السبت، 21 سبتمبر 2013

رأيت حواء، أو مرثية الفردوس

موسيقى الخلفية (عزف الجوقة)



رَأَيْتُ حَوّاء



حواء..

أنا أبيكِ وأنتِ ضلعى المأخوذُ من جنبى
أنا ربُّكِ
وإلهُنا روحٌ تسرى بين شفتىّ وشفتيكِ
أنتِ فتاة الكونِ الأولى
والجمال المقدس الأعلى
يا من سعى جمالك فى مجرى الحياة البدء
إلى الحياة السرمدية اللامنتهى
يا عنفوان النّهدِ المجلجِل
للحب الأرعن داخل عشقى المجوسىّ
يا سماء ظللت بآهاتها سكرات الموت
المأخوذ من قوتى الثكلى
طريق العشق الثائر يبدأ من جيدِك
لينتهى عند أصابع قدميك الوردية
مروراً بأحلى منابع الشهد فيكِ
عيناكِ النائمتان بأحلى جفنين مزركِشين
هما اليقظة داخل سراديبى المخبأة تحت خجلى
وأنت سِرُّ الخجل



جئت أذكّرك بأيام العهد الضائع

بزهرة الفردوس حين أحيتها قطفتك
بفراشات حملت لون شعرك وعينيكِ 
ولون طرقاتك المباحة
إلى السكون الخالد فى جنتك
ولون السر الأعظم على شفتيكِ
جئتُ أحمل كلَّ أحزانِ البشر
على فردوسنا الذى فُقِد
على نهرٍ خبأ مداعبات مَلَكَين
لم يعرفا معنىً للخطيئة
ورشفا الشهد من كل الطرق
جئت أذكّرك بظبية التفت حول قدّك
تطلب الدلل
وليث يأكل الأخضر
خلف زهور الأوركيد
يشعر بالملل
لا يطلب سوى أنثاه
خلف مروجِ الفردوس الممتدة إلى عين الرب
جئت أذكّرك بعناقٍ حار بعد سُقى الورد
وبزفرةٍ خرجت من بين شفتيكِ إلى صدرى المتّقد
جئت أمسح عن عينينا معنى الخطيئة
فردوسنا بلا معانٍ للخطيئة
حواء.. أنت ضلعى المُفتَقَد

الخميس، 22 أغسطس 2013

برزخية



مرّت أمامه الجنازة مهيبة تسير في تؤدة، تحمل سحابات الحزن السوداء، وأبواق الهول على جانبيها تنوح بمرارة. ألقى ما كان بيده من خبز محشو باللحم واندسّ بينهم وحاول تنسّم الحزن مع الهواء، مشى بنفس التؤدة، سأل مُجاوره من يكون الفقيد، ولماذا يجُرُّونه هكذا، كشف الرجل، عن عينيه الحمراويتين، منديلاً مخضلاً بالدموع، وقال متأثراً:

- إنها سيدة الحي كله، لن يعوضها الزمن!

- ولكن لماذا يجرونها هكذا، هل هذه طقوس الحي؟

- لا، بل إنها تزن خمسمائة رطل، وأخذتنا الحيرة في طريقة حملها، عجزت النعوش وفرّ الحمالون، فلم نجد سوى جرها هكذا!

- وكيف ستدفنونها؟

- سيكفيها قبران أو ثلاثة

ثم رفع منديله حتى غطى أنفه وعينيه، ولاذ بالحزن.

حار الرجل في أمرهم، وفكر أنهم مُخادعون، فكيف يبكون عليها وهم يجرونها على التراب هكذا إلى مثواها الأخير كأنهم يتخلّصون منها، ثم ما لبث أن غاص في القلق حين تذكر أنه الآخر يقترب من وزن الأربعمائة رطل، حاول التملص بجسده من بينهم لكنهم كانوا يدفعونه دفعاً إلى الأمام رغم بطئهم، استسلم لهم وسار بوجه شاحب وعينين غائرتين في القلق.

أمام قبرٍ واسعٍ كالبهو دفعوها وغطوها بالرماد والحجارة، واندفعت نسوة متأهبة بالصراخ والعويل، بينما الرجال مطرقون يتأملون الحال والمآل، رفع أحدهم عقيرته يُذكّرهم: لا دايم إلا وجه الله.

فأمّن خلفه الرجال في هدوءٍ عميق ينضح بالأسى: لا إله إلا الله.

تفرقت نظراته بين القبور الصامتة غير الآبهة بالعويل المسترسل.. اطمأن قلبه لسببٍ غامض وامتد تأمله إلى أبعد من الزمان والمكان حتى خمد حاضره الصاخب بالحزن...

.............


نبش في الظلام عن أي شيء يتشبث فيه... ما هذا؟ ولماذا اللون الأسود؟

لاح له شبحٌ يسير ذهاباً وإياباً في خطواتٍ منتظمة، صاح:

- يا هذا.. من أنت؟ وأين أنا؟

- لا تتعجل.. الحساب يأتي على مهلٍ

- أي حساب؟!

- أوراقك ليست بحوزتي أنا هنا فقط لترويض ثعبانك، أنا حارس القبر يا هذا!

في البدء أحسها دعابة، حتى أن وجهه ندّ عن ابتسامة باهتة، إلا أن الصوت الذي انقطع كان أقوى وأصدق من السواد نفسه.. حاول الدفاع عن نفسه، حاول أن يصرخ، ثم حاول أن يتملص بجسده ويهرب، لكنه عجز.. أذعن للموت، وتساءل في يأس تام:

- من سيحاسبني؟

- مندوب الرب.

وعند ذِكر اسم الرب ندّت عن قبره هزة عنيفة، وتطلعت رأسه بطريقة عفوية، مدفوعة بالخوف، لأعلى، فلم يكن سوى الظلام الذي كان يملأ القبر. سأل الحارس، وكان يتناول شيئاً يُشبه الخبز:

- هل تعرف تهمتي، أقصد يعني أنني لم أشعر بالموت وكذلك الحياة، ولا أعرف لنفسي خطيئة، فقد عجزت عن ارتكاب الخطايا، واستسلمت لفعل الخير، فالعدل يقضي إذن بالجنة؟

تكلم الحارس وشدقاه يموجان بتناول الخبز:

- سمعتهم يتهامسون بأنك أخذت ثلاثة قبور، وهذا أكبر من حقك، فجاز عليك عقاب من يأخذ حق الغير!

- "أنا أيضا كنت أفعل الخير كثيراً".. صوت امرأة ينصبُّ في أذنيه لا يعرف من أين 

أتى.
- من؟

- أنا التي جرّوها!

صمت وشعر ببعض الحرج، ثم قال:

- لقد بكوا كثيراً، كانوا حقّا يحبونك!

- بل بكوا من أجل أنفسهم، فهم يتجمّلون بالبكاء، هكذا يصيرون سُعداء

- وأنتِ لماذا فعلتِ الخير؟

- لا أعرف! كأني لم أكن أفعله، كأن آخر داخلي هو من يريد، أنا كنت أريد أشياءًا أخرى.

ثم تألمت:

- أه.. ظهري يؤلمني.. والحساب لم يأت بعد!

- سأطالبهم بمقابلة الرب نفسه، سأشرح موقفي، أنا أستحق الجنة، أنا متأكد من ذلك.

مثل ابتسامة انبسطت على شفتيه، وقد استرد بعض طمأنينته يواجه بها خوفه الذي لم ينقطع.

ومن عمق الظلام طرق وقع أقدام على أذنيه مثل هولٍ قادم، تلاشت كل طمأنينته، ألقى الحارس قطعة الخبز سريعاً ومسح كفّيه وازدرد ما كان بفمه، وتظاهر بالمثول لخدمة الحراسة.

كان الدبيب يعلو كالقدر المحدق، والصوت يأتي من كل الجهات ليصل إلى أذنيه كنذير، لم يكن سوى بضع خطوات حتى تقف الأقدام أمامه حاملةً كل خيالات الهول والعذاب.. انقبض صدره ونفرت عروقه، وأحس بالعجز التام، وأشفق من أنه لن يستطيع تقديم طلبه بمقابلة الرب، أغمض عينيه وأخذ نفساً عميقاً كآخر حيله لمواجهة خوفه، ولما فتحهما وهو يزفر هواء صدره المحبوس، انتبه إلى السماء المُخضبة بحمرة الشفق تملأ الأفق كالسيل، وعلى الأرض المنبسطة تحته؛ نباتات الصبار الصامتة صمت الموتى مُوزعة بشكل يزيد الخواء في داخله، وتلك الأبنية القصيرة بدت مُنغلقة على نفسها مُكتفية بأسرارها، ثُم تناهى إليه صياحٍ مفتّت باقٍ من مسيرٍ يمضي إلى الزوال، لمح ذيله ينزوي خلف كثبان بعيدة، مال برأسه نحو بهو السيدة المُغطّى بالحجارة وتمتم في خشوع وإشفاق:

(الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * .....)

الأربعاء، 26 يونيو 2013

قــمــر


- يا قمر أخبرني ما حالَك، أم أنَّك مللت الليل الحالِك.

- صوتك جميل

- أنتِ أنثى رائعة، وشَعرك رائع، ألا تودين الغناء معي؟

- بلى، لكن صوتي لن يعجبك

- وهل يعجبك صوتي؟

- جدًّا!

- يا قمر أخبرني ما حالَك، أم أنَّك مللت الليل الحالِك.

- رائع

- فقدت الشهية منذ يومين!

- كفى الله الشر، لماذا؟

- أول أمس أيقظوني وأخبروني أني متُّ، فضحكت، لكنهم أصروا أني متُّ، فقهقهت، ضربوني على رأسي ولم أشعر بالألم، فأيقنت أني متُّ.

- من هؤلاء؟

- المباركون، على رؤوسهم هالات من القش، ومن أفواههم يتدلى الروث

- لا أعرفهم، لكن لا تصدقهم أنت في أحسن أحوالك

- واليوم استيقظت وأنا ظمآن، لكني احتقرت الحياة منذ مت، والآن لا أعرف.. أريد أن أهشم رأسي، إنها كبيرة ولا تنفعني في شيء.

- تهشم رأسك؟!

- نعم، لا فائدة تُرجى منها.

- والغناء؟!

- دعيني ألثم جيدك!

- أنت عربيد

- لكنك مدهشة

- أنت عربيد

- يا للثمالة! لم أشرب منذ يومين، والآن أشعر بالثمالة

- أتعرف، أنت لطيف

- لكني لست مدهش مثلك

- يكفي اللُطف، الحياة تستمر باللُطف

- لكني مت، لست لطيفًا على أية حال.. رباه، ما اسمي؟!

- ما رأيك في لطيف؟

- لا بأس به.. ما اسمك أنت؟

- قمر

- يا قمر أخبرني ما حالَك، أم أنَّك مللت الليل الحالِك.

الاثنين، 24 يونيو 2013

طقوس اليأس والنسيان

لم يكن شين مجرد محب للعزلة فقط كما أُشيع عنه، فقد مكث فى حجرته ما يربو على عشر سنوات وحيداً بعد أن فقد كل أسرته، ظلّ طيلة تلك الفترة صامتاً لا يتكلم.. وصل جنونه بعزلته بعد أن فقد الأمل فى كل شيء، إلى أن صنع من طين البركة التى أمام منزله، بعد ليلة ممطرة، تمثالاًَ مكوناً من تسع كرات مصطفة فوق بعضها فى شكل هرمىّ قاعدته أربع كرات وقمته كرتان، ثم، ولولعه بعزلته وكراهيته لآماله، سمّى هذا التمثال الغريب إله العزلة، وصار هو يتعبد هذا الإله...
    استحدث طقوساً لم تكن موجودة فى أى دين من قبل، ومما جعل الأمر يسيراً عليه أنّ كل الأديان فى نظره متشابهة وسبب صراعها هذا التشابه، لذلك فإنه رأى أنه من الحكمة أن يكون إله عزلته هذا لا يُشبه أى إله حتى لا يدخل فى صراعات مع الآلهة الأخرى، وكيف يحدث هذا وهو إلهاً للعُزلة!
كان من أهم هذه الطقوس أن يستيقظ كل صباح ويقف قبالته ويتخلص من جميع أمنياته مردداً: إلهى.. إن كانت لى أمنية فاقتلها، فقد وهبت نفسى لك، سأكون أنا الكرة العاشرة على قمتك المقدسة، مُستقبِلاً ضوء الشمس... الشمس التى خلقتها من العُزلة السرمدية! ثُم يرفع رأسه لأعلى ليذوب فى أفكاره الروحانية الكليمة، وقبل أن يُسبل عينيه على الأشياء يرى صورة معلقة على الحائط لامرأةٍ تتوسط فتاتين، جميعهن يبتسمون، استوقفته الصورة ونسى طقوسه، لا يتذكر أيّا من فى الصورة، حاول فقط تقليد الابتسامة التى على وجوههن، مطَّ شفتيه فانفرجت بحذر، ولما انتهى إلى رسمها على وجهه وبدا أنه نجح فى تقليد ابتسامتهن، تشققت شفتاه وتوالت منها قطرات الدم على الأرض وعلى تمثاله الطينىّ، تأوّه ألماً وأخذ يتحسس شفتيه، نظر إلى إلهه فهاله منظر قطرات الدم على قمته، فسقط جاثياً على ركبتيه منكّساً رأسه، وبكى بحرقة: إلهى.. كيف لا ترحمنى وأنا المُقدِّس لملكوت عُزلتك، كيف لا ترحمنى وأنا عبدك الوحيد فى كون من الضجيج، ثم قام مُنفعلا واقتلع الصورة من الجدار وقام بتكسيرها تحت وطأة غضبه وخوفه من إلهه، وهو يتمتم بلعنات على بسمات البشر، وتراتيل خاصة بإلهه لأنه عصاه بالابتسام، فقد تمنى بها السعادة!
   قام يمسح بيديه المرتعشتين تمثاله الطينى من الدم، وهو يخشى أن يتهدم غضبا عليه أو أن تتحول عزلته إلى جحيم، كان عسيرا عليه أن يبكى وشفتاه جافتان لا يمكنها النبس إلا بتراتيل إلهه الجافة فهى تراتيل ليست بالضحك ولا بالبكاء، لكنه مع ذلك بكى وشفتاه صامتتان، ولم يستطع منع دموعه من أن تسقط على التمثال وهو يمسحه، فكان يمسحه من الدمع والدم معاً، كانت رؤيته على تلك الحال تُبكى كذلك، وكيف لا وأنت ترى إنساناً يبكى بشفتين ميتتين، فكأنما أُلصِقتا على وجهه رغما عنه !
بعدما انتهى من مسح التمثال وبدا نظيفا، جلس إلى جواره ونظر إليه ملياً، ثم وضع كفه على قمته، وتمتم:
-        قمتى المقدسة، أنتِ قمتى المقدسة، ليس لدىّ شكّ !
يوما ما سأكون هاهنا على القمة المقدسة، وأنا أستقبل ضوء الشمس..
ثم يصير صوته أكثر خفوتاً ووهناً:
-         الشمس التى.. خُلِقَت.. من العزلة السرمدية..
 ثم فجأة خبّأ وجهه بين كفيه وانهمر فى البكاء كأنما لم يبكِ من قبل، مغمغماً بكلام غير مفهوم، ثم كشف عن وجهه الذى ضربته حُمرة قانية وعينيه التى اتقدت من شرر الغضب، بدا أنه قد أخذ قراراً ما لا رجعة فيه، ظلَّ ساكناً لبرهة ثم فجأة أطاح بيديه التمثال بكل قوة فتفرقت الكرات التسع فى جوانب الحجرة، ارتطمت بالحائط وتكسر بعضها وتفرقت فتاتها، كان مشهدا قاسيا عليه أن يرى إلهه يتكسر أمامه، ذلك الإله الذى صنعه فى يومٍ ما بيديه ليقتل كل آماله التى لا تتحقق أبداً.. تذكر شفتيه، ثم تذكر الصورة، كانت تغطيها فتات الطين، سار بحذر نحوها والتقطها، مسح ماعليها من طين، مرر إصبعه ببطء على شفاههن، ارتجفت شفتاه فآلمته.. ثم قرر أن يأخذ البسمة وحدها.
   وضع المقص عند حافة الصورة، تماما بجوار الفتاة التى على يمينهم، لقد استأثَرَتْها الشمسُ بكلِّ وهجِها، بسمتها أكثر إشراقا من الشمس.. بحذرٍ سار المقص حول شفتيها حتى صارت بسمتها وحدها على كفه، تأملها ملياً، وبحركة غير إرادية تحركت شفتاه بقوة، زرّت عيناه وضغط بكفه على شفتيه من الألم.. نظر إلى بسمتها، ثم إلى كفه المرسوم عليه شفتين من الدم، شعر برغبة فى البكاء لأنه لايستطيع أن يبتسم ولا حتى أن يبكى.. نظر إلى وجهه فى المرآة، شعر بنفسه غريبا، لا يتذكر شيء عن نفسه، ثم رفع يده الممسكة بالابتسامة أمام وجهه، نظر إلى شفتيه وإلى الابتسامة، ثم ألصقها على شفتيه، كان الدم كفيلا بذلك.. فتحققت له أول أمنية، ومما جعله سعيداً أكثر أنه لم يكن يتذكر شيئا، فقد كان عائشا على النسيان!

الجمعة، 31 مايو 2013

مختصر تاريخ العالم

مختصر تاريخ العالممختصر تاريخ العالم by Ernst Hans Josef Gombrich
My rating: 1 of 5 stars

هناك سبب وجيه لمنح كتاب يستحق خمس نجوم نجمة واحدة!
ــــ
ولأنه كان حفل تاريخىّ بمعنى الكلمة؛ فقد كان كل الضيوف حاضرون؛ المتعة، التشويق، السرد، والمعلومات (هؤلاء الضيوف أرفع لهم القبعة، تستحقون الخمس نجوم)
غير أن هناك ضيفاً كان غائباً، على الأرجح لا تخلو معظم كتب التاريخ من غيابه، هذا الضيف هو الحيادية، لو كان الأمر مجرد غياب لاكتفينا بالصمت ومعه خمس نجوم صامتة مثله، أما أن يحل محله تحيز.. تحيز سخيف.. تحيز أعمى .. فإنى، ورضوخا لضغطى الذى ارتفع، اكتفيت بنجمة وحيدة (انخفض يا ضغط)
ــــــــــ
لنبدأ بالنجمة:

أولا الكتاب اسمه "مختصر تاريخ العالم" وهذا خطأ فادح... لأن الأصح هو مختصر تاريخ أوروبا!
لأنه حتى مع ذكر النذر اليسير عن الحضارات الأخرى كان ذكرا مهمشا، الحضارة الفرعونية، الحضارة الفينيقية، بابل وآشور، الصينية والهندية (الإنكا لم يأت ذكرها) كل تلك الحضارت مجتمعة لا تُقارن بما كُتِب عن أوروبا... لكننا قد نقول أنها حضارات قديمة عفا عليها الزمن ولم تترك سوى الحجارة والأساطير! إليك مفاجأة من العيار الثقيل: لم يٌكتب حرفٌ واحد عن حضارة العرب!
ففى الوقت الذى حقق فيه العرب معجزة حضارية سجلها لهم التاريخ فى أقصر مدة تاريخية، فى الوقت الذى كان علماء بغداد وقرطبة والقاهرة يحملون على عاتقهم مهمة الحضارة البشرية التى كانت ستضيع لولا ترجماتهم ومؤلفاتهم، فى الوقت الذى كانت بغداد فى عهد هارون الرشيد حاضرة العالم ومركز العلم والأدب، فى كل تلك الأوقات لم يتحدث جومبريتش (وهو يهودى رغم كرهى للتصنيفات العرقية) عن العرب، بل تحدث عن (عبقرية) شارلمان، تحدث عن كيف أن هارون الرشيد (بجلالة قدره) خاف من شارلمان وتحاشى شره وسمح للمسيحيين بزيارة بيت المقدس، خوفا من جيوش شارلمان (الفتاكة).. (أى عهر هذا الذى تمارسونه مع التاريخ.. تبا لكم.. هتخلونى أعادى السامية، حتى السامية فهى اختراع يهودى, فكلنا فى الحقيقة أبناء سام )
أما عن الدعوة الإسلامية، فأنا لا أناقش معتقد يعتقده المرء (سواء ملحد أو من أنصار المادية) لكن الافتراء ليس معتقد، فليس أجلّ من أن تقرأ خطبة الوداع: حرمة الدم، حرمة الربا، معاملة النساء بالحسنى، (عامة المعاملات بين المسلمين)
لكن أن يذكر أن خطبة الوداع، جاءت فقط لتبيح دم الكافر، والصلاة خمس مرات يوميا... فذلك هو الافتراء المبين (سحقا لوساخة اليهود)
......
بالطبع ذَكر المغول، وبالطبع لم يذكر أنهم حتى مروا ببغداد!!
لكنه اكتفى ب (إن خطرا عظيما آتٍ من الشرق إلى أوروبا) ... يا الله.. أىّ شيطان كتب هذا الكتاب..
ـــ
الحروب الصليبية: نعم، ذكر أنهم عاثوا فسادا فى أرض المسلمين وذبحوهم (فى نصف سطر هكذا) ... لكن، عاد الصليبيون لرشدهم واستغفروا ربهم من هذا الذنب العظيم..
(عزيزى الكاتب إن فى بلاد العرب بشر !)
ـــــ
لم يذكر قيام الدولة العثمانية، وهذا طبيعى بعد أن أغفل الحضارة العربية، لكن على كل حال فقد كان سليمان المعظم رجل حقير فى نظره !
ــــ
هل تستطيع الآن أن ترسم صورة للأندلس وبغداد هارون الرشيد (ارسمهم فى عقلك الآن) ثم ارسم أوروبا العصور الوسطى (همجية، محاكم تفتيش، قتل، ذبح، دم)... ثم اقرأ:
".. واصل الأتراك انسحابهم. ولو أنهم نجحوا فى الاستيلاء على فينا لكان الوضع مروعا بذات الدرجة التى سيكونها لو أن المسلمين العرب هزموا تشارلز مارتل فى تور بواتيه منذ ألف سنة مضت." (!!!!!!!) (أتساءل: هل وصلته أخبار أسبانيا أيام حكم العرب ؟!!! )
ــــ
ثم لم يذكر قيام دولة إسرائيل !!
ـــــ
خصص الكاتب الفصل الأخير والأهم للحديث عن معاناة اليهود أيام هتلر (عشر صفحات تقريبا)
أتذكرون ما قاله عن الحرب الصليبية: لقد أنهى معاناة العرب بتوبة الصليبيين وعودتهم للرب...
لا أعرف لماذا لم تنتهِ معاناة اليهود بعد أطول توبة فى التاريخ (توبة ألمانيا لإسرائيل)، فهو يبدو فى هذا الفصل كمن يريد أن يقتلع اعترافا من العالم بأن اليهود ظُلِموا وقد آن الوقت ليستردوا كل مافاتهم !!
ــــ
إذن فالكتاب موجه للنشء، والكاتب يهودى، والكتاب واسع الانتشار... هى لعبة حقيرة لتشكيل عقول قراء (من المفترض أنهم فى طور التنشئة) هذا ما يسمونه بالتزوير التاريخى !
ـــــ
أما عن إيجابيات الكتاب (الخمس نجوم)
فهى تلك الإيجابيات التى تحصل عليها من كل كتب التاريخ عامة، (لكن أهمها بالذات) كل هذه المعلومات المكثفة التى تحصل عليها من كتاب مختصر عن التاريخ..

لكن الميزة الأساسية والفريدة فى الكتاب، أنها أكدت لى: أنه لم يدنس تاريخ البشرية ولم يملأها بالشر ولم يكتب تاريخها بالدم سوى العرق الأوروبى، سوى هذا الرجل الأبيض الحقير، اقرأ ما فعلوه فى حضارات العالم المنعزلة، ما فعلوه فى المكسيك، فى الهند, مصر، جنوب إفريقيا.. مافعله مع الصينيين(حرب الأفيون) ، مع الهنود الحمر.. اقرأ ما فعله فى كل مكان وطأته قدماه حتى تقدر كل هذا الشر المكنون.. يمكنك أيضا أن تقرأ (وتشاهد) مايفعله الآن !!



View all my reviews

الأحد، 19 مايو 2013

وأنا اخترت الحلم.. مجموعة قصصية

وأنا اخترت الحلم

فنجانُ القهوةِ الأخيرِ



كانَ يدخنُ سيجارتَهُ، ينتظرُ القهوةَ التى على النارِ، ظلَّ ينادى ابنهُ الذى يلعبُ الكرةَ فى حوشِ المنزلِ مع أقرانهِ ليصبَّ لهُ القهوةَ بوجههِا الصبوحِ، أرادَ أن يدفنَ القهوةَ بالدخانِ فى صدرهِ، بهذهِ الطريقةِ فقطْ يستطيعُ أنْ يدفَنَ همومَهُ ويختبيءُ منها خلفَ صعودِ الدخانِ العبثىِّ نحو التلاشى، كانَ يؤثرهُما على الرحيلِ، لكنَّه رحلَ دونَ أنْ يشربَ آخرَ فنجانِ قهوةِ.. معَ كلُّ سعلةٍ كانَ صدرَهُ ينشقُّ، كأنما بخنجرٍ يمنىٍّ، وظلّ ينادى ابنهُ، لكنهُ تجاهلهُ لأنهُ لا يحبُّ صبَّ القهوةِ، كانَ صدرهُ لايزال ينشقُّ بِخنجرٍ بعدَ خنجرٍ، حتّى أنهُ عجزَ عنْ الصراخِ، ونسىَ القهوةَ والدخانَ.. نادى ابنهُ للمرةِ الأخيرةِ، كانَ يودُّ فقطْ أنْ يراهُ مدبراً أمامهُ ليصبَّ لهُ القهوةَ، هكذا كانتْ الحياةُ بالنسبةِ إليهِ، وكانتْ المرةَ الوحيدةَ التى لمْ يسمعْ فيها ابنهُ نداءَ أبيهِ والمرةَ الأولى التى يحرزُ فيها هدفاً فى شباكِ الفريقِ الندّ، طغتْ نشوتهُ وهوَ يعدو كمثلِ طائرٍ محلق على صوتِ أبيهِ، وبقدرِ طعنةِ الخنجرِ الأخيرِ المغروسِ فى صدرهِ هَوَتْ قبضتهُ على الأرضِ فصمتَ كلُّ شيءٍ فى أُذنهِ وفارتْ القهوةُ، حينها فقطْ اكتفى ابنهُ بنشوةِ الفوزِ وذهبَ على مضضٍ ليصبَّ القهوةَ لأبيهِ، واستحلفهُمْ ألا يرحلوا لأنهُ سيعودْ..

قيلولة الحاج

فتح عينيه على وهج الشمس وضجيج الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحا...