السبت، 14 نوفمبر 2015

في انتظار جودو

My rating: 5 of 5 stars

رغم كل هذا العبث، إلا أن هناك مغزى.

الانتظار- مثله مثل الرجاء- ملعون. فكلاهما يستعبدان، كلاهما يلغيان وجود اللحظة الآنية- الشيء الوحيد الحقيقي في وجودنا. المسرحية كلها عبثية؛ الشخصيات- الحوار- الزمان والمكان، كان الانتظار هو الحقيقة الوحيدة في وجودهما، كان ذلك قاسيًا، أن يكون وجودهما مبنيًّا فقط على انتظار آخر، هما ملغيّان تمامًا. أعتقد أني لو أتيح لي اختيار قوة ما، لما ترددت في اختيار قوة إلغاء الرجاء والانتظار واستحضار الماضي، كلها أفعال منهِكة لاغية للوجود. لكن رغم ذلك أعتقد أنه أصبح لديّ مؤخرًا شيء من هذه القوى، في لفظ أي شيء أو علاقة ما تتوهم فيّ رغبة الانتظار أو الرجاء. لا أترك لهذه العلاقة مساحة تتوهم فيّ هذا الضعف، أبصقها تماما كما بصقة استراجون هنا. في الانتظار لا يفلت أي فعل أو شعور يتم في أثناءه من وطأته الثقيلة، حتى استراجون وفلاديمير حين يشعران فجأة بالسعادة، كان هناك شيء خفيّ يمنع مصداقية هذه السعادة، شيء طاغي ساخر من وجودها، لأن وجود الانتظار ينكأ أي وجود غيره. فعلى أي شيء أن ينتظر معنا، فنحن- ذواتنا إن شئنا الدقة- لا ننتظر وحدنا؛ سعادتنا، آمالنا، طموحاتنا، كل شيء يتعلق بوجودنا لن ينطلق إلى رحابة الحياة الحقيقية حتى نخلّص أنفسنا منه، نحن من نقرر لا غيرنا.. بانتهاء انتظارنا.

طيلة قراءتي للمسرحية كنت أستشعر هذه الغلالة الكئيبة ذي السطوة طالما أن هناك انتظار لا ينتهي.. حالة شبيهة بأن تكون مجبورًا أن تسمع الصوت الساذج لتنقيط الصنبور في صمت الليل، فيعجزك أن تفكّر في أشياء أكثر أهمية.

كل عناصر المسرحية اشتركت في بث هذا الشعور القاسي بالانتظار، الجاثم على النفس بلا رحمة؛

- بدءًا من المكان البسيط الذي يصعب أن يكون محل إقامة، إنما هو عراء ليس فيه سوى شجرة وطريق، أقسى ما يستطيعه أن يستضيف انتظارًا عابرًا، لا بهذه الأبدية، لكنهما اتخذاه محلًا مستديما في انتظار جودو.

- تتابع الزمن والعجز عن تحديده هل هو شروق أو غروب، كان له أثر يشبه أثر عبثية المكان.

- اختيار بيكيت شخصية الصبي بالذات لتوصيل رسالة السيد جودو لهما بتأجيل الموعد، أضفت على الموقف نوعًا من البراءة والمصداقية، والطفل كان مرتبكًا خائفًا صادقًا، ليس متبجحًا مثلًا، كان مُسالمًا ، فوضعهم ذلك أمام موقف جبري آخر لمزيد من الانتظار، فالرسالة تحمل صدقًا وأملًا في الحضور، يحتاج رفضها إلى قوة إرادة وقدرة على اتخاذ قرار، لا يملكانهما.

- حضور بوزو ولاكي يضع استراجون وفلاديمير- موضع مقارنة مع مصير لاكي، ذلك المستعبَد من قبل سيده، لا يملك مصيره ولا يملك رفضًا لأوامر سيده الإذلالية الغير إنسانية. ربما وضع المقارنة هذه بين وضع استراجون وفلاديمير من ناحية ولاكي من ناحية أخرى، جعلت مصائرهم متشابهة إلى الحد الذي يجعل استراجون يسأل بوزو إن كان هو جودو! هذا التشابه ذكرني بلقاء توماس- في رواية "كائن لا تحتمل خفته"- بابنه بعد غياب طويل واكتشاف التشابهات بينهما، الأمر الذي جعله يرتعب من فكرة أن يرى نفسه أمامه. هذا النوع من المقارنات يجعلنا نعيد الكثير من الحسابات بشأن حياتنا وطريقتنا، رغم ذلك فإن فلاديمير واستراجون يستمتعان بإذلال لاكي بعد استئذان بوزو، فكانت تلك طريقتهما (صورتهما في مرآة لاكي) في التعامل مع مصيريهما، بإذلال نفسيهما بمزيد من الانتظار.

- عدم خوضهم في سبب تأخر جودو وإخلافه لمواعيده، أو اتهامه أو على الأقل لومه أضفى على انتظارهم شيء من الجبرية، والعجز عن تحديد المصير- الشيء الأكثر قسوة وكآبة في المسرحية.

عند بيكيت الانتظار غاية.. فقط لو يأتي جودو، لكن ليس من الضروري أن نسأل ماذا بعد!

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

نصّان يضحكان من الموت


(1) الجنازة



المشهد الأول: الميت من داخل النعش، المسرح مظلم تدل جدرانه على جوانب النعش الداخلية.

شخص مغلّف بإحكام في كفن أبيض، يتقلب يمنة ويسرة، يشعر بعدم ارتياح، متأوهًا:
- حوَش.. رعاااع، مكتّفني في ملاية معفنة، هو انا هطفش يا أغبيا. اوفففف.
يهتز الكفن بعد أن اصطدم أحد الحاملين بحجر، يصيح:
- حاسب يا بغل.
يشعر بشيء ما يتعثّر في يده، يستخرجه من داخل الكفن بصعوبة، فيجدها بقايا ثمرة تفاح مأكولة. يحدق فيها ليتبينها في ظُلمة النعش، يحدسها بعد قليل من التفكير، فيصيح مغتاظًا:
- حتى مش مستحملين لما تدفنوني... حوش رعاااع.
محدثًا نفسه في شيء من الندم والأسى:
- خططي كلها باظت، مش كان لازم اموت دلوقتي، مش كان لازم اموت دلوقتي.
يبكي بحرقة. 

(يظلم المسرح، تُسدل الستار) 

المشهد الثاني: أربعة أشخاص يحملون النعش، وخلفهم أربعة.
الحامل الأمامي الأيمن واسمه (صلاح) ينادي على مُجاوره :
- سمير... سمير.
ينتبه له سمير، وكان يأكل تفاحة:
- عايز إيه؟
- مين هيدفعلنا؟
- مش انت قلت ابنه محمود هيحاسبنا.
- لا مقولتش يا سمير.
- والله العظيم قلت.
صلاح بنصف التفاتة من رأسه مناديا على الحامل خلفه:
- جمال، هو أنا قلت محمود هو اللي هيدفعلنا؟
- إيه؟
- أنا قلت محمود هيحاسبنا ع الشغل؟
- لا مقولتش.
يلتفت لسمير:
- أهوه، شفت!
يلتفت سمير للحامل خلفه:
- أحمد، مش صلاح قال محمود هو اللي هيحاسبنا.
- آه قال كدا.
- أهوه، شفت!
يُسقط صلاح النعش من على كتفه في عصبية، فيُسقطونه جميعًا على الأرض. ينظر صلاح خلفه باحثًا عن محمود ابن المتوفي، يصيح:
- أستاذ محمود.
يأتي محمود مندفعًا:
- إيه يا صلاح، دا اسمه كلام، عيب والله!
- عايزين حسابنا دلوقتي يا أستاذ محمود!
- لا إله إلا الله!
- لا، أنا عارف الحركات دي من أيام المرحوم، مش متحركين إلا اما تدينا حسابنا.
يلتفت محمود يمنة ويسرة وهو يصفق بيديه مصطنعًا الاستنكار:
- لا إله إلا الله، هي فلوسك هتروح يا صلاح!
- كدا! ماشي.. يللا يا رجاله!
يترك صلاح الجنازة ويتبعه رفاقه الثلاثة.
يصيح محمود من خلفهم:
- خليك فاكر يا صلاح.. لا إله إلا الله!
على بعد عدة خطوات يستوقفهم سمير:
- استنى يا صلاح نسيت حاجة.
يعود حتى يصل إلى النعش، يميل عليه.
محمود:
- شهم يا سمير وجدع والله!
لكن سمير يبدأ في فتح النعش ثم يسحب منه الكفن.
سمير:
- ملايتي دي، أبيعها لحد مش ميت على القرش.
ثم يبدأ في تنفيضها، فتتطاير منها قطع التفاح المقضومة التي التصقت بها. يطويها ثم يعود لرفاقه.
- ماشي يا سمير خليك فاكر... لا إله إلا الله!
يصيح سمير:
- عالم مفترية، تاكل مال النبي!
يقف محمود وسط الثلاثة المتبقين، وكانوا جميعهم شيوخ تتراوح أعمارهم بين ال70 وال75 سنة. يقترب من واحد منهم:
- ازيك يا حج!
- ....
- انت منين يا حج أول مرة اشوفك؟
- إيه!
يفهم محمود أنه ثقيل السمع فيقترب منه أكثر، يصيح في أذنه:
- اسمك إيه يا حج؟
ردّ عليه من فمه الأهتم:
- سليم
- انت تعرف ابويا يا حج سليم؟
- لا والله يابني.
محدثًا نفسه:
- الحمد لله!
يتواصل معهم لكن بصعوبة، فكانوا جميعًا يعانون من مشاكل في السمع، اتفق معهم أن يحملوا معه النعش إلى المقابر، لم يعترضوا، بل رحبوا بحسن نية. كان الحاج سليم يجاور محمود في الصف الأمامي. قال محمود ليكسر صمت الجنازة:
- وحدوه!
لكنهم لم يسمعوه فتذكر مشكلتهم، فصاح بصوت عال:
- وحدوووووه.
لم يسمعوه أيضًا. صاح ناحية الحاج سليم:
- وحدووووه يا حج سليم.
فنظر إليه الحاج سليم بهدوء مبتسمًا كاشفًا عن لثتين عاريتين من الأسنان. بعد قليل شعر محمود بثقل في النعش، في نفس الوقت سمع أحدهم من خلفه يصرخ:
- حاج سليم!
نظر جواره فلم يجد الحاج سليم، نظر خلفه فوجده منطرحًا على الأرض، صاح:
- حاج سليم... لا إله إله الله!
أشار لهم ليضعوا النعش أرضًا، فحصه فوجده قد مات. اتفق معهم أن يذهبوا أولًا لدفن أبيه ثم يعودوا لدفن الحاج سليم. كانوا يبكونه بشدّة. تولى هو وحده حمل الجزء الأمامي، وهما تعاونا على الجزء الخلفي. بعد قليل سمع من خلفه صياحًا:
- حاج إبراهيم!
نظر خلفه فوجد أحدهما مُطرح أرضًا، رجع إليه فوجده قد وافته المنية. اتفق مع الأخير على أنه سيتولّى دفنهما بعد الانتهاء من دفن أبيه. كان يبكي صديقيه بشدّة. بصعوبة استمرا في حمل النعش، حدّث نفسه:
- ما كنت أدفعلهم وخلاص!
فشعر بضربة على رأسه تخترق النعش، تأوه رافعًا عينيه لأعلى، وتذكر والده:
- الله يرحمك يابا.
رأي من بعيد المقابر، فتهلل وجهه:
- شد حيلك يا حاج إسماعيل هانت.
أخذ الحاج إسماعيل يسعل بشده، فشعر محمود بالقلق:
- لا إله إلا الله!
سقط النعش.. أخذ يدفع النعش وحده أمامه بصعوبة بالغة حتى اختفى تمامًا من المشهد جانبًا، تُسدل الستار على مشهد الثلاث شيوخ مُطرحين أرضًا.

(2) الزنزانة 




المشهد الأول: في الزنزانة، ثلاثة مساجين هيئتهم الرثة تدل على سوء حالهم. يوجد سرير بدورين، وفي الجانب المقابل طاولة قديمة.


أحدهم نائم، والآخران جالسين ظهريهما للجمهور يعبثان في شيء ما يصدر صوتا مميزا. يختلفان في أمرهما فيتجازبان هذا الشيء، ثم يتعاركان، تزداد حدة الضرب حتى يطرح كل منهما الآخر، فيظهران للجمهور وبينهما الآلة التي يعبثان بها التي نتبين أنها ناي، لهما وجهان كالحان بجسدين هزيلين. يهم أحدهما واسمه (سيد) بضرب الثاني واسمه (حسني)، فيوقفه بإشارة من يده:
- استنى!
- إيه؟
يضغط على معدته متألمًا:
- أنا جعان يا سيد.
- استنى هصحي نبوي.
يذهب سيد لإيقاظ نبوي النائم على السرير الأرضي، وكانت له الزعامة في الزنزانة بحكم جسده القوي نسبيًا. يلحق به حسني وفي يده الناي. سيد:
- نبوي.
ينفخ حسني في الناي على وزن "نبوي"
- نبوي عندك أكل؟
لازال نائمًا، وحسني يتابع سيد بنغمات تحاكي نداءاته لنبوي.
- قوم يا نبوي جعانين.
ثم أخذ يهزه من جنبه، فعزف حسني لحنًا يتهادى يمنة ويسرة.
استيقظ نبوي أخيرًا:
- عايز إيه يالا؟
- جعانين يا نبوي شوفلنا أكل.
- مرموش حاجة؟
- لأ
يلاحظ الناي في يد حسني، فيسأله:
- إيه اللي في إيدك دي يا حسني؟
نفخ حسني نغمة سريعة، ثم قال:
- مش عارف، راموهالنا من شوية.
- هات كدا
أعطاه حسني الناي، فأخذ يقلّبها بين يديه، ثم تبدّت على وجهه ملامح من أدرك شيء ما، تناول من تحت وسادته شفرة حادة، همّ بتقطيع الناي، فصرخ حسني:
- هتعمل إيه؟
نظر إليه بفتور:
- مش عايز تاكل يا بغل، هقسمها علينا احنا التلاتة.
- هناكل إيه.. دي.. دي خشب!
- انت واكل امبارح إيه يامغفّل؟
أشار إلى رأسه ليتذكر:
- مش فاكر.
فتولى سيد عنه الرد:
- نعل جزمة.
نبوي:
- طيب. أسيادكو حبوا يكرموكوا، فبعتوا حتة الخشبة المعتبرة دي.
ثم بدأ بتقسيمها بالشفرة الحادة إلى ثلاث قطع متساوية. ووزع على كل واحد منهما قطعة، تناولها حسني بسرعة، وجرب نفخها فلم تصدر صوتًا، فخطف القطعة التي مع سيد وكان على وشك أن يضعها في فمه، نفخ فيها فلم تصدر هي الأخرى صوتًا وكان نبوي يتابع ذلك باستغراب، أشار حسني إلى القطعة التي معه، صاح نبوي في وجهه:
- انت اهبل يالهْ!
- والنبي يا ريس، اللي معاك هي اللي بتنفخ.
اختطف نبوي القطعة التي في يده، ورمى له قطعته. التقطها حسني بسرعة، وأخذ ينفخ فيها فأصدرت صوتًا، لكنه أقل جودة مما كانت عليه، لكنه رغم ذلك كان سعيدًا، أخذ هو يعزف بها، في حين أخرج نبوي صحن به ماء مالح، يغطس فيه قطعته ليتناولها مملحة، بينما كان سيد يقضمها بصعوبة. في اليوم التالي انتظر سيد وحسني جالسين خلف باب الزنزانة حيث كانا يشعران بإنهاك شديد، كان حسني يتسلّى بالعزف على نايه المكسور ورأسه مسندة على كتف سيد في إعياء فكانت نغماته شديدة الإعياء والهزال هي الأخرى، إلى أن ألقى حارس السجن وجبتهم اليومية وكانت عبارة عن النعل الثاني للأول، تناولها سيد وتوجّها سويًا إلى نبوي الذي كان نائمًا، أيقظاه، وبعد تقسيمها أراد حسني أن يستبدل قطعته لسبب بدا غامضا لهما، فاستبدلها باللتي مع سيد. أخذها ثم توجه للجهة الأخرى من الزنزانة، وعند الطاولة انحنى تحتها ليلتقط شيئًا ما، فأخرج قطعته من النعل الأول، وضعهما متجاورتين، وبدا راضيًا لتطابقهما، دسّ فيهما قدميه العاريتين، وصل حدّي النعلين إلى منتصف قدميه أو أقل بقليل، حاول التحرك بهما في الغرفة فاردًا ذراعيه في الهواء ضاحكًا، وكان نبوي وسيد مشغولين بالتهام النعلين. نظر إليه نبوي فأشار إليه ضاحكًا:
- تدوس ع النعمة يا كافر.
ضحك سيد، في حين استمر حسني في المشي بحذر حتى لا يسقط كمن يمشي على الزجاج. أخرج من جيبه الناي الصغير وأخذ يعزف، عزف بضعة نغمات موزونة بشكل اعتباطي، بينما كان صلاح ونبوي يتابعانه بإعجاب. حتى سقط على الأرض فضحكا عليه.. طال مكوثه فهرع نحوه سيد، مال عليه فوجد عينيه غائبتين. سيد:
- حسني... حسني
أحضر نبوي صحن الماء المالح، وصب بعضه في فم حسني، غمغم بشيء غير مفهوم.
سيد:
- حسني.
بصعوبة قال:
- أنا بايني كنت مضرب عن الطعام يا سيد.
قال سيد متأثرًا وهو على وشك البكاء:
- لا يا حسني، انت بقالك فترة مش عاجبك الأكل.
ابتسم حسني بالكاد.
قال نبوي:
- خد، خد يا نبوي بُقين ميا.
- لا يا ريس خليهم، بيخلو للنعل طعم
استراح قليلا ثم قال:
- عارفين انا نفسي ف إيه؟
- إيه يا حسني؟
- نفسي اروح للدكتور.
- اختلط حزنهما بالضحك.
سعل بشدة.

(يُظلم المسرح)

المشهد الثاني: حارس بزيه الرسمي يظهر منحنيًا وهو يجر جثة حسني، لا يظهر منه للجمهور سوى خوذته. كان الناي لازال في جيب حسني العلوي والنعلين مربوطين بقدميه. يختفي الحارس. ينغلق الباب بقوة.

(الفصل الثاني- بعد شهرين)

نبوي يبحث تحت الطاولة على شيء ما، في حين أقعى سيد خلف باب الزانزانة ينتظر. بعد قليل يُقذف من الخارج واحد من النعلين الذين كان يرتديهما حسني، اختطفه سيد وانطلق به نحو نبوي، هز كتفه ورفع أمامه النعل مبتسما، انتصب نبوي وأخذ منه النعل وانطلق نحو فراشه، بعدما جلس قلّبها بين يديه، بدا متحيرًا، حاول قطعها باستخدام يديه، وكان سيد يتابع ذلك متحيرا أيضًا. عجز عن قطعها، فأخذ يضربها على الفراش بعصبية فاقت احتماله، ظل يضربها هكذا بشدة حتى غشت عينيه الدموع من العجز وبدا كأنه على وشك الصراخ، وسيد يتابع ذلك بقلق وخوف، حتى سقطت الشفرة على الأرض. سارع سيد بالتقاطها، نظر إليها كمن واتته فكرة، فقدمها إلى نبوي، أخذها منه نبوي كأنه يراها لأول مرة، حاول قطع النعل بها، ولما بدا الأمر ناجحًا، تبدًت من على وجهه ابتسامة.
(يُظلم المسرح تدريجيًا وهو يقوم بتقسيمها)

الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

من يوقف سيل العناوين في رأسي

لم تعد توجد قصص في رأسي، هناك فقط عناوين، آخرها كان: "متى يتوقف اللورد الصغير عن الموت"، ورغم تطابق ظروف ظهور هذا العنوان مع آخر اسمه: "ملاطفة فتاة شاردة" إلا أنهما مختلفان تمامًا، ظروف القصتين مختلفتين، فالفتاة الجالسة قبالة شاطيء البحر وحدها، يتصادف وجودها مع رجل يوزع الملاطفات مجانًا على فتيات الشاطيء الوحيدات، هذه القصة كما هو واضح نشأت في عالم موازٍ، حيث لا تُعتبر الملاطفة إجرامًا. أما عن لوردنا الصغير فعمره لا يتعدى الحولين، لكنه كان من المفترض أن يجرب الموت كلعبة اعتاد أن يلعب بها، وأنا أردت أن يتوقف عن ذلك لأن الموت ليس لعبة، لكن من يهتم حقًا بلورد صغير يلعب بالموت.. لذلك فقد تركوه، ربما لأنه لورد في الأساس، وله صلاحيات.
عنوان آخر كان "لم أعد أهتم"، حاولت دفعه بعيدًا عني لأنه لا يحقق لي مقدارًا ولو ضئيلا من اللغة الحداثية التي حققها اللورد الصغير والفتاة الشاردة، لكن لم يكن لي أن أتجاهل العنوان الأكثر بروزًا من بين أقرانه، حيث كان له الفضل في وأد مشاريع قصصهم، فحين ظهر اللورد أول مرة، ظهر معه هذا العنوان. أما الفتاة الشاردة، فقد فكرت أن أرسل العنوان لشاعر يجيد استخدام العناوين، لأننا قبل كل شيء في حاجة لتكريم هؤلاء الذين يوزعون الملاطفات مجانًا، ناهيك عن مزايا الشرود، والتي أولها: صمت، حيث هذا شيئًا لم أعد أجيد استخدامه ورأيت أني في حاجة ماسّة لممارسته بشكل أكثر توازنًا، كانت الفتاة محظوظة لأنها في حضرة البحر، لكن من يحضر لي بحرًا في غرفتي. قليلون جدًا من يملكون بحرًا في غرفهم، أقول قليلون جدًا لأنهم موجودون، وقد كنت واحدًا منهم. كانت الفتاة أيضًا تمتلك بحرًا في غرفتها.

ليس هذا فحسب فكما يقول المثل (العناوين حين تهب فإنها تجرف كل شيءٍ أمامها)، ففضلًا عن عناوين القصص هناك أيضًا عناوين المقالات، واحد من هذه العناوين كان "تسعة أشياء لها مفعول رصاصة ليس من بينها حلمة منتصبة"، أعرف جيدًا أني لا أذكر من هذه الأشياء سوى الحلمة المنتصبة، ربما لهذا السبب لم أشرع في كتابة المقال أبدًا حتى أجد هذه التسعة أشياء التي أستطيع أن أستثني منها حلمة منتصبة. وإلى ذلك الحين فالأجدى أن أتساءل: ما هو تأثير الحلمة المنتصبة؟ وإلى جانب هذا العنوان شديد الضبابية، هناك عنوان آخر أقل منه ضبابية لا يستخدم أسلوب الاستثناء في تكوينه، هو "القائمة الكاملة بالأشياء التي لا تُحتمل" بزغ هذا العنوان بالذات كردّ فعل مسالم حين كنت أنتظر وسيلة مواصلات في جو حار لا يُحتمل، ومن هنا جاءت هذه الصرخة الصامتة، كان لدي بالفعل شيئين جاهزين للبدء بهما: انتظار مُطوّل، وجو حار يتزامن مع انتظار مطوّل. بعد أن ركبت وبدأت نوافذ السيارة تدفع هواءً شديدًا، فكرت في باقي القائمة، لكن ذلك بدا مُصطنعًا خصوصًا وأن عناصر هذه القائمة لها صفة "الصرخة الصامتة" التي لا يناسبها هواء النافذة بعد الانتظار المُطوَّل. بالطبع لا حظت أني مهتم بشكلٍ لا إرادي بالقوائم، وكأن حملة دعائية تتحرك داخل عقلي لحثّي على قراءة مقالات لا يوجد منها سوى العناوين، حيث عليّ أن أكملها بنفسي دائما.

الخميس، 1 أكتوبر 2015

مفتّش جوجول ومكانة الأدب

My rating: 4 of 5 stars


طيب، الكتابة لا يشوبها شيء تقريبا، لكني فقط لم أعد متحمسًا لهذا
النوع من الأدب الذي يلعب على غريزة سخيفة في الإنسان؛ وهي فضول معرفة رد الفعل، قصة مثلا تدور حول فلان ضرب علان، بإمكان أديب يُقدّر استغلال الفرص أن يجعلها قصة مثيرة لأنه لو صادفني موقف مثل هذا في الشارع فالغالب أني سأتوقف ولو قليلا لمتابعة مجرياته لأن ذلك ممتع وليس فيه ملل إطلاقًا. إنه قانون تسويقي جيد؛ بِع للناس ما يحبون مشاهدته.
ومعظم الأعمال الأدبية القديمة، حتى ما تُعتبر قامات تعتمد على هذه التقنية، مؤخرًا فقط نضج الأدب، لأن الإنسان اكتشف العدم وطرق أكثر دهشة للامبالاة.
وربما هذا الشكل الغير ناضج من الأدب هو ما وراء الفكرة الشائعة عن أنه فن النميمة!

مشكلتي أيضًا مع هذا النوع من الأدب أنه يفترض نظام معين من الأخلاق والمثالية، يقيس عليه أشخاصه والحياة التي يعيشونها، ويحكم عليهم من منطلق هذا القالب المعين من الأخلاق.
لهذا أكره المثالية، لأنها تتطلب خطا واضحا من المقاييس تحكم به على كل شيء ومن ثم تولّد معها نظام من الحكم على كل من يخالفها، هذا هو الأدب من الأساطير الإغريقية حتى الروس، ربما لم ينضج الأدب بحق إلا بعد الحداثة، بعد نيتشة، بعد نيوتن، بعد الثورة الفرنسية، بعد كل الانقلابات التي أكدت على مدى حماقة أن تفترض مقياسًا تقيس عليه مُثلك، أيضًا لثورة يناير تأثير شبيه بذلك (لكنها عدمية فشل لا عدمية تحقيق، الثورات عمومًا تؤدي إلى انقلابٍ ما، هدم في اتجاه مُعيّن ). أعتقد أن العدمية هي ذروة نضج الإنسان.
ورأيي هذا ليس بعيدا عن الواقع، أرى بعض المحاولات التي تحاول أن تعيد إنتاج هذا النوع من الأدب متأثرين بهذا الشكل المثالي القديم، ربما لأن ذلك يعطيهم طمأنينة أنهم يتحكمون بالأمور طالما عرفوا سر المقاييس وسهولتها، وأنها تعطيهم نوع من الرياسة.
فتدخل مثلا على صفحة كاتب على جودريدز فتجد معظم إقتباساته من ذلك النوع الذي يقدم النصح باعتباره الحكيم الذي يملك مقاييس مُحكمة، على الجميع أن يتبعوها.
هذا عن بعض القصص، لكن هناك قصص متقدمة جدا من الصعب الحدس أنها كُتبت في بدايات القرن ال19.
بعض هذه القصص تعيد إليّ الصورة الزاهية لإغواء الحكايات.. إنها من ذلك النوع الذي تستشهد به على ما للأدب من قوة وتأثير.. أعتقد أن كلامي هذا موجه على الأخص لقصة واحدة دون غيرها.
أقولها صراحة؛ أجد نفسي عاجزا تماما على إيجاد معنى صريح للأدب، لكني لا أجد أفضل من القصص القوية ما تصلح بذاتها تعريفًا للأدب، أشير بكل حماس إلى تلك القصة وأعلنها؛ هذا هو الأدب بعينه.
من المهم أن يفطن الأدباء إلى حقيقة واحدة؛ إلى القيمة الشعرية للقصة، فبدونها تصبح القصة بلا قيمة، بلا روح، حتى وإن كنت مدفوعًا عن طريق صياغتها أو حبكتها أو لغتها، إلى مدحها بحماس، لكن كل ذلك لا يُغني عن أهمية القيمة الشعرية. هذا ما يجعلني لست متحمسًا ليوسف إدريس مثلًا، وأعتبر إبراهيم أصلان أديبًا من الطراز الرفيع.
قصة المعطف.. كثيرًا ما تساورني فكرة أن الأدب يصل إلى أعماقنا عن طريق الضعفاء، الشخصيات الهشة، المحطمة، التي يصورها الكاتب بصراحة عما نحن نتورع عن الاعتراف به، فما معنى الصدق لو لم يكشف ضعفًا وخواء،
ابحث عن الضعف في القصص العظيمة وستجد أنه عنصرا أساسيا في بنيتها الشعرية. (يحضرني الآن شاعرها الأبرز في تاريخ الأدب، خوان رولفو). إنك حين تغوص في قلب شخصية فلابد أن تصل إلى حقيقة ضعفها.
عموما الملاحظ عند جوجول أنه يعتمد على طريقة مزدوجة في حبكته، فهو في البداية يُقيم صرح القصة عن طريق الوصف المُسهب أحيانا لحياة عادية، بحيث يُكوّن عند القاريء خلفية واضحة بشكل متعمد على نحو ما، ثم فيما بعد يقوم بتفكيك هذا الشكل معتمدًا على ذاكرة القاريء، لصالح عنصر المفاجأة، لها تأثير درامي في البنية الراسخة للوصف الدقيق للهدوء والدعة والاستقرار.


صديق قديم جدًا

My rating: 4 of 5 stars


بسيطة لدرجة أنها غير قابلة للتأويل. أشعر أن مثل هذه الكتابة الأدبية تصلح لأن تكون سجلًّا لأمزجة الناس، الأمر الذي تعجز عنه كل الوسائل الحديثة وينفرد به الأدب دون غيره. من الجيد أن يكتشف الصانع سر فرادة صنعته ويتقنه. السرد من أهم وسائل أصلان التقنية للوصول لهذه الغاية، وقد صرت أعني مؤخرًا بطريقة السرد أكثر من غيرها من التقنيات (والحوار كذلك بطبيعة الحال)، ألفظ أي محاولة بائسة عاجزة عن توفير ذلك "الحد الأدنى" من السرد تحت أي مسمى ولو كانت إجتهادات حقيقية، عليها أن تظل في الظلام تبني نفسها حتى تستطيع أن تصل لذلك الحد الأدنى، حينئذ يمكنها أن تتشارك الأجواء بتلك الأرضية الصلبة.
لماذا أقول هذا الكلام؟
لأني قرأت هذه الرواية بعد عدة محاولات محبطة للتعرف على مثل تلك الاجتهادات والتي لم توفر ذلك الحد الأدني من السرد، ومع ذلك استطاعت - ليس فقط أن تتشارك الأجواء، بل أن تستحوذ عليها. علينا أن نركز على هؤلاء الذين يتقنون السرد، وعلى هؤلاء الذين لا يتقنونه أن يبقوا بعيداً قليلاً حتى يتأهّبوا كي لا يختلط الأدب بالمحاولات الصبيانية. لذلك فإني صرت أبحث عن هؤلاء الذين يتقنون السرد أكثر من أي وقت مضى لأن العالم يصير أكثر ظلامية بدونهم.

فيفالدي

My rating: 4 of 5 stars

يومُا ما سوف أفهم معنى الكونتربانط، والسلم الموسيقي، وأميّز النغمات الهارمونية،
وأقرأ النوتة الموسيقية، وأفرّق بين جميع أنواع المقطوعات الأوركسترالية، وأحدس كل الآلات التي أسمعها في أي كونشرتو أحبه، ثم أفهم الموسيقى عقلًا، حينئذٍ سأختار الفلوت أو الكمان لأتعلّم العزف، ثم.. ثم لن أجد أفضل من مقطوعات الصيف والربيع والخريف والشتاء لأحاكيها.
أحب فيفالدي لأني أحب أي أنثى تعزف مقطوعاته، أو أحب أي أنثى تعزف مقطوعات فيفالدي لأني أحبه: 


ما الذي يستطيع أن يؤثر على روح عازفة بهذا الشكل إلا إذا كان من حبٍّ أو سُكر، كتبها فيفالدي منذ ثلاثمائة عام، وأنا لست شيئًا في هذا الصرح الزمني.
فيفالدي أفضل من داعب أوتار الكمان، وحاكى أصوات الطبيعة، وأقنعنا بذلك كله.

كائن كونديرا الذي لا تُحتمل خفته

My rating: 3 of 5 stars

تروق لي المقارنة بين الواقعية السحرية لماركيز القائمة على تداعي الحدث، والواقعية السحرية لكونديرا القائمة على تداعي الكلمة بما تحمله من فلسفة.
لكني أحب الحكايات أكثر.


قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...