السيارات هنا أو أرى التراب، أريد أن تبقى مكتبة عم طلعت خالدة كخلود المعرفة..

لكن كما كان فى الجنة إبليس نصّب نفسه عدواً للخير فعلى الأرض أباليس، وكما تخفّى إبليس الفردوس فى صورة ثعبان، فأباليس الأرض تخفّت فى أكثر الصور لؤما وبراعة، فى صورة إدارىّ بائس..

ففى حين أن مكتبة عم طلعت لا زالت الآن تستقبل زوارها، وقراءها، ومحبيها، يقفون منحنيى الظهور تحت وطيس الشمس، ليتصيدوا خبراً من هنا وكلمة من هناك، وليعرفوا آخر الإصدارات، فإن أفاعى الأرض أو بوضوح أكثر، أفاعى محافظتنا -الشرقية- القائمين على إدارتها، يجلسون على مكاتبهم يملؤون أقلامهم حبراً أسوداً ويخطون جريمة على ورق أبيض، جريمة لا تغتفر فى حق الوطن، فماذا يُنتظر ممن عٌيّنوا من رؤوس الفساد قبل أن تقوم الثورة، هؤلاء الذين لم يصلهم نور الفكر والثقافة وإلا ما أوصلونا إلى الحال الذى نحن فيه من جهل وفساد!

فبهذا الحبر الأسود ومن تلك الوجوه المكفهرة التى لا تتذوق طعم الوطن إلا إن كان رشوة أو إن كان ذبحا فى أحلام أبناء هذا الوطن، يحاولون الآن إغلاق مكتبة عم طلعت. يوم عرفت الخبر وأنهم فعلا أجمعوا أمرهم على إغلاق المكتبة، تلك المكتبة الموجودة منذ عشرات السنين، أصبحت عاجزا عن كل شيء وأصابتنى حالة من الغيبوبة النفسية، وصرت غير قادر على القراءة ولا حتى رؤية الكتب، فكأنى أريد أن أبادر بالرحيل، وكانت صورة واحدة فى ذهنى التى أصابتنى بهذه الحالة؛ مكتبة عم طلعت المغلقة أو التى أقاموا عليها موقف السيارات، لم أكن أتخيل يوما أن تختفى مكتبة عم طلعت..

لمن لا يعرف عم طلعت أعتقد أنى أعرفه، رغم أنه يحاول أن يبقى على حدود بينه وبين زواره. مبدأ عم طلعت أنه لا تعدى على حقى ولا تعدى على حقوق الآخرين، عم طلعت الأكثر التزاما بكل الخطوط، كل الناس عنده تقريبا سواسية، لا يعرف التملق، هو رجل (دُغرى)، لهذا فعندما تصادم مع أحد تلك الأفاعى يطلب رشوة لتجديد رخصة المكتبة تصادمت ثوابت عم طلعت مع هذه الأفعى، فأبى أن يتعدى أحدهم على حقه فحاربوه بالخسّة والدناءة وهددوه بإغلاق المكتبة، وهم مع تهديدهم ووعيدهم له، فإنهم أيضا يهددوننا ويتوعدوننا، ولا يعرفون كيف تمثل هذه المكتبة لنا، لا يعرفون أنهم الآن بالنسبة لنا عدوّ يحارب وطن. فى المحافظة مئات المطاعم ومحلات الملابس والأحذية، وأكثر من دار سينما، لكن لايوجد سوى مكتبة حقيقية واحدة، هى مكتبة طلعت سلامة..

فى الحقيقة أنا عاجز عن إيجاد مبرر واحد مقنع لإغلاق مكتبة فى أى مكان فى العالم..

سمعت يوما أن الدكتور الببلاوى كان فيما مضى حين كان وزيرا للمالية مؤازرا للثقافة وأنه أنقذ دور نشرٍ كثيرة من الإفلاس، لذلك أوجه ندائى للدكتور حازم الببلاوى بأن يوقف ما سيحدث قبل أن يحدث.. ويكفى من التجارب البكاء على الماضى لأننا لم ننتبه*..

وما يحدث هو أفضل مثال عما وصل إليه الحال الإدارى من فساد ينخر فى جسد مكتسبات الوطن ليحرمه منها، ولا مفر إن كنا نريد إصلاحا أن نعالج هذا الفساد ويُحاسب كل من شارك فى تعاسة حال هذا الوطن..

مكتبة عم طلعت الآن موجودة، لكن إن لم تتوقف سخافات الأفاعى، وإن لم يصدر التصريح، فستكون غدا المكتبة ماضيا فى طى النسيان، وسيأتى غيرى من تنبعث من داخله بواعث التغيير فلا يجد من يسمعه، سيذهب لشراء حذاء، أو قميص، أو يتناول وجبة جديدة.. لكنه فى الحقيقة لن يتغير وبلدنا لن تتغير..

وفى النهاية فإن البلد الذى يغلق مكتبة بعد ثورته الثانية، فإن ثوراته فى عين الواقع عبث، وسيشهد عليها بأنها بدلا من أن تشيد الفكر والثقافة، أنها هدمت صومعتهما.

أنقذوا مكتبة طلعت سلامة.


********



*كان مقررا أن يُنشر المقال فى إحدى الجرائد، لكن تعذّر ذلك بسبب تعديه الحد الأقصى لعدد الكلمات

السبت، 28 سبتمبر 2013

ذُعـر

من شرفة منزلنا تناهى إلى أذناى صراخ أطفال من غرفة الطابق الثانى للمبنى المُقابل، لما انتبهت أكثر وأصخت السمع أكثر، علا الصراخ أكثر وأكثر، كأنهم فطنوا إلى وجود أذنين تستنجد بهما من الهول الواقع عليهم، اختلج قلبى، وقفت عند سور الشرفة وأنا أحاول أن أتصيد نظرة من هنا أو هناك.. لا رؤوس تظهر ولا حراك، لا شيء سوى الصراخ! هل يستخدموا الحضانة لتعذيب الأطفال؟!
زاد توترى، فكنت أمشى ذهابا وجيئة بعرض الشرفة، أحاول إيجاد حل لوقف هذه المذبحة، وكان صراخهم يعلو ويزداد، والشارع المنبسط خالٍ من المارة، هل اتفقوا جميعاً على قتلهم؟ لماذا لا ينقذهم أحد؟ هل أنا وحدى الذى ينتبه لصراخهم؟
ثم كانت تلك الصرخة المُفزعة التى أوقفت تفكيرى فاندفعت ونزلت الشارع الخالى وأخذت هاتفى معى.. ثم توجهت إلى المبنى- الطابق الثانى، حيث توجد الحضانة، توقفت أمام باب مغلق فى مواجهة باب مُشرع خرجت منه سيدة تبدو هادئة، سألتها وصوتى يمتليء بالتوتر والجزع: ماهذا الصراخ، وأين الأطفال؟ انتبهَت إلى تفكيرى، فلمعت عيناها وضحكت بهدوء: دول بيعيطوا لوحدهم كدا, محدش قربلهم، أصله أول يوم لهم فى الحضانة!
بعض الهدوء تسرب إلىّ، إلا أن الصراخ الذى سمعته من شرفتى وجدته هنا أكثر قُربا وهولاً، فطلبت منها مقابلة المشرفة للاطمئنان بنفسى فأشارت إلى الباب المغلق المواجه، فطرقت عليه، ودخلت، وجدت فتاة جالسة على المكتب قابلتنى بابتسامة، فسألتها مباشرة: ما هذا الصراخ؟
فأجابت أيضا مُبتسمة بأن الأطفال مذعورون من يومهم الأول فى الحضانة، لا أكثر، فطلبت منها أن أراهم (ولا أعرف لماذا تذكّرت لجان تفتيش الأمم المتحدة فى تلك اللحظة) .. دخلت الغرفة ووجدت طفلين ملتصقين بالحائط وأبواق الهول والذعر تُطلق صراخهم من رؤوسعم، لايرون شيئا من دموعهم المنهمرة، وطعم الملح فى أفواههم الفاغرة المتصلة بمخاط أنوفهم... بينما بقية الأطفال يلعبون فى الغرفة الواسعة، لا يبالون، ينزلقون على المزالج، يتداعبون، يقفزون.. حاولت عبثاً أن أهديء من روع الطفلين، إلا أن ذعرهم كان أعظم.. التفتُّ إلى المشرفة التى كانت تبتسم وشرحت لها كيف كان صراخم من شرفة منزلنا والذى لم أسمعه من قبل، فتفهمت وأومأت: يومهم الأول..

اعتذرت لها وخرجت..

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

لَــيْـــل.. نصٌ سيريالىّ مكتشف حديثاً تحت عجلات سيرفيس المحطة

لَــيْـــل

السرفيس متوقف. فى آخره يختلى عاشق بمحبوبته، تتحرك شفتاه باستمرار ناظراً إلى عينيها، غارقا فيهما، وحبيبته تبتسم فى خجل لكنها بدت مستمتعة، أرادت المزيد، وهو أيضا أراد..

السائق متذمرا، السيرفيس ليس به إلا أربعة ركاب، الكمثرى فى الخارج ينادى على القادمين، لم يكن يرى سوى أشباح تلوح فى الظلام.. لكنه أبدا لم ييأس.

أحد الركاب كان جالسا بجوار السائق، وكان ملتحياً، يكلم الكمثرى من النافذة بعدما نفذ صبره من الانتظار:

- توكل على الله وانطلق، وفى الطريق يأتى الرزق. احمد الله.

ثم قال السائق فى دهشة:

- ماذا قلت ياشيخ؟ ألم يحمد الله؟! ، (صائحاً) أنت يا ابن العاهرة لم تحمد الله! وماذا سيفيدنا الرزق إن لم نشكر. كان الشيخ ينظر إليه مستمعاً.

تمتم بحيث أن الشيخ استطاع أن يسمعه:

- قلت لأبيه أن ابنك لن يفلح وطلب منى أن أعلمه القيادة، لكنى صحت فى وجهه: القيادة لها أصول وابنك لم يتعلم الأصول، والحق أقول ياشيخ أن الرجل غضب لكنه لم يبد أى انفعال لأنه يعرف إنى من سأعلمه المهنة، لكنى أخبرتهم أن الولد خُلِق ليكون كمْثريا لا ليكون سائقا، والآن.. الآن لا يحمد الله، أنا أعرف أنه أحمق.. أتعرف يا شيخ؛ أنا أحمد الله كثيرا لكنك على الأرجح لم تسمعنى.
ثم فجأة صرخ ليمرق صوته من النافذة ليصل إلى الكمثرى- كان جالسا يلوح للأشباح لتركب:

- تعالى يا بن العاهرة. ونحمد الله على هذا العدد اليوم!

- ماذا قلت يا ريّس؟

تمتم الشيخ فى سره، وكان يفرّ حبات سبحة فى يده:

- الحمد لله على كل شيء، اللهم اهدنا.. اللهم اهدنا

ثم صاح السائق مرة أخرى:

- تعالى ويكفِنا ما رُزقنا، هل ستتدخل فى أرزاق الله، الدنيا ليل والناس نيام، ومع ذلك رُزقنا بأربعة ركاب!

صعد الكمثرى وكان شاحبا وهزيلا، عظام وجهه تبرز من خديه الكالحين، لكنه كان يبتسم وأسنانه البيضاء كان لها وقعا خاصا فى الليل، قال وكان لا يزال يبتسم:

- ماذا قلت يا ريس، لم أسمعك جيدا؟

تمتم السائق:

- هذا الولد لا يصلح حتى لأن يكون كمثرياً، عائلة هذا الأحمق كلهم مساكين.

قال الشيخ وقد اطمأن أن السيرفيس قد انطلق:

- افعل الخير وألقه فى البحر

- أنا أفعل ياشيخ، لهذا فإنى تركت هذا الأحمق يعمل معى ليعول عائلته
 ثم اقترب منه وبصوتٍ خفيض أشار إلى المرآة المعلقة:

- ألا ترى هؤلاء الأنجاس يا شيخ، أتعرف أنى انطلقت رغم قلة الركاب حتى أتخلص منهم، لو أننا مكثنا طويلا لارتكبوا فاحشة كبيرة، ونحن كلنا مساكين، ماذا لو ارتكبوها، هل يكون للرزق معنى لو أتى بفاحشة! الرزق يا شيخ مذاقه حلو حتى لو خسرت من وراء هذا الأحمق، لكنه مُر من وراء الفاحشة..

- أنت تقول الحكم

- لأنى أحمد الله، أنا أحبه حقا يا شيخ رغم أنى لا أصلى

صرخ الشيخ ومال بكل جسده نحوه:

- ماذا قلت؟!

- والله يا شيخ أحبه، ألا ترى أنى أدع أحمقا يعمل معى، وأود أن أتخلص من الذنوب التى فى سيارتى

- ولو.. الله لا يقبل عملا من إنسان لا يصلى له

- عندى سر يا شيخ، لكنى فى نصف ملابسى من الحرج

- قل ولا تتحرج، أسرارك فى بئر عميق

- لم يعلمنى أبى الصلاة، وكان يقول أن جده لم يعلمه، وأنا أعتقد أن أحدا لم يعلم جدى..

- لا حول ولا قوة إلا بالله، ولماذا لم تذهبوا لشيخ يعلمكم

- كنا طيبين يا شيخ، وكنا نفعل الخير، ونحب الله كثيرا، لكننا نخجل من الجهل، وأنا الآن لا أصدق أنى أخبرتك يا شيخ

- هناك أمور لا خجل منها، هل تريد أن تُعذّب خالدا فى النار لأنك خجلت من أمر كهذا؟

- ماذا أقول ياشيخ؟

- لا تقل شيئا، أعطنى رقم هاتفك وفى الغد تقابلنى فى المسجد الكبير وأعلمك

صاح السائق:

- ماذا؟ هل تريد أن تعلمنى ويضحك علىّ الصبية والعيال؟ لا يا شيخ، الله رحيم!

- لا تقلق، سأعلمك فى مكان لا يراك فيه أحد

هنا استيقظت سيدة عجوز، وقالت بوهن:

- هل وصلنا المستشفى؟

رد عليها الكمثرى:

- لا يا حاجة، نامى وأنا أوقظك حين نصل

ثم دعت الحاجة بحنوٍ بالغ:

- إلهى يستر طريقك يابنى ويوفقك ويحشرك مع حبيبه

التفت السائق إلى الشيخ، وقال:

- هذا الولد يا شيخ لا يصلى أيضا والآن سيدخل الجنة بدعوة السيدة الطيبة. ابن العاهرة.

صاح الشاب من نهاية السيرفيس:

- هنا يا ريّس

انتبه السائق لصوته واختلج، وقال:

- اللهم ارحمنا من ذنوبنا، ثم رأى خديّ الفتاة القانيان فى المرآة، كانت فى نشوة وسعادة بالغة، رغم صمتها العذرىّ، وقد بدا على الشاب أنه قضى وطره، وكان مستريحاً. تمتم السائق فى سره:

- العالم أصبح مليء بالأنجاس، اللهم ارحمنا.

لما هبطا من السيارة، صاح الكمثرى وهو يلاعب حاجبيه:

- ياعم، أعطنى خد واحد، أعطك عمرى التعيس كله

لكنهما اختفيا فى الطريق المظلم ولم يلتفتا إليه.. كانا مستمتعين حقا

ضحك السائق:

- ألم أقل لك ياشيخ، هذا الأحمق أضاع دعوة السيدة، برذيلته هذه

- الصلاة عفة

- أود أن تعلمنى ياشيخ، لكنى فى النهاية مجرد سائق، نكرة

- الله لا ينظر إلا لقلوبنا

- لهذا أحبه والله ياشيخ

ثم صاحت السيدة العجوز:

- أخاف أن تفوتنى المستشفى، الراجل عيّان وهقطعوله رجله

صفق الكمثرى على يديه وقال فى شفقة:

لا حول ولا قوة إلا بالله. اقتربنا ياحاجة لا تخافى، ربنا يشفيه.. لا حول ولا قوة إلا بالله

قال السائق:

- كلنا مساكين ياشيخ

صاح الكمثرى نحو السائق:

- توقف عند المستشفى!

داس السائق على المكبح، وتوقفت السيارة أمام مبنى كبير، يضيئ جدرانه ضوء أزرق خافت، كان أحدهم يسير على عُجالة لكنه اختفى، أمسك الكمثرى ذراع السيدة العجوز وساعدها فى النزول، ذهبت وكانت لا تتوقف عن الدعاء لهم جميعاً، وكان السائق مستريحاً لهذا..

- أنزلنى عند محطة البنزين القادمة... قال الشيخ للسائق

- حاضر يا شيخ

وقبل أن يهبط، أكد على السائق:

- لا تتردد ولا تتحرج، اتصل بى وفى الوقت الذى يناسبك

- كله بأمر الله يا شيخ

- بارك الله فيك

ثم سار مبتعدا حتى تلاشى فى الظلام

سأل الكمثرى السائق، وقد خلا السيرفيس:

- ما هذا يا ريس، ماذا يريد منك الشيخ؟

- وأنت ما دخلك يا ابن العاهرة، لماذا تحشر أنفك فى وسط الكبار، هذا الرجل المبروك شيخ وأنا سائق كبير، لماذا يتدخل كمثرى أحمق مثلك!

- أردت أن أعرف فقط يا ريّس 

- أحمق مثل أبوك!

- هل سنعمل لدور آخر؟

- لا، نحمد الله على الأرزاق

- لكن لم نكسب سوى خمسة جنيهات فقط!

- لا نعترض على الأرزاق

ثم تمتم بصوت خفيض:

- يجب أن أتعلم الصلاة


السبت، 21 سبتمبر 2013

موسوعة الاكتشافات العلمية

My rating: 5 of 5 stars


"إيه يا حلوه"- تشيخوف
إيه يا علم... الكتاب دا حببنى فى العلم أكتر من كلية الهندسة ذات نفسها، و11 سنة تعليم تحت جامعى!
دا أول كتاب أشتريه فى حياتى، من أربع سنين تقريبا، من يومها وهو مركون مهابة لضخامته، لكن كتغيير فى مسار القراءة المعتادة (الإنسانيات) قررت إنى أقراه، وكعادة الأعمال الموسوعية، فالكتاب دا يُفترض إنه غير الكثير من مفاهيمى، وأضاف كذلك صورة واضحة عن مسار العلم وتطورة وفكرتنا عن الكون ونشأته. زيه زى موسوعة فنانون عالميون، فإنه فتح عالم مُبهر يثير الفضول فى تتبعه.
أهمية الكتاب ليست فى كونها معرفة معلوماتية محضة، حتى أنى أكاد أكون نسيت الكثير من المعلومات ولم أفهم بعضها، لكن تظل الصورة واضحة أمامى: تطور النظريات العلمية، طريقة التفكير العلمى وتطوره، شغف العلماء، مُتعة الكشف وقوة الملاحظة، والأهم الأهم، إثارة بعض الأسئلة، وهنا أبدأ نوع آخر من المراجعات، مراجعة علمية:

أفكار على هامش العلم
- كيف نرى الضوء؟

- فكّرت فى الموضوع بنفسى ورجعت لأصله (كيف نرى الأشياء؟) - طبعا معروف إن الضوء يسقط على الأشياء ومن ثم ينعكس ليسقط على حدقة العين ومن ثم نرى صورة الشيء، لكن كيف نرى الضوء نفسه، هل المفروض أن يسقط ضوء على مصدر الضوء ثم ينعكس لنراه؟ (أو بصورة أدق: نرى مصدر الضوء)، ثم وجدت الإجابة أن جوهر العملية هو خروج شعاع ضوئى أيا كانت طريقة خروجه من الشيء سواءًا كان انعكاسا أو خروج من المصدر، فكل الأشياء التى نراها هى فى حقيقة الأمر مضيئة! (فيزياء كلاسيكية)

حين بحثت عن الأمر وجدت أن الإجابة الأدق تتعلق ببحث قام به عالمان فازا عليه بجائزة نوبل 2012، لكنهما استخدما فيزياء الكم بدلا من الفيزياء الكلاسيكية!
الفيديو المتعلق:
http://www.youtube.com/watch?v=2dRr-f...
ــــــــــــــــــ
سؤال آخر:
هل تنعدم الجاذبية فى الفضاء حقا؟

لكن كيف تنعدم الجاذبية فى الفضاء، والكون مليء بالأجسام العملاقة، والتى من المفترض طبقا لقانون نيوتن أن تجذب بعضها البعض بفضل كتلتها الضخمة، فأن تنعدم الجاذبية فى مكان ما فى الفضاء يعنى أنه لا تأثير لهذه الكتل العملاقة!
الغريب أنه تم تلقيننا أنه فعلا لا جاذبية فى الفضاء وأن هذا هو سبب حالة الطفو وانعدام الوزن التى يكون عليها رواد الفضاء!
لكن الحقيقة أن الجاذبية موجودة فى كل مكان فى الكون، وحالة انعدام الوزن التى عليها رواد الفضاء سببها السرعة الكبيرة، بسبب حالة السقوط الحر، مثل انعدام الوزن فى مصعد يتحرك بسرعة لأسفل..
https://www.facebook.com/photo.php?fb...

ــــــــــــــــــ
وهناك الكثير الكثير من الأفكار المهمة.. باختصار، فإن هذا الكتاب ثرى بدرجة كبيرة...
ــــــــــــــــــ
عن "الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم"

بعد قراءة كل هذا الكم من المعلومات والنظريات العلمية، فلا يزال البعض يردد فى فخر بأن القرآن خصص الضياء للشمس، والنور للقمر، معتبرينه (إعجاز علمى)
لا يزال البعض يذكر (دحاها) كإعجاز علمىّ.. والغريب إنى اكتشفت مؤخرا أن الثقب الأسود مذكور فى القرآن! لا زالوا يتحدثون عن كل هذا والعلماء الآن يستطيعون احتجاز فوتون ضوء (جزيء الضوء) ودراسته، العلم الآن يكتشف كواكب آخرى تدور حول شموس بعيدة، العلم الآن يكتشف ويؤرخ للأرض من مليارات السينين...
والغريب إنه لو تم اكتشاف شيئا عظيما فى الغد سيخرج مُرتزقى الإعجاز العلمى بعد غد ليستخرجوه لك من بين آيات القرآن!

لكنهم يجهلون إن إعجاز القرآن ليس علمياً، لأنه ليس كتابا علميا بحال، فكل النظريات المثبتة هى عرضة للنقد والتغيير بسهولة

خالد منتصر يقول فى كتابه "وهم الإعجاز العلمى":
(القرآن كتاب دين وهداية وليس كتاب كيمياء أو فيزياء، وإنكار الإعجاز العلمي في القرآن ليس كفراً ولا هو إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة، فالقرآن ليس مطلوب منه ولا ينبغي له أن يكون مرجعاً في الطب أو رسالة دكتوراه في الجيولوجيا، والآن نستطيع أن نقول وبكل راحة ضمير وانطلاقاً من خوفنا سواء على الدين أو على العلم أن الإعجاز العلمي في القرآن أو الأحاديث النبوية وهم وأكذوبة كبرى يسترزق منها البعض ويجعلون منها "بيزنس"، وأن عدم وجود إعجاز علمي لا ينتقص من قدر القرآن ككتاب مقدس وعظيم ومعجز أيضا ولكنه إعجاز الأفكار العظيمة التي تحدث عنها، والقيم الجليلة التي بشر بها، والثورة التي صنعها والتي كانت شرارتها الأولى العقل واحترامه وتبجيله، ومن يروجون للإعجاز لا يحترمون هذا العقل، بل يتعاملون معنا كبلهاء ومتخلفين ما علينا إلا أن نفتح أفواهنا مندهشين ومسبحين بمعجزاتهم بعد كلامهم الملفوف الغامض الذي يعجب معظم المسلمين بسبب الدونية التي يحسون بها وعقدة النقص التي تتملكهم والفجوة التي ما زالت تتسع بيننا وبين الغرب فلم نعد نملك من متاع الحياة إلا أن نغيظهم بأننا الأجدع والأفضل وأن كل ما ينعمون به وما يعيشون فيه من علوم وتكنولوجيا تحدث عنها قرآننا قبلهم بألف وأربعمائة ألف سنة،...)
ــــــــــــــــــ
أنا ذكرت نقطة الإعجاز العلمى، لأنى كنت من المقتعين بها، لكن بعد قراءة الكتاب اتضحت مدى سخافة الفكرة، وأنها أوهمتنا كثيراً.. وأن الحقيقة أننا أبعد البشر عن العلم!
ــــــــــــــــــ
فى النهاية، لا أجد ما أقوله لمكتبة الأسرة على إحدى روائعها، ففى الوقت الذى أنهى فيه الكتاب فإنى أرثى لأيام ولت من عمر المكتبة الزاهى، ولا أجد غضاضة من أن أذكر فضل سوزان مبارك فى هذا المشروع الأهم فى تاريخنا الثقافى، فأن تكون زوجة رئيس الجمهورية هى المشرفة على مشروع ما فإن نجاحه يكون حتمياً، فلماذا لا تكون زوجة كل رئيس قادم مسؤولة عن مشروع مكتبة الأسرة، وبالتالى يعطيه ثقل؟ أعتقد أن هذا لو حدث لكان شأن المكتبة عظيما وهاما خصوصا وأن تكون مهمة زوجة الرئيس أمام الجميع هى رعاية المكتبة فقط، فسيعرف الجميع بأهمية الأمر وتتسابق دور النشر فى المشاركة...
ـــــــــــــــــــ
لينك تحميل الكتاب:
http://goo.gl/vFyuJM

الجولة وحوادث مؤثرة أخرى | لوكليزيو

My rating: 4 of 5 stars


ما قبل القراءة:

لما رأيت الكتاب على الرف غريبا ككتب اخرى غريبة لا أعرفها، لمعت فى رأسى فكرة أن أعيد القراءة لما كانت عليه قبل الجودريدز، حيث كنت أشترى الكتاب ولا أعرف عنه شيئا، لم يكن هناك وجودا للتقييمات والمراجعات، وكانت العلاقة هى مجرد اكتشاف فردى بحت، اكتشاف لا يشاركنى فيه أحد، بحلوه ومرّه، وتلك متعة تنقصنى الآن، على الرغم من فوائد الجودريدز العظيمة، لذلك فقد قررت شراء كتاب مجهول لمؤلف نوبل مجهول أيضا، ولما قطعت فيه أربعة أيام من القراءة لم أعرف فيها رأى القرّاء ولا معلومات عن الكاتب (وهذا إن حدث قبل شراء الكتاب فغالبا سأتراجع عن شراءه!) لكن حسن الحظ قادنى لأشترى كتابا مجهولا لأكتشف عالما آخر غير معهود.. وبعد الأربعة أيام دفعنى فضولى المتزايد لأعرف الكاتب ورأى القراء، وكانت الصدمة، رغم أنها كانت إلى حد ما مُتوقعة، وكنت متفهم سبب هذه الآراء الحادة، وأتفق مع بعضها، لكن لى رأى آخر:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غالبا العبقرية هى اكتشاف طرقٍ جديدة لم تخطر على بال أحد، وفى الأدب هى اكتشاف تقنيات سردٍ لم تُكتشف بعد. لهذا مُنح لوكليزيو جائزة نوبل.

أسلوب لوكليزيو يعتمد على تكثيف الحالة الشعورية وصلتها بالطبيعة، لهذا فهو كثير الوصف سواء فى وصف الطبيعة أو وصف الخلجات الشعورية، وهذا يمثل للكثيرين عبء ملل..

قضية لوكليزيو:
فى البداية فإن هذه المجموعة تُهاجم وبشدة، الحداثة والمدنية بكل صورها؛ ناطحات السحاب، التكنولوجيا الحديثة، الزحام.. لكن بالنظر إلى الظواهر، فالأمر ليس بهذا السوء، فحين أن لوكليزيو فرنسى، فإنه بذلك يهاجم (جمال) المدنية، وبريق الحداثة، المتجسدة مثلا فى مدينته (نيس):

ونحن، إذ نحارب ونثور من أجل الحصول على عسل الحرية، مذاقها، فالحرية لا تعنى فقط أن تمشى حُرا فى شارع تحوطه القاذورات، والأبنية الشائهة، إنما مذاقها فى أن يكون للحرية الداخلية استجابة من الخارج، أن تسير فى الشارع وقلبك الحر يرى طريقا معبّدا نظيفا، هذا اعتراف من الطريق بحريتك.. أن ترى الأبنية جميلة الذوق والمعمار، هذا اعتراف منها بحريتك، أن ترى الشوارع النظيفة لا غبار عليها ولا ورقة ملقية، فإنها بذلك تحيى حريتك، تلك هى قيمة الحرية، صلة متبادلة بين النفس الحُرة والبيئة المُعترِفة بك كإنسان..

لكن لوكليزيو هنا وبعد أن تذوق (طعم) الحرية يُذكرنى بصورة ساخرة عن نظرية التطور

كأن لوكليزيو يقول: عودوا يا رجال، الأمر مزرٍ هنا، لا جدوى من التطور.

هذا ظاهر الأمر، لكنه فعلا يتطرق إلى نقطة قاسية لانستطيع إغفالها، ألا وهى تأثير تلك الحداثة على (الإنسان) وصلته بالطبيعة، سواء طبيعته هو (الجوهر) أو طبيعة البيئة (جوهرها) فهو يرى أن لا قيمة حقيقية من هدم منزل قديم تسكنه عجوز (فيلا أورور)، من أجل بناء بنايات من الطراز الحديث، ستشعر بكم الإنسانية من خلال اكتشافات لوكليزيو للنفس، سوف تعيد تقييمك لأشياء ظننتها ثوابت، أو ترى أشياءا لم تكن تنتبه لها..

الأسلوب:
حتى يصل لوكليزيو لتلك المرحلة، الدخول فى أعماق النفس والطبيعة، فإنه يلجأ دوما للوصف الدقيق، وهنا مكمن من مكامن الملل... آه.. الملل، أذكر إنى قلت مرة أن أحداً لم يكتشف جوهر الملل بعد..

فمثل العديد من الاكتشافات الأخرى التى أهملها الكثيرون ظنا منهم أنها لا جدوى منها، فإنى اعتقد أن الملل لازال يحتاج لكثير من الصبر على دراسته، كشف هذا الكائن، فكم من مُتعٍ فاتتنا لأنه نال منّا، أعرف إنه إحدى الصفات البشرية مثل الخوف والقلق والضجر.. إلخ.. لكن ما تفسير إنى أشعر بشيء ما مختلف ومؤثر بعد قراءة كل قصة، ومع ذلك كنت أشعر بالملل أثناء قراءتها..

لكن كدراسة مبدأية، توصلت إلى أن الواحد منا يجب أن يتحلى بثلاث خصال وهو مقدم على قراءة هذا النوع من الأدب: الرغبة الحقيقية فى معرفة ما يريد لوكليزيو توصيله... التواصل والقدرة على رسم الصور وربطها برغم الملل، والقراءة بعمق، يعنى قراءته فى أفضل الأوقات، وفى وقت مُفرغ له..

واضح طبعا أن تلك الشروط مُجحفة، ولا ضير من سماع اعتراض من نوع "وعلى إيه كل دا!"

طريقة لوكليزيو فى الوصف واقتناص اللحظات الصعبة، قد لا تنقل إليك مُتعة فى القراءة، لكنها ستنقل خبرة جيدة، كما أنها –وهذا المهم- ستجعل لديك قدرة كبيرة على الوصف، فأذكر أنه حين انتهيت من قصة وجدتنى أنظر إلى الأشياء والأحداث وأكتب لها أقصوصة صغيرة فى عقلى بطريقة لوكليزيو فى الوصف الدقيق. وكان الأمر رائعا بالنسبة لى..

وهذا لا يعنى أيضا أن لوكليزيو هو الكاتب المثالى فى كل شيء، هناك قصة أو اثنتان وجدتهم عاديتين ونهايتهم مُفتعلة... لكن مٌجملا هناك جو قصصى فريد شعرت به، خاصة بعد الانتهاء منها، وتَشرُّب التجربة الكاملة..
ـــــــــــــ

بالمناسبة فإن قصة أورلاموند لمستنى بشكل شخصى، أورلاموند = مكتبة طلعت سلامة

فنانون عالميون - الجزء الثاني : هنري ماتيس - بابلو بيكاسو - سلفادور دالي

My rating: 4 of 5 stars


فيه أهمية مستبطنة من إنك (تقرأ) فى الفن مش تسمع أو تشوف. فى البداية مكنتش واخد بالى منها لكن بالتدريج بدأت افهم..

أولا تطور المدارس الفنية عبر التاريخ بيوضح التطور الاجتماعى والفكرى لمجتمع معين، وفيه علاقة وثيقة بين اتجاه الفن واحتياجات المجتمع، ودا هيوفر علينا أسئلة كتير وعلامات تعجب أكتر!
فلما تشوف مثلا لوحات فنية من القرن ال16 أو ال17 (وأكيد انت متخيل دلوقتى شكل الرسم ازاى، اللى أكيد مش تكعيبى ولا سيريالى بطبيعة الحال) هتفهم المجتمع دا كان عايز إيه وعايش ازاى، ولما تشوف دلوقتى لوحات من النوع التكعيبى أو السيريالى اللى غالباً معظمنا مش فاهم موضوعاتها! هتعرف برضو المجتمع عايز إيه، والأكثر من دا إن المدارس الفنية تقريبا كلها متشابهة، يعنى المدارس الموسيقية مثلا تشبه إلى حد ما المدارس التشكيلية وحتى المدارس الأدبية (خلال نفس الفترة الزمنية)، على سبيل المثال:
قارن بين موسيقى كلاسيك ولوحة تشكيلية من نفس الفترة، غالبا هتديك نفس الانطباع: شعور جارف بالجمال.
قارن بين نص من الشعر الحر أو قصة من الواقعية السحرية ولوحة تشكيلية من المدارس الحديثية (تكعيبية مثلا)، هتديك نفس الانطباع برضو: اللى هو مش فاهم حاجة!
حتى ممكن تاخد بالك من فيلم قديم لعماد حمدى مثلا وفيلم جديد لأى حد.. وقارن بين حالة الرومانتيكية الجياشة ونظام الحديث الخطابى فى أى حوار (اللى بنعتبرها دلوقتى أفورة) وبين أى فيلم عادى دلوقتى. لكن لأنهم كانوا بيعبروا عن واقع العصر ف احنا مصدقينهم ومقتنعين ب(الأفورة) دى، لكن لو جيت تقلد دا فى فيلم جديد، هيبقا فيلم منبوذ وفاشل، ليه؟ لأنك خرجت عن واقع عصرك... ومن هنا تقدر عن طريق فهم المدرسة إنك تفهم المجتمع (مش العكس لأنه مش هيحصل بسهولة) فإنك تفهم مثلا مدرسة أدبية دا يديك بعد نظر واستقراء جيد لأمور المجتمع..
ـــــــــــــــــ

وحتى لايفوتنى الأمر:
الآن ع التلفيزيون الأخ أحمد عبده عوض بيمارس طقوسه فى الشفاء اللى بتميل لحد كبير لطقوس الدجل والشعوذة، رغم إن الكلام دا كان بيتعمل كتير (فترة ما قبل الثورة ق.ث) والواحد كان بيصدقه (إلى حدٍّ ما) وبنحترمه، إلا إنه دلوقتى فقد كل دا، لدرجة إن والدتى نفسها اللى بتقول كدا وهى اللى مكانتش بتفوت برنامج دينى... ليه؟
لأن ببساطة حاجات المجتمع اتغيرت والمجتمع المصرى قبل الثورة غير بعد الثورة.
كأن الممارسات دى نوع من أنواع الفن...؟ محتاجة تفكير :)

ـــ
نقطة أخرى عن: تذوق الفن
ظاهرة سلبية خصوصا فى مجتمعنا وهى انطوائية الفنان على فنه، يعنى مثلا تلاقى الأديب (أو خلينا نقول كاتب القصص مثلا) تلاقيه حاطط كل تركيزه على قراءة القصص، وبستغرب من بعض (الكتاب) اللى مبيقروش غير فى القصص وف أفضل الأحوال فى الأدب بوجه عام! بحسه نوع من النفعية؛ إنك عشان تاخد حاجة انت عايزها متقراش غير فيها (هات وخد)
لو جيت تبص على المجتمعات الفارزة للفن المتكامل تلاقيها مشتملة على كل الفنون، لأن الفن كتصوير للحدث: الأدب بقوة الكلمة، والموسيقى بقوة اللحن، والرسم بقوة اللون، كل نوع من أنواع الفنون دى بتسلط الضوء على جانب من جوانب الحياة بقوتها الخاصة، وذائقة الفن السليمة لازم يكون عندها قدرة للاستجابة لنداءات الكلمة واللون واللحن، لأن الجمال المفروض مالوش حدود، يعنى تحبس نفسك فى رواية جميلة، أو مقطوعة أو لوحة، فانت بتحرم نفسك من جوانب أخرى للجمال، الجمال اللى المفروض أصلا صورة من صور الكمال.

لو خدنا شريحة معينة كمثال واتكلمنا عن باريس (بدايات القرن ال20) تلاقيها شاملة لكل أنواع الفنون (أدب، فن، موسيقى)، لدرجة إنى ممكن اعدلك عشرة من أعظم فنانى وأدباء العالم كانوا بيقعدوا فى نفس القهوة وبعضهم كانوا ساكنين مع بعض..

باختصار نظرتنا للفن ككل محتاجة تتغير، مش يمكن لما نفهم الفن، نفهم مجتمعاتنا؟!
ــــــ
على هامش الكتاب:

الكتاب بيتكلم عن ثلاثة رواد فى الفن التشكيلى وكل واحد رائد لمدرسة

هنرى ماتيس (المدرسة الوحشية)
بابلو بيكاسو (المدرسة التكعيبية)
سلفادور دالى (المدرسة السيريالية)
ـــ
بالنسبة لهنرى ماتيس، فدا لم أتذوقه كثيرا، لأنه عبارة عن تعديل فى المدرسة الإنطباعية، وكل التجديد عنده فى استخدام الألوان، لكن دى تُعتبر أفضل لوحاته، ودا واضح من استخدام اللون على جانبى اللوحة، والظل الممتد من الجبهة حتى الأنف، واللون الأزرق المميز للشعر، كل دا استخدام عبقرى للألوان:


أما بابلو بيكاسو:

فيجب قبل أن تحكم عليه أن تعرف أن عبقرية بيكاسو وصلت إنه تفوق فى كل أنواع التصوير حتى الكلاسيكى، حتى فى سن حوالى 15 سنة رسم اللوحة دى


حتى إنه طور من الكلاسيكية نفسها ورسم نوع سماه الكلاسيكية الجديدة زى اللوحة دى، اللى تشبه اللوحات الكلاسيكية مع تطوير بيكاسو

والنوع دا من البشر مش هيقدر يحط نفسه فى مساحة معينة وكان لازم يبحث عن شيء يناسب قدراته، فكان الفن التكعيبى..

أما بالنسبة للفن التكعيبى نفسه، فلابد من كلمة:

قوة الفن الكلاسيكى فى الإحساس يعنى مثلا لوحة زى
Flamming June

لابد أن تشعر بدفقات الجمال ، وهى دى قوة الفن الكلاسيكى (الإحساس، اللى هو أسهل تأثير على أى إنسان عادى، اللعب على مشاعره)
ومن هذا المنطلق اكتشفت قوة كل مدرسة:

فالمدرسة الكلاسيكية قوتها فى الإحساس فليس لك إلا أن تترك إحساسك وتحلق مع الجمال.
المدرسة الانطباعية قوتها فى الألوان والإضاءة يعنى جرب تحط اللوحة دى مثلا اللى هى أم الأعمال الانطباعية

علّقها ع الحيط عندك فى مكان مناسب مع إضاءة مناسبة (بحيث تكون بحجمها الطبيعى) واتفرج ع التأثير.
المدرسة التكعيبية قوتها فى الزوايا والخطوط، ومن هنا بدأ الفن يرتبط بالعقل بعد ما كان مجرد إحساس، فأنت محتاج ترجّع كل الأشكال لأصولها الهندسية، وعامة النوع دا بيبحث فى الأصول، ودى تعتبر من أهم أعمال بيكاسو، محتاجة تركيز شوية، اسمها "المرأة الباكية"


مشكلتنا إننا بنعتبر إن الرسم الجيد هو فقط القدرة على نقل التفاصيل بدقة، ودا غالباً مفهوم غلط، دا غير إننا متعودين نشوف اللوحات بعينينا فقط، ودا بينقل الصورة ناقصة، خصوصا لو من المدارس الحديثة، يعنى لوحة زى دى لبيكاسو رسمها بعد القصف النازى لقرية جورنيكا

صعب إنك تتذوقها بمجرد الرؤية، يعنى مثلا حاول تستخدم باقى الحواس لمحاولة الدخول فى عالم بيكاسو، اسمع صراخهم، شم ريحة الدمار، وحس بالألم، ممكن بالطريقة دى نقدر نفهم بيكاسو..

المدرسة السيريالية عكس المدرسة الكلاسيكية تماما رغم إنهم بيشتركوا تقريبا فى نفس الأسلوب فى التصوير (نقل التفاصيل كما هى)، إلا إنه فى حين الكلاسيكية قوتها فى الشعور، فالمدرسة السيريالية قوتها فى اللاشعور، ودى بدأت مع ظهور أفكار فرويد..
اللوحة دى من أهم أعمال سلفادور دالى، وواضح فيها اللاعقلانية وتضارب الزمن، ودى من الأعمال اللى اتأثرت بأفكار أينشتاين عن الزمن


وبتمازج ال3 مدارس دي نقدر نفهم طبيعة العصر، اللي عايش حالة من اللاوعي ناتجة عن التطور المُفاجيء والغير مُستوعب، وحالة القلق والخوف اللي ظهرت بشكل أفجع بعد الحروب العالمية، وظهور الأسلحة النووية، ومن ساعتها انتهى بحث الإنسان عن قيم الجمال زي ما كان أيام العصور الكلاسيكية والرومانتيكية، وبدأ بحثه عن مخرج من حالة القلق المستمر، وهروبه من الوعي للاوعي!
ـــــــ

ﻓﻨﺎﻧﻮﻥ ﻋﺎﻟﻤﻴﻮﻥ - ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻷﻭﻝ:

ﻓﻨﺎﻧﻮﻥ ﻋﺎﻟﻤﻴﻮﻥ - ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ:

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...