السبت، 21 سبتمبر 2013

الحضاره الإسلاميه .. إبداع الماضي وآفاق المستقبل

My rating: 3 of 5 stars

بسم الله الرحمن الرحيم

"لا تنشأ الحضارات من فراغ, وإنما تستمد وجودها من وحى سماوى احتفظ بنقائه, أو من وحى سماوى لم يحتفظ بنقائه وأصابه التحريف"
كانت تكفى هذه الجملة التى ابتدأ بها المؤلف مقدمته لإلقاء الكتاب جانباً وعدم الخوض فيه واعتبار ما سيأتى بعده سيكون على نفس الشاكلة التى اعتبرها الكاتب بالجدارة التى يستحق ذكرها فى صدر مؤلفه... فاعتباره أن كل الحضارات نشأت عن وحى سماوى لهو أمر لا يصدقه فكرٌ متزن, فلا يخفى أن الوحى السماوى الوحيد الذى احتفظ بنقاءه هو الوحى الإسلامى وبالتالى فالحضارة الإسلامية هى المقصودة, والوحى السماوى الذى أصابه التحريف متمثل فى النصرانية واليهودية, وبتمعن النظر يتضح أن الديانتين لم تقيما حضارة بالمفهوم المعروف, فتنحصر الحضارة التى قامت على أساس وحى سماوى فى الحضارة الإسلامية وحدها!
فكيف إذاً غفل الحضارات الوثنية القديمة واللادينية الحديثة ؟!
على العموم فقد تغافلْتُ عبارته سلاماً لإفساح المجال لأفكار أخرى تحتاج صبر وتحمل...
ــــــــــــ
الكتاب ينفتح على شقين:
الأول فكرى: يطرح فيه الكاتب مفهومه عن الحضارة الإسلامية وما قدمته للبشرية من خدمات جليلة يجب الاعتراف بفضلها فيما وصلت إليه الحضارة الحديثة, كما يقدم المشهد القائم آنذاك من نظم سياسية ودينية وثقافية, وهذا الشق ينحصر فى الفصول الأولى من الكتاب. وفيه يعرض الكاتب أفكاره الخاصة التى تتسم بالتواضع الشديد, وأفكار غيره من المفكرين.
الشق الثانى تاريخى: وفيه يقدم الكاتب المشهد التاريخى للحضارة الإسلامية متوقفاً طويلاً عند الأعلام العلمية والأدبية التى ساهمت فى سير قاطرة الحضارة البشرية, وهذا الشق ينحصر فى الفصول الأخيرة من الكتاب..
تحليل:
بعد قراءة متعمقة فى التاريخ الإسلامى الذى أعكف عليه حالياً من خلال كتاب حضارة العرب وهذا الكتاب الذى بين يدى, تنبسط أمامى صورة التاريخ واضحة فأستطيع, وأىّ قاريء للتاريخ يستطيع, أن ينظر للواقع الحالى من نظرة تاريخية بحتة, فما الواقع إلا مشهد من فيلم طويل اسمه التاريخ تستطيع أن تتعرف عليه وتحكم عليه من خلال قراءتك لحال الأمم السابقة.
وهذا ما أشعر به وأنا أقرأ كيف كان حال الحكام الأوائل الذين أُنشِئت على أيديهم هذه الحضارة, فيُطرح سؤال لا مفر منه, كيف حال الحكام الحاليين بالنسبة إليهم ؟
وهؤلاء الشيوخ الذين يتحكمون فى حياتنا الآن لماذا لايصلهم درس التاريخ ؟
المزيد من الأسئلة تخرج من كتب التاريخ, ودائما أنت فى مواجهة الأصولية, دائما هناك فريق يعتقد أنه ينطق بالصواب غير مستعد للنقاش والمجادلة.. هذا إن نفذت من مصفاة التكفير أصلاً !
....
من أسباب تخلفنا أننا نفتقد الروح النقدية القوية, نأتى على العقل أحيانا لأننا غير قادرين على الاعتراف بالجهل, ومن ثم عدم قدرتنا على مداواته..
امتدت تلك الروح للأسف إلى نفس الكاتب الذى افتقد موضوعية نحن فى أشد الحاجة إليها, بدا تفكيره شديد التواضع, بسيط لدرجة السطحية, على الرغم من أن معظم ما جاء فى الكتاب مقتبس من مؤلفات لكتَّاب آخرين, لكن يمكن الوقوف على هذا الفكر المتواضع من النقاط التالية:
يذكر الكاتب فى الفصل الثانى أن القرآن يلفت نظر أتباعه إلى أهم الحرف والمهن التى يجب عليهم أن يمتهنوها, مثل الزراعة, وصناعة الخبز, والرعى, وحلب اللبن من الماشية, والتجارة.. إلخ. ويُقرّ الكاتب أن القرآن بهذا يوضح معالم الحضارة من خلال توضيح المهن التى تقوم عليها الحضارة...
لكنى كمسلم متدين, أرى فى هذا تحقير لقيمة العقل, وتمويه لهدف الآيات التى ذكرت هذه المهن فآيات الله نفسها كرَّمت عقل الإنسان وجعلته حرّاً غير فارضة عليه مهنة ما أو حتى لتدله على مهنة أو حرفة بعينها..
كما ذكر فى الفصل السابع أيضاً أن القرآن أشار إلى أصول الطب الثلاثة؛ حفظ الصحة, والحمية من المؤذى, واستفراغ المواد الفاسدة, من خلال آيات حلق الرأس فى أيام الحج, أما كيف استنتجها الكاتب بتلك الطريقة, فتلك هى السطحية وافتقاد الموضوعية التى أتحدث عنها .
فى بداية الفصل الثالث: يعتبر أنه لا شروط سياسية مقيدة فى الحكم وأن النية السليمة هى التى تحكم! وأنا أرى أن ترك الحبل على الغارب للنوايا هو سبب تخلفنا.
كما أنى أواجه مشكلة مع بعض الكتاب الإسلاميين الذين يريدون أن يقتنصوا أو يختلقوا مباديء عظيمة من السنة وحتى القرآن فى مواقف لا يبدو فيها هذا الهدف إطلاقا, ولا محرك لنواياهم سوى التقديس (الذى لا أكنه لغير الله وكتابه), مثلا فى الفصل الثالث يستخرج الكاتب من (اجتماع السقيفة) تسع حقائق تحدد له أسلوب اختيار الحاكم, فيها من التفخيم ما لا يُتخيل فى مقام كهذا, كأنه يريد أن يصيد السمك من الهواء !
ويُقرُّ الكاتب أن الخلافة واجبة بالشرع وبالعقل على رغم تأكيده أن الرسول لم يذكرها, وكذلك القرآن...
ـــــــ
ثم فى تلك النغمة التى يتغنون بها أنه لا تقدم إلا بالعودة للوراء, وأنا لا أعرف كيف يكون تقدماً بالرجوع للخلف, والسابقون لم يتقدموا إلا بالأخلاق الإسلامية والأخذ مما انتهت إليه الحضارات الأخرى, وأنا لا أرى داعياً فى الرجوع للخلف لأخذ الأخلاق, لأنها بالفعل موجودة فينا تحتاج لعمل ما لاستعادته, وأنا أدعو مجدداً لاحترام العقل ومنحه مكانته, فالزَّن المستمر أنه لن تُعرف الأخلاق إلا بالعودة للماضى لهو موقف ضد العقل, المهضوم حقه فى هذا الزمن.. فلنلغى كلمة العودة من قاموس حضارتنا ونستبدلها بالاقتداء ثم أعطوا العقل فرصته, دعوه يتحرر من أوهامكم..
ما سبق كان تعليقى على أسلوب الكاتب الذى أعزو إليه عدم ذياع صيته واقتصار وجوده على الإنترنت على خبر وفاته !
ـــــــــــــــ
ثم نأتى لبطل القصة, الذى يفرض نفسه أيّا كان المتحدث باسمه؛ الحضارة الإسلامية:
لن أُكثر من الحديث لكنى سأترك التاريخ يتحدث بنفسه من خلال شهادات مؤرخين ومعاصرى الحضارة الإسلامية:
فى ظل ما نشهده الآن من احتقان طائفى لا يسعنا إلا أن نلجأ لتلك الصفحات الناصعة التى تشهد بتفرد الحضارة الإسلامية فى معاملتها لغير المسلمين, ونُذكّر دوماً بما بما يُفرضه الدين: أوصى الرسول (ص) بأهل الذمة فقال: (لَهُم مَا لَنَا وَعَلَيهِم مَا عَلينا, ومَن أَذَى ذِمياً كُنتُ خَصمه يَومَ القِيامَةِ)
وتكفى تلك الآيات: (لا إكراه فى الدين) و (أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)
- يُذكر أنه إبان الفتح الإسلامى كان المسلمون والمسيحيون يصلون معا فى وقت واحد فى كثير من الكنائس.
- كانت الوظائف تُعطى للمستحق الكفء؛ بغضِّ النظر عن عقيدته ومذهبه, وكان من أشهر شعراء البلاط الأموى الأخطل الذى كان يُجارى جرير والفرزدق, وكان نصرانيّاً, بل أنه وصل فى العهد العباسى فى بغداد أن وصلت عائلة كاملة نصرانية (آل بختيشوع) إلى أعلى مراتب العلم لمدة ثلاث قرون وكانوا من حظوة البلاط العباسى.
كان المسيحيون هم أول من أخذوا على عاتقهم مهمة الترجمة فى بداية الحضارة الإسلامية, فقد كانت السريانية هى اللغة الوسيط بين اللغتين اللاتينية والعربية وقد كانوا يتقونها بحكم دراستهم للإنجيل واللاهوت الذى كان بالسريانية , وكان معلم خالد بن يزيد بن معاوية راهباً رومياً, والمعروف أن خالد هو من أشعل حركة الترجمة فى عصر صدر الإسلام بالإضافة لاهتمامه بالعلوم الأخرى ولا سيما الكيمياء. وكذلك قسطا بن لوقا البعلبكى البغدادى العالم الحذق والمترجم الماهر.
ثم فى موضوع الجزية هذا, تلك الكلمة الأسطورية التى يتّخذها بعض الحمقى سلاحا لمحاربة الإسلام مستغلين جهل الناس بعظمة هذا الفرض: لما فتح عمرو بن العاص مصر فرض على أهلها جزية سنوية تقدر بثمن بضع بيضات فما وسعهم إلا أن يرحبوا بالفاتحين الجدد لتخليصهم من ظلم الرومان, كما أن عمر بن الخطاب لما وجد ذميا يسأل الناس الصدقة, أسقط عنه الجزية وفرض له من بيت المال ما يكفيه.
.....
من أطرف الأوقاف الإسلامية:
- مؤسسات لتزويج الشباب والفتيات العُزاب ممن تضيق أيديهم أو أيدى أولياؤهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور.
- مؤسسة لإمداد الأمهات بالحليب والسكر, وقد كان من مبرّات صلاح الدين الأيوبى أنه جعل فى أحد أبواب القلعة فى دمشق ميزاباً يسيل منه الحليب, وميزاباً يسيل منه الماء المذاب فى السكر؛ تأتى إليه الأمهات يومين كل أسبوع؛ ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه.
- من المؤسسات الطريفة أيضاً وقف الزبادى للأولاد الذين يكسرون الزبادى, فيأتون إلى هذه المؤسسة؛ ليأخذوا زبادى جديدة بدلاً من المكسورة... ومن المؤسسات التى أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة, أو لإطعامها, أو لرعيها حين عجزها.
ومثل هذه المواقف والحكايات موجودة بكثرة فى كتب مثل (من روائع حضارتنا) لمصطفى السباعى.
أختتم هذه المراجعة بشهادة كاتب مسيحى متعصب (ألفارو) فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) يدلنا ما ذكره على مدى انتشار الثقافة الإسلامية واللغة العربية والعلوم التى جاء بها العرب فى الأندلس؛ فكتب يقول:

(إن إخوانى المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم, لا لتنفيذها, بل لتعلم أسلوب عربى بليغ, واأسفاه إننى لا أجد اليوم علمانياً يُقبل على قراءة الكتب الدينية أو الإنجيل, بل إن الشباب المسيحى الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة إلا العربية؛ ذلك أنهم يقبلون على كتب العرب فى نهم وشغف, ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة, فى الوقت الذى يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها) .

شيوخ العصر فى الأندلس

شيوخ العصر في الأندلسشيوخ العصر في الأندلس by حسين مؤنس
My rating: 4 of 5 stars

ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﻧﻌﺮﻓﻪ! _ ﺷﺪﻧﻰ ﻟﺸﺮﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺃﻥ ﻣﺆﻟﻔﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺪﻛﺘﻮﺭ ﺣﺴﻴﻦ ﻣﺆﻧﺲ، ﻛﻨﺖ ﻗﺪ ﻋﺮﻓﺘﻪ ﻷﻭﻝ ﻣﺮﺓ ﻣﻨﺬ ﺷﻬﺮﻳﻦ ﺗﻘﺮﻳﺒﺎ ﻣﻦ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﻓﺎﺭﻭﻕ ﺷﻮﺷﺔ، ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ ﺳﺠﻠﺖ ﻓﻰ ﺍﻟﺘﺴﻌﻴﻨﻴﺎﺕ ﺗﻘﺮﻳﺒﺎ. ﺃﺩﻫﺸﻨﻰ ﻛﻢ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﻬﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ، ﻓﺰﻭﺟﺘﻪ ﺃﺳﺘﺎﺫﺓ ﺟﺎﻣﻌﻴﺔ ﺳﻮﻳﺴﺮﻳﺔ ﺍﻷﺻﻞ ﺗﺘﺤﺪﺙ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺑﻄﻼﻗﺔ، ﺍﺑﻨﺘﻪ ﻛﺎﻧﺖ ﻭﻗﺘﺌﺬ ﻣﻌﻴﺪﺓ ﻓﻰ ﻛﻠﻴﺔ ﺍﻵﺩﺍﺏ، ﺃﻋﺠﺒﺖ ﺑﻌﻠﻤﻪ ﺍﻟﻐﺰﻳﺮ ﺍﻟﺬﻯ ﺃﻫﻠﻪ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﺃﺣﺪ ﺃﻫﻢ ﻣﺆﺭﺧﻰ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻷﻧﺪﻟﺴﻰ. ﻟﻬﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻯ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻛﺎﻥ ﻟﺴﺒﺒﻴﻦ ﺍﻷﻭﻝ ﺃﻧﻪ ﻋﻦ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﻭﺍﻟﺜﺎﻧﻰ ﺃﻥ ﻣﺆﻟﻔﻪ ﻫﻮ ﺣﺴﻴﻦ ﻣﺆﻧﺲ. 

ﺗﻮﻗﻌﺖ ﺃﻧﻰ ﺳﺄﻗﺮﺃ ﻋﻦ ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﺑﺜﻘﺎﻓﺘﻬﺎ ﻭﻋﻤﺎﺭﺗﻬﺎ ﻭﻋﺪﻝ ﺣﻜﺎﻣﻬﺎ.. ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮﻩ ﻣﻤﺎ ﻧﺴﻤﻊ ﻭﻧﻌﺮﻑ، ﻟﻜﻦ ﺍﺗﻀﺢ ﺃﻥ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻵﺧﺮ ﻟﻸﻧﺪﻟﺲ، ﻋﻦ ﺍﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﺍﻟﺤﻜﺎﻡ ﻭﺑﻄﺸﻬﻢ ﺑﺸﻌﺐ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﻭﻛﻴﻒ ﺃﻧﻬﻢ ﺳﻴﺴﻮﺍ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﻣﻮﺍ ﺍﻟﺸﻴﻮﺥ ﻹﺿﻔﺎﺀ ﺷﺮﻋﻴﺔ ﺯﺍﺋﻔﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻤﻬﻢ. ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺃﺑﺮﺯ ﺷﻴﻮﺥ ﺍﻻﻧﺪﻟﺲ ﻭﺗﺄﺛﻴﺮﻫﻢ ﻓﻰ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺍﻟﺤﻜﺎﻡ، ﻭﻛﻴﻒ ﻛﺎﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺃﺩﻭﺍﺕ ﻓﻰ ﻳﺪ ﺍﻟﺤﻜﺎﻡ ﻟﻴﻈﻬﺮ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻓﻰ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ. ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻧﺄﻯ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻋﻦ ﻣﺨﺎﻟﻄﺔ ﺍﻟﺤﻜﺎﻡ ﻭﺍﻛﺘﻔﻰ ﺑﺎﻟﻌﻠﻢ، ﻓﺴﺎﺭ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻨﻬﻠﻮﻥ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﻪ ﻓﻴﺠﺪﻭﺍ ﻓﻴﻪ ﺳﻠﻮﺍﻫﻢ ﻋﻤﺎ ﻭﺻﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ! ___ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻣﻤﺘﻊ ﺃﺳﻠﻮﺑﻪ ﺳﻬﻞ ﻳﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺼﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﺘﺮﺍﺛﻴﺔ، ﺯﺍﺩ ﻣﻦ ﻣﺘﻌﺘﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﺼﺺ ﺍﻟﺘﻰ ﺃﻭﺭﺩﻫﺎ ﺣﺴﻴﻦ ﻣﺆﻧﺲ ﻛﻠﻤﺎ ﺳﻨﺤﺖ ﺍﻟﻔﺮﺻﺔ ﻟﺬﻛﺮﻫﺎ.

View all my reviews

مذكرات جولدا مائير

مذكرات جولدا مائيرمذكرات جولدا مائير by الحسيني الحسيني معدي
My rating: 4 of 5 stars

قبل أن تقرأ مثل هذه المذكرات يجب أن تعى جيدا أن جولدا مائير قد أفنت عمرها فى خدمة إسرائيل.
وليس من المنطقى أن تخرج هذه المذكرات عن خدمة إسرائيل..

أثار لدى تساؤل أثناء تناولى لمذكراتها: أليس لليهود حق فى وجودهم, وهنا -على أرضنا. إن القرآن صرح بذلك!

ولا أخفى أنى ارتعبت لمجرد ظهور هذا السؤال؛ فهذا يعنى أن مفعول قراءة مثل تلك الكتب قد سرى فى عقلى, وأنها ربما قد تلاعبت به. لا يستطيع أحد أن يصد مثل هذا الهجوم الفكرى (أخطر أنواع الهجوم), ولا سبيل من مواجهته إلا بكتاب آخر, وهنا يجب أن أشير إلى ضرورة قراءة مذكرات السادات, وسعد الدين الشاذلى, والكتب العربية الأخرى, وإلا فإننا نواجه هجوما فكريا من جانب واحد, بلا دفاع..
- لكن لماذا الأمر قد يصل إلى حد هذا السوء؟
- الكلمات البراقة, الدفاع عن النفس فى وجه الإرهاب, حقوق اليهود والشتات, نريد سلاما شاملا:: كل هذه التعبيرات أوردتها جولدا وطوعتها فى خدمة القضية اليهودية وتبرير مواقفهم للرأى العام العالمى. هل هى صادقة أم لا, صدقنى؛ إنى فى حيرة من أمرى!!

لكن بالطبع هناك حاجز بينى وبين هذا الصراع لا يمكن أن يتهدم أبدا, ببساطة هى مكوناتى الوطنية والعقائدية والحضارية..

بقى لى أن أوجه كلمة إلى هؤلاء اليهود؛ إن كنتم قَدِمتم إلى أرضنا بدافع من عقائدكم الدينية,إذاً فدعونا نعاملكم بدافع عقائدنا الدينية أيضا !

View all my reviews

رأيت حواء، أو مرثية الفردوس

موسيقى الخلفية (عزف الجوقة)



رَأَيْتُ حَوّاء



حواء..

أنا أبيكِ وأنتِ ضلعى المأخوذُ من جنبى
أنا ربُّكِ
وإلهُنا روحٌ تسرى بين شفتىّ وشفتيكِ
أنتِ فتاة الكونِ الأولى
والجمال المقدس الأعلى
يا من سعى جمالك فى مجرى الحياة البدء
إلى الحياة السرمدية اللامنتهى
يا عنفوان النّهدِ المجلجِل
للحب الأرعن داخل عشقى المجوسىّ
يا سماء ظللت بآهاتها سكرات الموت
المأخوذ من قوتى الثكلى
طريق العشق الثائر يبدأ من جيدِك
لينتهى عند أصابع قدميك الوردية
مروراً بأحلى منابع الشهد فيكِ
عيناكِ النائمتان بأحلى جفنين مزركِشين
هما اليقظة داخل سراديبى المخبأة تحت خجلى
وأنت سِرُّ الخجل



جئت أذكّرك بأيام العهد الضائع

بزهرة الفردوس حين أحيتها قطفتك
بفراشات حملت لون شعرك وعينيكِ 
ولون طرقاتك المباحة
إلى السكون الخالد فى جنتك
ولون السر الأعظم على شفتيكِ
جئتُ أحمل كلَّ أحزانِ البشر
على فردوسنا الذى فُقِد
على نهرٍ خبأ مداعبات مَلَكَين
لم يعرفا معنىً للخطيئة
ورشفا الشهد من كل الطرق
جئت أذكّرك بظبية التفت حول قدّك
تطلب الدلل
وليث يأكل الأخضر
خلف زهور الأوركيد
يشعر بالملل
لا يطلب سوى أنثاه
خلف مروجِ الفردوس الممتدة إلى عين الرب
جئت أذكّرك بعناقٍ حار بعد سُقى الورد
وبزفرةٍ خرجت من بين شفتيكِ إلى صدرى المتّقد
جئت أمسح عن عينينا معنى الخطيئة
فردوسنا بلا معانٍ للخطيئة
حواء.. أنت ضلعى المُفتَقَد

الخميس، 22 أغسطس 2013

برزخية



مرّت أمامه الجنازة مهيبة تسير في تؤدة، تحمل سحابات الحزن السوداء، وأبواق الهول على جانبيها تنوح بمرارة. ألقى ما كان بيده من خبز محشو باللحم واندسّ بينهم وحاول تنسّم الحزن مع الهواء، مشى بنفس التؤدة، سأل مُجاوره من يكون الفقيد، ولماذا يجُرُّونه هكذا، كشف الرجل، عن عينيه الحمراويتين، منديلاً مخضلاً بالدموع، وقال متأثراً:

- إنها سيدة الحي كله، لن يعوضها الزمن!

- ولكن لماذا يجرونها هكذا، هل هذه طقوس الحي؟

- لا، بل إنها تزن خمسمائة رطل، وأخذتنا الحيرة في طريقة حملها، عجزت النعوش وفرّ الحمالون، فلم نجد سوى جرها هكذا!

- وكيف ستدفنونها؟

- سيكفيها قبران أو ثلاثة

ثم رفع منديله حتى غطى أنفه وعينيه، ولاذ بالحزن.

حار الرجل في أمرهم، وفكر أنهم مُخادعون، فكيف يبكون عليها وهم يجرونها على التراب هكذا إلى مثواها الأخير كأنهم يتخلّصون منها، ثم ما لبث أن غاص في القلق حين تذكر أنه الآخر يقترب من وزن الأربعمائة رطل، حاول التملص بجسده من بينهم لكنهم كانوا يدفعونه دفعاً إلى الأمام رغم بطئهم، استسلم لهم وسار بوجه شاحب وعينين غائرتين في القلق.

أمام قبرٍ واسعٍ كالبهو دفعوها وغطوها بالرماد والحجارة، واندفعت نسوة متأهبة بالصراخ والعويل، بينما الرجال مطرقون يتأملون الحال والمآل، رفع أحدهم عقيرته يُذكّرهم: لا دايم إلا وجه الله.

فأمّن خلفه الرجال في هدوءٍ عميق ينضح بالأسى: لا إله إلا الله.

تفرقت نظراته بين القبور الصامتة غير الآبهة بالعويل المسترسل.. اطمأن قلبه لسببٍ غامض وامتد تأمله إلى أبعد من الزمان والمكان حتى خمد حاضره الصاخب بالحزن...

.............


نبش في الظلام عن أي شيء يتشبث فيه... ما هذا؟ ولماذا اللون الأسود؟

لاح له شبحٌ يسير ذهاباً وإياباً في خطواتٍ منتظمة، صاح:

- يا هذا.. من أنت؟ وأين أنا؟

- لا تتعجل.. الحساب يأتي على مهلٍ

- أي حساب؟!

- أوراقك ليست بحوزتي أنا هنا فقط لترويض ثعبانك، أنا حارس القبر يا هذا!

في البدء أحسها دعابة، حتى أن وجهه ندّ عن ابتسامة باهتة، إلا أن الصوت الذي انقطع كان أقوى وأصدق من السواد نفسه.. حاول الدفاع عن نفسه، حاول أن يصرخ، ثم حاول أن يتملص بجسده ويهرب، لكنه عجز.. أذعن للموت، وتساءل في يأس تام:

- من سيحاسبني؟

- مندوب الرب.

وعند ذِكر اسم الرب ندّت عن قبره هزة عنيفة، وتطلعت رأسه بطريقة عفوية، مدفوعة بالخوف، لأعلى، فلم يكن سوى الظلام الذي كان يملأ القبر. سأل الحارس، وكان يتناول شيئاً يُشبه الخبز:

- هل تعرف تهمتي، أقصد يعني أنني لم أشعر بالموت وكذلك الحياة، ولا أعرف لنفسي خطيئة، فقد عجزت عن ارتكاب الخطايا، واستسلمت لفعل الخير، فالعدل يقضي إذن بالجنة؟

تكلم الحارس وشدقاه يموجان بتناول الخبز:

- سمعتهم يتهامسون بأنك أخذت ثلاثة قبور، وهذا أكبر من حقك، فجاز عليك عقاب من يأخذ حق الغير!

- "أنا أيضا كنت أفعل الخير كثيراً".. صوت امرأة ينصبُّ في أذنيه لا يعرف من أين 

أتى.
- من؟

- أنا التي جرّوها!

صمت وشعر ببعض الحرج، ثم قال:

- لقد بكوا كثيراً، كانوا حقّا يحبونك!

- بل بكوا من أجل أنفسهم، فهم يتجمّلون بالبكاء، هكذا يصيرون سُعداء

- وأنتِ لماذا فعلتِ الخير؟

- لا أعرف! كأني لم أكن أفعله، كأن آخر داخلي هو من يريد، أنا كنت أريد أشياءًا أخرى.

ثم تألمت:

- أه.. ظهري يؤلمني.. والحساب لم يأت بعد!

- سأطالبهم بمقابلة الرب نفسه، سأشرح موقفي، أنا أستحق الجنة، أنا متأكد من ذلك.

مثل ابتسامة انبسطت على شفتيه، وقد استرد بعض طمأنينته يواجه بها خوفه الذي لم ينقطع.

ومن عمق الظلام طرق وقع أقدام على أذنيه مثل هولٍ قادم، تلاشت كل طمأنينته، ألقى الحارس قطعة الخبز سريعاً ومسح كفّيه وازدرد ما كان بفمه، وتظاهر بالمثول لخدمة الحراسة.

كان الدبيب يعلو كالقدر المحدق، والصوت يأتي من كل الجهات ليصل إلى أذنيه كنذير، لم يكن سوى بضع خطوات حتى تقف الأقدام أمامه حاملةً كل خيالات الهول والعذاب.. انقبض صدره ونفرت عروقه، وأحس بالعجز التام، وأشفق من أنه لن يستطيع تقديم طلبه بمقابلة الرب، أغمض عينيه وأخذ نفساً عميقاً كآخر حيله لمواجهة خوفه، ولما فتحهما وهو يزفر هواء صدره المحبوس، انتبه إلى السماء المُخضبة بحمرة الشفق تملأ الأفق كالسيل، وعلى الأرض المنبسطة تحته؛ نباتات الصبار الصامتة صمت الموتى مُوزعة بشكل يزيد الخواء في داخله، وتلك الأبنية القصيرة بدت مُنغلقة على نفسها مُكتفية بأسرارها، ثُم تناهى إليه صياحٍ مفتّت باقٍ من مسيرٍ يمضي إلى الزوال، لمح ذيله ينزوي خلف كثبان بعيدة، مال برأسه نحو بهو السيدة المُغطّى بالحجارة وتمتم في خشوع وإشفاق:

(الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * .....)

الأربعاء، 26 يونيو 2013

قــمــر


- يا قمر أخبرني ما حالَك، أم أنَّك مللت الليل الحالِك.

- صوتك جميل

- أنتِ أنثى رائعة، وشَعرك رائع، ألا تودين الغناء معي؟

- بلى، لكن صوتي لن يعجبك

- وهل يعجبك صوتي؟

- جدًّا!

- يا قمر أخبرني ما حالَك، أم أنَّك مللت الليل الحالِك.

- رائع

- فقدت الشهية منذ يومين!

- كفى الله الشر، لماذا؟

- أول أمس أيقظوني وأخبروني أني متُّ، فضحكت، لكنهم أصروا أني متُّ، فقهقهت، ضربوني على رأسي ولم أشعر بالألم، فأيقنت أني متُّ.

- من هؤلاء؟

- المباركون، على رؤوسهم هالات من القش، ومن أفواههم يتدلى الروث

- لا أعرفهم، لكن لا تصدقهم أنت في أحسن أحوالك

- واليوم استيقظت وأنا ظمآن، لكني احتقرت الحياة منذ مت، والآن لا أعرف.. أريد أن أهشم رأسي، إنها كبيرة ولا تنفعني في شيء.

- تهشم رأسك؟!

- نعم، لا فائدة تُرجى منها.

- والغناء؟!

- دعيني ألثم جيدك!

- أنت عربيد

- لكنك مدهشة

- أنت عربيد

- يا للثمالة! لم أشرب منذ يومين، والآن أشعر بالثمالة

- أتعرف، أنت لطيف

- لكني لست مدهش مثلك

- يكفي اللُطف، الحياة تستمر باللُطف

- لكني مت، لست لطيفًا على أية حال.. رباه، ما اسمي؟!

- ما رأيك في لطيف؟

- لا بأس به.. ما اسمك أنت؟

- قمر

- يا قمر أخبرني ما حالَك، أم أنَّك مللت الليل الحالِك.

الاثنين، 24 يونيو 2013

طقوس اليأس والنسيان

لم يكن شين مجرد محب للعزلة فقط كما أُشيع عنه، فقد مكث فى حجرته ما يربو على عشر سنوات وحيداً بعد أن فقد كل أسرته، ظلّ طيلة تلك الفترة صامتاً لا يتكلم.. وصل جنونه بعزلته بعد أن فقد الأمل فى كل شيء، إلى أن صنع من طين البركة التى أمام منزله، بعد ليلة ممطرة، تمثالاًَ مكوناً من تسع كرات مصطفة فوق بعضها فى شكل هرمىّ قاعدته أربع كرات وقمته كرتان، ثم، ولولعه بعزلته وكراهيته لآماله، سمّى هذا التمثال الغريب إله العزلة، وصار هو يتعبد هذا الإله...
    استحدث طقوساً لم تكن موجودة فى أى دين من قبل، ومما جعل الأمر يسيراً عليه أنّ كل الأديان فى نظره متشابهة وسبب صراعها هذا التشابه، لذلك فإنه رأى أنه من الحكمة أن يكون إله عزلته هذا لا يُشبه أى إله حتى لا يدخل فى صراعات مع الآلهة الأخرى، وكيف يحدث هذا وهو إلهاً للعُزلة!
كان من أهم هذه الطقوس أن يستيقظ كل صباح ويقف قبالته ويتخلص من جميع أمنياته مردداً: إلهى.. إن كانت لى أمنية فاقتلها، فقد وهبت نفسى لك، سأكون أنا الكرة العاشرة على قمتك المقدسة، مُستقبِلاً ضوء الشمس... الشمس التى خلقتها من العُزلة السرمدية! ثُم يرفع رأسه لأعلى ليذوب فى أفكاره الروحانية الكليمة، وقبل أن يُسبل عينيه على الأشياء يرى صورة معلقة على الحائط لامرأةٍ تتوسط فتاتين، جميعهن يبتسمون، استوقفته الصورة ونسى طقوسه، لا يتذكر أيّا من فى الصورة، حاول فقط تقليد الابتسامة التى على وجوههن، مطَّ شفتيه فانفرجت بحذر، ولما انتهى إلى رسمها على وجهه وبدا أنه نجح فى تقليد ابتسامتهن، تشققت شفتاه وتوالت منها قطرات الدم على الأرض وعلى تمثاله الطينىّ، تأوّه ألماً وأخذ يتحسس شفتيه، نظر إلى إلهه فهاله منظر قطرات الدم على قمته، فسقط جاثياً على ركبتيه منكّساً رأسه، وبكى بحرقة: إلهى.. كيف لا ترحمنى وأنا المُقدِّس لملكوت عُزلتك، كيف لا ترحمنى وأنا عبدك الوحيد فى كون من الضجيج، ثم قام مُنفعلا واقتلع الصورة من الجدار وقام بتكسيرها تحت وطأة غضبه وخوفه من إلهه، وهو يتمتم بلعنات على بسمات البشر، وتراتيل خاصة بإلهه لأنه عصاه بالابتسام، فقد تمنى بها السعادة!
   قام يمسح بيديه المرتعشتين تمثاله الطينى من الدم، وهو يخشى أن يتهدم غضبا عليه أو أن تتحول عزلته إلى جحيم، كان عسيرا عليه أن يبكى وشفتاه جافتان لا يمكنها النبس إلا بتراتيل إلهه الجافة فهى تراتيل ليست بالضحك ولا بالبكاء، لكنه مع ذلك بكى وشفتاه صامتتان، ولم يستطع منع دموعه من أن تسقط على التمثال وهو يمسحه، فكان يمسحه من الدمع والدم معاً، كانت رؤيته على تلك الحال تُبكى كذلك، وكيف لا وأنت ترى إنساناً يبكى بشفتين ميتتين، فكأنما أُلصِقتا على وجهه رغما عنه !
بعدما انتهى من مسح التمثال وبدا نظيفا، جلس إلى جواره ونظر إليه ملياً، ثم وضع كفه على قمته، وتمتم:
-        قمتى المقدسة، أنتِ قمتى المقدسة، ليس لدىّ شكّ !
يوما ما سأكون هاهنا على القمة المقدسة، وأنا أستقبل ضوء الشمس..
ثم يصير صوته أكثر خفوتاً ووهناً:
-         الشمس التى.. خُلِقَت.. من العزلة السرمدية..
 ثم فجأة خبّأ وجهه بين كفيه وانهمر فى البكاء كأنما لم يبكِ من قبل، مغمغماً بكلام غير مفهوم، ثم كشف عن وجهه الذى ضربته حُمرة قانية وعينيه التى اتقدت من شرر الغضب، بدا أنه قد أخذ قراراً ما لا رجعة فيه، ظلَّ ساكناً لبرهة ثم فجأة أطاح بيديه التمثال بكل قوة فتفرقت الكرات التسع فى جوانب الحجرة، ارتطمت بالحائط وتكسر بعضها وتفرقت فتاتها، كان مشهدا قاسيا عليه أن يرى إلهه يتكسر أمامه، ذلك الإله الذى صنعه فى يومٍ ما بيديه ليقتل كل آماله التى لا تتحقق أبداً.. تذكر شفتيه، ثم تذكر الصورة، كانت تغطيها فتات الطين، سار بحذر نحوها والتقطها، مسح ماعليها من طين، مرر إصبعه ببطء على شفاههن، ارتجفت شفتاه فآلمته.. ثم قرر أن يأخذ البسمة وحدها.
   وضع المقص عند حافة الصورة، تماما بجوار الفتاة التى على يمينهم، لقد استأثَرَتْها الشمسُ بكلِّ وهجِها، بسمتها أكثر إشراقا من الشمس.. بحذرٍ سار المقص حول شفتيها حتى صارت بسمتها وحدها على كفه، تأملها ملياً، وبحركة غير إرادية تحركت شفتاه بقوة، زرّت عيناه وضغط بكفه على شفتيه من الألم.. نظر إلى بسمتها، ثم إلى كفه المرسوم عليه شفتين من الدم، شعر برغبة فى البكاء لأنه لايستطيع أن يبتسم ولا حتى أن يبكى.. نظر إلى وجهه فى المرآة، شعر بنفسه غريبا، لا يتذكر شيء عن نفسه، ثم رفع يده الممسكة بالابتسامة أمام وجهه، نظر إلى شفتيه وإلى الابتسامة، ثم ألصقها على شفتيه، كان الدم كفيلا بذلك.. فتحققت له أول أمنية، ومما جعله سعيداً أكثر أنه لم يكن يتذكر شيئا، فقد كان عائشا على النسيان!

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...