الأحد، 26 يوليو 2015

عرض مسرحي


   افتتح عمي السيرك الجديد، كان متفائلًا، قال إنه يجب أن يدرّ المال سريعًا لأنه سيقدم عروضًا غير مسبوقة. عمي هذا بكرش لكنه نشيط مع ذلك، قصير وسريع الحركة، ويصرخ في أي مكان ولأي سبب، وحين يفعل ذلك يضرب بقدمه اليسرى على الأرض محركًا من تحته موجة من الغضب تنذرهم جميعًا بمشاق لا طاقة لهم بها، لذلك فكان الجميع يعمل تمامًا كما يريد، لأنهم يخافونه ولأنه لن يتورّع عن استخدام أقذع الألفاظ في سبِّهم والتي غالبًا لا تأتي منفردة وإنما يُتبعها بجزاءات واستقطاعات ظالمة. أحضرني عمي لأنه يعتقد أني الأنسب لعرضه الجديد، وقد تم تدريبي بعناية. لم يصرخ فيّ أبدًا، فقط كنت أشاهده يفعل ذلك مع مرؤوسيه، وكنت أشاهدهم وهم يعملون لكن بحذر شديد، حتى أني لم أتخيل أحدهم يعمل في عدم وجود عمي، حتى أبسط العمال الذي كل مهمته تعليق الزينات، أصبح أخرسًا من شدة خوفه. كان من الواضح أنه يخاف عمي للدرجة التي تجعله يحذر وقوع الأشياء من يده فيُنبه بصوتها عمي إليه، لم يكن يعرف عملًا آخر، وفي حال خسارته فإنه سوف يصبح عاطلًا لفترة قد تطول وقد تقصر حسب ضربات الحظ لا حسب مهاراته أو خبراته التي تتكون من سبع سنوات من رفع ذراعيه مُعلِّقًا الزينات، كان يدرك ذلك جيّدًا، فكان يتحاشى غضب عمي مستجلبًا رضاه العسير بكل مقدرته، لكن كان ذلك على حساب خوفه. كان واضحًا في عينيه الخوف أكثر من حركة يديه المرتعشتين، كأنهما تريان شيئًا مروّعًا، شيئًا لا يستطيع أحدٌ غيره رؤيته. كان عمي يجول في الأنحاء يتابع العمل ويمارس سلطته الجائرة، فأوشك مصباح أن يسقط من بين يديه فوجدت نفسي بلا وعيٍ مني وأنا أراقبه أميل بجذعي كي ألتقطه، لكنه لحقه قبل أن يسقط. كان العمل في مجمله يقضي بتنفيذ أوامر عمي فحسب، لم يكن لأحد أن يتدخل فيه بأي شكل، كان له مساعدون عينهم لمعاونته في تنفيذ هذه الأوامر، حتى أنه، وفي مقابلة مع أحدهم، أخبره بعد أن بشره بقبوله في الوظيفة الجديدة، أن هؤلاء، وأشار برأسه إليهم وهم يعملون، مثل الخنازير حقيرة ونتنة ولا تؤدي ما عليها بغير الضرب مثل الحمير، استجاب له المساعد الجديد متفهّمًا، وكان أيضًا يخشى أن يفقد وظيفته الجديدة.

تم لعمي ما أراد من تجهيزات في المسرح. يستطيع الجميع الآن أن يتنفسوا الصعداء، ويمسحوا العرق عن جباههم من خلف الكواليس. الآن جاء دوري.
(العرض الأخير)

توقع عمي أعدادًا كبيرة حقًا لكن ليست بهذا الحجم الذي استقبله المسرح، ظل صامتًا لفترة طويلة.

استقبلني الجمهور بتصفيق طويل وراءه فضول، قدمت التحية فخفت التصفيق تدريجيًا وكان آخر مصفق صبيٍّ متحمس للعرض فظل يصفّق وحده طويلًا إلى أن أوقفته أمه. ثم بدأت فترة انتظارهم للعرض، وكان عمي يتابع من الصف الأول. ظللت أحدق في الجمهور كشخص عملاق مرعب. غاب عامل تعليق الزينات وقد طلب إجازة مفتوحة، عرفت أنه يعاني اكتئابًا حادًا، ليس لأن الضغط النفسي الواقع عليه لا يتناسب والراتب الحقير الذي يتقاضاه، ولكن لأنه اكتشف أنه يخاف أكثر من اللازم وأنه لو ظل عاملًا لتعليق الزينات في فرقة عمي فلسوف يظل أخرسًا دائمًا. طالت فترة صمتي وتحديقي في ذلك العملاق المرعب الذي يملأ المسرح. تناهى إلى سمعي همهمة مُتسائلة، أشار لي عمي بيده للأمام كأنه يقول لي "تقدّم". تقدمت نحوه وظن الجميع أن العرض قد بدأ، فكان منهم من تراجع بظهره للخلف، لكني في الحقيقة كنت أريد أن أتأكد من شيء غريب، شيئًا لم أتوقعه أبدًا، اقتربت كثيرًا حتى حافة المسرح -تماما في مواجهة عمي، وقد تأكدت أن وجهه يرتعش وحدقتاه تلمعان في خوف ورجاء. اندهشت، وأعترف أني كنت منتشيًا، مستريحًا، أرغب بشكل غير مفهوم أن أسمي ذلك راحة ضمير.

أشار لي عمي مرة أخرى -بشكل أكثر حزمًا- أن أرجع لوسط المسرح. كنت مشدودا لملامح خوفه تلك التي كانت غريبة عليّ، غير متوقّعة. أصبحت الهمهمة الآن صفيرًا وزعيق. وقف عمي وهو يميل بظهره للأمام وهو يشير بطول ذراعه أن أذهب فورًا لوسط المسرح وأبدأ العرض.

لاحظت أنه يلوي قدميه داخل حذائه من شدة خوفه. كان يتعرق، وجهه دامٍ.. أصبح مجنونًا. فكرت في عامل تعليق الزينات، لربما يستطيع أن يتخلص من اكتئابه لو شاهد كل هذا الخوف في عمي.

قلت له: أنت تخاف أيضًا يا عمي!

فصرخ وأخذ يشد شعره من جانبي رأسه، وصعد المسرح بسرعة عصبية، ظل يدق بقدمه ويلوّح ويتوعّد ويصرخ، لم أسمعه بوضوح بينما الجميع يتصايحون في فوضى عارمة وقد تفكك هذا الشخص المرعب العملاق إلى أشخاص كثيرين مزعجين يطلبون عرضًا دفعوا من أجله. لم يكفّوا عن الصراخ إلا وعمي يهوى بجسده المكتنز القصير على خشبة المسرح. تسمّر الجميع لفترة زمنية قصيرة ومكتنزة مثل عمي، مركزين أنظارهم على جسده المُطرح أرضًا، ثم خرجوا في صمت، وكان آخرهم ذلك الصبي الذي وقف على مقعده يتابع ما يحدث، جذبته أمه وحملته وخرجت. كان يضحك من أعلى كتف أمه وهو يشير لي بطول ذراعه أن أتقدم للأمام.

الأحد، 12 يوليو 2015

الإله والشيطان

اليوم هو غرّة شهر رمضان، ومن المفروغ منه ضمن الأدبيات الإسلامية، أن الشياطين، ودون أيّ ذرة شماتة، يتم تصفيدها لمعاونة أحباب الرب على متابعة واجباتهم الدينية، ولمّا كنت من محبي الشياطين، المقدّرين لما يفعلوه من أجلنا طوال العام، فقد واتتني فكرة أن أصفّدها بنفسي، لضمان ألا يصفدها الله، كان عليّ إذن إيجاد المكان المناسب لذلك، "وهل هناك ما هو أفضل من حجرة الفئران" هذا ما أوحاه إليّ شيطان لعين أراد أن يوقع زملاءه في حجرة الفئران، ابتسمت له، غمز لي، ولأجل تنفيذ هذه المهمة الشاقة فقد استعنت ببضعة عاهرات ومائتي جرام حشيش، وقنينتي نبيذ، وبضعة شتائم في الأديان مجتمعة، وانتقيت بضعة أشخاص طيبين ملتزمين بالصلاة في المسجد كي ألعنهم وألعن طيبتهم المملة. واستطعت بخطتي هذه أن أجذب إليها كل الشياطين حقّا وقد نجعت خطتي التي وصفها إبليس بنفسه بالخبيثة ضاحكًا. وقد جاء بنفسه ليستطلع نجاح مفعوله فيّ.. لم أكن أشعر بعد أني أتحوّل إلى شيطان وأنا أمزّق الملابس الداخلية لأطول العاهرات، في ظل صياح صديقاتها وتشجيعهن لي. كان أحد أتباع إبليس يناولني جرعات الحشيش، وكؤوس الخمر، كان الضحك يهز الغرفة في حين أن المسجد المجاور كان يؤدي صلاة الترواويح في هدوء جعلنا نضحك منه.. وبعد أن أتيت على كل الحشيش والنبيذ، ونامت العاهرات من التعب، ظللنا نلعب أنا والشياطين الكوتشينة، كنا نشعر بالملل، حينئذ ذكّرني الشيطان اللعين بخطتي التي كدت أن أنساها..فقمت في هدوء مستغلا حالة الملل والتعب، وأخذت في تقييد كل الشياطين الموجودة في الغرفة، وكانوا جميعًا يبكون قائلين: "غفرانك يارب، نتوب إليك" كانوا يعتقدون أنني الله الذي يصفدهم، كانوا غائبين عن الوعي بعد أن سرقوا مني قنينتي نبيذ ومائة جرام حشيش. ظللت أضحك عليهم، واعتبر أحدهم أن ذلك نذير سوء، أن يضحك الله منهم وهو يصفّدهم، وبعد أن تمكّنت منهم جميعًا، سحبتهم إلى غرفة الفئران، والتي كان يستخدمها أبي لترهيبي من ترك الصلاة. ألقيتهم فيها، ولما مرت أعوام على وجود الفئران في هذه الحجرة، فقد كبرت كثيرًا حتى أن بعضها أصبح يكبرني حجمًا، ألقيت الشياطين مصفّدة في الحجرة وأغلق الشيطان الخبيث الباب ضاحكًا من أصحابه، (وقد رأيت تركه ليسليني) كنا نسمع صياحهم الذي كان يبدو مرتعبًا من أزيز الفئران العالي. تركتهم لأنزل إلى حجرتي، لم أكن أعلم بعد وقد انتهت صلاة التراويح أني نفسي أصبحت إلهًا، كنت منتشيًا؛ ففي ليلة واحدة بدأت شيطانًا وانتهيت إلهًا.. فأنا من أطلقت الشياطين وأنا من صفدها.

الخميس، 9 يوليو 2015

الكلب


كان لأبي كلب كبير كنت أخاف منه ولا أكاد أقترب منه أبدًا ولم يحاول أبي أن يُبدد هذا الخوف، بل كان يطلقه في حديقة المنزل ويلعب معه وكنت أحبس نفسي في الغرفة، لم تسألني أمي أيضًا عن سبب خوفي، رغم أني متأكد أنها تعرف كل شيء، ورغم ذلك كانت تجلس مع أبي ليشاهدا الكلب وهو يقفز نشيطًا خلف الصحن الطائر الذين يلقيانه أمامه في فرح ونشوة، كان نباحه مثل ضحك طفل صغير بالنسبة إليهما. وذات يوم وأنا عائد من المدرسة أحمل حقيبتي الطويلة التي تصل إلى ربلتيّ ساقيّ، نبح الكلب خلفي، حينها صرخت رغما عني: بابا بابا، ماما. لم يجبني أحد، ظللت أجري في الحديقة بصعوبة بسبب ثقل الحقيبة وارتدادها المزعج عن ساقيّ والكلب يلاحقني بنباحه، اختفى والداي تمامًا، وفكرت أنهما إنما كانا يدربانه ليتمكن من اللحاق بي حتى أني اكتشفت أن الصحن الطائر الذي كان يلعب به بصحبتهما له نفس لون حقيبتي المدرسية. والآن- وهما ليسا موجودين- فالأمور تسير كما خططا له تماما. انقطعت أنفاسي وتعبت من الهرب، حاولت التعلق بجذع الشجرة لكني سقطت، ونمت متقوّسًا بسبب الحقيبة أسفل ظهري، كان الكلب يعض ساقي وينهش من لحمها، حاولت دفعه عني لكنه كان قد أمسك بساقي بين أنيابه، كان جائعًا شرهًا، كنت مرعوبًا لدرجة أن صوتي كان مُعطّلًا، كان والداي يتابعان من شرفة المنزل، همس أبي في أذن أمي، وكنت أسمعه كأنه يهمس في أذني أنا: "انظري إليه، يبدو أنه لم يعد خائفًا". كانت أمي تستند بطول ذراعها الأيسر على حافة الشرفة وذقنها مستريحة على راحة ذراعها الأيمن المتّكئ بكوعه على الحافة. كانت تفكر بعمق، وأبي كرر مرة أخرى هامسًا لنفسه: لم يعد خائفًا.

بعدما أكل الكلب وشبع، اختفى أبي من الشرفة، حينئذ لوحت لأمي وكنت أخاف أن أفعل في حضور أبي. لكنها كانت مستغرقة، تفكّر في شيءٍ يبدو مصيريًا، ثم دخلت الغرفة وأغلقت خلفها الباب ولم تعد. نام الكلب جواري وفي معدته لحم ساقيّ وقد اكتفى بلحس عظامي التي أصبحت أكثر بياضًا، ثم أخذ يمسح ما علق حول خطمه بلسانه.

اتكأت على عظمتي ساقيّ وتبعني الكلب الذي كان يلاحق الحقيبة مدلدلًا لسانه الطويل. دخلت المنزل، وحين وجدت الصحن رميته في الحديقة فجرى الكلب وراءه. أغلقت الباب وصحت: "ماما"، ارتدّ صدى الصوت إليّ: "ماما"، شعرت بالخوف منها فجأة، وتراجعت عن البحث عنها. ظللت واقفا على عظمتيّ ساقيّ وسط بهو بيتنا الواسع الذي ما رأيته كثيرًا بسبب أنني كنت أحبس نفسي في الغرفة بعيدًا عن الكلب، حتى أني وللمرة الأولى ألاحظ تفاصيل العمود الضخم الذي يصد أية نظرة تطال أي جدار خلفه، كانت به تشكيلات لولبية من قطع السيراميك اللامع، في شرائط متجاورة باللون الأحمر والقرمزي والأصفر لينتهي عند السقف بتاج ضخم مصنوع من الجص مُضاء بأنوار خافتة. في بيتنا أشياء جميلة حقًا لكن لم يسنح الوقت أبدًا لرؤيتها. والآن أنا وحيد مع الكلب بعدما اختفيا من البيت ظنًّا منهما أني لم أعد خائفًا، لكني في الحقيقة الآن ميّت.

الأحد، 22 مارس 2015

عن الحكايات التي يطول شرحها

اليوم قررت أن أتوقّف عن قراءة الكتب، سألني صديق عن سبب هذا القرار الذي بدا له غير مألوفًا، قلت: "الحكاية يطول شرحها"، وهذا النوع من الحكايات بالذات هي ما يكتب الكتّاب من أجلها، فالحكايات مهما طال شرحها، فإن هناك فرصة ذهبية لكتابتها، بل إن الكتب مُخصصة في الأساس لحكايات يطول شرحها، وكلما ضاق أحدهم باختصار الكلام فإنه يكتب كتابًا، لأنه دائمًا يفكّر في حكايات يطول شرحها ولابد من شرحها، وهذا ما يجعل الكتاب عازفين عن الخروج للعالم عبر شاشات التلفاز أو الأثير الإذاعي، لأن هذه الوسائل تطلب دائمًا الحكايات القصيرة نسبيًا التي تتيح الفرصة ليقول المذيع أو المذيعة: "سوف نخرج في فاصل قصير ونعود من جديد"، هذه الجملة- كما هو واضح- معادية تمامًا لفكرة "الحكايات التي يطول شرحها" والملل الذي يكسو وجه الكاتب في هذه اللقاءات التلفزيونية ليس نابع بالطبع من روحه، لكن بسبب عدم قدرته على تحمل هذا الصراع بين القِصر الذي يفرضه ملوك الإعلانات وبين الطول الذي تخصّص له ومنح له كل كيانه بل وحياته القصيرة نسبيًا، وحين يكون مطالبًا أن يشرح ما يطول شرحة في مدة لقاء قصير فإنه يضطر أن يدخل هذا الحيز المأساوي الذي فرضته الإعلانات، وهو في هذا الموقف يقدم إختصارات متتابعة لكل حكاياته الطويلة فيبدو مشوّشًا لأن هذا الجو الذي فُرض عليه سلب منه أكثر تضحياته قربًا إلى قلبه؛ وهو أن يمنح حياته القصيرة نسبيًا للحكايات التي يطول شرحها، ومن دون أن يدري، تتحوّل هذه الاختصارات القصيرة إلى إعلانات؛ بطلها ليس فتاة شقراء ولكن كاتب يشعر بالضجر، والنتيجة التي توصّل إليها الجميع من ذلك أن الميديا لا تقدّم الكتاب بشكل صحيح، لكن ذلك الفرض خاطيء منطقيًا، فالميديا لا تقدم كتّابًا بل إعلانات قصيرة نسبيًا تختصر المنتج في فتاة جميلة شقراء غالبًا، لأن الشهوة أقصر الحكايات التي يحب الجميع أن يستمع إليها، وأكثرها دهشة أيضًا، والكتّاب –كما ذكرت مرارًا– لا يكتبون إلا الحكايات التي يطول شرحها وهم بهذا يضعون أنفسهم في مواجهة الشهوة والدهشة- أيقونتيّ القِصر، فيظهروا باردين مملين- أيقونتيّ الطول، وهذه الصورة التي تقدمها الميديا هي بالضبط حقيقتهم التي ينكرها عليهم الكثيرون، فهذا البرود وهذا الملل دائمًا وراءه حكايات يطول شرحها ويعجز عن شرحها طبقًا لقواعد الميديا. ولا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في هذه القضية، لكن الفرق أننا لا نراهم مملين بل مدهشين مثل الشهوة مثل الفتيات الشقر تمامًا، وليسوا باردين، لأنهم احتفظوا بنفس الصيغة التي يعرضون بها حكاياتهم الطويلة نسبيًا وهي الكتابة وليس العرض التلفزيوني الإعلاني. وهناك صيغ مُبتكرة تعبّر عن تلك الدهشة التي تحمل رائحة الشهوة، هناك مثلًا صيغة "هذا أكثر شيء.." أو "أعظم فيديو رأيته" أو "تلك الفتاة أجمل كائن على الكوكب" أو "دهشة"، "أنا مندهش.." "أغرب.." كل تلك الصيغ المُبتذلة المبعثرة في كل صفحات هذه المواقع اختصرت الكثير من الكلام الذي يطول شرحه، ليتم الزج بها مباشرة في عقول القرّاء مثل عضو ذكري يتم الزج به فرج امرأة بدون المقدمات الطويلة للحب. كل ذلك يشير إلى شيء واحد، أن الدهشة الجديدة تقوّض برودنا الفطري الذي نتّسم به ككائنات تمارس وجودها الزائل مثل كل الكائنات الأخرى، لا أحد يتمنى مثلًا أن يرجع لعصر ما قبل داروين.. فداروين كان معروف عنه البرود، وببروده اكتشف أننا كائنات باردة مثل الكائنات الأخرى، لا شيء مميز فينا. وبهذا فإننا أمام ظاهرة أخطر وهي أن الكتّاب لن يصبحوا مملين أو باردين أمام الحكايات القصيرة الدعائية التي لها مفعول الشهوة، وبالتالي فإن الحكايات التي يطول شرحها في خطر حقيقي أمام هذا البديل المُغري، لأنهم لن يجدوا حينئذ مبررًا لأن يقولوا "حكايتي يطول شرحها"، فمواقع التواصل الاجتماعي تقدم الحل السحري بدون التعرض لقوانين الميديا الإعلانية، وقد منحته أيضًا شعور الكتابة بدون أي تضحيات من جانبه. كل ذلك يؤكد أن الملل والبرود في خطر.

الخميس، 26 فبراير 2015

الجمال النائم


دعته فقط لتريه الضباب الذي تخرجه من فمها، قالت: " فقط تعال". في العادة، وضمن العادات الذكورية المتشيطنة، فكلمة "تعال" حينما تحل في نهاية جملة أنثوية، فإنها تحمل معانِ أكثر من "سأريك الضباب الذي يخرج من فمي" على هذا الأساس فقد ذهب، لأنه انتظر كلمة تعال هذه منذ المرّة الأولى التي التقيا فيها، حيث كانا يستخدمان باستمرار وبدون كلل جملة "حسنًا يمكننا أن نذهب سويًا إلى الأوبرا"، كأنهما يتسابقان على من يمكنه أن يتوخى التلفّظ بكلمة "تعال"، ومع ذلك فكانا يعلمان جيّدًا أن الفائز في هذا السباق هو نفسه من يلفظها أولًا.
وفي تلك الليلة التي دعته فيها وقالت "سأريك الضباب الذي يخرج من فمي" أطلقت ضحكة، وكانت تريد أن تقول: "لقد فزت يا عزيزي في السباق"، ضحك أيضًا، وكان يريد أن يقول: "على الرحب والسعة". حكت له في الهاتف عن كيف يبدو لها الضباب جميلًا جدًا حين تخرجه من فمها، "أبيض مثل السحاب" قالت، واقترحت أن يخرجا الليلة، لا إلى الأوبرا، ولكن ليتسكعا على الكورنيش وهما يزفران الضباب من فمهما. كان اقتراحها بألا يذهبا إلى الأوبرا هو انقلابها على المكان الذي لطالما احتضن دائمًا كلمة "سويًا"، أصبح الأوبرا يمثل لها الآن ماضي الخجل من "تعال".
كان شغفهما بموسيقى تشايكوفسكي هو الذي جمعهما على الأوبرا، كانت له القوة في علاقتهما هذه. وإذ أن علاقة جديدة تتشكّل بينهما الآن على أساس كلمة تعال، لا على حفل لتشايكوفسكي، فإنه كان يتوخى الحذر فيما يجب أن يرد به، فهما يستطيعان أن يلوما تشايكوفسكي على فشل علاقتهما، لكن من يتحمل فشل علاقة قائمة على كلمة تعال، قال لها: "وماذا عن الجمال النائم، سنفوت الحفل" وهنا قالت له مؤكّدة: "فقط تعال"، شعر بنبرة صوتها وكأنها تقول: "أعرف فيما تفكر"، قال لها: "أنا أيضًا أريد أن أريكِ الضباب الذي أخرجه من فمي".
كان كل منهما يبدو للآخر كمن يلقي ألغازًا جميلة، ألغازًا لا تُحلّ أبدًا، وهذا هو جمال الحب الذي كانا يضحكان منه. كان الضباب هو شفرتهما السرية ليقولا من خلالها "أنا أحبك"، تحررت شفتاها بعد شهرين من العلاقة الجامدة، لتصبح الآن قادرة على زفر الضباب من بينهما، ودعته لذلك ليحتفلا معًا بهذه المناسبة.

كل خطوة كان يخطوها داخل شقتها كان يتخلص فيها من أفكاره القديمة المتعلقة بتشايكوفسكي، التي ظلت بدورها متعلقة بها طيلة الشهرين الفائتين، وحين تخلّص في النهاية- في اللحظة التي جلس فيها على الأريكة- من كل أفكاره القديمة تلك، انسلخ منه هذا الشخص التي تكوّنه هذه الأفكار، وحين خرج هذا الشخص من شقتها، أغلقت هي الباب وعادت لتحتفل بانتصاره الخاص وقد عبرت عن ذلك بنظرة مثيرة. بقى جالسًا منتظرًا وعدها له بأن تريه الضباب الذي يخرج من فمها، الأمر الذي لم يفكر فيه بهذه الرغبة قبل دخوله شقتها وبالأخص قبل نظرتها المثيرة له. أما هي فقد تخلّصت من أفكارها القديمة بطريقة مغايرة له، فعلى عكس الشخص الوهمي الذي تحرر منه في تلك اللحظة، تحررت هي من ملابسها: فكرتها القديمة المتعلقة بالالتزام والاحترام المتبادل، المتعلقة بدورها بالزي الرسمي لحفلات الأوبرا، وكانت هناك موسيقى راقصة تخرج من باب غرفة نومها. وبعد أن تخلص كل منهما من أفكارهما القديمة أصبح من السهل الآن أن يمارسا الحب دون سلطة منهما، وكانت صادقة حين قالت: سأريك الضباب الذي يخرج من فمي، وكذلك كان.

وعلى الكورنيش كانا يزفران الضباب ويضحكان، في الوقت الذي بدأ فيه حفل الجمال النائم لتشايكوفسكي في الأوبرا.

الاثنين، 16 فبراير 2015

الأبله

My rating: 2 of 5 stars

منذ عام تقريبًا كنت قد استمعت إلى مسرحية اسمها "الليالي البيضاء" مسجلة إذاعيًا، أربكت كل حساباتي بشأن دوستويفسكي، ولم أصدق أن صاحب هذه القامة العالية وهذه السُمعة التي تشبه اليقين عند من لم يقرأه، من ممكن أن ينجرف نحو هذا النوع من الكتابات التي تخوض في العاطفة بشكل مبتذل ورخيص، حتى أنني –وحفاظًا على صورة دوستويفسكي التي لا أتمنى أن أخسرها- أرجعت الأمر لتحريف في النص أو ضعف في آداء الممثلين، لكن ذلك لم ينل تمامًا من انطباعي عنه واعتبرتها واحدة من زلاته خصوصًا وأنه كاتب غزير الإنتاج، وكانت رواياته الكبيرة لا تزال تحتفظ بهالتها عندي (الجريمة والعقاب- الإخوة كارامازوف- الشياطين- الأبله..) واليوم أقرر أنني لن أستمر في قراءة هذه الرواية الأخيرة، وأعتقد أن صورة دوستويفسكي بدأت تنهار أمامي، إلا أن تنقذها روايتاه (الجريمة والعقاب- الإخوة كارامازوف) لا أعرف يقينًا متى سأقرر قراءتهما، إلا أنني مُحبط كثيرًا.
قصة ماريا التي ذكرها في بداية الرواية، وتصويره لحكم الإعدام، كانتا مُدهشتين لدرجة جعلتني أستمر في القراءة على أمل أن أجد شيئًا شبيهًا بهما- في طريقة الحبكة والتصوير. هاتين القصتين هما النظير المماثل لصورة دوستويفسكي التي احتفظت بها طويلًا في مخيلتي. ذكرهما البطل (الأمير ميشكين) بصورة عارضة، بعيدًا عن الحدث الرئيسي للرواية.
لكن الرواية نفسها، فلا أعرف يقينًا ما الذي يريده دوستويفسكي منها، ولست مهتمًا أن أعرف، لأنه من الواضح كم التخبط والفوضى في الأحداث. اعتمد دوستويفسكي بشكل كامل على المصادفات، كلها مصادفات مفتعلة يريد منها أن يصل إلى أحداثه التي رسمها للرواية، لدرجة أن الجزء الأول من الرواية (أكثر 300 صفحة) تحكي أحداث اليوم الأول فقط!
أيضًا العلاقات الغير مفهومة بين الأبطال؛ يبني من خلالها أحداثه الدرامية، وتصويره لآلام الشخصيات قائم أصلًا على علاقات غير مقنعة، فتبدو كأنها آلام من لا شيء، وكان ذلك ما شجعني على عدم إتمام الرواية حتى نهايتها: لأنه من الصعب أن أقتنع بأحداث قادمة- مهما وصلت ذروتها- قائمة على هذه الفوضى!
في مسرحية الليالي البيضاء كان دوستويفسكي يريد أن يوجه رسالة للقاريء وهي: "أرجوك ابك فهذا مؤلم". لا أعتقد أنه ابتعد كثيرًا عن هذه الرسالة في الأبله، واضح أن دوستويفسكي عائم على مستنقع فوضوي من العاطفة.
أما بخصوص الترجمة فبالإضافة للتكرار السخيف للحرف "إن" في بداية معظم الجمل على سبيل أن "إن حرف تأكيد" كأنه يترجم مجموعة مقالات مثلًا، فلم أجد موضع هذه العبقرية المشهودة للمترجم، بالعكس؛ الترجمة ضعيفة ولابد أن يكون هناك ما هو أفضل، إلا أن تكون هذا العبقرية والشهرة قائمة على الكم الذي نقله المترجم من الفرنسية إلى العربية، حينئذٍ لا يسعني إلا أن أقول "حسنًا!"


السبت، 7 فبراير 2015

داروين مترددًا: نظرة مقربة لتشارلز داروين وكيف وضع نظريته عن التطور

My rating: 4 of 5 stars

كتاب سيري جيد جدًا، لكنه مشوّش من الناحية العلمية. قبل قراءته كانت معلوماتي حول داروين طفيفة ومحدودة، لذلك فلا شك أن هذا الكتاب قد أضاف الكثير.
ما توصّلت إليه أن داروين قدّم تفسيرًا هو أفضل التفسيرات المقبولة، وما يتم اكتشافه من حفريات وأدلة جيولوجية وجينية تثبت ذلك يومًا بعد يوم. لا أعرف إذا كان داروين محظوظًا أم لا ليكون واحد من أكثر العلماء المُجابهين وجهًا لوجه لفكرة الإله، ربما وضع نفسه، عن غير قصد، مكانه، ولا أظنه –وهو المتشكك المُتعب الذي تشوشه مثل هذه الأسئلة- يكون راضيًا بهذا الوضع.
في رأيي أن وصوله لهذا التشوش أمر طبيعي بعد إرهاق نفسه بسؤال: "أيكون كل هذا الشر الموجود في العالم من وراءه إله؟"- هذا من أكثر الأسئلة سذاجة على الإطلاق يطرحها الملحدون، لأن وجود إله يجعل من المنطق وجود شر في العالم يُجزى عنه ضحاياه بالخير الأخروي الأزلي حتى تُعطى قيمة لصراع الحياة. وبالتالي فلا تعارض بين وجود الإله والشر معًا في كون واحد. لكن على كل حال لم يكن هذا وحده دافع داروين لمعتقده، بل هوسه بالأدلة المادية وإيمانه بها، في الحقيقة ساعده ذلك كثيرًا على التوصّل لنظريته. لو كان متديّنًا لما تجرّأ.
معاداة داروين أيضًا مثيرة للاشمئزاز (المعاداة الفكرية القائمة على المعتقد) لأنه في النهاية قدّم نظرية علمية مبنية على عشرات السنين من الأبحاث والملاحظات الدقيقة والعمل الجاد، لا من وحي الشيطان، وحتى لو تم انتقاده فلابد أن يكون ذلك من نفس الاتجاه: "جمع الأدلة المادية" ولو تم التوصل لرأي آخر أكثر ترجيحًا فلا أعتقد أن ذلك يسيء لرجل عاش حياته مبُجلًا للعلم والأسلوب العلمي في التفكير والاستقصاء، بل سيُذكر ذلك من مآثره وإسهاماته. أقدم هذا السيناريو فقط لأني مؤمنًا بداروين كعالم لا غير، كرجل اتّبع عقله كغيره من العلماء العِظام، لا بديل إله أو حتى دليل إدانة ضد الإله، وأيضًا أنا لا أجرؤ على انتقاده حتى أكون متبحّرًا في هذا المجال، مثل أن أكون قادرًا مثلًا على نقد النسبية بعد أن أُبحر فيها، وأنا لست متحمّسًا لذلك، حتى وإن كانت قراءة "أصل الأنواع" وفهم نظرية داروين نقطة فاصلة لتحديد موقف محدد من المعتقد أو البت في قضية حسّاسة، فهذا أمر لا يعنيني تمامًا، داروين نفسه مات مُشوّشًا، ولم يكن ملحدًا. لهذا فالقضية أزلية دائمة في الإستمرارية، ربما لم يفعل داروين شيء سوى إيقاظها في رؤوس البعض. رغم أن نظريته كانت في الأساس قائمة على الملاحظة والشغف والتسلسل المنطقي، الأمر الذي قد يستوعبه أي شخص مثلما استوعبها الشغوف رسل والاس، الذي لم يكن متعلمًا ولا مبحرًا في البيولوجيًا، لكنه كان شغوفًا ولديه اهتمامته وطموحاته. لذا فمن لديه الشغف العلمي ذلك فليبحر.
أنا حقًا استمتعت بهذه السيرة اللطيفة.

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...