السبت، 21 سبتمبر 2013

فنانون عالميون - الجزء الأول : كلود مونيه - بول جوجان - فنسنت فان جوخ

My rating: 4 of 5 stars


المراجعات أيضا لها مدارسها

على غرار مدارس الفن التشكيلى، من اتجاه كلاسيكى، رومانتيكى، وانطباعى،.. والتى غالبا ما يجتمع تحت مظلتها الأدب والموسيقى وفن التصوير، فتجد كل هذه الفنون تجتمع تحت مدارس متشابهة فى الاتجاه، فإن مراجعات الكتب أيضا لها مدارسها، فهناك الذى يتبع أسلوبا محافظا فى المراجعة هدفه هو نقل صورة واضحة عن الكتاب ومحتواه، يضع لنفسه ضوابط محددة لا يخرج عنها، هذا يندرج تحت المدرسة الكلاسيكية، وآخر يُفضّل أن يعبر عن انطباعه الذى تركه الكتاب فيه فيُثرى مراجعته بآرائه التى غالبا ما تخرج عن محتوى الكتاب ويكون حُرًّا فى آرائه كيف يعبر عنها لا حدود تحده، هذا يتبع المدرسة الانطباعية. وآخر يُفضل أن يعبر بطريقة درامية تحت تأثير عاطفى تركه فيه الكتاب، فينقل رأيه عن الكتاب فى صورة رومانسية تعجّ بالدراما، هذا يتأثّر بالمدرسة الرومانتيكيّة..

أنا دائماً فى مراجعاتى أفضل المدرسة الانطباعية، لكنى فى هذه المراجعة سأتبع خُطى المدرسة الكلاسيكية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب يتحدث عن ثلاثة من رواد الفن التشكيلى خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، هم على الترتيب؛ كلود مونيه، بول جوجان، فينسنت فان جوخ..
لكنى سأتحدث عنهم بترتيبى الخاص؛ فينسنت فان جوخ، كلود مونيه، بول جوجان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
VINCENT VAN GOGH

حين تتحدث عن أكثر العباقرة شقاءًا فى الحياة فلابد أن تذكر منهم كافكا، وفينسنت فان جوخ.

كان مصدر إلهام فان جوخ هو تعاسته ووحدته، وصراعه مع معاناته النفسية، ومع ذلك تجده يصور آلام البسطاء بدافع طيبته ونقاءه وإحساسه، حتى أنه حاول الاشتغال ككاهن لاعتقاده أن هذا أنسب طريق لمساعدة الآخرين لكنه رسب مرتين فى اختبار اللاهوت، فاشتغل واعظاً اجتماعياً خلال فترة تواجده فى مدينة بوريناج وكان دائما مؤازراً لعمال الفحم الذين كانوا دائمى الاحتجاج على أوضاعهم القاسية..

فتُظهر هذه اللوحة "زوجات عمال الفحم" معاناتهن فى حمل أكياس الفحم وهن عائدات إلى منازلهن، حتى تكاد تستشعر مدى ثقلها على ظهورهن المقوسة.

فى تلك الفترة من حياة فان جوخ فإن المدرسة الانطباعية كانت فى أوجها، فتأثر بهم وبرائدها كلود مونيه، وحاول فى لوحاته التعبير عن انطباعاته ورؤيته الشخصية بضربات الفرشاة السريعة وألوانه المفعمة بالحياة (يمكنك أن تجرى بحثا على صور جوجل عن أعمال فان جوخ حتى تمتليء شاشة الحاسوب لديك بالألوان والحيوية) فكان يمكنه أن ينجز لوحة كل يوم، على خلاف الرومانتيكية والواقعية التى كانت تهتم بالتفاصيل..

شعوره بالوحدة الدائمة، آماله التى لم تتحقق (فان جوخ لم يبع سوى لوحة واحدة خلال حياته)، صداقاته التى دائماً ما تفشل، كل تلك الأسباب قادته إلى أمراضه النفسية، وتواجده فى مستشفى الأمراض العقلية ثم محاولته الدائمة للانتحار. قطع فان جوخ جزء من أذنه اليسرى بعد مشادة عنيفة مع بول جوجان رحل على إثرها جوجان إلى باريس تاركاً صديقه فان جوخ وحيدا، وبعدها دخل المستشفى وصور أهم أعماله داخلها، ومات فان جوخ بعدأن أطلق على صدره رصاصة لينهى بها حياته التعيسة، وهو لا يعرف أنه سيصبح من أهم فنانى العالم..
ـــــ
فن فان جوخ

أهم ما يميز لوحات فان جوخ هى خطوطه الانسيابية والتى دائما ما تتعارض مع الأبعاد الحقيقية فترى فى هذه اللوحة فان جوخ يصور كنيسة أوفير كأنها مفرودة مما يعطى انطباعا بالحركة والحيوية

فان جوخ وبول جوجان


كان فان جوخ يحلم بأن يضم الاستوديو الخاص به والذى أسماه استوديو الجنوب طائفة واسعة من الفنانين يتشاركون فيه أفكارهم ورؤاهم فى الفن، وكانت خطوته الأولى أن يضم صديقه بول جوجان وقبل وصول جوجان كان فان جوخ متحمسا للأمر حتى أنه احتفالا بمقدم جوجان رسم مجموعة من لوحات زهور عباد الشمس ذى اللون الأصفر والبرتقالى تعبيرا عن بهجته

وتعبيرا عن طبيعة شخصية جوجان رسم فان جوخ المقعد الخاص به، والذى يعبر عن شخصية جوجان القوية والتى تعبر عنها كثرة المنحنيات والأقواس وشكل المسند المريح، بينما رسم فان جوخ لنفسه كرسيا بسيطا لمصور قروى

من أول اعمال فان جوخ المميزة هى لوحة "آكلو البطاطس" فى هذه اللوحة يعبر فيها فان جوخ عن قسوة حياة عمال المناجم، ومع ذلك هناك مسحة من الرضا على وجوههم التى ينعكس منها ضوء الشمعة المعلق على سقف المنزل، وجميعهم يتناولون العشاء ويحتسون القهوة..
لوحة الصرخة

اعتقدت كثيرا أن لوحة الصرخة هى لوحة لفان جوخ لما فيها من استخدام جريء للألوان وحيوية فى الخطوط هذا بالإضافة للبؤس والشقاء الذى تعبر عنه اللوحة، واتضح أن تلك اللوحة لفنان آخر هو إدوارد مونخ، وهو فى هذه اللوحة متأثر بأعمال فان جوخ..

من لوحات فان جوخ العظيمة أيضا والتى لم يتضمنها الكتاب للأسف هى لوحة "عند باب الخلود" والتى رسمها قبل أيام من انتحاره

من مقولات فان جوخ:
"سأكون فقيراً، وسأكون فناناً، لأننى أريد أن أكون إنسانا"

وحين مات فان جوخ نعاه الدكتور جاشيه وهو صديقه وطبيبه النفسى:
"لقد كان رجلاً أميناً، وفناناً عظيماً، وكان له هدفان فقط، هما الإنسانية، والفن. فقد أحب الفن فوق أى شيء، وفنه هو ما سيبقيه حيًّا"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
CLUDE MONET

لم يكن يتخيل أحد أنه سيأتى يوم ويتم فيه تصوير شيء فى لوحة على خلاف ما هم معتادون على رؤيته، أو أن يتم تحريف الشكل الطبيعى للأشخاص والأشياء، فكان مجرد نقل الصورة كما هى شيء من الأمانة، فحتى حين تطورت مدارس الفن سواء من العصر الكلاسيكى أو الرومانتيكى أو حتى عصر الباروك، فكانت كلها تنقل واقع الأشكال كما هى بدقة متناهية، إلى أن أتى كلود مونيه، وأعطى تعريف آخر للتصوير، وهو أن يصور الفنان انطباعه الشخصى لما يراه، وكان من أوائل الفنانين الذين خرجوا ليصور لوحاته فى الهواء الطلق لينقل تأثير الطبيعة مباشرة إلى لوحاته، وتُعتبر لوحة "انطباع غروب الشمس" هى البداية التى انطلقت منها المدرسة الانطباعية والذى جاء اسمها من اسم لوحة كلود مونيه.

واضح أن كلود مونيه لم يرد تصوير مشهد للغروب بدقة متناهية كما يفعل الكلاسيكيون، إلا أنه أراد إظهار الشمس وسط السماء وانعكاسها الواضح على وجه الماء ذى الموجات الصغيرة والمبانى غير الواضحة فى شيء لا يبرز سوى الغروب فقط، فكأن كل عناصر اللوحة اتحدت من أجل عنصر واحد هو الغروب.. فيقول مونيه عن هذه اللوحة أنها تسجيل حالة لا تصوير مظهر..

فى البداية لم يتقبل الناس هذا النوع من اللوحات إلا أنهم بمرور الوقت وكنتيجة للتطور الذى شهدته أوروبا فى شتى المجالات فقد قبلوا فى النهاية هذا التطور فى فن التصوير وأقبلوا عليه


فى هذه اللوحة استخدم مونيه تقنيات جديدة للضوء والظل، حيث أن الجو شتوى والأرض مغطاة بالجليد، ويستخدم مونيه ضوء الشمس الحاد فتنعكس الظلال بدرجات لونية متعددة، هذا بالإضافة للطائر القابع على البوابة الخشبية.. كل تلك التفاصيل تلفت الانتباه وتعطى جوا دراميا وحيويا بين ضوء الشمس والجليد والحياة متمثلة فى طائر العقعق.

رسم مونيه هذه اللوحة (أكوام القش) 25 مرة فى أوقات مختلفة، ولكل لوحة "انطباع" مختلف عن الأخرى
ـــــــــــــ
من لوحات كلود مونيه الرائعة التى لم يتضمنها الكتاب:

لوحة سيدة المظلة

وهذه لوحة الحب رغم الحروب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PAUL GAUGUIN
علاقتى متوترة مع هذا الرجل الصلف. كانت لآراءه القاسية فى أعمال فان جوخ وترديده بأنها رديئة وأن أعماله هى الجيدة، كان لذلك أثره النفسى على فان جوخ، وحدثت المشادة بينهما والتى ساءت بعدها حالة فان جوخ النفسية وانتحر على إثرها.. ولم يحضر جوجان جنازته

رسَم بول جوجان هذه اللوحة أثناء إقامته مع فان جوخ وهى تصور فان جوخ وهو يرسم إحدى لوحات زهور عباد الشمس.


إلا أنه يمكننا أن نذكر أن حبه للجزر الاستوائية دفعته للمعيشة فى جزيرة تاهيتى بدلا من المدن الصناعية، وله مواقفه المشهودة فى وجه الاحتلال الفرنسى ضد سكان تاهيتى، فكان دائما مناصرهم فى الواقع وفى فنه، وتلك بعض لوحاته عن سكان تاهيتى:
"فتاتان من تاهيتى"


"المرأة ذات الزهرة"


ـــــــــــــــ
لكن حياته هو الآخر لم تنجُ من التعاسة فقد حاول الانتحار بعد وفاة ابنته، فذهب إلى الغابة وتناول كميات كبيرة من السم إلا أنه لم يمت وعاد إلى كوخه زاحفاً!
وصور مجموعة من أروع لوحاته:


ـــــــــــــــــــــــــــــــ
وفى نهاية هذه المراجعة، أود أن أختم بمقولة فى حب باريس، تلك المدينة التى كانت كالحلم فى تلك الفترة من نهاية القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، كل هذا الفن، كل هذه الموسيقى، كل هذا الأدب، لابد أنها كانت حلماً: "إذا واتاك الحظ بما فيه الكفاية لتعيش في باريس وأنت شاب، فإن ذكراها ستبقى معك أينما ذهبت طوال حياتك، لأن باريس وليمة متنقلة"- إرنست همنجواى
__

ﻓﻨﺎﻧﻮﻥ ﻋﺎﻟﻤﻴﻮﻥ - ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ:

ﻓﻨﺎﻧﻮﻥ ﻋﺎﻟﻤﻴﻮﻥ - ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ:

عبقرية محمد | العقاد

My rating: 5 of 5 stars


لماذا دائماً الرحيق المختوم؟! كأنه الكتاب المُنزّل ليس من عند بشر!
تخيلت عبثاً حواراً كهذا:
س: لو سمحت عايز اقرا كتاب عن السيرة؟
ص: طبعا الرحيق المختوم
ـــــ
س: بقولك ايه يا عمّنا عايز اقرا فى السيرة؟
ل: هو فيه غيره طبعا الرحيق المختووووم
ـــــ
س: ممكن يا عم الشيخ ترشحلى كتاب عن السيرة؟
ش: أما بعد؛ الرحيق المختوم يا أخى (وبالمناسبة قرأت الكتاب بترشيح من شيخ مسجدنا)
ـــــ
ك: بقولك إيه يا كابتن متعرفش كتاب حلو عن السيرة؟
س: اتكل على الله يابنى أنا ملحد
ـــــ
قد تكون هذه نهاية الرفيق (س) بعد أن أضناه البحث كثيرا عن هذا الكتاب العظيم الشامل لكل جوانب العظمة..
هل لاحظت مرةً أن تقريبا كل كتبنا الإسلامية تقييمها أعلى من 4 .. أليس غريباً هذا؟! أم أن عبقرية المسلمين لا تظهر إلا فى تأليف الكتب الإسلامية!!
لماذا نعجز عن نقد كتاب إذا ارتدى عباءة الدين؟ ولماذا إن وجّهنا هذا النقد يكون بحذرٍ؟ لماذا لا نوجه النقد اللاذع للكاتب، فلعل بالنقد هذا ينصلح التفكير ويتم تقويمه بصورة سليمة؟ّ!
أعتقد أن فى مرحلة مبكرة أعطيت كتاب الرحيق المختوم 4 نجوم وعللت ذلك بتحفظ شديد: ان الكتاب ركز البحث فى الغزوات عن غيرها..
صدقنى لو كان الكتاب يتحدث عن شخصية عادية وركز على جانب واحد من حياته، لكان الكاتب يغلى فى قدور النقد التى لا ترحم.. فما بالك بأعظم وأهم شخصية على مر التاريخ، ألا يكون البحث أجدر بالشمول!
ـــــ
لا أخفى سرّا أنى أشعر فى كثير من الأحيان بميل أكثر لشخصية عمر بن الخطاب، هذا الرجل عبقرىّ بحق، كل أفعاله تنم عن شخصية فريدة، عقلية إنسانية لامثيل لها، فقد تم تناول حياته وسيرته بطريقة رائعة بلا توجس من كونه مرسل من السماء فتحوطه عوامل دخيلة فتبعد عن شخص عمر الإنسان.. هذا بالطبع بسبب تنطع الكثيرين لإصرارهم على طريقة واحدة لتناول السيرة، وهى دراسة محمد ليس المجبول على الخير من نفسه وإنما المجبول على الخير بالوحى، فقد شاهدت مرة مثلا الشيخ الشعراوى يُلمّح إلى كتاب يتحدث عن عبقرية محمد فأخذته الحمية وهو يُهاجم مؤلف الكتاب مُصرّا على أنه موحى إليه وأنه يجب تناول السيرة على هذا الأساس.. وطبعا يتم الانحياز دائماً لآراء الشيوخ من ذوى الكاريزما الجبارة، فنحن مجتمعات تؤثر فينا الكاريزما أكثر من الكتب..
ـــــ
فى هذا الكتاب تناول العقاد شخصية الرسول بطريقة عبقرية، تحليل غير تقليدى بعيدا عن طريقة الكتب التقليدية، سيرة تُعيد إليك صورة زاهية لإنسان هو بشر مثلنا، لكنه ارتقى إلى مراتب الكمال.. الكتاب عبقرية العبقرية.
كانت هناك محاولة من عبد الرحمن الشرقاوى لفعل تأثير يشبه ما فعله العقاد فى كتابه محمد رسول الحرية، تحت ادعاء إنه موجه بالأساس لغير المسلمين، هذا على اعتبار أن غير المسلم سيشترى كتاباً عن الرسول لمُفكر إسلامى واسم الكتاب محمد رسول الحرية!!
بالطبع باءت محاوته بالفشل..

العقاد فعل ما يجب فعله، كتب ما وجب كتابته

مهر الصياح

My rating: 3 of 5 stars

هناك نوعان من القرّاء؛ نوع ينتبه إلى الشيء الجميل فى العمل الأدبى، ينظر إلى نصف الكوب الملآن منه، فيمنحه تقييم عالى ويخرج من غلافه مبتسماً ومنشرحاً، هذا النوع ينمّى عنده ملكة الشعور بالجمال والتفاؤل، أما النوع الثانى فيتعقب عثرات الكاتب، يتوقف عندها، يحللها، وينظر مليّا إلى مساويء العمل، هذا النوع من القراء ينمّى عنده ملكة النقد والتحليل، غالبا هذا النوع جاد وصارم، وغير حالم.. القاريء المحظوظ الجيد هو من يمتلك الملكتين معاً..
ــــ
كانت لدىّ دائما فكرة لطيفة أطرحها على نفسى بين الحين والآخر علّها تصبح ذات يوم مشروع يتنفس، هذه الفكرة كانت أن أعرف كل شعوب الأرض عن طريق الأدب بعيداً عن العلوم الإنسانية، أن أقرأ قصص لكل البشر ليس فقط الروس أو الإنجليز أو اللاتين (عُصبة الأدب العالمى) لكن ما المانع من أن أقرأ على سبيل المثال أدب أندونيسى أو جنوب أفريقى أو باكستانى حتى تلك الدول الفقيرة التى لاتسمع عنها إلا من أخبار المعاناة(هذا إن توفرت ترجماتهم أصلاً).. اقرأ أدبهم تعرفم، والمعرفة هى زروة العلم كما عند الصوفية، العلم يأتى من كتب الإنسانيات أما المعرفة فتأتى من دواخلهم.. من أدبهم..

بعد قراءة هذه الرواية اتضحت مدى صعوبة الفكرة ليست علىّ فحسب بل على الكاتب أيضاً، فهو مُطالب أن يتخطى حدود العلم إلى المعرفة، مُطالب بوصف عالم لا أعرفه، مُطالب بكل التفاصيل التى تُقنعنى بعالمه، وتجعلنى أخرج منها كخروجى من رحلة لطيفة بعيدا عن عالمى الواقع. وهذا أمر إن حدث فإن هذا العمل الأدبى بطبيعة الحال ينضم سريعا إلى عصبة الأدب العالمى لأنه حوى كل الصفات المطلوبة فى الأدب الموسوم بالعالمى، ونحن لا نقرأ من الشعوب الأجنبية إلا أدبهم العالمى، الأمر أشبه بالدوارن فى دائرة مفرغة! ففى النهاية لن نقرأ إلا الأدب العالمى، حتى أننى بعد هذه الرواية أخذت أفكر بجدية أن أقلل من قراءة الأدب وإتاحة الفرصة للعلوم الإنسانية، وإن قرأت الأدب فلا أقرأ إلا العالمى..

فى هذه الرواية بالذات ينقصها الشعور باللون الأسود، ينقصها البشرة السمراء، ينقصها النيل والشمس، باختصار، ينقصها روح السودان!
ــــ
لو قرأت هذه الرواية فحتما ستشدك اللغة، حتى أنى فكرت فى بعض الأحيان ألا أكمل قراءتها لكن رواية بتلك اللغة لا يجب أن تكون تلك نهايتها. وعند الحديث عن اللغة يحضرنى رأى لتوفيق الحكيم أورده فى كتابه "التعادلية مع الإسلام" فى معرض حديثه عن الأدب وهو أن هناك تعادل يجب الانتباه إليه فى الأعمال الأدبية حتى لا تهبط إلى درك الانحطاط والابتذال، وهو أن اللغة والأسلوب لا يجب أن يتعاليا على الفكرة فلا تكون ثوبا فضفاضا على جسدٍ ضامر، ولا أن تكون اللغة والأسلوب متواضعان بالنسبة لفكرة تحتاج إلى مجهود. اللغة هنا رنانة جدا ومتكلفة أحيانا، مثل فتاه أسرفت فى وضع مساحيق التجميل على وجهها، فبدلا من أن تصير أجمل صار وجهها مشوها..
الحشو:
أكثر ما يعيب هذه الرواية هو الحشو الزائد، حتى أنى قد أفتح صفحة عشوائية من الكتاب الآن ولا أتذكر بعض الأحداث المكتوبة، فأغلبها حشو، ولى بعض الملاحظات على هذا "الحشو":
- من قرأ الحرافيش لنجيب محفوظ سيلاحظ فى بداية كل فصل مقدمة لاتزيد عن خمسة أسطر على لسان الراوى (الكاتب) يعطى فى هذه المقدمة نبذة فلسفية سريعة، تشريحاً نفسياً، ثم بمجرد أن ينتهى هذا التدخل من الكاتب حتى تبدأ الأحداث فى الحركة وتبدأ الشخصيات فى التفاعل، هذا التدخل أشبه ب(ملح) الرواية، هذا التدخل من الكاتب مطلوب كما الملح بالنسبة للطعام، فى الحرافيش كانت نسبة التدخل هذا ضئيلة جدا بالنسبة لأحداث الرواية، ففى حالة زيادته تصير القراءة مملة، رواية مهر الصياح مكتوبة بلغة (الملح) هذه ( حيث تصبح الرواية أشبه بفيلم سينمائى تتوقف مشاهده بين الحين والآخر ليخرج علينا الكاتب وهو فى ثوب الناقد المُتعاطف ليشرح ماحدث وما يتفاعل داخلهم متأثراً بمعاناتهم، فيبتعد عن جوهر الأحداث، وحينها تصبح الأحداث عاجزة عن وصف نفسها بعد أن تولى أمرها تدخل الكاتب)
- تقنية الحوار تُستخدم لإبراز ما يفتعل داخل الشخصيات من عواطف ومشاحنات، إلا أن الكاتب لا يفعل هذا، بل يضطر إلى أن يذيل كل حوار بتدخله حتى يشرح لماذا قال وكيف قال.. حتى أنه فى أحد الحوارات كان هناك سؤال من أحد الشخصيات، أتت إجابته (المفترض أن تكون مباشرة) بعد ثلاثة عشر سطرا من التدخل المحشوّ، لك أن تتخيل أنك مضطر لتذوق كل هذا الملح!
غالبا هذه هى مشكلة الروايات؛ أن الكاتب مضطر لكتابة فكرة لمعت فى ذهنه فيما يزيد عن الثلاثمائة صفحة، فيضطر إلى الحشو لملأ الفراغات!
ـــــ
من الشخصيات الغريبة فى الرواية، شخصية حلحلوك المجنون:
كانت أمانيه أمام سلسة الكوراك سخيفة بعيدة عن الجنون، كأنه شاعر حداثىّ متمرس يكتب قصائده المطلسمة العصية على الفهم، كأن يطلب مثلا من السلطان بيتا ليس فى الأرض أو جارية بلا ثديين.. ذكرتنى بقصة كتبتها كانت فيها مجنون وكان يشحذ العملات المعدنية ليصنع منها قمرا كبيراً، وبمراجعة ما كتبته فيما بعد شعرت بسخافة الأمنية (يصنع من العملات المعدنية قمراً كبيراً)، فعدلتها لتصبح أعقل جنوناً!
- رغم لغة الكاتب القوية إلا أن هناك بعض القصور فى الوصف، كأن يصور هبوط قافلة محملة بالبضائع بإنسان يتقيأ! أو يصور استقبال نوافذ القصر لهبات النسيم بطفل يرضع، وغيرها من الصور التى استوقفتنى كصور ناقصة..
ــــــــــــــــــــ
فى الختام:
فإن القاريء ينتقد للوصول بالعمل الأدبى لحالة الكمال، وهذا أمر قد يكون محال، وهذه خسة أتلذذ بها، إلا أنها خسّة تتميز بالشرف والنقاء.
ـــ
إلا أن هذ العمل يتميز ببعض الإنسانية التى خففت من بعض مساوئه، فأمنية آدم التى أغضبت السلطان وعاقبه بتحويره وانضمامه إلى الرعاع البؤساء، حينها انتهت حياته الحالمة إلى حياة شبه ميتة، فى نهاية الرواية وبنهاية غير متوقعة تتحقق أمنيته التى لم يحلم بغيرها..

فمع أسوأ الأحوال هناك أمل، فقط.. احلم

رأيت الله

My rating: 4 of 5 stars

(يارب النور يفضل قاطع).. قالتها نفسى المتأملة عندما اكتشفت السماء واكتشفت النجوم واكتشفت النسيم، كنت أنا وحدى بينهم على سطح منزلنا حين انقطع تيار الكهرباء وتوقفت أجهزة الهواء، حينها لجأت إلى السماء، ونسيمها الذى لا ينقطع من علٍّ، السماء هى السقف التالى مباشرة لسقف منزلنا، صعدت الدرج أتأبط هذا الكتاب عاقدا العزم على أن أهبط منه وقد أنهيت قراءته..

عودةً إلى الليل، فلو يعلم الناس ما فى الليل من سحر لتمنوا اليوم كله ليل، ومع ذلك ولشقاء الإنسان وحماقته كانت تمرق من أمامى آشعة خضراء بعيدة لا يعلم صاحبها أين تصل إلا أنه يعلم يقيناً أنها أزعجت أحدهم وكدرت اتصاله بالنجوم؛ إنه الليزر فى حضرة النجوم.. تُعساً.. هذا الكتاب يتحدث عن علاقة الليزر بالنجوم!

لن أستطيع أن أشرح علاقة الليزر بالنجوم فى الصوفية! لعلّ السبب أن هذا كتابى الأول مع الصوفية
لكنى أتخيل أن يخرج من بيننا صوفى من هذا العصر بروح عصور الصوفية الأثيلة الأولى، ويخبرنا على لسان ربه:

- عبدى لن ترانى حتى ترى نورى ولن ترى نورى حتى تُطفيء الأنوار كلها، يا عبدى احذر الليزر فإنه من شهوة النفس وإذا اشتهت نفسك فقد عبدتها وإن عبدتها فقد بعدت عنى.

وبمناسبة أن أحدهم فرقع فرقعات فى الهواء فرحاً بزيجة أو بمناسبة ما فقد تكون العبارة الصوفية على النحو التالى:

- عبدى، لن تبلغ الرؤية حتى تكتفى نفسك، كُف نفسك عن الفرح بالأشياء والأسماء فأنا الفرح حين ليس هناك بينى وبينك سوىً، كُف عنها الحجاب، كف عنها الألعاب النارية والمفرقعات.

ولا ننسى شهوة العصر الكبرى... الفيسبوك، إليكم ما قد يقوله الصوفى العصرى:

- عبدى لن ترانى حتى تخرج من نفسك إلىّ، ولن تخرج من نفسك حتى تحذف حسابك على الفيسبوك، إحذف إيميلاتك كذلك يا عبدى، اقطع لسان إبليس، صل مابينى وبينك.

ــــ
هذا موجز قد يكون من المنظور المادى شديد السخافة، لكن هذه رؤية النفرى للكون وعلاقة الإنسان بالأشياء..
فى العبارة التالية أرى حد الصوفية الأهم الذى يجب أن تقف عنده الأشياء، يقول النفرى:

- زيارة الواجدين بغير وجد هَجْم (أى: مخالطة الرجل لأهل التصوف دون أن يكون له ذوق فى أحوالهم تهجم)

وفى هذه العبارة الصوفية تحديد لسبب بلاء المسلمين طيلة عصورهم وظهور الخرافات والخزعبلات، هذا لأنه دخل على أهل التصوف من اعتقد أن التصوف كلمات تُقال وأفعال تُفعل، والصوفية فى ظاهرها نوعٌ من الخبل لن يتعدى ظاهره إلى جوهره إلا أهل التصوف العالمين، وحين اختلط العامة بأهل التصوف كان ما كان من خرافات أخّرتنا أكثر مما قدمت الصوفية للإسلام، منها مثلا أن جدّتى رحمة الله عليها حين مرض أبى صغيرا نذرت نذرا للشيخ عبد الرحمن وهو كما هو مشاع من أولياء الله له مقام يقع على طرف بلدتنا، وحين شفاه الله قدمت جدّتى الذبائح وألوان من الطعام لهذا المقام، العجيب أن تلك الولائم والغنائم الأخرى- غنائم الجهل- كان يتسلمها القائم على المقام وكان يتقاسمها مع أهل الشيخ عبد الرحمن المقيمين فى مدينة بعيدة، كان هذا منذ حوالى خمسين عاما مضت، الآن هذا المقام صار مهجورا لا يحمل سوى الذكرى البعيدة لأهل قريتنا المنحدرين عن هذا الماضى..

إذن فالصوفية تجربة روحانية فريدة، أتعجب من وجود مجالس جماعية لهم، فئة اختصت لنفسها لقب الصوفية، وهذا أمر شديد السخافة لأن الصوفية بتجربتها الروحية شديدة الترابط بالشخص الفرد المنعزل..

بالمناسبة هذا الكتاب شديد البعد عن العقل وهذا أمر ثقيل لمحبى العقلانية مثلى وهم فى نظر الصوفية محدودون فى الأشياء لا يتعدونها، وأنا لا أنصح بقراءة الصوفية لمن لن يبلغ رتبتها، لكنى رأيت فى بعض عباراتها تهذيب جيد للنفس وسبر بعض أغوارها، بعيدا عن تجارب الصوفى التى لن نبلغها إلا بشق الأنفس، وهذا ما جعل مصطفى محمود يكرر قراءة مخطوطات النفرى (المتضمنة فى الكتاب) لمدة خمس أعوام لعمقها وصعوبتها فى آن..
ــــــــــــــ

استَمِع لمقطوعة التهويدة لجودار، هى مناسِبة لجو التصوف، تذكرنى برهبان الصحراء القدامى؛ الأنبا أنطونيوس.. والأنبا بولا أول السياح وهم جميعا من بوتقة روحانية واحدة
http://www.youtube.com/watch?v=dNyAZp...

المحاكمة والمسخ | كافكا

My rating: 4 of 5 stars

المحاكمة
4/5

مُحيّرة...
ــ
هل تعرف أن كافكا كتبها فى ليلة واحدة من العاشرة مساءًا حتى السادسة صباحاً، المقطوعات الفنية الفريدة فقط هى التى لها مثل هذه السّمة!
مُحيّرة، فماذا أراد بها كافكا!

لأديب يكتب رواية مثل هذه فى ليلة واحدة دون انقطاع، فإنى لا أشك أنه نفسه لا يعرف مدى رمزيتها وماذا أراد بها، فهو –مؤكد- لم يرسم الشخصيات ولم يوزع أدوارها فى الشكل النمطىّ المعهود ولا استخدم المسودات.. لأن كل هذا العمل الروتينى الرتيب يستغرق وقتاً ويستهلك من الروح الإبداعية، فتلك الروح حين تتواجد بقوة فإنها تتبنى كل تلك الأدوار وتسير بلا رقيب نحو الإبداع الحق... كافكا قد تلقى الهمسات الهادرة من ربة الشعر فى تلك الليلة!

كل ما فعله أنه عبر عن نفسه وحالته النفسية الحاضرة فى تلك الليلة بالرمزية.
لكن هذا لا يعنى أن قصته لاترمز إلى شيء، بل على النقيض؛ القصص التى تُكتب بتلك الروح تكون رمزيتها غاية الإحكام ومنتهى الصدق، فى رمزية "المحاكمة" بالذات لها أكثر من تأويل وجميعها قد يكون صحيحا: لكنى أميل إلى هذ التفسير:

فالإنسان حين يفتح عينيه على الدنيا ("جوزيف ك" يستيقظ ذات صباح) يجد نفسه مطاردا محاكما من محكمة القدر، لأنه لا يملك زمام هذا القدر، فالإنسان يأتى الحياة مُسيّراً، وهو مُطالب دائما بإثبات براءته من تهمةٍ لا يعرفها فهو لا يتحكم فى مصيره ولم يأت إلى الدنيا بإرادته، كأنه لم يأت إلا لأن يدافع عن نفسه طيلة حياته!
وهو دائب البحث عمن يدافع عنه (المحامى) ويحلم بذلك المدافع المثالى الذى لم يره أبدا لكنه يعرف أنه فقط من بيديه خلاصه.. وفى النهاية وبعد محاولاته البائسة للدفاع عن نفسه يُحكم عليه بالموت، نهاية حتمية لا مناص منها..

السوادوية والعبثية هما سمتىّ المحاكمة الفريدتين، جعلتا منها قطعة أدبية فريدة، من حسن الحظ أن صديق كافكا لم يستجب لوصيته بحرق أعماله..
لم يعب الرواية سوى هذا الوصف الزائد خصوصا فى الفصل السابع، فى وصف المحكمة ونظامها الإدارى.
الترجمة لا بأس بها رغم التحفظ، لكن أخطأ المترجم حين ضمّن فى المقدمة مقتطفات من الرواية فكان أن (أحرق) بعض أحداثها..

المسخ
3/5

السمة الغالبة لأدب كافكا هو الاستسلام والخنوع للأمر الواقع، فهو فى المحاكمة لم يسأل عن سبب اتهامه ولم يعترض، بل كان يحاول أن يثبت براءته من هذه التهمة.. وفى المسخ كذلك لم يعترض على حالِه الغريب بل أنه أول ما اكتشف تحوله، بدأ يبثّ محاولاته البائسة فى التأقلم على وضعه الجديد ولم يسأل نفسه كيف ولماذا حدث هذا!
ـــــــــــ
المعاملة التى عومل بها جريجور من قبل والديه وأخته بعد مسخه، تثبت رأيا كنت أتبناه وهى أن أى علاقة بين اثنين تقوم على أساس من النفع، حتى بين أعضاء الأسرة الواحدة، فبمجرد ما أن فقد جريجور مزاياه حتى أصبح عبئا ثقيلا على كاهلهم وودوا لو يتخلصوا منه، وبعدما مات جريجور جوعاً استعادت الأسرة نظامها وقررت التريض فى نزهة بعيدا، وإعادة الترتيب لحياة، بدت لها أكثر إشراقاً، كأنما فاقت من كابوس لا يُحتمل..
لا شك أن هذه السوداوية هى انعكاس لطفولة كافكا البائسة!
ـــــــــــــ
الترجمة هنا سيئة للأسف! فى النصف الأول من الرواية كانت شديدة الملل لضعف الوصف، لا أعرف إذا كن هذا الضعف قصور عند كافكا أم أنه بؤس الترجمة!

تفسير الأحلام | فرويد

My rating: 2 of 5 stars

عذرا لهذا (الهرى) القادم، هو ضرورى لإثبات مذكرة دفاعى، لمحة عن شخصيتى القارئة (يمكنك تخطيه حيث الريفيو يبدأ من الصورة):
ــــــــــــــــــــ
لماذا كانت كل تلك المعاناة؟!
على مدار شهرين وأنا أقرأ فرويد، فى البداية يمهد لأفكاره بتبسيط لفكرة الأحلام عبر التاريخ مستعرضا خصائصها وظواهرها، مستشهدا بأحلام من عنده وباستخدام قريحة حاذقة يأتى بتفسير مدهش للأحلام غير متوقع على الإطلاق وفى الوقت نفسه لاتملك إلا أن تصدق هذا التفسير العبقرى، فرويد هنا يذكرنى بالشخصيات الكارتونية المتخصصة فى حل الألغاز؛ المحقق كونان، كرومبو.. لكنه أكثر عبقرية!
ـــــ
لكنى توقفت بعد مائتى صفحة تقريبا عن الشعور بتلك الدهشة، حدّت بينى وبينه مسافات فاصلة، فتوقفت عندى الرغبة، ولأننا فى صدد كتاب عن علم النفس، فيمكننا إذا أن نعزو هذا الشعور إلى عامل نفسى لا أكثر، فقط توقفت عن الرغبة، (نحّوا أى سبب ثقافى آخر له علاقة بالقراءة).. ومع ذلك ثابرت، وتصبّرت، شقّ على أن يفتنى كتاب مصنف على أنه من أكثر عشر كتب تأثيرا فى التاريخ، ثم إن نظريتى فى القراءة تقتضى أنه لارجوع عن كتاب قطعت فيه شوطا كبيرا مهما كانت الأسباب، أولا لتفادى خسارة الوقت الذى اجتُز سابقا، وثانيا أننى على يقين أن الصفحات القادمة لابد وأن تنطوى على شيء ما قد يكون مهما أو فكرى تنثال على رأسى بغير هدى من الكتاب، إلى آخره من أسباب.. لكن اتضح أن قراءته أصبحت مستحيلة، لا رغبة إطلاقا، كأنى أقرأ عن أكثر الأشياء التى لا أود القراءة عنها، على الرغم أنه ليست لدى أشياء محظور القراءة عنها، لكن هكذا كان شعورى! كانت أشبه بحرب نفسية، لابد أن ينتهى هذا الكتاب مهما كلفنى، واعتبرت عدم قراءة فرويد خسران مبين (وهذا ما سيتضح عدم صحته فيما بعد) جرى بينى وبين رئيس تحرير مجلة كبرى حديث ما، تطرقت إلى قراءة فرويد، فاحتد غاضبا أن فرويد قد انتهى، نظرياته قد وراها الثرى، راسلت طبيب نفسى كبير وكان هذا أيضا رأيه (وسيتم تفصيل ذلك فيما بعد)!
إذا فلما الشعور بالذنب الثقيل هذا؟، هوّن عليك يا فتى.. لكنى مع ذلك قررت أن أستمر فى قراءته!! ليس لسبب علمى (معرفة علم النفس مثلا) لكن لسبب أدبى (سيتم شرحه فيما بعد)
تحاملت وقرأت، لكن الكتاب يلفظنى من بين دفتيه غير راغب فىّ كما أنى لست راغبا فيه! واليوم قطعت أمرا لا رجعة فيه، لنكف عن هذا الهراء، لنقطع صلة غير مرغوبة من الطرفين، لننهى المعاناة، وما أن أصدرت قرارى هذا حتى شعرت بدفقات من نسائم الحرية تلاطفنى، فتخرج كتب أخرى للنور، لتأخذ حقها المسلوب، منعنى هذا الكتاب من كتب أخرى عظيمة الأثر ظللت أماطلها حتى يأتى يوم فرويد الموعود، لكنه لم يأتِ..
واليوم فقط يتحقق العدل، يذهب فرويد بنظرياته البائسة ليحل محله كتب طالما انتظرتها كثيرا، كأن اليوم قد تكسرت فيه قيودها...مرحى
ــــ
أنا أبدا لا أضيف كتابا لم أكمله فى قائمة قراءاتى، لكن انتصارا لقيم العدل وزهواً بنسائم الحرية سوف أضيفه لقائمة قراءاتى.. وليكن أمراً!
ـــ
إلى الريفيو، (لكن عذرا؛ سأنتقل الآن من الفصحى إلى العامية، لهجة تناسب حالة العبث!) ...




عارف انت الفرق بين العربيتين دول، هو نفس الفرق بين نظريات فرويد اللى انقرضت والنظريات الحديثة اللى قايم عليها علم النفس الحديث،
نظريات فرويد كانت بمثابة اختراع شيء جديد، العالم انبهر بأفكاره وطريقة تحليله، لكن كل دا تهاوى مع تطور علم النفس، وبقت مجرد ذكرى، يعنى لما تقرا فرويد زى اللى بيشترى عربية قديمة لمجرد حبه للتحف..

نظريات فرويد حاليا غير مطبقة فى أى مكان فى العالم غير فى بعض الدول الاسكندنافية، الأطباء بيستخدموا نظرياته، وعلاجه ممكن يستمر سنين!! والأطباء دول من النوع الكلاسيكى البرجوازى اللى غالبا منفصلين فى برج عاجى!
ـــ
قراءة فرويد صعبة لأبعد الحدود، ولك أن تعرف إنه خد جائزة جوته مش فى الطب النفسى لكن فى الأدب، لأسلوبه الفريد فى اللغة الألمانية، ومساهمته فى تطويرها، وطبعا حاجات زى دى بتقلل خوف الألمان من انقراض لغتهم، اللى فعلا على وشك الانقراض!

تأثير فرويد الأعظم هو تأثير أدبى، مش بس لأسلوبه فى اللغة، لكن كمان فيه آراء بتقول إن "تفسير الأحلام" من أهم الأسس اللى قامت عليها الحداثة، خد عندك مثلا، الشعر الحداثى أو الشعر الحر، اللى مليء بالخيالات أشبه بالأحلام، فرويد مثلا لما يفسر حلم ممكن يطلع منه معانى كتير جدا ودا بسبب عنصر التكثيف، والرمزية الشديدة فى الأحلام، ودا الأساس دلوقتى فى كتير من الأشعار، وسبب معاناتنا فى فهمها!

يمكن الجنس استحوذ على تفكير فرويد لأن الجنس من أكتر عوامل الكبت عند الإنسان، واللاشعور بيتأثر أكتر بعوامل الكبت، فبالتالى المشاكل النفسية بيكون سببها الكبت الجنسى، فرويد شايف كدا!

كمان فرويد هو مكتشف سحر السيجار فى فم المرأة ووقعها الجنسى الفج، ودا برضو من صور الحداثة، وبالمناسبة مارلين مونرو كانت إحدى بشائر الحداثة!
ــــ


الترجمة: من النوع اللى شكلها يبهر لكنها خواء تفتقد للبناء السليم، من نوع ترجمة "اللف والدوران"
ــــ


هذا كل شيء.. والسلام

نبي اللغة أبو العلاء المعري فى اللزوميات

My rating: 4 of 5 stars

مِثلُ ابن مالك الذى كتب قواعد النحو والصرف شعراً، فقد كتب المعرى فلسفته شعراً أيضاً.. يختلف عن غيره من الشعراء، الذين هم بطبيعتهم فلاسفة، أنه لا يهتم سوى بالجانب الفلسفى، لا يهتم بالبيان ولا بجماليات القصيدة، لولا القافية لصارت كلماته نثرا جامدا، وهذا أثقل قصائده، لكن ما يغفر له هذا الجمود ذلك القدر من التنوير والفلسفة الرفيعة، وأى تنوير!: المعرى صاحب أصلد عقلية نقدية قرأت عنه، وبالمناسبة فهذا الرجل كثيرا ما اقترن فى ذهنى بالفيلسوف الإغريقى ديوجين، تشابها كثيرا فى أنفتهم وإباءهم ونظرتهم للحياة والموت..
شعاره فى الحياة: لا شيء يعلو فوق العقل! انتقد كثيرا سلطة رجال الدين، لا يعجبه نظام الفقهاء الأربعة، حتى الأحاديث النبوية فهى تابعة عنده لنظام النقد، فما لا يتوافق مع العقل يكون عنده حديث مرفوض، لأن فى رأيه أن الأحاديث تعرضت كثيرا للتحريف والتزييف، وأنه لا سبيل إلا العقل للوصول إلى الحقائق الإلهية.
ينتقد النظام الوراثى للدين وأنه نظام يحجر على قيمة العقل، رافضا أن يكون الدين مجرد تقليد وعادات متوارثة:

عاشوا، كما عاشَ آباءٌ لهم سَلَفوا * وأورثُوا الدّينَ تقليداً، كما وَجَدُوا
فما يُراعونَ ما قالوا، وما سمعوا * ولا يُبالونَ، من غيٍّ، لمن سجدوا
والعُدْمُ أروحُ ممّا فيه عالَمُهمْ * وهو التكلّفُ، إن هبّوا، وإن هجدوا

في كلّ أمرِكَ تقليدٌ رضيتَ به * حتى مقالُكَ ربّي واحدٌ أحدُ
وقد أمَرنا بفكْرٍ في بدائعِهِ * وإن تفكّرَ فيهِ مَعشَرٌ لحدوا
وأهلُ كلّ جدالٍ يُمسِكونَ به * إذا رأوا نورَ حقٍّ ظاهرٍ جحدوا
ثم فى معرض حديثه عن الأديان مجتمعة:

مـا أسْـلم المسـلمونَ شــرَّهُمُ * ولا النصارى لـدينهم نصــروا
ولا يهـــودٌ لتـــوبةٍ هــادوا * وكــلُّهم لي بـذاك أشــهادُ
ثم هنا يشير إلى سلطة العقل فى الحكم والنقد على الأحاديث:

جاءت أحاديثُ إن صحتْ فإن لها شأناً ولكنّ فيها ضعف إسنادِ
فشاور العقل واترك غيره هدرا فالعقلُ خيرُ مشيٍر ضمّه النادي
وعن نقل الأحاديث:

العَدلُ صَعبٌ، وكلّما عدَلَ الـ * ـإنسانُ عن عَدْله، امترى ثِقَلَهْ
تُصغي إلى ناقِلِ الحَديثِ، وهل * تَصدُقُ، فيما تُحدِّثُ، النَّقَلَهْ؟
وعن ضعف الأسانيد:

لقد أتَوْا بحَديثٍ لا يُثَبّتُهُ * عقل، فقلنا: عن أيّ النّاس تحكُونَهْ؟
فأخبَرُوا بأسانيدٍ لهم كُذُبٍ * لم تَخلُ من كَرّ شَيخٍ لا يزَكّونَه
وتلك الحكمة التى نحن فى أمس الحاجة إليها فى مثل هذا العصر الظلامى العابس العابث:

نَبذْتمُ الأديانَ منْ خَلفِكم * وليسَ في الحكمةِ أن تُنبَذا
لا قاضيَ المِصرِ أطعتُم، ولا * الحَبرَ، ولا القَسُّ، ولا الموبَذا
إن عُرضَتْ مِلّتُكمْ، بينهم * قال جميعُ القومِ: لا حبّذا
وتلك الأبيات بمناسبة امتعاض زميل لى ورفيقى حين كنت أناقشه فى بعض أمرٍ وواجهته: كلنا فينا شيء من الكفر، فامتعض لدرجة الصمت، وصمت لدرجة التقيوء.. يقول المعرى الحكيم:

يُسمّي غويٌّ من يُخالفُ كافراً * له الويلُ، أيُّ الناسِ خالٍ من الكُفْر؟
حَصلنا على التمويهِ، وارتابَ بعضُنا * ببَعض، فعندَ العَينِ رَيبٌ من الشُّفر
وليسَ الذي قالَ اليهوديّ ثابتاً * سوى أنّهُ بالخَطّ أُثبِتَ في السِّفر
غفَرْنا وما أغنى اغتفاراً، وإنّما * عَنيتُ انتكاسَ البُرْءِ لا كرَمَ الغَفْر
إذا خَشِيَتْ أُمٌّ، على ابنٍ، منيّةً * فيا أُمّ دَفرٍ قد أمِنْتِ على دَفْر
وهنا يعرض المعرى فلسفته حول عبث الحياة:

عصر شتاء، وعصر قيظ، وعيد فطر، وعيد نحر
ويوم نعمى، ويوم بؤس، ونحن في خدعة وسحر
كأننا، والزمان يمضي، ركب سفين بلج بحر
فلسفة عبثية أخرى:

إذا فَزِعنا، فإنّ الأمنَ غايَتُنا * وإنْ أمِنّا، فَما نَخلو من الفَزعِ
وشيمَةُ الإنسِ مَمزُوجٌ بها مَلَلٌ * فَما نَدُومُ على صبرٍ ولا جَزَع
وعن حقوق المرأة:

تزوج، بعد واحدة، ثلاثا * وقال لعرسه يكفيك ربعي
فيرضيها، إذا قنعت بقوت * ويرجمها، إذا مالت لتبع
ومن جمع اثنتين، فما توخى * سبيل الحق في خمس وربع
ظلمت، وكلنا جان ظلوم * وطبعك في الخيانة مثل طبعي
وهنا ينتقد نظام الأئمة، وأنه سبب الكثير من حالة الدوار المجتمعى:

أجازَ الشّافعيُّ فَعالَ شيءٍ * وقالَ أبو حَنيفَةَ لا يَجوزُ
فضَلّ الشِّيبُ والشّبّانُ منّا * وما اهتَدتِ الفَتاةُ ولا العَجوزُ
لقد نزَلَ الفَقيهُ بدارِ قَومٍ * فكانَ لأمرِهِ فيهِمْ نجوزُ
ولم آمَنْ على الفقَهاءِ حَبساً * إذا ما قيلَ للأمَناءِ جوزُوا
وهنا يتحدث المعرى عن علاقة العقل بالدين، ورأيه أنه قلّما اجتمعا:

إنْ هَلّلَتْ أفواهُكُمْ، فقلوبُكُمْ * ونفوسُكمْ، دونَ الحقوقِ، مُهلَّلَهْ
هفَت الحَنيفةُ، والنّصارى ما اهتدتْ * ويهودُ حارت، والمَجوسُ مُضلَّلَه
اثنانِ أهلُ الأرضِ، ذو عَقلٍ بلا * دِينٍ، وآخرُ دَيّنٌ لا عَقلَ لَه
وهنا المعرى يُعرى من يستخدم الدين ليبيح لنفسه القتل بغير حق:

أتَوْكُم بإقبالهمْ والحُسامِ * فشَدّ بهِ زاعِمٌ ما زَعَم
تَلَوْا باطِلاً، وجلَوْا صارِماً * وقالوا: صدَقنا! فقلتم: نعَم!
أفيقُوا، فإنّ أحاديثَهم * ضِعافُ القَواعِدِ والمُدّعَم
زَخارِفُ ما ثَبَتَتْ في العُقو * لِ، عمّى عليكمْ بهنّ المُعَم
لكن حتى لا تختلط علينا الأمور، فها هو الرجل يعلن أنه موحد:

أمّا المُجاورُ، فارْعَهُ وتوقَّه * واستعفِ ربّكَ من جوارِ المُلْحِدِ
ليسَ الذي جَحَدَ المليكَ، وقد بدتْ * آياتُه، بأخٍ لمنْ لم يَجْحَد
وأرى التوحُّدَ، في حياتكَ، نِعمةً * فإنِ استَطَعتَ بُلوغَه، فتوحّد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الرجل هو بحق نبى اللغة، فعلى الرغم من خلو قصائده من الشعرية والبيان ما أفقد أبياته لذة الشعر المعهودة، إلا إن فلسفته جديرة بالاحترام، لقد أقر بسلطة العقل مرسخا قواعد نقدية هامة، لقد كان من أوائل من تحدثوا صراحة عن نقد الأديان، سبق ديكارت وكانط وغيرهم ممن أحدثوا بأفكارهم طفرات فكرية وعقلية فى تاريخ أممهم..
ثم يظل هذا السؤال المُلِحّ يطرح نافسه دائماً: لماذا، ونحن العرب ظهرت لدينا أعلام فكر فى كل عصر بدءا من عصور الإسلام الأولى على يد فلاسفة من أمثال المعرى وابن رشد وابن خلدون وابن سينا وغيرهم، حتى العصر الحديث كان لدينا مفكرين أمثال رفاعة الطهطاوى، الكواكبى، ومحمد عبده، فرج فودة.. لماذا ونحن لدينا كل هؤلاء يكونون دائما بلا تأثير يُذكر، فى حين أن حضارة وتقدم الغرب مرهون دائما بمفكريه، هم من يؤثرون ويصوغون مستقبلهم.. وكأن العرب لن يتغيروا بفكرٍ أو بعقل؟؟!

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...